الحراسة القضائية في القانون الأردني

الحراسة القضائية في القانون الأردني

في هذه الدراسة سنفصل عن الحراسة القضائية في القانون الأردني، وسنبين فيها ما هو المقصود بها وأساسها القانوني، وكيفية قيام الحراسة القضائية وما هي دعواها، ومتى تبدأ وتنتهي وآثارها، وأهم التطبيقات العملية عليها.

جدول المحتويات

الفصل الأول  : المقصود بالحراسة القضائية وأساسها القانوني.

الفصل الثاني : قيام الحراسة القضائية

الفصل الرابع : تطبيقات على الحراسة القضائية

الفصل الثالث : دعوى الحراسة القضائية

الفصل الخامس : ابتداء الحراسة القضائية وانتهاؤها

الفصل السادس: آثار الحراسة القضائية

الفصل الأول    : المقصود بالحراسة القضائية وأساسها القانوني.

المبحث الأول: (مبحث تمهيدي) تعريف الحراسة القضائية.

المطلب الأول: الحراسة القضائية في الفقه الإسلامي.

لما كانت الحراسة القضائية وليدة الضرورات الاجتماعية والاقتصادية، فقد وجب علينا أن نقف على مفهومها في الفقه والشريعة الإسلامية، لأنها المنهل الطبيعي الذي يجب أن يرتشف منه المشرعون في الدول الإسلامية، ولا شك فهي وحي وهدي من نور الإسلام، وقد امتازت بالتعمّق في البحث الفقهي وسلامة النتائج التي وصل اليها فقهاها وعلماؤها في أبحاثهم ومؤلفاتهم.

إن نظام الحراسة القضائية لم يكن مجهولا لدى فقهاء الشريعة الإسلامية، على الرغم من أنها لم تضع للحراسة القضائية قاعدة عامة، الا أن الباحث في مصادر التشريع الإسلامي وأقوال الفقهاء يجد أن الفقه الإسلامي قد قرر لها مبادئ وقواعد بصدد تطبيقات واسعة في مختلف الضرورات العملية، يمكن مقارنتها مع أرقي ما وصل اليه الفقه والقضاء في العصر الحاضر. وتكاد هذه المبادئ والقواعد التي وضعها فقهاء الشريعة الإسلامية للحراسة القضائية تكون في مجموعها نظرية عامة لنظام الحراسة القضائية ([1]). ولما لم يكن المجال واسعا للتحدث عن التطبيقات الواسعة في الفقه الإسلامي، في بحثنا هذا، فقد اكتفينا ببعض المبادئ التي تبين ولو بشكل بسيط مفهوم الحراسة القضائية.

بداية، ورد مصطلح الحراسة في القران الكريم، بقوله جل وعلا: ” وأنــّـا لمسنا السماءَ فوجدناها مُلئتْ حرساً شديداً وشُهُبــاَ” ([2]. وأيضا وردت في السنة النبوية بأحاديث عديدة، منها قوله صلى الله عليه وسلم ((ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة)) ([3]). وأخذ علماء التفسير وشراح السنة – رحمهم الله – في بيان معناها حسب لفظها على أن ها تدل على “الحافظ ” والحفظ والحماية ” وتطلق على ما “يحفظ “. وفي المصنفات الفقهية بين الفقهاء حكم الحراسة وكيّـفو مسائلها انطلاقا من لفظها فقرروا   للحارس أحكاما وقصدوا به: الحافظ – بالأجر أو التبرع – للشيء أو البناء أو الحيوان وغيرها في أبواب الشهادات والمعاملات، مثل صلاة الخوف والأمانة والوديعة. ([4])

ومما يستشهد به من أقوال علماء الحنفية: ((فأما أجر الحارس فهو على الساكن لأنه هو المنتفع)) ([5])، وأيضا ((كان المعنى أن الحارس يسعى لإزالة الخوف من المسلمين)) ([6]) وأيضا غيرهم من العلماء والفقهاء من وضع أحكاما للحراسة ومنهم الشيخ علي حيدر صاحب “كتاب درر الحكام في شرح مجلة الأحكام” فقال في المادة (610): ((الأجير الخاص أمين، فلا يضمن المال الهالك بيده بغير صنعه)) ([7]).

وبهذا المفهوم عرّف احد الباحثين مصطلح الحراسة بانها: ((عقد بمقتضاه يلتزم شخص بحفظ أشياء معينة لقاء أجر معلوم لمدة معلومة)) ([8]).

وأما الحراسة القضائية في الفقه الإسلامي بمصطلحها المعاصر ذهب بعض الباحثين الى انه ليس في الفقه الإسلامي ما يماثلها تماما وانه قد عُرف شيء قريبٌ منها، مثل، كف اليد والوديعة والوكالة والحجر، فتدخل في عموميات الشريعة في جلب المصالح ودفع المضار ([9]).

الا وانه في الواقع ، قرر فقهاء الشريعة الإسلامية الحراسة القضائية وتناولوها تعريفا وشرحا وحكما وترجيحا وقرروا لها مبادئ وقواعد وهي بصدد تطبيقات واسعة في مختلف الضرورات العلمية والتي – كما قلنا – تكون في مجموعها ” نظرية عامة ” لنظام الحراسة القضائية ، ولكن باصطلاح فقهي خاص ،  فسموها مثلا : ” تعديلا ” وبــ ” الإيقاف والعقلة واحيانا الاعتقال أو الحيلولة ” أو بتعبير ” وقف الأمر حتى ..” ، وقد سمّوا الحارس القضائي بـــ ” أمين القاضي و أمين الحاكم ونائب الحاكم واحيانا وكيل القاضي ” ،  وغالبا : ” عدْل وأمين وثقة ” أو ” ثقة عدل أمينة أو مأمونة” ([10]) .

قال الأمام الشافعي – رحمه الله -: ((فلهما وضْـعُه – اي محل الحق والنزاع – على يدي من تراضيا به، وان اختلفا فيمن يدعوان اليه، قيل لهما اجتمعا ، فان لم يفعلا ، اختار الحاكم الأفضل من كل من دعا واحد منهما اليه أن كان ثقة ،  فدفعه اليه ، وان لم يكن واحد ممن دعوا اليه ثقة ، قيل ادعوا غيره ، فان لم يفعلا ، اختار الحاكم له ثقة فدفعه اليه )) ([11])  .

قال الأمام ابن فرحون في فضل توقيف الشيء المدعى فيه: ((واعلم أن الاعتقال والتوقيف لا يكون بمجرد دعوى الخصم في الشيء المدعى فيه ولا يُعقْل على أحد، اي يحجر، بمجرد دعوى الغير فيه حتى ينضم الى ذلك سبب يقوي الدعوى، … فالتوقيف هنا بان يُمنع الذي هو في يده أن يتصرف فيه تصرفا يقيته، كالبيع والهبة، أو يُخرجه به عن حاله، كالبناء والهدم ونحو ذلك من أن ترفع يده عنه. ))([12])

ومن أقوال الفقه الإسلامي أيضا / مصطفى بن عبده السيوطي: ((ومن أقام بيّنة بدعواه وسال حبس خصمه في غير حدّ حتى تزكّى بينته، أجيب ثلاثة أيام  ويقال له أن جئت بالمزقين فيها ، والا اطلقناه – اي الشيء المحبوس- ،  ومن أقام بيّنة وسال ( جعل مدّعى به ) من عين معلومة بيد عدل حتى بينته تزكى أجيب ثلاثة أيام .. وحيل بينه وبينها احتياطا)) ([13]).

عرّف أحد الباحثين الحراسة القضائية بقوله: (أن يُمنع المدعى عليه في التصرف بالشيء المدعى به تصرفا يذهب به كالبيع والهبة، أو يخرجه عن حاله كالبناء والهدم مما يضيع معالمه) ([14]).

((قال الأمام ابن فرحون رحمه الله :  “فإن أقام المُدعى شاهدين لا يعرفهما القاضي ، واحتاج إلى تزكيتهما وخيف فساد المُـدعى فيه ، أمر القاضي أميناً فباعه ، ووضع ثمنه عند يد عدل ، يأخذه من استحقه” ، فبان أن “الغرض من نيابته معاونته” ، فلو : “(… تلف ثمنه في يـد العـدل ثم استُـحق المرهون (المبيع ) فإن شاء المشتري رجع على العدل لوضع يده عليه ” ) ، مع تقصيره وإلا فلا ضمان ؛ لأنَّ “محله إن لم يكن منصوباً من جهة الحاكم ، وإلا لم يكن طريقاً في الضمان ؛ لأنه نائب الحاكم” ، ذلك : “لأن أمين القاضي بمنزلة القاضي  والقاضي كالأمام” ، بل إن : “أمين القاضي قائم مقام القاضي ، والقاضي قـائم مقام الخليفة ، وكل واحد منهم لا يلزمه ؛ لأن لو لزمه الضمان لتقاعدوا عن قبول هذه الأمانة كي لا يلزمهم الضمان ، وتعطلت مصالح المسلمين”.)) ([15] )

اذاً، وبعد هذه اللّفتة السريعة عن بعض ما قال الفقهاء بخصوص الحراسة القضائية يتبين لنا انهها، ” تدبير مؤقت لا يمس موضوع الحق، يفرضها الحاكم حسبةً أو بطلب أطراف النزاع، استعجالاً كوسيلة ضرورية حين قيام نزاع جديّ أو خطر يهدد مصالح العباد بوضعه بيد ثقة أمين نيابةً عن القاضي صيانةً للحقوق الى أن يحسم النزاع ” ([16]).

ويتبين لنا أيضا مما سبق ماهية الحارس القضائي كما وصفه فقهاء الشريعة بانه نائب عن القضاء الذي يوليهِ وظيفتهُ، ومنه يتلقى نيابتهُ ويستمد سلطته ُ ” وهذه هي بعينها نظرية النيابة التي اهتدى اليها أخير ا الفقه الحديث “([17]).

يتضح لنا مما سبق: أركان الحراسة القضائية في الفقه الإسلامي حيث إنها أجراء وقتيّ الغرض منه المحافظة على حقوق أصحاب الشأن حتى ينتهي النزاع بينهم فلا يترتب عليها اي مساس بموضوع الحق بين الخصوم.

ويشترط فقهاء الشريعة للحكم بالحراسة توافر الاستعجال أو الخطر، والتي سيتم مناقشتها وتوضيحها في فصل مستقل من هذا البحث.

محل الحراسة القضائية: أجاز فقهاء الشريعة الحراسة القضائية على المنقول وعلى العقار كما أجازوها على مجاميع الأموال. وكذلك طبق الفقهاء الحراسة على الأشخاص في أحوال خاصة. ([18])

مدى سلطة الحارس القضائي: لم تكن سلطة الحارس القضائي واحدة في جميع الحالات، فهي تختلف تبعا لاختلاف طبيعة المأمورية التي يعهد اليه القاضي بها، فتارةً تقتصر على مجرد حفظ الشيء أو ملازمة الأشخاص، وتارةً تمتد الى إدارة الأموال، وفي بعض الحالات يعهد القاضي الى الحارس بيع الأموال وتوزيع ثمنها على من لهم حق فيها ([19])

وهكذا قد بينا مفهوما بسيطا في الحراسة القضائية في الفقه الإسلامي، فالغاية هنا ليست التوسع فيما جاء به الفقه الإسلامي فهذا يحتاج الى بحوث عديده ودراسات مطولّةٍ ….

المطلب الثاني  :الحراسة القضائية في التشريع الوضعي والفقه والقضاء

لكل لغة مجالها وأطارها الفكري الذي يُلقي بدلالته على اي كلمة ، جاءت الحراسة في  القانون بمدلوله اللغوي بمعنى المحافظة والمناظرة والرقابة ([20])  ، وأما المدلول الاصطلاحي القانوني فيما يخص الحراسة والحارس فلم تتعرض له النصوص في الأنظمة القانونية لتوضيح مدلوليها وماهيتها وعمل على ذلك شرّاح القانون وفقهاه وقضاته ، فكمّلو النقص من باب الاجتهاد – وهذا ما سنوضحه في هذا المطلب- فلذا تعددت التعريفات التي قيل بها تعريفا بمصطلح الحراسة القضائية وماهية الحارس  القضائي ، كل بحسب تقديره والزاوية التي ينظر من خلالها .

الحراسة معروفة منذ قديم الزمان فقد أخذ به القانون الروماني وطبقه قضاة الإسلام وفقهاه ونص عليه القانون الفرنسي

ورأيت من الحَسن المرور على الحراسة القضائية في القانون الروماني ([21]) باعتباره الأساس الأول للقوانين الوضعية العربية والغربية:

فمن حيث طبيعتها: اعتبر القانون الروماني الحراسة القضائية نوعا من الوديعة يأمر بها القضاة بقصد المحافظة على حقوق أصحاب الشأن المتعددين.

ومن حيث محلها: فكانت الحراسة القضائية توضع على المنقول والعقار وكذلك على الأشخاص في حالات خاصة وتقتصر مهمة الحارس فيها على حفظ الشيء وصيانته.

 ومن حيث شروطها: في غالب الأحيان تستند دعوى الحراسة في القانون الروماني الى دعوى مرفوعة أمام القضاء بموضوع الحق وتنتهي الحراسة بالفصل فيها على أن ذلك ليس بشرط أساسي لقبول دعوى الحراسة، فيكون لقبول هذه الدعوى قيام نزاع بين الخصوم ولو لم ترفع به دعوى موضوعية أمام القضاء. بل تجوز الحراسة ولو لم يكن هنالك نزاع. فعند قسمة تركة مثلا يجوز للورثة طلب وضع مستندات التركة المشتركة تحت الحراسة.

ومن حيث سلطة الحارس فيها: فكانت الحراسة القضائية بمثابة أجراء تحفظيّ، الا انه في بعض حالات خاصة فقد يُخوّل الحارس سلطة أوسع من مهمة الحفظ والصيانة، فيعهد اليه القاضي بيع الأشياء محل الحراسة وتسليم ثمنها لمن يقضى له بها من الخصوم.

ومن حيث حالاتها: لم تذكر حالات الحراسة في القانون الروماني على سبيل الحصر بل لقضاء مطلق السلطة في التقدير، فيجوز له أن يأمر بالحراسة في كل حالة يرى فيها أن هذا الإجراء ضروري لضمان حقوق أحد الخصوم.

أما القوانين العربية – واهمها في مجال بحثنا التشريع الأردني– فكان للحراسة حظا يسيرا في تعريفها وأهميتها وتمييزها عن غيرها مما يشتبه بها من إجراءات وعقود والتي سنوضحها في مبحث لاحق من هذا الفصل.

وتظهر أهمية الحراسة القضائية من كونها أجراء مؤقتا يتخذ للمحافظة على حقوق ومصلحة الخصوم حتى يحسم الأمر في أصل الحق أما اتفاقا أو قضاء، والذي قد يستغرق وقتا طويلا ويعرّض بالتالي حقوقهم ومصالحهم للخطر ([22]).

ورغم أهمية الحراسة القضائية لم يرد في القانون المدني الأردني ما يبينها، ولكن قد تُفهم من سطور بعض المواد التي وردت بخصوص الحراسة القضائية والتي سنناقشها في هذا المطلب، وهذا بعينه قصور من المشرع الأردني حيث غفل عن تبيان الأهمية والضرورة لها بوضع نصوص عديدة في هذا الباب يبين فيها ماهيتها وأحكامها والأساس والطبيعة القانونية لها.

أما المشرع المصري – والفقه والقضاء – فقد توسع اكثر من المشرع  الأردني   في  هذا  الموضوع  – على الرغم من أن مصادر القانونين متشابهة – ، وسنستعين به في بيان ماهية الحراسة القضائية وكل ما يخصّها في هذا المطلب وما بعده ، في القانون المدني المصري والفقه والقضاء المصري الذي سد النقص والقصور في التشريعين.

جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي للقانون المدني المصري رقم 131 لسنة 1948 أهمية الحراسة القضائية، بقولها: ” ولكن الحراسة، وعلى الأخص الحراسة القضائية، قد اتخذت في العمل أهمية كبرى، حتى أصبح الخصوم كثيرا ما يلجؤون اليها . وتوسع القضاء في أحوالها، حتى زخرت المجاميع بأحكامه في شأنها وكان أكثر هذا القضاء اجتهاديا لقلة النصوص التي يستند اليها. فكان حريا بهذا المشروع أن ينظر في هذا القضاء ليستنبط منه القواعد والمبادئ التي ينبغي أن يتضمنها التشريع الجديد فيما يتعلق بالحراسة … “. ([23])

لأيضا مفهوم الحراسة القضائية، رأيت انه من الحَسن المرور على القانون المدني الفرنسي والذي هو أيضا مصدر أساسي لأكثر التشريعات العربية، فجاء في المادة 1961 من القانون المدني الفرنسي: ” يجوز للقضاء أن يأمر بالحراسة على: *منقولات المدين المحجوز عليها، * عقار أو منقول متنازع على ملكيته أو على وضع اليد عليه بين شخصين أو أكثر، *أشياء يعرضها المدين لإبراء ذمته “.

جاء في المادة 1962 من القانون نفسه: ” يترتب على تعيين حارس قضائي التزامات متبادلة بينه وبين الحاجز، ويجب على الحارس أن يبذل في سبيل المحافظة على الأشياء المحجوز عليها عناية الرجل المعتاد وهو مكلف بتقديم هذه الأشياء للبيع وأخلاء الحاجز أو ردّها في حالة رفع الحجز، الى الطرف الذي اتخذت إجراءات التنفيذ ضده ويؤدي الحاجز للحارس الأجر الذي يعيّنه القانون “

جاء أيضا في المادة 1963 من نفس القانون: ” يُعهد بالحراسة القضائية الى الشخص الذي يتفق اختياره ذوو الشأن فيما بينهم أو الى من يعيّنه القاضي من تلقاء نفسه وفي كلتا الحالتين يخضع الشخص الذي يُعهد اليه الشيء لجميع الالتزامات التي يخضع لها الحارس في الحراسة الاتفاقية “.

هذه المواد الثلاث الموجودة في القانون المدني الفرنسي عن الحراسة القضائية والذي استقى منه التشريع الحديث في الدول العربية، يقول الدكتور عبد الحكيم فراج: ” يكاد التطابق يكون تامّا بين نصوص القانون المدني الفرنسي وكثير من نصوص القوانين التي استقت منه أحكام     الحراسة“([24])

أن لأهمية هذا النص المتعلق بالحراسة القضائية، وددتّ أن اعرض راي الفقهاء ونظرتهم للنص، فانقسم الفقهاء في تفسيرهم الى ثلاثة أراء ([25]):

الرأي الأول: لقد سارت غالبية الفقهاء في فرنسا جنبا الى جنب مع القضاء الفرنسي على مبدا التوسع في نطاق نظام الحراسة القضائية، وان كان بعض الفقهاء قد ذهب الى تفسير حالات الحراسة بما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 1961 من القانون المدني بحجة أن المشرع الفرنسي الحديث بحصرهِ حالات الحراسة فيها قد قصد الى مخالفة النص العام الذي جاء به المشرع الفرنسي القديم في الأمر الملكي الصادر عام 1667. غير أن هذا الراي لم يُسْدِ قضاءً وراي الفقهاء.

أما الرأي الثاني: كذلك ذهب راي الى أن للمحاكم الحق بالأمر في الحراسة ليس فقط الحالة التي تكون فيها المُلكيّة أو وضع اليد متنازع فيها، ولكن أيضا في كل حالة تقدّر فيها لزوم هذا الإجراء لضمان حقوق الخصوم وللفصل في الدعوى، وذلك عندما يطلب المدعي تعيين حارس أثناء دعوى مرفوعة للحصول على وضع اليد على شيء مادّي، فلا يجوز للقاضي أن يأمر بالحراسة. الا أن هذا الفريق من الفقهاء لم يُسد أيضا في القضاء ولا في الفقه.

أما الرأي الغالب : فقد استقر رايهم على أن التعداد المذكور في الفقرة الثانية من المادة 1961 من القانون المدني الفرنسي ، إنما ورد على سبيل المثال والتشبيه ولم يقصد به الحصر والتقييد ، واستندوا في ذلك الى أن المشرع الفرنسي الحديث وان لم ينقل النص العام الوارد في الأمر الملكي الصادر سنة 1667 ، الا انه لا يوجد في الأعمال التحضيرية في القانون المدني الحديث ما يدل على قصد هذا المشرع مخالفة النص العام المشار اليه آنفاً ، وفضلا عن ذلك فان المشرع الحديث لم يذكر جميع حالات الحراسة في الفقرة الثانية من المادة 1961 قانون مدني ، وإنما ذكر مثالين لحالتين كانتا شائعتين في ذلك الوقت ، وهما : النزاع على الملكية ، و وضع اليد . والدليل على أن ه في ثلاث مواد أخرى من نفس القانون، أجاز الحراسة على الأشياء الخالية من النزاع، وإنما هذا يدل على أن الحالات المذكورة فيها لم ترد على سبيل الحصر وإنما وردت على سبيل المثال والتشبيه. وان للمحاكم سلطة مطلقة في التقدير في تعيين حارس قضائي سواء على أشياء متنازع عليها أو على أشياء غير متنازع عليها. من غير تمييز بين ما إذا كانت الحراسة مطلوبة بدعوى اصليه أو فرعية ما دام لطالب الحراسة مصلحة ماديّة وجديّة وظاهرة في هذا الإجراء، سواء أكان بصفته مدعيا لمُلكيّة الشيء المطلوب وضعه تحت الحراسة أو شريكا فيه أو دائنا لمالكه. “

على أن القضاء في فرنسا لم يتوسع في تفسير النص الى ابعد حد يحتمله وحسب، بل واجه الضرورات العملية التي عرضت عليه وقضى بالحراسة في حالات لم تدخل تحت نصوص القانون كلّما قُـدِّر أن لطالب الحراسة مصلحة مالية جدية ظاهرة من هذا الإجراء، ولم تشترط المحاكم في فرنسا أن يكون الشيء المطلوب وضعه تحت الحراسة متنازعا فيه، بل أجازت وضع الشيء الخالي من النزاع تحت الحراسة اذا كان مخصصا لضمان التزامات المدين ([26]). والناظر في نصوص هذه المواد باعتقادي يخلُص الى ما يلي:

طبيعة الحراسة القضائيّة: لم يبين المشرع الفرنسي في هذه النصوص ماهية الحراسة القضائية وطبيعتها القانونية، وهذا النقص التشريعي قد عانت منه القوانين العربية. وإنما كان هذا البحث من اجل توضيح هذه المسألة وغيرها من المسائل التي عانى منها التشريع الأردني.

محل الحراسة القضائية: ونخلص الى أن محل الحراسة ما نصّت عليه المادة 1969/فرنسي، بفقراتها الثلاث حيث ” يجوز للقضاء أن يأمر بالحراسة على: *منقولات المدين المحجوز عليها، * عقار أو منقول متنازع على ملكيته أو على وضع اليد عليه بين شخصين أو أكثر، *أشياء يعرضها المدين لإبراء ذمته “.

فهنا، المشرع قد بين محل الحراسة القضائية على سبيل المثال والتشبيه كما قال الراي الغالب في الفقه الذي أسلفناه. وكما قال الدكتور عبد الحكيم فراج على أن غالبية الأحكام في فرنسا قد أخذت تتحلل من هذه القيود عن طريق التوسع في عبارات ((الملكية)) و ((وضع اليد)) و ((النزاع)) الواردة في الفقرة الثانية من المادة 1961 من القانون نفسه، فلم تتطلب أن ينصبّ النزاع على ملكية الشيء بأكملها، بل اكتفت أن يكون النزاع منصبّا على جزء غير قابل للقسمة من الملكية أو وضع اليد حتى تامر بالحراسة على وضع الشيء. ([27])

شروط الحراسة القضائية: فالواضح من النصوص ومن الراي الغالب للفقه حول النص الفرنسي، فانه لا يشترط لدعوى الحراسة القضائية سوى وجود مصلحة ماديّة قائمة وظاهرة، سواء بدعوى اصليه ام فرعية، أو على أشياء متنازع عليها ام لا.

  كما قال الراي الغالب في تفسير النص الفرنسي الذي أسلفنا ذِكْرَه: ” وان للمحاكم سلطة مطلقة في التقدير في تعيين حارس قضائي سواء على أشياء متنازع عليها أو على أشياء غير متنازع عليها. من غير تمييز بين ما إذا كانت الحراسة مطلوبة بدعوى اصليه أو فرعية ما دام لطالب الحراسة مصلحة ماديّة وجديّة وظاهرة في هذا الإجراء، سواء أكان بصفته مدعيا لمُلكيّة الشيء المطلوب وضعه تحت الحراسة أو شريكا فيه أو دائنا لمالكه “.

وعن مدى سلطة الحارس القضائي: ويُفهم مما جاء بالنص الفرنسي أن للحارس القضائيّ سلطة محددة، ” فيجب على الحارس أن يبذل في سبيل المحافظة على الأشياء المحجوز عليها عناية الرجل المعتاد ، وهو مكلف بتقديم هذه الأشياء للبيع وأخلاء الحاجز أو ردّها  (في حالة رفع الحجز) الى الطرف الذي اتخذت إجراءات التنفيذ ضده ويؤدي الحاجز للحارس الأجر الذي يعيّنه القانون” . إذا فهو مكلف بحفظ المال وإدارته بطريقة تمنعه من التلف، فله أن يبيعه وان يحفظ مال الشيء المبيع ويرده الى من يثبت له الحق فيه. وسنتكلم عنه في فصل لاحق.

أما القانون المدني المصري رقم 131 لسنة 1948 فانه جاء بما يتطابق مع ما جاء في القانون المدني الفرنسي بخصوص محل الحراسة القضائية وسلطة الحارس فيها ، لكن بنفس  القصور في ما يخص طبيعة الحراسة القضائية فهو لم يعرّف الحراسة القضائية ولم يبيّن الطبيعة القانونية التي تستند اليها ، على خلاف الحراسة الاتفاقيّة التي عرّفها المشرع في المادة (729)من القانون المدني المصري الجديد رقم 131 لسنة 1948 ، بقوله : (( الحراسة عقدٌ يَعهد الطرفان بمقتضاه الى شخص أخر بمنقول أو عقار أو مجموع من المال يقوم في شانه نزاع أو يكون الحق فيه غير ثابت فيتكفل هذا الشخص بحفظه وإدارته ويرده مع غلّته المقبوضة لمن يثبت له الحق فيه)) .

يتضح أن المشرع المصري قد قصد بالحراسة هنا الحراسة الاتفاقية وذلك انه ذكر بالتعريف السابق أنها عقد، والحراسة القضائية ليست بعقد كما سنبيّن ذلك.

وجاء في مذكرة المشروع التمهيدي للقانون المصري رقم 131 لسنة 1948 والتي وضّحت تعريف المشّرع السابق: ((يُفهم من هذا التعريف أن الحراسة عقد يتم بين شخصين متنازعين أو بينهما حق غير ثابت وبين شخص أخر يوكَلُ اليه حفظ المال المتنازع عليه وأنها تكون في العقار كما تكون في المنقول أو فيهما معا، وان الحارس كالوديع يقوم بحفظ المال وردّه عند انتهاء الحراسة، لكنه يختلف عنه في انه يرده الى من يثبت له الحق فيه من الطرفين المتنازعين)) ([28])  .

أعقبتها المادة 730 من نفس القانون والتي إشارة الى الحراسة القضائية بقولها: ((يجوز للقضاء أن يأمر بالحراسة * في الأحوال المشار اليها في المادة السابقة إذا لم يتفق ذوو الشأن على الحراسة. * إذا كان صاحب المصلحة في منقول أو عقار قد تجمع عليه من الأسباب المعقولة ما يُخشى معه خطرا عاجلا من بقاء المال تحت يدِ حائزهِ، * وفي الأحوال الأخرى المنصوص عليها في القانون.)).

ونلاحظ أن المشرع المصري في هاتين المادتين اللَّتين عرّف بهما الحراسة القضائية، انه قد تأثر بالمشرع الفرنسي تأثرا كبيرا، لكنّه لم يحصر الحراسة القضائية في أمرين وهما الملكيّة ووضع اليد كما نص المشرع الفرنسي – رغم أن القضاء الفرنسي اعتبر أن ما جاء في النص هو على سبيل التشبيه والتمثيل كما أسلفنا ولم يتقيّد بتطبيقه للحراسة على ذلك -، بل جاء المشرع المصري بـ أوسع من ذلك، فنصّ على أن الحراسة تكون على المال المتنازع عليه، فهو قد أطلق النزاع الموجب للحراسة ولم يقيّده بالملكية أو بوضع اليد.

أما ما جاء في القانون المدني الأردني: فقد نصّ المشرع الأردني في القانون المدني رقم 43 لسنة 1976م على الحراسة في المواد ((894 – 908)) تحت عنوان عقد الحراسة، والظاهر من العنوان أن المشرع أما انه قد قصد بالحراسة هنا الحراسة الاتفاقية لانّ كلمة العقد لا ترد على الحراسة القضائية، وأما انه قد قصد من ذلك تبيان الطبيعة القانونية للحراسة بمختلف أنواعها، وفي الحالتين نجد قصورا من المشرع الأردني ففي الأول ى، المشرع لم يخصّ الحراسة القضائية بتعريف خاص، والثانية انه لم يبين طبيعتها القانونية.

عرّف المشرع الحراسة في المادّة (894) من القانون المدني، بقوله: ((الحراسة عقد يعهد بمقتضاه الطرفان المتنازعان الى أخر بمالٍ ليقوم بحفظه وإدارته على أن يرده مع غلّته الى من يثبت له الحق فيه . ))

وجاء في المذكرة الإيضاحية للقانون المدني الأردني بخصوص هذه المادة: ((وصيغت هذه المادة بصورة تتفق مع المبدأ المقرر في المادّة 752 من مجلة الأحكام العدلية بصدد وضع الرهن تحت يد العدل وما ورد في شرحها لعلي حيدر، من انه لا يحق للعدْل أن يتصرف في الرهن إذا لم يكن مسلّطا على البيع أو الإيجار، وما ورد في الصفحة (390-393) من المغني جـ/4 من أن للعدل بيع الرهن ونمائه إذا اشترط له ذلك ويكون ما يقبضه أمانة ….)) ([29])

أعقبتها المادة (895) والتي أراها مُكمّلة لما جاء في المادّة التي سبقتها، والتي جاء فيها: ((إذا اتفق المتعاقدان على وضع المال في يد شخصين أو أكثر فلا يجوز لأحدهم الانفراد بحفظه أو التصرف في غلّته بغير قبول الباقين)).

وجاء في المذكرة الإيضاحية للقانون المدني الأردني لهذه المادة: ((مرجع هذه المادّة ما جاء في المادة 752 من المجلة وشرحها لعلي حيدر، من انه يجوز أن يكون العدْل متعدّدا وما ذهب اليه أبو يوسف ومحمد إذا رضي أحدهما بإمساك الأخر جاز.  … )) .

باعتقادي من خلال هاتين المادتين والتي عرّف بهما المشرع الأردني الحراسة الاتفاقية – وذلك على نهج المشرع الفرنسي والمصري-، نلاحظ أن المشرع الأردني لم يفصّل في المال محل الحراسة بعكس المشرع المصري الذي فصل في محل الحراسة فذكر المنقول والعقار ومجموع المال، لكن عموم لفظ المال في المادّة 894 مدني اردني يُغني عن التفصيل الذي ذكرَته المادّة 729 مدني مصري.

فالمشرع الأردني نصّ في المادة 894 على (أن الحراسة هي عقد بين طرفين متنازعين وأخر يقوم بحفظ المال …) وهنا اشترط المشرّع لصحة هذا العقد وجود النزاع، فلا بدّ أن يكون الطرفان متنازعان، فلا صحّة للحراسة بدون النزاع. ولا يعني وجود نزاع أن تقوم دعوى موضوعية بين الطرفين المتخاصمين، فيجوز لكل من تتوافر عنده المصلحة الجدية في الحراسة أن يطلبها.

 وإذا ما قارنّا ما جاء في القانون المصري نجد أن المشرع الأردني قد جاء على غراره، الذي لم يشترط وجود النزاع القائم بل يكفي وجود مصلحة مادية جدية وظاهرة لطالب الحراسة ويقدرها القضاء. لان التحديد والتقييد يُظهر نوعا من القصور في فهم الضرورات العملية للحراسة بأنواعها، والمشرع الأردني قد أحسن في تجنّب ذلك.

ونص المشرع الأردني في المادّة (896) من نفس القانون على الحراسة القضائية، حيث جاء النص: ((يجوز لاحد المتنازعين على مال عند عدم الاتفاق أن يطلب من القضاء دفعا لخطر عاجل أو استنادا لسبب عادل تعيين حارس يقوم باستلام هذا المال لحفظه وإدارته أو تخويله ممارسة اي حق يرى فيه القضاء مصلحة للطرفين )) .

وجاء في المذكرّة الإيضاحية للقانون المدني الأردني تعليقا على هذه المادة: ((بما أن الضرر يُزال، ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام وبما أن تصرف وليَّ الأمر يستهدف مصلحة الرعية عملا بالمواد (19)، (20)، و (58) من مجلة الأحكام وشرحها لعلي حيدر وبالقياس ما جاء في شرح المادة (761) لعلي حيدر من المجلة فقد وضعت هذه المادّة واستنبط حكمها مما ذكر.))

وجاء في المادّة 898 من القانون نفسه: ((إذا لم يتفق أطراف النزاع على شخص الحارس تولت المحكمة تعيينه))

وعلّقت المذكرة الإيضاحية للقانون نفسه بقولها: ((بما أن الحراسة هي من قبيل وضع المال تحت يد العدْل كما تقدم بالمادة 894 وبما أن هذا الحق عائد لذوي الشأن أصحاب العلاقة، فإذا لم يتفقوا على ذلك انتقل هذا الحق الى المحكمة حسب ولايتها العامّة بمقتضى المواد 58، 1785، 1786، من المجلة وشرحها لعلي حيدر.))

وباعتقادي أن مدلول لفظ النزاع الذي نصّ عليه المشرع الأردني في المادة 896 هو كما جاء به المشرع المصري  للدلالة على جواز الحكم بالحراسة دون قيام دعوى اصليه متعلقة بالمال المتنازع عليه ، فلم يشترط المشرع المصري قيام نزاع اصلي أو دعوى اصليه  لكي يصحّ طلب الحراسة القضائية اي انه لا يشترط وجود هذه الدعوى الأصل يه أو النزاع القضائي القائم حتى يتبعها طلب الحراسة القضائية ،  فيكفي وجود النزاع الجدّي بين أصحاب المصلحة في المال  وقيام شروط دعوى الحراسة القضائية كالخطر العاجل  لتعيين حارس قضائي ، بل حتى أن المشرع المصري   صرف مدلول لفظ النزاع الى اي خلاف  يقوم في شان منقول أو عقار أو مجموع من المال فبالرجوع الى نص المادة 730 من القانون المدني المصري – كما يقول الدكتور عبد الحكيم فرّاج: نجد أن النصّ لم يستلزم لاعتبار الشيء متنازعا فيه أن تقوم في شأنه دعوى أمام القضاء ، بل يكفي لتوافر شرط النزاع الذي يتطلبه القانون وجود مجرد خلاف بين صاحبي المصلحة فيه، فيدخل في مدلول عبارة النزاع الذي يقصده المشرع من النص ، النزاع بين البائع والمشتري على دفع الثمن أو على تسليم المبيع ، وكذلك النزاع بين المؤجر والمستأجر على المنفعة أو ما على مقابلها ،كما يدخل فيه الخلاف بين المالكين على الشيوع سواء أكان هذ الخلاف على امر جوهري مثل مقدار الأنصبة ( جمع نصيب) أو على امر فرعي مثل إدارة المال الشائع واستغلاله([30]). فنرى أن هذا اللفظ الشامل العام قد جاء من المرونة حتى تتسع له أحوال عديدة كثيرة من الحراسة القضائية، والمشرّع الأردني حذا حذو نظيره المصري في ذلك، فانه من التعسف في تفسير نصوص الحراسة القضائية أن يقال : أنها تشترط قيام نزاع قضائي للحكم بالحراسة([31]) .

 ويتبين لنا من خلال النصوص السابقة في التشريع الأردني والمصري والفرنسي، والتي عرّفت الحراسة بنوعيها الاتفاقي والقضائي، نستطيع أن نخلص الى الأركان التي ترتكز عليها الحراسة حسب هذه التشريعات ومن ثم نعرض بعض ما جاء به الفقه والقضاء في تعريف الحراسة القضائية، وما تصدى به للنقص الذي شاب تلك التشريعات. وسيكون لنا فصل كامل لأركان الحراسة وشرحها كما جاء بالفقه والقضاء.

فكما سبق أن أشرنا الى أن تعريف الحراسة حسب التشريع الأردني: هي عقد يعهد بمقتضاه الطرفان المتنازعان الى أخر بمالٍ ليقوم بحفظه وإدارته على أن يرده مع غلّته الى من يثبت له الحق فيه.

والحراسة القضائية بالتشريع الأردني: يجوز لاحد المتنازعين على مال عند عدم الاتفاق أن يطلب من القضاء دفعا لخطر عاجل أو استنادا لسبب عادل تعيين حارس يقوم باستلام هذا المال لحفظه وإدارته أو تخويله ممارسة اي حق يرى فيه القضاء مصلحة للطرفين.

لذا فان الحراسة القضائية تقوم على الأركان الأتية ([32]):

  • أن يكون هنالك استعجال وبعبارة أخرى خطر عاجل.
  • عدم المساس بأصل الحق.
  • أن يكون هنالك مال عليه نزاع جدي.
  • أن يكون لرافع الدعوى مصلحة في وضع هذا المال تحت الحراسة.
  • أن يكون هنالك خطر من بقاء المال تحت يد حائزه.
  • أن يكون هذا المال قابلا للتعامل فيه.

جاء في اجتهاد استقرّت عليه محكمة التمييز الأردنية فيما يخصّ شروط الحراسة القضائية (دعوى تعيين القـيـّم كما يسمّيها القانون الأردني)، حيث جاء فيه ([33]):

  • أن يكون هنالك نزاع على مال بين الطرفين المتنازعين وعدم الاتفاق بينهما على وضعه بيد شخص.
  • أن يكون هنالك خطر على مال وله صفة الاستعجال.
  • أن يكون المال موضوع الطلب قابلا لان يُعهد بحراسته الى قيــّم.
  • كما يجب أن يتوافر شرط الاستعجال المنصوص عليه بالمادة 32 من قانون أصول المحاكمات المدنية دون المساس بأصل الحق المدّعى به.

سنقوم بشرح هذه الأركان بشكل مبسط في فصل قادم، لكن وجب ذكرها هنا حتى تكتمل الفكرة التي نتحدث عنها.

لاحظنا أيضا أن للحراسة في التشريع الوضعي ثلاثة أنواع:

  • الحراسة القضائية: وهي التي تكون بحكم القضاء، يصدر بها حكم لتعيين حارس
  • الحراسة الاتفاقية: وهي التي عرفها المشرع الأردني والمصري كما عرضنا سابقا، وهي باتفاق الطرفين المتنازعين.
  • الحراسة القانونية: وهي التي يقرّرها القانون، دون حاجة الى حكم القضاء أو اتفاق الطرفين.

وسنميّز بين هذه الأنواع في مطلب لاحق.

بقي – حتى يكتمل المفهوم عن الحراسة القضائية – أن نبيّن ما جاء به الفقه والقضاء، وذلك لما لهم من اجتهادات وأحكام ما يسدّ به النقص في التشريع الوضعي. لكن قبل ذلك رأيت أن علينا أن نبيّن الطبيعة القانونية للحراسة القضائية في المبحث القادم ومن ثم نُبيّن ما جاء به الفقه والقضاء، لما في ذلك من تسهيل لفهم المعنى الحقيقي للحراسة القضائية.

المبحث الثاني : الطبيعة القانونية للحراسة القضائية وتمييزها عما يشتبه بها من عقود وإجراءات

المطلب الأول  الطبيعة القانونية للحراسة القضائية

كما بيّنا في المبحث السابق، أن التشريع الوضعي لم يوضّح ماهية الطبيعة القانونية للحراسة القضائية، فذكرنا أن المشرع المصري قد عرّف الحراسة الاتفاقية في المادة 729 من القانون المدني رقم 131 لسنة 1948 وذكر فيها أن الحراسة عقد بين طرفين الأول هم الأشخاص المتنازعة والثاني هو شخص الحارس والذي يتفق علي تعيينه الطرف الأول، وأعقبتها  المادة 730 من نفس القانون والتي ذكرت الحراسة القضائية وشروطها وثم المادة 731 التي تحدثت عن الحراسة القضائية في الوقف وشروطها .  و نرى أن المشرع المصري في نفس القانون  في المادة 733  فيما يخص أحكام  الحراسة القضائية انه قد أحالها على أحكام عقد الوديعة وأحكام عقد الوكالة وبما يخص التزامات الحارس القضائي  وحقوقه وسلطته ، (( الا في الأحوال التي يغفل فيها الحكم القاضي بالحراسة بيان ما على الحارس من التزامات وماله من حقوق وسلطة ، ولا يجوز الاقتباس من أحكامهما – اي الوديعة والوكالة – الا بالقدر الذي لا تتعارض فيه هذه الأحكام مع الأحكام التي وضعت للحراسة القضائية ، فلا يجوز للقاضي أن يطبق أحكام الوديعة والوكالة الا ما كان متفقا منها مع طبيعة الحراسة القضائية )) .([34])

فجاء في المادة 733 من القانون المدني المصري: ((يحدد الاتفاق أو الحكم القاضي بالحراسة ما على الحارس من التزامات وما له من حقوق وسلطة، وإلا فتطبق أحكام الوديعة وأحكام الوكالة بالقدر الذي لا تتعارض فيه مع الأحكام الآتية)) اي أحكام الحراسة القضائية.

والناظر في القانون المدني الأردني يجد أن ما جاء بخصوص الحراسة القضائية مشابه لما جاء به المشرع المصري ، فنصوص المواد ( 894-908) من القانون المدني الأردني نلاحظ وكانه قد اتخذ الترتيب نفسه الذي اتخذه المشرع  المصري ، ففي المادّة 894 عّرف المشرع الأردني الحراسة الاتفاقية وبيّن الطبيعة القانونية لها وهي “العقد” وثم في المادة 896 من نفس القانون ذكر فيها الحراسة القضائية وبيّن شروطها وسلطة الحارس القضائي فيها ، وأعقبتها المادّة 897 والتي تحدّثت عن أحكام الحراسة القضائية  على الوقف ثم المواد ( 898-908) تحدثت عن أحكام الحراسة القضائية وآثارها وحقوق الحارس والتزاماته وسلطته وانتهاء الحراسة القضائية ، ونخصّ بالذكر المادّة (900) من القانون المدني الأردني والتي تطابق ما جاءت به المادّة    (733) من القانون المدني المصري واكتفت بالحديث عن أحكام الحراسة القضائية دون ذكر الطبيعة القانونية لها .

وجاء فيها: ((يحدد الاتفاق أو الحكم الصادر بفرض الحراسة حقوق الحارس والتزاماته وما له من سلطة، والاّ طبقت أحكام الوديعة والوكالة بالقدر الذي لا تتعارض فيه مع طبيعة الحراسة والأحكام المنصوص عليها في هذا الفصل)).

فنلاحظ أن المشرع الأردني قد نصّ على المادة 900 من القانون المدني كما هي في القانون المدني المصري، واكتفى بقول ” والا طبقت أحكام الوديعة والوكالة بالقدر الذي لا تتعارض فيه مع طبيعة الحراسة ” وان كان قد بيّن طبيعة الحراسة الاتفاقية في مادة سابقة وهي “العقد” لكن هذا لا يُغني عن بحث الطبيعة القانونية للحراسة القضائية فالمشرّع قد أغفل أن يبيّنها.

عرّف البعض ([35]) الحراسة القضائية بانها: ((إيداع الشيء الموضوع تحت يد القضاء عند شخص معيّن بأمر المحكمة أن كانت المصلحة قاضية بذلك)) وهذا التعريف كما يقول الدكتور عبد الحكيم فراج هو ناقص لأنه قصر الحراسة على الأشياء الموضوعة تحت يد القضاء، فأخرج من حكمها الأشياء المتنازع عليها التي لا تكون تحت يد القضاء.

وعرّفها أيضا أخرون بانها: ((إيداع شيء متنازع عليه بأمر القضاء عند شخص معيّن حتى ينتهي النزاع)). وأيضا هذا التعريف ناقص لأنه قصر الحراسة على الأشياء المتنازع عليها مع أن الحراسة جائزة على الأشياء الخالية من النزاع كما بيّنا …

ورغم قصور التعريفين السابقين وحصرهم للحراسة القضائية، نجد انهم قد اعتبروا الحراسة القضائية نوعا من الوديعة يأمر بها القضاء، فهل الحراسة القضائية هي نوع من الوديعة كما يُستفاد من هذين القولين؟؟

بالرغم من وجود تشابه بين الحراسة والوديعة الا أن بعض الفقهاء وبعض من الأحكام لا يعتبرونها كذلك، وإنما يذهبون الى اعتبارها وكالة.

وهنا السؤال، هل الحراسة القضائية وديعة؟، أم انهها وكالة؟ وان كانت من أحداها فيتحتّم منطقيا أن تكون عقد، فهل هي كذلك؟

اشتباه الحراسة القضائية بالوديعة:

قد يكون ما دعا المشرع الأردني والمصري من جعل أحكام الوديعة تطبق على الحراسة القضائية في كثير من الأحيان وفي نظر بعض الفقهاء اللذين اعتبروا الحراسة القضائية وديعة ما يُلاحظ من تشابه بين وظيفة الحارس والوديع ((فكلاهما مُلزم بالعناية والسهر على حفظ الأشياء التي يعهد اليه بها وصيانتها، الا أنها تختلف عن الوديعة اختلافا جوهريا في كثير من الوجوه)). ([36])

عرّف المشرع الأردني الوديعة في المادّة 868 من القانون المدني بانها ((1. عقد يخوّل به المالك غيره حفظ ماله ويلتزم به الأخر حفظ هذا المال ورده عينا.

  1. والوديعة هي المال المودع في يد أمين لحفظه.))

وقد جعل المشرع الأردني الحراسة في القانون المدني الوديعة والوكالة في باب واحد، وهذا يدل على تقاربهم وتشابههم في كثير من الأحكام.

تنص المادّة 900 من القانون المدني الأردني ((يحدد الاتفاق أو الحكم الصادر بفرض الحراسة حقوق الحارس والتزاماته وما له من حقوق وسلطة، والا طُبقت أحكام الوديعة والوكالة بالقدر الذي لا تتعارض فيه مع طبيعة الحراسة والأحكام المنصوص عليها في هذا الفصل)).

جاء في حكم لمحكمة التمييز الأردنية حول تطبيق أحكام الوديعة والوكالة في حالة تعيين حارس قضائي ((إذا كان حكم المحكمة بفرض الحراسة على الباخرة لم يحدد حقوق المؤسسة كحارس قضائي فتطبق في هذه الحالة أحكام الوديعة والوكالة بالقدر الذي لا تتعارض فيها مع طبيعة الحراسة والأحكام المنصوص عليها في الفصل الخامس من الباب الثالث من القانون المدني عملا بأحكام المادّة 900 منه. ))([37])

فمن حيث إن المال محل الحراسة هو في يد الحارس وديعة، تكون الحراسة شبيهة بالوديعة فهو يُلزم بالعناية والسهر لحفظه عنده، ومن ثم نطبّق أحكام الوديعة، فانْ كانت سلطة الوديع على الشيء المودع عنده تقتصر على حفظه، فانّ الحارس بالإضافة الى حفظه للشيء محل الحراسة، يُناط به إدارته وتقديم حساب عن ذلك، ومن ثم تطبّق عليه في هذا الخصوص أحكام الوكالة. والذي يغلبُ على الحارس هو صفة المودع عنده لا صفة الوكيل، فهو بالأصل مكلّف بحفظ المال وعليه أن يديره في أثناء ذلك.

على الرغم من كون الحراسة شبيهة بالوديعة الا أن هنالك فروقا جوهرية بينهما، وهي كالاتي ([38])

  • الحراسة في الأصل تكون على الأشياء المتنازع عليها، وذلك بخلاف الوديعة.
  • الحراسة أما أن تكون اتفاقية أو قضائية، بل أن الحراسة القضائية هي التي يغلب وقوعها في العمل، وإذا أطلق لفظ الحراسة انصرف الى الحراسة القضائية، إذ يَندرُ وقوعُ الحراسة الاتفاقية. أما الوديعة فلا تكون الا اتفاقــية.
  • يغلب وقوع الحراسة على العقار وان كان يجوز وقوعها على المنقول، أما الوديعة فيغلب وقوعها على المنقول وان كان يجوز وقوعها على العقار.
  • الحراسة تكون في الأصل بأجر مجز، وان صحّ أن تكون بغير أجر، أما الوديعة تكون في الأصل بغير أجر وان صحّ أن تكون باجر زهيد.
  • في الحراسة يكلّف الحارس بإدارة المال الموضوع تحت الحراسة، أما في الوديعة فيقتصر المودع عنده على حفظ المال دون إدارته وان كان يصح أن يؤذن له في استعماله. فمأمورية الحارس على المال محل الحراسة هي الأصل.
  • في الحراسة، يلتزم الحارس في الأصل بالحراسة الى أن تنتهي، أما في الوديعة فيجوز في الأصل أن يردّ المودع عنده الوديعة قبل انتهاء العقد، الا إذا حُدّد للوديعة اجل لمصلحة المودع.
  • في الحراسة يردّ الحارس المال لمن يثبت له الحق فيه وهو غير معروف عند بدء الحراسة، أما في الوديعة فيردّ المودع عنده المال الى المودع بمجرد أن يطلبه هذا ال أخير، الا إذا حُدد للوديعة اجل لمصلحة المودع عنده.

وفي حكم لمحكمة النقض المصرية قضت فيه بأن ((الحراسة القضائية وان كانت تشبه الوديعة في بعض صورها في حال وقوع الحراسة على منقول فقط، فإن هذا لا يجعلها وديعة في كل أحكامها.)) ([39])

تبين لنا أن الحراسة القضائية وان كانت تشبه الوديعة في بعض أحكامها فهي ليست وديعة في طبيعتها القانونية.

اشتباه الحراسة القضائية بالوكالة:

نص المشرع الأرنية – كما ذكرنا – في المادة 900 من القانوني المدني بأنه يطبق أحكام الوديعة والوكالة على الحراسة بالقدر الذي لا يخالف طبيعة الحراسة..))

رأينا أن الحراسة ليست وديعة، فهل هي وكالة؟

عرّف المشرّع الأردني الوكالة بنص المادّة 833 في القانون المدني بانها ((عقد يقيم الموكّل بمقتضاه شخصا أخر مقام نفسه في تصرف جائز معلوم)).

فالحراسة القضائية تشبه الوكالة (الحارس والوكيل) في أن كلاهما ينوب عن غيره في حفظ ماله وإدارته، ما دعا بعض الفقهاء والمحاكم ([40])الى اعتبار الحراسة وكالة، الا أن وجهة النظر هذه لا تستند الى أساس صحيح، لأنها تمزج مفهومين لكل منهما مصدر مختلف، فالحراسة القضائية مصدرها القانون والوكالة مصدرها العقد.

يشير الدكتور السنهوري الى ما يميز الحراسة القضائية عن الوكالة ([41]):

  • في الحراسة، يقوم الحارس بإدارة المال وليس في الأصل أن يتصرف فيه، أما في الوكالة، فالوكيل قد يُوكّل في الإدارة وفي التصرف والتبرع وفي سائر التصرّفات القانونية. وحتى أن اقتصرت الوكالة على الإدارة، فالأصل في الحارس أن يحفظ المال، وإدارته له تأتي تبعا للحفظ، ام الوكيل فالأصل أن يدير المال، وحفظه له يأتي تبعا للإدارة.
  • في الحراسة، يتقاضى الحارس في الأصل أجرا مجزيا، أما في الوكالة فالأصل ألا يتقاضى الوكيل أجرا، أو يتقاضى أجرا لا يقصد من ورائه الربح. وإذا تقاضى الحارس والوكيل أجرا، فاجر الحارس لا يجوز تعديله، أما أجر الوكيل فيجوز انتقاصه أو زيادته.
  • الحارس في بدء الحراسة لا يعلم لمن يردّ المال، إذا هو ملزم بردّه لمن يثبت له الحق فيه. أما الوكيل فيعلم منذ البداية انه ملتزم برد المال الى الموكّل.
  • لا تنتهي الحراسة بموت من يثبت له الحق في المال بل يحل ورثته محله، وتنتهي الوكالة في الأصل بموت الموكّل.
  • في الحراسة يُحدّد القانون نطاق سلطة الحارس القضائي، أما في الوكالة فالاتفاق هو الذي يحدد نطاق ولاية الوكيل، وفضلا عن ذلك فان اختيار الوكيل مرجعه الاتفاق، أما الحارس القضائي فيتلقّى نيابته عن القضاء الذي يعيّنه، فالحراسة القضائية والحالة هذه ليست وكالة.

وقد استقرّ القضاء على أن ه ((إذا كانت الحراسة القضائية ليست بعقد وكالة لأن القضاء – لا اتفاق ذوي الشأن – هو الذي يفرضها، فان الحارس يُصبح بمجرّد تعيينه وبحكم القانون نائبا، إذ يُعطيه القانون سلطةً في حفظ وإدارة الأموال الموضوعة تحت حراسته وردّها لصاحب الشأن عند انتهاء الحراسة وتقديم حساب عن إدارته للمال، ونيابته هذه نيابة قانونية من حيث المصدر الذي يحدّد نطاقها، إذ ينوب عن صاحب الحق في المال الموضوع تحت الحراسة، وتثبت له هذه الصفة بمجرد صدور حكم الحراسة.)) ([42])

نخلص مما تقدم الى أن الحراسة القضائية ليست بعقد وديعة ولا بعقد وكالة، فالحراسة القضائية ليست عقدا أطلاقا، لان العقد مرجعه الاتفاق، والحراسة القضائية لا تستند الى اتفاق بل الى نص القانون وامر القضاء.

حقيقة الطبيعة القانونية للحراسة القضائية

يقول السنهوري ([43] ) : ((والحراسة القضائية بطبيعتها أجراء تحفظيّ ويستتبع ذلك أن يكون أجراء وقتيا لا يمسّ الموضوع، فهي أولا: أجراء تحفظي ومن ثم لا يصح أن تكون الحراسة أجراء تنفيذيا، أو أن تستعمل كوسيلة للضغط على المدين حتى تدفعه الى الوفاء بديْنه، بل يجب حتى في الحالات التي يوضع مال المدين فيها تحت الحراسة القضائية للوفاء بديْنه، أن يكون هنالك خطر عاجل على مصلحة الدائن يقتضي هذه الحراسة …

ثانيا: أجراء وقتيّ، ويترتب على ذلك أنها لا تبقى الا ببقاء الظروف التي استدعتها، فإن تغيرت هذه الظروف وأصبحت الحراسة لا ضرورة لها، وجب رفعها. والعكس صحيح، فاذا رفعت دعوى في وقت لم يكن هنالك مبرر لوضع الحراسة على المال، لم يكن هذا مانعا من الحكم بالحراسة بعد ذلك إذا تغيرت الظروف وجدّ ما يستدعي الحكم بها.

ثالثا: أجراء لا يمسّ الموضوع، فالحكم بالحراسة القضائية ليس من شأنه أن يؤثر في موضوع الدعوى الأصل يه. فاذا وُضع مال متنازع في ملكيّته بين شخصين تحت الحراسة القضائية وعُيّن أحدهما حارسا، فليس هذا معناه ثبوت حق الحارس في الملكية أو حتى رجحان هذا الحق.)).

أما الدكتور عبد الحكيم فراج فقد بيّن الطبيعة القانونية للحراسة بقوله: ((نرى أن الحراسة القضائية هي في الواقع نيابة قانونية وقضائية، فهي نيابة قانونية لأن القانون هو الذي يحدّد نطاقها ويبيّن حالاتها ويوضح أركانها ويعيّن آثارها. وهي نيابة قضائية، لأن القضاء هو الذي يُضفي على الحارس صفته فلا تؤول اليه صفة النيابة الا بمقتضى حكم منه، والقضاء هو الذي يتولّى في غالب الأحوال تحديد نطاق سلطة الحارس وفقا لنصوص القانون، وهو الذي يؤدي له الحارس حسابا عن عمله، وأخير ا هو الذي يُنهي مأمورية الحارس القضائي وقد سادت وجهة النظر المتقدّمة أمام محكمة النقض المدنية المصرية فاعتبرت الحارس القضائي نائبا قضائيا يمثل طرفي الخصوم)). ([44])

لذا فالحراسة القضائية هي نيابة الحارس عن أصحاب الشأن في حفظ المال وإدارته الى أن يزول الخطرات الاستعجال الناشئ من اختلافهم في أصل الحق، فهي بذلك أجراء تحفظي مؤقت، ونيابة مصدرها القانون يحكمها القضاء.

   بهذا نكون قد عالجنا في بحثنا هذا الطبيعة القانونية للحراسة القضائية، فتبين أنها ليست نوعا من العقود كما أوحى بذلك القانون المدني الأردني عندما عرّف الحراسة الاتفاقية وبيّن طبيعتها وسكت عن بيان طبيعة الحراسة القضائية.

ماهية الحراسة كما جاء بالفقه والقضاء

لم يضع المشرع الأردني تعريفا شاملا للحراسة القضائية كما رأينا واكتفى ببيان أحكامها ، ولو انه قصر في بيان طبيعتها القانونية ، الا انه بخصوص تعريف الحراسة فليس من مهمة المشرع أن يضع تعريفات لكل شيء في القانون ، وإنما يرجع التقصير في ذلك الى الفقه و القضاء الأردني اللذان لم يضعا تعريفا للحراسة ولم يبـيّنا طبيعتها القانونية ، فلا اجتهاد لفقهاء ولا لمحكمة التمييز ولا لغيرها في وضع تعريف شامل للحراسة القضائية وهذا مأخذ معيب على الفقه والقضاء الأردني ،  وحتى بخصوص الطبيعة القانونية للحراسة القضائية ، فالأمر هو نفسه ، فلم اجد اجتهادا لا لفقه ولا قضاء اردني سدّ النقص في ذلك .

وعلى أية حال، فالناظر في القانون المدني المصري يجد نفس المشكلة التي عانى منها مشرعنا الأردني، لكن الفقه والقضاء المصري تصدى لهذه المشكلة بامتياز، فكمّلا معا ذلك النقص والقصور الذي شاب الحراسة القضائية وطبيعتها، فوضعا لها التعريفات الدقيقة والشاملة وبينا طبيعتها القانونية، نأخذ من ذلك الجزء اليسير

فمما جاء من أقوال الفقه المصري:

العلامة السنهوري ([45]) ((الحراسة هي وضع مال يقوم في شأنه نزاع أو يكون الحق فيه غير ثابت، ويتهدد خطر عاجل، في يد أمين يتكفل بحفظه وإدارته وردّه مع تقديم حساب عنه لمن ثبت له الحق فيه، ويوضع المال تحت الحراسة أما باتفاق الطرفين فتكون حراسة اتفاقية، وأما بحكم من القضاء فتكون حراسة قضائية))

الدكتور عبد الحكيم فراج ([46])((الحراسة القضائية في الواقع نيابة قانونية وقضائية، فهي نيابة قانونية، لان القانون هو الذي يحدد نطاقها ويبين حالاتها ويوضح أركانها ويعين أثارها، وهي نيابة قضائية أيضا، لان القضاء هو الذي يضفي على الحارس صفته، فلا تؤول اليه صفة النيابة الا بمقتضى حكم منه. والقضاء هو الذي يتولى في غالب الأحوال تحديد نطاق سلطته وفقا لنصوص القانون، وهو الذي يؤدي الحارس له حسابا عن عمله، وأخير ا هو الذي يُنهي مأمورية الحارس القضائي))

ومن جهة أخرى ، فقد تصدّى القضاء المصري لهذه المشكلة ، فجاء في قرارات لمحكمة النقض المصرية ، نأخذ واحدا منها([47]) (( لما كانت الحراسة القضائي ليست بعقد وكالة لان القضاء لا اتفاق ذوي الشأن هو الذي يفرضها ، فإن الحارس يصبح بمجرد تعيينه وبحكم القانون نائبا ، إذ يعطيه الفانون سلطة في حفظ وإدارة الأموال الموضوعة تحت حراسته وردّها لصاحب الشأن فيها عند انتهاء الحراسة وتقديم حساب عن إدارته لها ، ونيابته هذه نيابة قانونية من حيث المصدر الذي يحدده نطاقها ، إذ ينوب عن صاحب الحق في المال الموضوع تحت الحراسة ، وتثبت له هذه الصفة بمجرد صدور حكم الحراسة ))

المطلب الثاني : تمييز الحراسة القضائية عما يشتبه بها من إجراءات

لما كانت الغاية من هذا الفصل بيان ماهية الحراسة القانونية، وجب علينا تمييز الحراسة القضائية عما يشتبه بها من أنواع الحراسة ومن إجراءات أخرى مستعجلة أهمها الحجز التحفظيّ أو الاحتياطيّ.

أولاً: تمييز الحراسة القضائية عن الحراسة الاتفاقية

عرّف المشرّع الأردني الحراسة الاتفاقية في المادّة 894 من القانون المدني الأردني بقوله: ((الحراسة عقد يعهد بمقتضاه الطرفان المتنازعان الى أخر بمال ليقوم بحفظه وإدارته على أن يردّه مع غلته الى من يثبت له الحق فيه)). والناظر في القانون المدني المصري يجد أن المشرع المصري قد عرّف الحراسة الاتفاقية (المادة 729) بما لا يخرج عمّا جاء به نظيره الأردني، فكلاهما قد بدا التعريف بقوله (الحراسة عقد)، فهي عقد بين طرفين، الأول وهو الجهتين المتنازعتين أو غير المتنازعتين على مال والثاني الحارس الذي اتفق الطرف الأول – فيما بينهم – معه (اي الحارس) على حفظ المال محل الحراسة وإدارته وتكون سلطته محدّدة بالعقد.

الحراسة الاتفاقية وكما يقول السنهوري هي عقد وديعة تتميّز بخصائص معيّنة، ففيها يُعهد الى شخص بمال يحفظه ويردّه عند انتهاء العقد، فهي وديعة تتميز بما يأتي ([48]):

  • الشيء المودع، عقارا كان أو منقولا أو مجموعا من المال ([49])، هو متنازع عليه أو الحق فيه غير ثابت كأن يكون هذا الحق متعلق على شرط واقف أو فاسخ.
  • لا يقتصر المودع عنده (الحارس) على حفظ المال بل يجب عليه أيضا أن يديره وان يقدّم حسابا عنه. فيعتبر إذا وكيلا في الإدارة الى جانب انه مودع عنده في الحفظ، ومن ثم تطبق أحكام الوديعة والوكالة فيما لم يرد فيه اتفاق أو نصّ مخالف.
  • ويردّ الحارس المال لمن يثبت له الحق فيه، بعد البت بالنزاع الذي كان قائما في شأنه، ويجوز ردّ المال لمن يتفق عليه الخصوم المتنازعون عليه من بينهم أؤمن غيرهم، ولا يجوز للحارس أن يرد المال قبل أن يتعين لمن يرده اليه بعد البت في النزاع أو اتفاق الخصوم المتنازعين، ومع ذلك إذا كان الحارس غير مأجور – وهذا نادر – جاز له ردّ الوديعة الى الخصوم جميعا قبل الميعاد، إذا طرأت عليه أسباب مشروعة يتعذر معها أن يستمرّ حافظا للمال.

هنالك تشابه كبير في دور الحارس في الحراستين الاتفاقية والقضائية، وكلاهما أجراء مؤقت لا يمسّ أصل الموضوع المتنازع عليه، ولهما صفة التحفظ نفسها، وكلاهما يخضع لنفس الأحكام من حيث الآثار والتزامات الحارس وحقوقه وانتهاء الحراسة، لكن يوجد فروق جوهرية تميّز الحراسة القضائية عن الاتفاقية.

من حيث الشروط: الحراسة القضائية تقوم على أركان معيّنه واهمّها الخطر العاجل، ولا تُفرض الا بقيام هذه الشروط، يقول الدكتور عبد الحكيم فراج: ((فيلزم للحراسة القضائية أن تستند الى نصّ القانون وان يأمر بها القضاء، وأن يكون هنالك استعجال بالمعنى القانونيّ لهذه الكاملة، كما يلزم أن يكون أجراء الحراسة القضائية أجراء وقتيا لا يمسّ أصل الحق، وكل ذلك على شرط أن يتبين للقاضي أن أجراء الحراسة ضروريّ لحقوق الخصوم أصحاب الشأن)) ([50]). فالخطر أو الاستعجال هو شرط موضوعي لقيام الحراسات القضائية، فلا بدّ من قيامه حتى يحكم بها، وذلك كما ذكر المشرع الأردني في المادّة 896 من القانون المدني ((دفعا لخطر عاجل أو استنادا لسبب عادل))

أما الاتفاقية فلا وجود لمثل هذا الشرط، فالاتفاق على وضع المال تحت الحراسة يُغني من التحري عن هذا الشرط، فالاتفاق هنا يكون هو الخطر العاجل ضمنيا، فلولا هذا الخطر ما اتفق الطرفان على الحراسة.

من حيث الطبيعة القانونية، الحراسة القضائية هي نيابة قانونية وقضائية، فالقانون هو مصدرها والقضاء هو الذي يأمر بها ويُضفي على الحارس صفته.

أما الحراسة الاتفاقية فهي تختلف كليّا عن ذلك، فطبيعتها الاتفاق بين الطرفين المتنازعين (اي العقد) كما عرّفها المشرعيْن الأردني والمصري في المواد 894 مدني أردني، 729 مدني مصري.

يقول السنهوري ((أن للحراسة الاتفاقية صورتان، الأول ى أن الاتفاق على الحراسة يُبرم عقب قيام النزاع بين الخصوم على المال، فيتفقون على وضع المال الذي قام بشأنه النزاع تحت حراسة شخص يعيّنونه بالاتفاق بينهم. والثانية أن يُبرم الاتفاق على الحراسة قبل قيام النزاع كشرط يتفق عليه في التعامل، ومثل ذلك أن يتفق بائع السيارة مع المشتري على أن ه إذا تخلّف المشتري عن دفع أقساط ثمن السيارة في مواعيدها، وُضعن السيارة تحت الحراسة حتى يستوفي البائع ما تأخر من أقساط. فهنا تم الاتفاق على الحراسة ولكن قبل قيام النزاع وجُعلت الحراسة مشروطة بقيامه. وهذه الحراسة لا تقوم الا إذا تحقق شرطها، فإذا ما تحقق الشرط، وجب وضع المال تحت الحراسة تنفيذا للاتفاق)) ([51]).

إنّ الاختلاف بين الحراسة الاتفاقية والقضائية ليس مرجعه الى شخص الحارس، بل الى مبدأ الحراسة ذاتها، فبينما مبدأ الحراسة الاتفاقية يُـتّـفق عليها من جميع أصحاب الشأن الذين يقومون علاوة على ذلك بتعيين شخص الحارس، فإن الحراسة القضائية يأمر بها القضاء الذي يترك لذوي الشأن حق اختيار الحارس، فإذا لم يتفقوا تولّى القاضي تعيينه. وهذا مضمون ما جاءت به المواد 896 من القانون المدني الأردني و730 من القانون المدني المصري حيث انه إذا لم يتفق أصحاب الشأن على شخص الحارس تولّى القضاء تعيينه.

وسواء أكانت الحراسة اتفاقية ام قضائية فهنالك مسألتان منفصلتان، أولاهما: وضع المال تحت الحراسة والثانية تعيين شخص الحارس، والمسألة الأول ى هي التي تسبغ على الحراسة صفتها الاتفاقية أو القضائية، أما متى اتفق المتنازعان على مبدأ الحراسة أو حكمت بها المحكمة، فإن تعيين الحارس يترك في كلا الحالتين الى المتنازعين إن أمكنهما أن يتفقا عليه وإلا فتقوم به المحكمة المختصّة. ([52])

قد يـتّـفق المتعاقدان في الحراسة الاتفاقية على اختصاص قاضي الأمور المستعجلة بالحكم بتعيين الحارس، فهل يتقيّد قاضي الأمور المستعجل بهذا الشرط؟

الشرط العام في الحراسة التي يحكم بها القضاء المستعجل بأن يتوافر الخطر أو الاستعجال المبرّر لها واختصاصه هذا متعلّق بالنظام العام، سواء اتفق الطرفان أم لا، ولا يتقيّد قاضي الأمور المستعجلة باتفاق الطرفين على اختصاصه، ومن واجبه أن يتحقق من وجود الخطر العاجل، ومن ثم لا يقضي بوضع المال تحت الحراسة – لو اتفق الطرفان على ذلك – إلا إذا كان هنالك خطر من بقاء المال في حيازة الطرف الأخر. وبالتّالي فإن الحراسة القضائية متعلقة بالنظام العام أما الاتفاقية فغير متعلقة بالنظام العام.

ثانيا: تمييز الحراسة القضائية عن الحراسة القانونية:

تُعرّف الحراسة القانونية بأنّها ((هي الحراسة التي يقرّرها القانون بغير حاجة الى حكم القضاء أو اتفاق الأفراد)) ([53])

لم ينصّ المشرع الأردني على الحراسة القانونية صراحة في القانون المدني ولا في قانون أصول المحاكمات المدنية، ومثالها ما جاء في المادّة 144 من قانون الأصول ((يجوز للمحكمة أو قاضي الأمور المستعجلة أن تضع الأشياء والأموال المنقولة المحجوزة تحت يد شخص أمين للمحافظة عليها أو إدارتها حتى نتيجة المحاكمة)) فيُفهم من ذلك انه يجوز للمحكمة أن تعيّن حارسا على الأموال المحجوزة التي ترى أنها بحاجة لما يبررّ ذلك.  لكن نجد بعض النصوص التي تشير الى الحراسة القانونية صراحة في قانون التنفيذ الأردني رقم 25 لسنة 2007، ومن أمثلتها:

وضع الأشياء المحجوز عليها تحت الحراسة:

  • تنصّ المادّة 52 من قانون التنفيذ على أن ه ((يعيّن الرئيس حارسا يختاره للأشياء المحجوزة كلما اقتضت الضرورة ذلك، ويجوز له اختيار الحاجز أو المحجوز عليه ليكون حارسا إذا رأى ذلك مناسبا.))
  • تعقبها المادّة 53، حيث جاء فيها ((تسلم الأشياء المحجوزة للحارس في مكان حجزها وينظّم محضر بذلك يوقّعه المأمور والحارس ويستحق الحارس غير الحاجز أو المحجوز عليه أجرا عن حراسته يقدّره الرئيس))
  • ويجب على حارس الحجز أن يحفظ الأشياء الموضوعة تحت حراسته وان يبذل في ذلك عناية الرجل المعتاد، ولا يجوز له أن يستعملها أو يستغلّها أو يعيرها وإلا حُرم من أجرة الحراسة، ويجوز له ذلك إذا سمح له رئيس التنفيذ، وفيما خُصّصت له، وهذا ما نصّت عليه المادّة 54 من ذات القانون
  • وأعقبتها المادّة 55 والتي تتحدث عن إعفاء الحارس من الحراسة فنصّت ((لا يجوز للحارس أن يطلب إعفاءه من الحراسة قبل سبعة أيام من اليوم المحدّد للبيع ولأسباب يقدّرها الرئيس)) ومعنى ذلك انه يجوز للحارس أن يطلب إعفاءه من الحراسة ولكن قبل المدّة المحددّة في هذه المادّة. وثم المادّة 56 والتي تبين أن ((للحارس أو لاي من ذوي الشأن أن يطلب من الرئيس الإذن بالجنى أو الحصاد)).

تعيين المدين حارسا على العقار المحجوز عليه:

  • تنص المادّة 73 من قانون التنفيذ: ((يترتب على معاملة وضع اليد اعتبار المدين حارسا للعقار الى أن يـتـمّ البيع مالم يقرّر الرئيس عزله من الحراسة أو تحديد سلطته.))
  • أعقبتها المادّة 74 والتي جاء في الفقرة الأول ى منها عن تعيين حارس قضائي، ((يجوز لكل دائن أن يطلب من الرئيس تعيين حارس قضائي وان يفوّضه في حصاد المحصولات وجني الثمار وبيعها)).

أن اهمّ ما يميّز الحراسة القضائية عن الحراسة القانونية هي أن القضائية لا تُفرض الا بطلب صاحب المصلحة، أما الحراسة القانونية تُفرض بنصّ القانون وليس لطلب ذوي الشأن دور فيها، فلاحظنا انّه في المادّة 74 سابقة الذكر عندما أجازت لكل دائن طلب تعيين حارس، أسمته حارسا قضائيا، أما في باقي المواد المذكورة فلم تسمه بذلك.

أيضا ما يميّز الحراستين، أن الحراسة القضائية يحدد سلطة الحارس فيها القضاء المختص، أما الحراسة القانونية فالأصل أن يلتزم الحارس بنص القانون.

الا أن الحراستين يحدّد أحكامهما القانون ولهما نفس الغاية وهي حفظ المال محل الحراسة، ونفس الطبيعة القانونية، فالحارس في كلتا الحالتين يعيّنه القاضي المختص نائبا لحفظ المال وإدارته بالقدر المطلوب لذلك.

ثالثا: تمييز الحراسة القضائية عن الحجز التحفظي:

نص المشرع الأردني على الحجز التحفظي في قانون أصول المحاكمات المدنية في المواد (141-152) واعتبره نوعا من الأمور المستعجلة وهي المسائل التي يخشى عليها من فوات الوقت، أو المسائل التي ينص القانون على أن ها من اختصاص القضاء المستعجل وذلك بقرار مؤقت على ذمّة الدعوى الموضوعيّة الى حين الفصل فيها وذلك يرجع الى قناعة القاضي واستئناسه لظاهر البيّنة دون المساس بأصل الحق. والحجز التحفظي باب واسع كنوع من المسائل المستعجلة وله أهمية عملية كبيرة، يحتاج الى بحث مستقلّ للحديث عن طبيعته وإجراءاته وأحكامه، لكن في بحثنا هنا سنتناول أهم النقاط التي يتشابه بها مع الحراسة القضائية.

لم يعرّف المشرّع الأردني الحجز التحفظي، لكنه نصّ عليه في المواد 141 – 153 من قانون أصول المحاكمات المدنية، فجاء في المادّة 141 ((1. للدائن طلب توقيع الحجز الاحتياطي سواء قبل إقامة الدعوى أو عند تقديمها أو أثناء نظرها الى قاضي الأمور المستعجلة أو المحكمة بالاستناد الى ما لديه من المستندات والبينات أو بالاستناد الى حكم أجنبي أو قرار تحكيم وذلك على أموال المدين المنقولة وغير المنقولة وأمواله الموجودة بحيازة الشخص الثالث لنتيجة الدعوى.

  1. إذا قرّرت المحكمة إجابة الطلب بتوقيع الحجز الاحتياطي تكلّف الطالب بتامين نقدي أو كفالة مصرفية أو عدلية تحدد المحكمة أو قاضي الأمور المستعجلة نوعها ومبلغها ويقدمها كفيل مليء يضمن ما قد يلحق بالمحجوز عليه من عطل وضرر إذا ظهر أن طالب الحجز غير محق في دعواه، …
  2. عندما يراد إيقاع حجز على مال يجب أن يكون مقدار الدين معلوما ومستحق الأداء وغير مقيد بشرط وإذا كان مقدار الديْن غير معلوم تعيّن المحكمة مقداره بقرارها على وجه التخمين، ولا يجوز أن يحجز من أموال المدين الا بما يفي بمقدار الديْن والرسوم والنفقات مالم يكن المحجوز غير قابل للتجزئة.)).

تعدّدت التعريفات التي وُضعت للحجز التحفظي، لكنّها متشابه في الجوهر، ومما جاء في ذلك:

  • وضع مال تحت يد القضاء لمنع صاحبه من أن يقوم بأيّ عمل قانوني أو مادي من شأنه إخراج هذا المال أو ثماره من ضمان الدائن الحاجز. ([54])
  • أحد وسائل الحماية القضائية التي تهدف الى ضبط المال مؤقتا لمنع تهريبه ولضمان حسن تنفيذ ما قد يصدر من احتكاك بنتيجة الدعوى ([55])

يمكن أن نخلص الى أن الحجز التحفظي صورة من صور الحماية القضائية يمنع المدين من التصرف بأمواله باي وجه أضرارا بالدائن.

وضع المشرع الأردني في المادّة 141 شروطا موضوعية وأخرى شكلية للحكم بالحجز التحفظي، فأمّـا الموضوعية وهي أولا توافر المصلحة لطالب الحجز، والمصلحة هنا وجود خطر محدق على المال محل طلب الحجز كونه من المسائل المستعجلة التي تتطلب وجود مثل هذا الخطر أو الاستعجال، فعند توافرها فإن للدائن أن يطلب الحجز ولو قبل رفع الدعوى الموضوعية، ثانيا أن يكون مقدار الدين معلوما، ثالثا أن يكون الدين مستحق الأداء، رابعا ألا يكون الديْن معلقا على شرط.

وأمّـا الشكلية وهي تكليف طالب الحجز بتامين نقديّ يكفل الضرر الذي قد يصيب المحجوز عليه جرّاء هذا الحجز.

يتشابه الحجز التحفظي مع الحراسة القضائية بان كليهما من المسائل المستعجلة، وهذا ما نصّ عليه المشرع الأردني في المادّة 32 من قانون أصول المحاكمات المدنية، فجاء فيها: ((يحكم قاضي الأمور المستعجلة بصفة مؤقّـتة مع عدم المساس بأصل الحق بالأمور التالية:

  • من بينها الفقرة الثانية: النظر في طلبات تعيين وكيل أو قيّم أو الحجز التحفظي أو الحراسة أو المنع من السفر)).

  والقيّم هو الحارس القضائي، أما لفظ الحراسة هنا باعتقادي يرجع مدلوله للحراسة القانونية.

من حيث الطبيعة القانونية: فكلاهما من المسائل المستعجلة التي يختص بها القضاء المستعجل، وكلاهما أجراء تحفظيّ مؤقّت لا يمسّ أصل الحق المتنازع عليه، فالغاية منهما حفظ المال وصيانته حتى يُـفصل في النزاع الموضوعيّ.

من حيث الشروط: أن الحراسة القضائية والحجز التحفظي هما من المسائل المستعجلة كما ذكرنا، لذا يجب توافر الشروط العامّة للقضاء المستعجل حتى ينظر فيهما بداية، وهي الاستعجال أو الخطر المحدق على المال محل الحراسة أو الحجز، وعدم المساس بأصل الحق. فبغير هذين الشرطين الموضوعيّين لا ينظر القضاء المستعجل في طلب الحراسة ولا في طلب الحجز.

ومع ذلك فإن لكل منهما شروطا خاصة يجب توافرها الى جانب الشروط العامة:

فالحجز التحفظي يتطلب أن يكون المال محل الحجز معلوما ومعيّن المقدار وغير معلّق على شرط، أما الحراسة القضائية فتـتطلّب أن يكون المال محل الحراسة قابلا للتعامل فيه، اي قابلا لأن يُعهد به الى حارس له القدرة على إدارته وصيانته المحافظة عيه.

الاختلاف بين الحراسة والحجز:
من حيث طالب الحجز أو الحراسة:
  • طالب الحجز يكون في الأصل دائنا ، يخشى على دينه الموجود في حوزة مدينه من أن يقوم هذا ال أخير بإتلاف هذا المال أو تهريبه أضرارا بالدائن وامتناعا منه عن سداد ديْنه ، أما في الحراسة القضائية فإنّ طالب الحراسة ليس بالضرورة أن يكون  دائنا ، ولكن من توافرت له المصلحة ، وثبت وجود خطر عاجل ، كان له طلب الحراسة على المال محل النزاع ، فقد يكون النزاع بين طرفين على الملكية وليست علاقة دائن ومدين ، فيطلب احد الأطراف من القضاء وضع المال المتنازع على ملكيّته تحت الحراسة الى حين الفصل بنزاع المقلية، وقد يكون نزاع بين الشركاء على إدارة الشركة ، فيطلب أحدهم – من تتوافر له المصلحة – من القضاء المختصّ وضع الشركة تحت الحراسة خوفا على الشركة من تدهورها مثلا لعدم وجود مدير يديرها ويحفظها أو لسوء إدارة المدير حاله وعدم أمانته.
من حيث المال محل الحجز أو الحراسة:
  • يحقّ للدائن أن يطلب الحجز على أموال مدينه كلها المنقولة وغير المنقولة بما يفي مقدار ديْنه أو حقوقه، تنص المادّة 365 من القانون المدني: ((مع مراعاة أحكام القانون، أموال المدين جميعها ضامنة للوفاء بديونه وجميع الدائنون متساوون في هذا الضمان)). باستثناء بعض الأموال الضرورية لحياة المدين، ومثال ذلك ما ذكره المشرّع في المادّة 142 من قانون الأصول، والمادّة 60 من القانون المدني التي تتحدث عن أموال الدولة العامّة، والمادّة 95 من قانون العمل والتي تتحدث عن عدم جواز رهن التعويض المستحق للعامل. فالحجز التحفظي يقع على أشياء مادّية منقولة وغير منقولة ، جاء في قرار لمحكمة التمييز الأردنية (( اشترطت المادة 141 من قانون أصول المحاكمات المدنية لإيقاع الحجز التحفظيّ أن يكون الدين معلوما ومستحق الأداء وغير مقيد بشرط ومثبتا بمستندات وبينات تقدم للمحكمة مع طلب الحجز وأن يكون ظاهرها يبرر الاستجابة لهذا الطلب …)) ، فلا يتصور أن يقع الحجز على حق معنوي أو حق شخصيّ ، هذا ما نصت عليه المادّة 366 من القانون المدني الأردني (( لا يجوز للدائن أن يستعمل باسم مدينه من الحقوق ما كان متصلا بشخصه أو غير قابل للحجز مثل حق المسكن وحق الاستعمال )). ولا يشترط في أن يكون المال محل الحجز قابلا للاستغلال أو الإدارة.
 أما الحراسة القضائية:

بالإضافة الى أنها تجوز على المنقولات والعقار، فأنها تجوز على الحقوق المعنوية كحق المؤلّف وبراءة الاختراع والاسم التجاري، والتي يمكن استغلاها مادّيا كإجراء تحفظيّ على مصلحة ذوي الشأن، فمثلا يُعهد الى الحارس بإعادة نشر المؤلـَّـف أو عرض أو صناعة براءة الاختراع وإيداع الناتج من ذلك في خزينة المحكمة حتى يُفصل في أصل النزاع، وهذا ما استقرّ عليه الفقه ([56] ) . ويشترط في المال محل الحراسة أن يكون قابلا للاستغلال والإدارة من قبل الغير فمثلا لا تجوز الحراسة على مكتب المحامي ولا عيادة الطبيب المختص ، وذلك لأنه قد يؤثر على سمعة المحامي أو الطبيب لعدم إمكانية الحارس من إدارة المكتب أو العيادة بالكفاءة والقدرة الكافية ، لما في ذلك أضرار جسيم بحقّهم ، وعلاوة على ذلك هذه المهن مرتبطة بأسرار المراجعين ، والقانون لا يجيز إفشاء الأسرار المهنية ، فالذي يميز الحراسة عن الحجز ، أن  الأول  يتوافر فيها عنصر الإدارة أما الثاني فلا وجود لعنصر الإدارة ، وان احتاج المال المحجوز إدارة واستغلالا ، فتعيّن المحكمة من يقوم بإدارة هذا المال واستغلاله ، تنصّ المادّة 144 من أصول المحاكمات المدنيّة (( يجوز للمحكمة أو قاضي الأمور المستعجلة أن تضع الأشياء والأموال المنقولة المحجوزة تحت يد شخص أمين للمحافظة عليها أو إدارتها حتى نتيجة المحاكمة )) وهنا حراسة قانونية سبق أن اشرنا لها.

نخلص الى أن الحجز والحراسة وجهان لعملة واحدة، فاذا كان المال المحجوز بحاجة الى إدارةٍ واستغلالٍ، جاز لصاحب المصلحةِ أو المحكمة المختصّة تعيين حارس يقوم بإدارة هذا المال والمحافظة عليه حتى الفصل في النزاع موضوع الدعوى. فالحجز والحراسة لهما دورهما المتكامل، فالحراسة تحتاج حجز المال أن كان قابلا للحجز حتى يتسلّمه الحارس ويقوم بمهامّه، والمال المحجوز بحاجة الى حراسة إذا كانت طبيعته تقتضي ذلك كما بينا في المادّة 144 سابقة الذكر.

من حيث تقديم كفالة العطل والضرر:
  • نصّ المشرع الأردني في الفقرة الثانية من المادّة 33 من قانون أصول المحاكمات المدنية: ((على الطالب – اي صاحب الأمر المستعجل – أن يرفق الوثائق التي يستند اليها في طلبه، وللمحكمة أو قاضي الأمور المستعجلة أن يقرّر تكليفه بتقديم تامين نقدي أو كفالة مصرفيه العدلية تحدد المحكمة أو قاضي الأمور المستعجلة نوعها ومبلغها ويقدّمها كفيل مليء يضمن العطل والضرر الذي قد يلحق بالمستدعى ضده إذا ظهر أن المستدعي غير مُحق في طلبه))

والحجز والحراسة كلاهما من المسائل المستعجلة، لكن يكمن الاختلاف هنا في أن الحارس القضائي هو من يقدّم كفالة تراها المحكمة مناسبة، تنص المادّة 155 من ذات القانون ((يترتب على القيّم أن يقدّم الكفالة التي تراها المحكمة مناسبة لضمان ما يلي:

  1. تقديم الحساب عن كل ما يقبضه في المواعيد وبالكيفيّة التي تأمر بها المحكمة.
  2. أن يدفع المبالغ المتحصلة حسبما تأمر المحكمة.
  3. أن يكون مسؤولا عن أية خسارة تلحق بالأموال بسبب تقصيره المتعمّد أو إهماله الشديد.))

فالذي يقدم كفالة في الحجز هو الدائن طالب الحجز، أما في طلب تعيين القيّـم (الحارس القضائي)، يقدّم هذا ال أخير كفالة تراها المحكمة مناسبة لضمان الأموال التي تكون تحت يده

المبحث الثالث : الأساس القانوني للحراسة القضائية

للبحث في الأساس القانوني للحراسة القضائية، يلزم بيان ماورد في التشريع الأردني من نصوص قانونية بشأنها، يظهر لنا من خلالها ما خوّله المشرع للقضاء من سلطة للحكم بالحراسة القضائية، والحالات التي يجيز فيها المشرّع الحراسة القضائية وشروطها وأثارها والتزامات الحارس وحقوقه. وعلى ضوء ذلك جعلنا لهذا المبحث قسمين، الأول الأساس القانوني للحراسة القضائية في القانون المدني، والثاني الأساس القانوني للحراسة في قانون أصول المحاكمات المدنية.

المطلب الأول: الأساس القانوني للحراسة القضائية في القانون المدني رقم 43 لسنة 1976م

جعل المشرع الأردني فصلا خاصّا للحراسة في القانون المدني اسماه بعقد الحراسة، في باب العقود الواردة على العمل، نص على الحراسة في المواد (894 – 908)، وعرّف الحراسة في المادّة 894 وتبين أنه قصد منها الحراسة الاتفاقية، أما الحراسة القضائية فقد خصّص لها المشرع باقي مواد فصل الحراسة، وعددها أربعة عشر، ولو أن بعضها جاء بأحكام مشتركة بين الحراستين الاتفاقية والقضائية.

أعقبتها المادّة 895 والتي أجاز فيها المشرّع تعدد الحرّاس ((إذا اتفق المتعاقدان على وضع المال في يد شخصين أو أكثر فلا يجوز لأحدهم الانفراد بحفظه أو التصرّف في غلّته بغير قبول الباقين)).

ثم المادّة 896 والتي نصّت على الحراسة القضائية وبينت الركن الأساسي لها وهو الخطر العاجل والذي يقدّره القاضي المختص بناء على سبب عادل .(( يجوز لاحد المتنازعين على مال عند عدم الاتفاق أن يطلب من القضاء دفعا لخطر عاجل أو استنادا لسبب عادل تعيين حارس يقوم باستلام هذا المال لحفظه وإدارته أو تخويله ممارسة اي حق يرى فيه القضاء مصلحة للطرفين )) ، فالمشرّع أعطى القضاء سطلة واسعة مرنة تتماشى مع أهميّة الحراسة ، فالقضاء يستند الى الأسباب المعقولة العادلة التي يراها من ظاهر الظروف المحيطة ليحكم بفرض الحراسة لوجود الخطر العاجل . ولا شكّ في أنّ هذه المّادة هي الأساس القانوني للحراسة القضائية في التشريع الأردني، والذي يستند اليه القضاء للحكم بالحراسة.

وتطبيقا للحراسة القضائية نصت المادّة 897 على جواز الحراسة القضائية على الوقف لكن بشروط محددة حصرا لا مجال للتوسّع فيها، وذلك لحرمة هذا المال وشخص الوقف، إذا تبين أن الحراسة أجراء لا بدّ منه للمحافظة على ما قد يكون لذوي الشأن من حقوق. ويقابلها في القانون المدني المصري المادّة 731 والتي اشترطت نفس الشروط وكأن المشرّع الأردني أخذ النصّ بشروطه، وهذا دلالة على أهمية أموال الوقف. وسنفصّل في ذلك لاحقا

أعقبتها المادّة 898 التي بيّنت أن المبدأ في الحراسة القضائية ليس عدم الاتفاق على شخص الحارس، بل هو عدم الاتفاق على الحراسة ذاتها بين أصحاب الشأن، فهنالك فرق بين أن يتفق أصحاب الشأن على مبدا الحراسة أولا، ثم يختلفوا على شخص الحارس، فهذه تبقى حراسة اتفاقية، للاتفاق على مبدا الحراسة. حيث نصّت المادّة: ((إذا لم يتفق أطراف النزاع على شخص الحارس تولّت المحكمة تعيينه)).

ثم المادّة 899 التي بيّنت سلطة الحارس وحدودها، فإما أن يُتفق عليها في العقد أن كانت الحراسة اتفاقية، أو تُحدد بأمر القضاء إن كانت الحراسة قضائية. فإن تجاوز حدود سلطته يكون مسؤولا وضامنا عمّا تجاوز به.

نصّ المشرع بعد ذلك على أحكام مشتركة بين الحراستين، أما أن يكون الاتفاق قد حدّدها، أو الحكم الصادر بفرض الحراسة، حيث جاء في المادّة 900 ((يحدّد الاتفاق أو الحكم الصادر بفرض الحراسة حقوق الحارس والتزاماته وما له من سلطة، وإلا طـُبقت أحكام الوديعة والوكالة بالقدر الذي لا تتعارض مع طبيعة الحراسة والأحكام المنصوص عليها في هذا الفصل.))

   والمواد من 901 – 908 تحدثت عن الأحكام الخاصة بالحراسة وآثارها، وما يستحق الحارس من حقوق وما عليه من التزامات، ومتى تنتهي الحراسة وكيفيّتها.

المطلب الثاني: الأساس القانوني للحراسة القضائية في قانون أصول المحاكمات المدنية رقم 24 لسنة 1988م

نظـّم المشرّع الأردني في قانون الأصول موادًّ خاصة بالقضاء المستعجل الذي يهدف الى حماية الحق مؤقّتا الى حين الفصل في النزاع، فجاءت المادّة 32 تبيّن المسائل المستعجلة من بينها الحراسة القضائية أو طلب تعيين قيّم على مال، حيث تنص المادّة ((يحكم قاضي الأمور المستعجلة بصفة مؤقتة مع عدم المساس بأصل الحق بالأمور التالية، على أن هذا لا يمنع من اختصاص محكمة الموضوع أيضا بهذه المسائل اذا رُفعت لها بطريق التبعية:

  1. المسائل المستعجلة التي يخشى عليها من فوات الوقت
  2. النظر في طلبات تعيين وكيل أو قيم على مال أو الحجز التحفظيّ أو الحراسة أو المنع من السفر
  3. الكشف المستعجل ل إثبات حالة
  4. دعوى سماع الشاهد الذي يُخشى فوات فرصة الاستشهاد به على موضوع لم يُعرض بعد على القضاء ويحتمل عرضه عليه))

ولا شكّ في أن هذه المادّة هي الأساس القانوني لاعتبار الحراسة القضائية من الأمور المستعجلة التي يختص بها القضاء المستعجل أو محكمة الموضوع إذا رُفعت لها بطريق التبعية، ونظّم لها إجراءات خاصّة، حيث جاءت المواد 153-156 مكمّلة لما نصّ عليه المشرع في القانون المدني.

حيث تنصّ المادّة 153: ((1. في كل قضية يقدم طلب تعيين وكيل أو قـيـّم على مال أو تقرر فيها الحجز على مال وطلب تعيين قيـّم عليه، يجوز للمحكمة أن تقرر:

  • تعيين قيم على ذلك المال من ذوي الاختصاص والخبرة سواء أكان الطلب قبل صدور القرار بالحجز أو بعده
  • رفع يد اي شخص عن التصرف بالمال أو أخذه من عهدته
  • تسليم المال الى القيّم أو وضعه في عهدته أو تحت إدارته
  • تخويل القيّم ممارسة جميع أو بعض الصلاحيات التي يحق لصاحب المال ممارستها بنفسه
  1. يجب على المحكمة قبل أن تصدر قرارها بتعيين قـيّـم أن تأخذ بعين الاعتبار قيمة المال المطلوب تعيين قيم عليه ومقدار الديْن الذي يدّعيه مقدّم الطلب أو النفقات المُحتمل إنفاقها بسب تعيينه))

ولا جدل أن هذه المادّة مكمّلة لما جاء في المادّة 32 من ذات القانون، حيث فصّلت في مسألة تعيين القيّـم، فالمادّة 32 والمادّة 153 هما الأساس القانوني للحراسة القضائية في قانون أصول المحاكمات المدنية.

ثم المادّة 154 والتي تحدثت عن مكافأة الحارس، وان المحكمة هي من تحدد ذلك كأجر له على حفظه للمال. والمادّة 155 نصت على الحالات التي يتوجب على القيم تقديم كفالة مالية تراها المحكمة مناسبة للأسباب التالية:

  • تقديم حساب عن كل ما يقبضه في المواعيد وبالكيفية التي تامر بها المحكمة
  • أن يدفع المبالغ المتحصّلة حسبما تأمر المحكمة
  • أن يكون مسؤولا عن أيّة خسارة تلحق بالأموال بسبب تقصيره المتعمد وإهماله الشديد.

أعقبتها المادّة 156 التي أجازت للمحكمة الحجز على أموال القـيّـم وبيعها بمقدار ما استحق عليه وما تتلافى به الخسارة التي سبّبها وذلك لتخلفه عما جاء في المادة 155 السابقة.

هكذا ومع نهاية هذا الفصل نكون قد بيّنا مفهوم الحراسة القضائية وطبيعتها القانونية وذكرنا أهم ما يميّزها عن غيرها من إجراءات وعقود، وأساسها القانوني في التشريع الأردني.

الفصل الثاني : قيام الحراسة القضائية

حتى يصحّ الحكم بالحراسة القضائية لابدّ من توافر شروط لها، وقبل توافر شروط الحراسة الخاصّة، لابدّ من توافر الشروط العامّة للقضاء المستعجل، وجود الخطر العاجل الذي يهدّد المال محل طلب الحراسة، وعدم المساس بأصل الحق، باعتبار الحراسة من الأمور المستعجلة.

لقد أجمع الفقه ([57]) على أن للحراسة القضائية ثلاثة شروط وهي كالاتي:

  • أن يقوم في شان المال محل الحراسة نزاع جدي، وزاد المشرع المصري أن يكون الحق فيه غير ثابت (أي مقيّد بشرط فاسخ أو واقف).
  • أن يكون لرافع الدعوى مصلحة في وضع هذا المال تحت الحراسة.
  • أن يتوافر الخطر من بقاء هذا المال تحت يد حائزه.

وقد استقرّت محكمة التمييز الأردنية في اجتهاد لها على أن شروط الحراسة القضائية كالآتي ([58]):

  • أن يكون هنالك نزاع على مال بين الطرفين المتنازعين وعدم الاتفاق بينهما على وضعه بيد شخص.
  • أن يكون هنالك خطر على مال وله صفة الاستعجال.
  • أن يكون المال موضوع الطلب قابلا لأن يُعهد بحراسته الى قيــّم.
  • كما يجب أن يتوافر شرط الاستعجال المنصوص عليه بالمادة 32 من قانون أصول المحاكمات المدنية دون المساس بأصل الحق المدّعى به.

المبحث الأول  : شروط الحراسة القضائية

المطلب الأول  : النزاع الجدي في شأن المال محل الحراسة

نصّت المادّة 896 من القانون المدني الأردني (يجوز لاحد المتنازعين على مال عند عدم الاتفاق أن يطلب من القضاء دفعا لخطر عاجل أو استنادا لسبب عاجل تعيين حارس …))، فما هو هذا النزاع؟ وما دلالته؟

مدلول عبارة النزاع الواردة في نص الحراسة القضائية:

أن عموم لفظ النزاع الوارد في المادة 896 وعدم تقييده بنوع معين، يدل على أن المشرع الأردني قد صرفه الى اي نزاع بين طرفين يقوم في شان مال سواء عقار أو منقول أو (مجموع من المال كما ورد في المادّ 730 من القانون المدني المصري)، فلم يستلزم النصّ لاعتبار الشيء متنازعا عليه أن يقوم في شانه دعوى أمام القضاء، بل يكفي لتوافر شرط النزاع الذي يتطلبه المشرع، وجود مجرّد خلاف بين صاحبي المصلحة فيه. ” فعبارة النزاع عامّة مطلقة تشتمل على جميع أنواع النزاع الذي يقوم في شأن منقول أو عقار أو مجموع من المال، وهي بهذا العموم والإطلاق قد جاءت من المرونة بحيث تتّسع لأن تواجه بها المحاكم أحوال حراسة عديدة “( [59] ).

مع ذلك يشترط للنزاع المبرّر للحراسة أن يكون جديا، ولا تفترض جدّيـّة النزاع من مجرد رفع دعوى أمام القضاء، فقد يكون المقصود من رفع الدعوى الموضوعية خدمة دعوى الحراسة، وإنما يجب أن يثبت قيام النزاع الجدّي المبرر للحراسة من وقائع دعوى الحراسة ذاتها وملابساتها ومن ظاهر المستندات المقدّمة من أطرافها ([60]).

جاء في مدلول النزاع الجدي: ((أن يكون متعلقا بالشيء المطلوب وضعه تحت الحراسة، وأن يكون المقصود من الفصل في النزاع رفع اليد الموضوعة على الشيء المتنازع فيه، فمعنى جدّيـّة النزاع أن يكون على أساس من الصحة تؤكده المستندات وتحقّق وجوده وقائع الدعوى، فعبارة النزاع مرنة عامّة تتسع لحالات عديدة تحت رقابة القضاء .([61])

واذا ما قارنّا بين المادّة 896 من القانون المدني الأردني والمادّة 730 من القانون المدني المصري، نجد أن المشرع المصري لم يكتفِ بضرورة توافر النزاع الجدّي وإنما جعل هذا الشرط اكثر مرونة فأضاف عبارة ((أو أن يكون الحق فيه غير ثابت))، ومعنى ذلك أنه قد لا يكون هنالك نزاع بين الطرفين، فيكفي كون الحق غير ثابت للحكم بالحراسة، ومعنى غير ثابت اي أن يكون الحق معلّقا على شرط فاسخ أو شرط واقف، كالملكيّة والحيازة ، قد يكون فيها الحق غير ثابت وغير مستقرّ على طرفي النزاع . وفي هذا توسّع إيجابي في نطاق الحكم بالحراسة القضائية، لمواكبة الضرورات التي تستدعي فرض الحراسة حماية لحقوق ذوي الشأن، بخلاف المشرّع الأردني الذي أوجب وجود نزاع جديّ على مال، ولا يكفي أن يكون الحق فيه غير ثابت.

نضرب مثالا على ذلك، إذا اشترى شخص بيتا في منطقة لا يسكنها وعلّق الشراء على شرط واقف وهو أن يسكن المنطقة التي فيها البيت، فالمشتري له حق ملكية البيت لكنّه معلق على شرط واقف. والبائع له حق ملكية في نفس البيت لكنّه معلق على شرط فاسخ. فإذا كان البيت في يد البائع وتوقع أن الشرط الواقف سيتحقّق، أخذ يسيء استعمال البيت ويخرّبه فيهدد بذلك حق المشتري المعلق علق على شرط واقف، جاز للمشتري أن يطلب وضع الدّار تحت الحراسة القضائية انتظارا لتحقق الشرط. والحق هنا غير متنازع فيه، لكنّه حق غير ثابت لأنّه معلّق على شرط واقف.

سلطة القاضي في تقدير النزاع المبرر للحراسة

لقاضي النزاع سلطة مطلقة في تقدير الظروف التي تبرّر اتخاذ أجراء الحراسة على الأموال المتنازع عليها سواء في تقديره لطبيعة النزاع نفسه أو للقيمة الظاهرية كمستندات الخصوم أو للظروف الواقعية وخصوصا توقع حصول خطر أو تلف أو ضياع أو نقص في هذه الأموال أو في ثمرتها، إذا بقيت في حيازة واضع اليد عليها ([62]).

استقرّت محكمة التمييز الأردنية في اجتهاد لها على أن: ((يستفاد من نص المادّة 896 من القانون المدني أن المال المطلوب تعيين قيّـم أو حارس قضائي عليه حارس عليه، أن يكون محل نزاع ولم يتفق الطرفان على تعيين قيـّم اتفاقا. إذا تبين أن هنالك عدة قضايا أو مطالبات بين أطراف الشركة المطلوب وضع حارس قضائي عليها، فإن هذا يشير بوضوح الى وجود نزاع جديّ بين الشركاء، وان هناك خطرا عاجلا يهدّد مصالح ذوي الشأن في الشركة، مما يستدعي تعيين قيّم عليها لاستلام أموال الشكرة وحفظه وإدارته)) ([63])

 أمثلة على النزاع الجدي ([64] ) :

  • النزاع بين البائع والمشتري ودفع الثمن وتسليم المبيع:

يدخل النزاع بين البائع والمشتري في عموم نصّ المادّة 896 من القانون المدني الأردني ، والحراسة لم تشرع كوسيلة للوفاء بالثمن الاّ اذا تجمّعت لدى البائع أو المشتري الأسباب القويّة المعقولة  ( الأسباب العادلة ) ما يخشى معها المساس بضمان البائع وحقه في الحصول على الثمن كأن يُحدث المشتري تغييرات بالعين المبيعة أو يسيء استعمالها أو يُهمل زراعتها فيجوز وضعها تحت الحراسة ضمانا لحقوق البائع ومحافظـة عليها ، وكذا المشتري يجوز له وضع العين المبيعة تحت الحراسة للمحافظة على حقوقه قبل البائع الذي استلم الثمن ولم يقم بالتزامه بتسليم الشيء المبيع وأصبح في حالة يُخشى عليها من الضياع .

  • النزاع بين المؤجر والمستأجر على المنفعة والأموال المؤجّرة وطريقة الاستغلال.

يجوز وضع العين المؤجرة أو العقار المؤجر تحت الحراسة القضائية بناء على طلب المؤجر أو المستأجر أن حصل نزاع بشأنها، فيجوز للمؤجر وضع العين المؤجرة تحت الحراسة أن أهمل المستأجر في زراعتها أو تأخر عن دفع الإيجار المترتب عليه، فتكون مهمة الحارس جمع المحاصيل المحجوز عليها وإيداع ثمنها في خزينة المحكمة خشية عليها من التلف أو نقص في سعرها، فشرط الحراسة وجود خطر عاجل على حق المؤجر، وكذا يجوز تعيين حارس على العقارات المؤجّرة على تجديد عقد الإيجار حتى يُقضى موضوعيا في النزاع.

  • النزاع بـين الشركاء على الشيوع على مقدار الأنصبة وقسمتها وإدارتها واستغلالها.
  • النزاع بين الشركاء والمديرين في الشركة ومجلس الإدارة بالجمعيات والنقابات وغيرها.

المطلب الثاني : الخطر أو الاستعجال

نصت المادة 896 من القانون المدني الأردني ((… أن يطلب من القضاء دفعا لخطر عاجل أو استنادا لسبب عادل تعيين حارس))، فالمشرع الأردني قيـّد نصّ الحراسة بقيد الخطر العاجل أو السبب العادل، أما عبارة الخطر الواردة بالنّص، فلم يأتِ بها المشرّع مضيفا حكما جديدا للحراسة، فالمشرع اعتبر الحراسة القضائية من المسائل المستعجلة ، اي توافر الخطر الذي يهدد مصلحة ذوي الشأن ، ولا يدفعه (اي الخطر) الا وضع المال تحت الحراسة . فسواء أذكر المشرّع الخطر العاجل في نصّ المادّة السابقة صراحة أم لم يذكرها، فهو معتبر ضمنا في جميع دعاوى الحراسة. والظاهر أن ذكرها هنا إنما من قبيل التقرير والتأكيد.

أمّـا عبارة السبب العادل، فباعتقادي أنّ الغاية من ذكرها هو لبيان دور القضاء ومهمّته في تقدير درجة الخطر الذي يهدّد مصلحة طالب الحراسة وما يبرّر هذا الخطر من أسباب عادلة ومعقولة، والناظرُ في نصّ المادّة 730 من القانون المدني المصري، يجد أن المشرّع المصري، اشترط نفس الشروط من توافرٍ للخطر العاجل ودور القضاء في تقدير هذا الخطر من أسباب معقولة يستـدلّ عليها من ظاهر البيّنات والمستندات.

هل الخطر العاجل يختلف عن الاستعجال؟

يقول السنهوري : (( الخطر العاجل و الاستعجال ليسا أمرين مختلفين بل هما امر واحد  فحيث يوجد خطر عاجل يكون الأمر مستعجلا ، ويدخل في اختصاص القضاء المستعجل كما يدخل في اختصاص  محكمة الموضوع باعتباره أمرا مستعجلا يقتضي اتخاذ أجراء تحفظيّ هو وضع المال تحت الحراسة القضائية …، وهنالك من فرّق بين الخطر العاجل والاستعجال وهذا التفريق لا مبرّر له فليست هنالك درجات متفاوتة في الخطر العاجل والاستعجال ، ومادام الخطر عاجلا فهذا هو الاستعجال الذي يعقد للقضاء المستعجل اختصاصه ، وقد استُعمل تعبير ” الخطر العاجل ” مقابلا ومطابقا لتعبير “الاستعجال” في اختصاص القضاء المستعجل . )) ([65]).

والخطر العاجل أو الاستعجال شرط موضوعيّ في الحكم بالحراسة حتى لو رُفعت أمام القضاء المستعجل، ويترتب على ذلك ([66]):

  • إذا رفعت الدعوى أمام القضاء المستعجل ورأى القاضي أن الشرط لم يتوفر جاز أن يحكم برفض الدعوى لا بعدم الاختصاص.
  • إذا رفض القضاء المستعجل دعوى الحراسة لعدم توافر الشرط، لم يجُـز رفعها أما محكمة الموضوع، إذ أن الدعوى قد تخلف فيها شرط موضوعيّ يتعين رفضها حتى أمام محكمة الموضوع، وذلك مالم تتغير الحالة وتنشأ ظروف جديدة يتحقق معها قيام الخطر العاجل.
  • إذا رفعت دعوى الحراسة أمام محكمة الموضوع، جاز الدفع بانتفاء الخطر العاجل في اي حالة كانت عليها الدعوى حتى أمام محكمة الاستئناف لأول مرة.

ومهما يكن من اختلاف وجهات النظر في تحديد معنى الخطر الموجب للحراسة ، فإن الذي يتـبيَّن من استقراء أحكام المحاكم أنها قد استقرت على وجوب فرض الحراسة كلّما كان استمرار يد الحائز على المال يهدّد مصلحة طالب الحراسة ، كأن يكون الحائز مغتصبا أو مسلوب الإرادة أو غير أمين أو مُعسر أو مهمل أو أتى عملا تدليسيّا يضرّ بمصلحة طالب الحراسة ، وغنيّ عن البيان أن الاستعجال لا يخضع لمعيار ثابت ، رغم المحاولات التي بَـذَلها الفقه والقضاء في وضع ضوابط تقريبيّة لها ، ومن ثـمّ كان تقدير وجه الاستعجال والتقرير بقيامه يرجع الى ظروف كلّ دعوى على حده . ([67])

لقد أحسن المشرع الأردني إذ قيـّد الحراسة بالإضافة للخطر العاجل، بشرط السبب العادل، فالقضاء هو الذي يفصل في كون الخطر عاجلا ام لا من ظاهر البيّنات والمستندات ووقائع الدعوى ومناقشة الأطراف، وليس للخصوم دور في تحديد معيار الخطر العاجل. فليس الخصوم من يُضفي على الخطر صفته أو لمجرد اتفاقهم عليه، وإنما ظاهر البينات وقناعة المحكمة.

جاء في قرار لمحكمة التمييز الأردنية بخصوص الخطر العاجل ، حيث أنّه (( وعن شرط السبب العادل الذي يقتضي تعيين حارس قضائي على الشركة المُمَيـّـز ضدّها فإنه لا يتبين من ظاهر البيّنة أن هناك شيئا عادلا يقتضي تعيين حارس قضائي على المميّز ضدها  الأول ى وبذلك فان هذا السبب غير متوفر ، وحيث انه يُشترط لانعقاد اختصاص قاضي الأمور المستعجلة شرطي الاستعجال وعدم المساس بالحق وهذان الشرطان يتعلقان بالنظام العام كما هو واضح من نصّ المادّة (32) أصول مدنية ، وحيث أن الاستعجال ينبع من طبيعة الحق المتنازع عليه وماهيّة الإجراء الوقتيّ المطلوب المحافظة عليه ، وعلى ذلك فليس للخصوم أن يسبغوا متى شاءوا دعواهم صفة الاستعجال تُقبل أمام القضاء المستعجل ذلك أن الاستعجال ليس وصفا وإنما هو حالة ستظهرها قاضي الأمور المستعجلة دون رقابة عليه في ذلك من محكمة التمييز وتختلف باختلاف كل دعوى ، وقد عرّف الفقه والقضاء الاستعجال بأنه الخطر الحقيق المحدق بالحق المطلوب حمايته بإجراء وقتيّ والذي يلزم درؤه عنه بسرعة لا تكون عادة في التقاضي العادي ولو قصرت مواعيده .))([68]) .

وتطبيقا على ذلك  ، جاء في حكم أخر لمحكمة التمييز الأردنية  أنّه :  (( ومن استقراء هذا النصّ (اي نص المادّة 894 مدني) نجد أن المدّعى عليهم يملكون 67.5 % من الشركة المدّعى عليها  الأول ى وانّه لا يوجد خطر عاجل يهدد  الشركة سواء بالإفلاس أو أن مديونيتها تفوق رأسمالها أو أن هناك سبب عادل يدعو الى تعيين حارس قضائي لإدارتها ، حيث ما يظهر من الوثائق والميزانيات المقدمة في ملف الدعوى أن الشركة تعمل و بصورة جيّدة وتزود السوق الأردني وبعض الأسواق المجاورة من عام 1998 وتحقق أرباحا أحيانا وان ظاهر ما ورد في لائحة الدعوى والبيّنات المقدّمة أن المدعي وبسبب أقصائه عن إدارة الشركة طلب فسخها وتصفيتها وتعيين قيّـم عليها .))([69]).

المطلب الثالث : قابلية المال للتعامل فيه

ومعنى ذلك أن يكون قابلا لان يعهد بحراسته الى قيـّم، وراينا أن المشرع الأردني لم يشترط في نص الحراسة القضائية شروطا معينة في المال محل الحراسة وإنما اكتفى بقوله ((يجوز لاحد المتنازعين على مال)) ولفظ المال عام مطلق لم يحدد نطاقه، وراينا أن المشرع المصري قد فصّل في لفظ المال محل الحراسة في المادّة 730 من القانون المدني المصري، فذكر انه ((في المنقول والعقار ومجموع المال )) ، فالنصّ المصريّ اكثر وضوحا من النص الأردني . وبسبب هذا الشمول في لفظ المال وضع الفقه ما يوضح ما عناه المشرّع في لفظ المال، فوضع عدة تقسيمات للمال محل الحراسة كالآتي ([70]):

 1. المنقول والعقار ((ومجموع المال حسب التشريع المصري)):

حيث إن لفظ المال في النصّ الأردني يشمل المنقول والعقار ومجموع المال (مثل الشركات والمؤسسات والجمعيات والتركة وما الى ذلك)، كلما كان هناك نزاع، جاز وضعها تحت الحراسة القضائية.

2. الحقوق الشخصية والمعنوية:

في الأصل لا يجوز أن تكون الحقوق الشخصية محلّا للحراسة القضائية استقلال، لأنه ليس لها اي مظهر مادّي، فضلا عن أن الدائن يستطيع التوصل الى حقوقه الشخصية المترتبة في ذمة مدينه عن طريق توقيع حجز ما للمدين لدى الغير بالطرق والأوضاع المبيّنة في قانون أصول المحاكمات المدنية، فالقول بجواز فرض الحراسة القضائية ضمانا لاستيفاء الديون، يُخرجها عن طبيعتها القانونية باعتبارها وسيلة من وسائل التحفظ ويجعلها من نوعا من التنفيذ على أموال المدين.

الا أنه استثناء على الأصل أجاز المشرّع فرض الحراسة للوفاء بالديون في الأحوال التي نص عليها القانون كالحراسة على الوقف لدين في ذمة الوقف أو الواقف أو المُستحِق، أو عند وجود اتفاق صريح بين الدائن ومدينه على وضع أموال المدين تحت الحراسة القضائية وفاء لديونه. ففي هذه الحالة ينفذ الاتفاق احتراما لإرادة المتعاقدين ([71]).

أما الحقوق المعنويّة، اتجه البعض الى عدم جواز الحراسة القضائية على الحقوق المعنوية لان الحراسة – حسب هذا الراي – إيداع شيء منقول أو عقار في يد الحارس بقصد المحافظة على حقوق أصحاب الشأن فيه، فالحقوق المعنوية لا يقع عليها فعل الإيداع، لأنه ليس لها اي مظهر مادّيّ ملموس يعير عن وجودها. لكن هذا الراي قد اغفل طبيعة الحراسة القضائية أنها أجراء تحفظي مؤقت ونيابة قانونية وقضائية وليست مجرد عقد كالوديعة ، ويتّجه الرأي الراجح في الفقه([72]) الى جواز وضع الحقوق المعنوية تحت الحراسة القضائية اذا كان من الممكن استغلالها مادّيا ، ومن ثـمّ فليس هنالك ما يحول دون فرض الحراسة القضائية على حق المؤلّف أو براءة الاختراع كإجراء تحفظيّ ، يُراد منه المحافظة على مصالح ذوي الشأن ،  إذ يجوز أن يُعهد الى الحارس بإعادة نشر أو عرض أو صناعة أو نسخ للمصنّف محل النزاع وإيداع الناتج  من الإيراد خزانة المحكمة الى أن تفصل ال أخير ة في اصل النزاع .

3. الحقوق والديون والالتزامات:

حيث ثار خلاف على جواز وضع الحقوق والديون تحت الحراسة القضائية للمطالبة بها واستيفائها، فيرى البعض أن الحراسة لا تقع الا على شيء مادّي وفضلا على أن الدائنين بإمكانهم أن يتخذوا من طرق التنفيذ التي نصّ عليها القانون ما يمكّنهم من استيفاء ديونهم كالحجز التحفظي على أموال المدين.

والبعض الأخر يرى جواز فرض الحراسة على الديون والحقوق بحجة أن دعاوى المدين قد لا تحمي الدائنين الحماية الكافية من تصرفات مدينهم وان طرق التنفيذ العادية قد تتعذر بسبب ما يقوم به المدين من عرقلة التنفيذ أضرارا بحقوق الدائنين، والاهم من ذلك لا يوجد فرق بين الأشياء المادّية والمعنوية إذا كان السبب الذي توضع من اقله تحت الحراسة القضائية هو الخوف عليها من الضياع، وهذا هو الراي الراجح ([73]). فبعض الأحكام تجيز الحراسة على الديون إذا كوّنت جزءا من مال موضوع تحت الحراسة أو إذا كانت هذه الديون متنازع عليها.

أرى هذا الراي ال أخير أقرب الى الواقع، فبما أن الغاية من وضع أموال المدين تحت الحراسة هو الخوف عليها من الضياع أو سوء نية المدين أو سوء تصرفه، فيتحقق بذلك خطر يستدي وضع ماله تحت حراسته.

شروط المال محل الحراسة القضائية:

استقر اجتهاد لمحكمة الاستئناف الأردنية بخصوص شروط المال محل الحراسة، حيث جاء فيه ((يجب لإمكان تعيين الحارس القضائي إمكان استلام هذا المال لغايات حفظه وإدارته وممارسة اي عمل لتحقيق مصلحة الطرفين)) ([74]) وبالتالي فإنه يشترط للمال حتى يصحّ محلا للحارسة القضائية ما يلي ([75]):

أولا: قابليّة المال للتعامل

ومعنى أن يكون المال قابلا للتعامل فيه أن يخرج من ذلك الأموال المخصّصة لخدمة أو منفعة عامة، فتعتبر المصالح العمومية ذات الصفة التجارية أو الصناعيّة أو لها هيئة مستقلة بميزانياتها وإدارتها التي تتولى الدولة إدارتها أو استغلالها كالمؤسسات الاستهلاكية، ومصفاة البترول، فهذه خدمات تقدّم منفعة عامة لا يجوز للقضاء التدخل في شؤونها وفرض الحراسة القضائية عليها لما في ذلك من مخالفة لمبدأ الفصل بين السلطات الذي أقره الدستور.

أحيانا قد تعهد الدولة الى فرد أو شركة بطريق الالتزام إدارة احدى المرافق العامة مثل شركة الكهرباء والنقل، فبالنسبة للعلاقة بين الملتزم والدولة فهي علاقة تخضع لأحكام القانون الإداري، وبالتالي ليس للقضاء سلطة في وضع هذه المرافق تحت الحراسة القضائية، أما بالنسبة للعلاقة بين الملتزم والمنتفعين، فهذه العلاقة تخضع لأحكام القانون المدني، فينبني على ذلك جواز وضع هذه الأموال تحت الحراسة القضائية بتوافر شروطها.

ثانيا: قابلية المال للحجز

قد يتعارض أجراء الحراسة مع ما يقرّره المشرّع من حماية لبعض الأموال من توقيع الحجز عليها، فمثلا الحيوانات اللاّزمة للزراعة إذا كان المدين مزارعا فهذه غير قابلة للحجز بنص القانون في المادّة 142 من قانون الأصول، واستثناء على ذلك انه اذا كانت الحراسة ليست من اجل الدين وإنما طـُلبت لسبب آخر كنزاع على ملكية أو على الإدارة، فإجراء الحراسة هنا يكون الغرض منه المحافظة على حقوق أصحاب الشأن من المزارعين، لذلك يكون الحكم بالحراسة والحالة هذه جائزا.

ثالثا: قابليّة المال للاستغلال

ثار خلاف ([76]) حول ما اذا كان شرط قابلية المال للاستغلال واجبا توافره لفرض الحراسة ام لا، فيرى البعض أن المال يجب أن يكون متقوّما، يكون الغرض من وضعه تحت الحراسة نزعه من واضع اليد عليه واستغلاله بمعرفة حارس، ورتّبوا على ذلك عدم جواز وضع إدارة مدرسة للتعليم الابتدائي تحت الحراسة لان مهم المدرسة تعليمية تـثـقيـفيّة هدفها تعليم الطلاب وتثقيفهم وليس من ورائها استغلال مادّي حتى يجوز نزع إدارتها ممن يديرها وتكليف حارس قضائي ليجمع المال منها ويوزعها على الشركاء ([77]) .

والراي السابق اشترط أن يكون محل الحراسة مالا قابلا للاستغلال المادي الملموس، لكن الرأي الراجح ذهب الى جواز الحراسة على المعاهد والمدارس وأن يكون دور الحارس القضائي القيام بمهمة تعليميّة تثقيفيّة، إذا رأى ذوو الشأن والمشرفون على التعليم أن إدارة المدرسة قد سادها الاضطراب وسوء الإدارة، وأصبح يُخشى على سير التعليم فيها ([78]). فلا يوجد ما يبرّر قصر الحراسة على الأشياء المادّية القابلة للاستغلال المادّي.

رابعا: قابلية المال للإدارة بواسطة الغير

ذهب رأي الى انه إذا كان الشيء المتنازع عليه مما لا يمكن إدارته بواسطة الغير، فلا يجوز

تعيين حارس قضائي عليه، وقد سايرت بعض المحاكم هذا الرأي فقضت بعدم جواز فرض الحراسة على صيدلية ([79])، فمن واجبات الحارس إدارة الشيء موضوع الحراسة، وحيث أن الحارس قد يعجز عن ادرأه هذا المال وهذا الراي غير سديد، لأن للقاضي كامل السلطة في اختيار الحارس الذي يصلح أن يكون أهلا لإدارة المال محل النزاع، فبالنسبة الى الصيدلية، كان في مقدور القاضي أن يعيّن أحد الصيادلة على الصيدلية المتنازع على ملكيتها حارسا عليها.

هل تجوز الحراسة على مكتب المحامي أو عيادة الطبيب؟

يذهب الرأي الراجح ([80]) الى عدم جواز الحراسة القضائية على مكتب المحامي أو عيادة الطبيب، لان ذلك مما يعدّ بمثابة حجر عليه يسلبه حريته في مزاولته لمهنته كما يفقده كرامته ويحطّ من سمعته وينتقص من ثقته أمام وكلاءه أو مراجعيه، فضلا عما يترتب على ذلك من إفشاء لأسرار المهنة التي اؤتمن المحامي أو الطبيب عليها، والتي سيصبح الحارس عالما بها بحكم إدارته لأعمال المكتب أو العيادة، الأمر الذي فيه مخالفة للقانون. ونرى صواب هذا الرأي

هل يشترط أن يكون المال محل الحراسة معيّن المقدار ومحدد القيمة؟

نصت المادّة 154 في الفقرة الثانية من قانون أصول المحاكمات المدنية ((ويجب على المحكمة قبل أن تصدر قرارها بتعيين قيـّم، أن تأخذ بعين الاعتبار قيمة المال المطلوب تعيين قيـّم عليه ومقدار الدين الذي يدّعيه مقدم الطلب والنفقات المحتمل إنفاقها بسبب تعيينه))، فهل يُفهم من هذا النصّ لزوم أن يكون المال محل الحراسة القضائية معين القيمة ومحدد المقدار؟

استقرّ اجتهاد لمحكمة التمييز الأردنية على أن ه ليس شرطا في المال محل الحراسة أن يكون محدد القيمة ومعين المقدار ولا يعتبر سببا لرد طلب الحراسة ( تعيين قيّم) ، حيث جاء فيه ((أن الفقرة الثانية من المادة 97 ( والمعدلة حاليا بالمادّة 154 ) من قانون أصول المحاكمات المدنية توجب على المحكمة أن تأخذ بعين الاعتبار قيمة المال المطلوب تعيين قيم عليه ومقدار الدين المدّعى به والنفقات المحتمل إنفاقها بسببه وذلك لكي لا يُرهق الطلب الفرقاء أو تكون نفقات تعيين قيم لا تتناسب مع المدعى به ، ولم توجب رد الطلب اذا كان المال محل النزاع غير معيّن المقدار وغيور محدد القيمة ))([81])

المطلب الرابع: عدم المساس بأصل الحق

نصت المادة 32 من قانون أصول المحاكمات المدنية وهي الأساس القانوني للقضاء المستعجل ((يحكم قاضي الأمور المستعجلة بصفة مؤقتة مع عدم المساس بأصل الحق…)).

يعتبر شرط عدم المساس بأصل الحق من الشروط الموضوعية العامّــة والتي يجب توافرها في الطلب أو الدعوى المستعجلة حتى يختصّ القضاء المستعجل بنظرها، وحتى يقوم شرط عدم المساس بأصل الحق وجب توافر أمرين، الأول العنصر الوقتي، والثاني العنصر التحفظي، نناولهما بالتفصيل الاتي:

العنصر الوقتي للحراسة القضائية ([82] ) :

الحراسة القضائية أجراء تحفظي مؤقّت بطبيعته ، وليس معنى التوقيت عدم استمراره الا لفترة قصيرة ، بل على العكس قد يستمر فترة طويلة لأن الإجراء يظل قائما طالما يكون صالحا لان يواجه حالة فعلية مشروعة كانت موجودة قبل النزاع أو حفظ حالة قانونية قائمة ، كل ذلك من غير مساس بموضوع النزاع أو الحق بين الخصوم حتى يتم التراضي بينهم أو يُفصل فيه من الجهة المختصة ويزول السبب الذي أوجب أجراء الحراسة القضائية ، فالقاضي المختص هو الذي يقـدّر وقتية أجراء الحراسة القضائية بحيث تتناسب مع الغاية التي استلزمت فرضها ، فيجوز للقاضي أن يؤت الحراسة للأجل الذي ينتهي معه النزاع أو أن يجعل للحراسة اجلأ معيّنا تنتهي بانتهائه.

استقر الفقه والقضاء على أن معنى عدم المساس بأصل الحق هو أن يكون الحكم وقتيا، ويترتب على ذلك ما يلي:

  • يترتب أن تنتهي مأمورية القاضي المختص بالفصل في دعوى الحراسة بمجرّد صدور حكمه فيها، أما إذا ظهرت وقائع جديدة لم تكن موجودة من قبل بحيث تُغير من الوقائع التي صدر على أساسها الحكم بالحراسة، وتصبح الحاجة مع هذا التغيير ماسّة الى إصدار قرار جديد أو البغاء الإجراء الذي صدر، ففي هذه الحالة يجوز الالتجاء الى القضاء المختص لإصدار قرار جديد يواجه الحالة الجديدة التي نشأت … فحكم الحراسة والحالة هذه من الإجراءات الوقتيّة التي تتغيّر بتغيّر الظروف.
  • يترتب على وقتية الحراسة ، أن لا يمسّ اصل الحق فلا يجوز للقاضي المختص بتعيين حارس قضائي أن يقيـّد المحكمة الموضوعيّة بل يجب أن يترك لها حرية تقدير النزاع الموضوعي ، وقد استقرّ الفقه والقضاء على تفسيره لمبدأ عدم المساس بأصل الحق بان قاضي الموضوع لا يلتزم بالحكم الوقتي الصادر من قاضي الأمور المستعجلة ، ولا يختصّ القضاء المستعجل حتى مع قيام الاستعجال وتوافره بالحكم بدعوى الحراسة بما يمسّ اصل الحق ،لان في ذلك مخالفة للمبدأ الذي أقرته المادّة 32 من قانون أصول المحاكمات المدنية ، وعليه فان القاضي عند حكمه بالحراسة القضائية ، أن يحكم بناءً على ظاهر حقوق الطرفين دون التعرّض لموضوع النزاع  .
  • يترتب على أيضا أن تكون سطلة الحارس لا تؤثر في أصل الحق، فلا يجوز مثلا أن يخوَّل الحارسُ دفع ما ربحه العقار الموضوع تحت حراسته لنزاع في ملكيته، لأحد المتنازعين، لاحتمال أن يكون الحكم في موضوع النزاع وهو الملكيّة في غير صالحه ولان في ذلك مساس بأصل موضوع النزاع.

لكن قد يُعطى الحارس سلطة التصرف في الأموال موضوع الحراسة، فهل يعتبر هذا من قبيل المساس بأصل الحق؟

أن المقتضى من قاعدة عدم مساس أجراء الحراسة بأصل الحق هو الإبقاء على كيان الأموال الموضوعة تحت الحراسة بالحالة التي يكون عليها وقت فرضها ، فلا يجوز إعطاء الحارس سلطة التصرف فيها بالبيع لأنه ينقل ملكية هذا المال محل الحراسة الى غير المتنازعين ، إلا أن القضاء كثيرا ما يخوّل الحارس هذه السلطة في الأموال المنقولة محل الحراسة اذا خيف عليها من التلف أو هبوط القيمة ، أو أن قيمتها لا تتحمل قيمة الصرف عليها لحفظها وصيانتها ، فلو أن هذه الأشياء المنقولة لا تبقى بالنسبة الى أصحاب الشأن فيها إلا أن حقهم فيها يتحوّل وينتقل على ثمنها ، وتظل هذه الحقوق محفوظة مكفولة على الثمن الذي يودع في خزينة المحكمة حتى الفصل في النزاع الموضوعي([83]) .

العنصر التحفظي للحراسة القضائية ([84] ) :

الأصل في الحراسة القضائية أنها أجراء تحفظي تدعو اليه ضرورة المحافظة على الأشياء المتنازع عليها حتى ينتهي النزاع القائم في شأنها لذلك وجب الحكم بها في ظروف معينة، للمحافظة على مصالح جميع الخصوم.

كما يجب رفضها إذا كان أجراء الحراسة يترتب عليه نقص ملموس في قيمة الأشياء المطلوب وضعها تحت الحراسة، مثاله وضع جريدة تحت الحراسة القضائية، فقيمة هذه الجريدة لا تقدّر بقيمة موجوداتها إنما تقدر بالكيفية التي تدار بها وبالخبرة والمعرفة الفنية لمديرها أو القائمين عليها، فإجراء الحراسة هنا أجراء خطير قد يترتب عليه نقص سريع مادّي في قيمتها بدلا من المحافظة عليها، فالواجب قبل الحكم بالحراسة عليها البحث عن المغزى الأساسي من الحراسة وعن المصالح الجديرة بالحفظ والصيانة.

لم تُـشرّع الحراسة القضائية كوسيلة لاستيفاء الدين لمصلحة الدائنين وللضغط على المدين، إلا أنها أجيزت استثناء لوفاء الدين في حالات محددة بالحصر، ومثاله ما ورد في نص المادّة 897 مدني اردني في الفقرة الثانية والثالثة منها، التي تجيز الحراسة على أموال الوقف اذا تبين أن الحراسة أجراء لابدّ منه على الوقف اذا كان مدينا، و اذا كان احد المستحقِّين مدينا مُعسرا. فالحراسة وان كانت إجراءات تحفظيّا يقصد به حماية مصالح ذوي الشأن، إلا أنها في بعض الحالات قد تكون أجراء متعلقا بالتنفيذ الغرض منه حماية حقوق الدائنين ومصالحهم، وهي بذلك لا تمس أصل الحق.

الفصل الرابع : تطبيقات على الحراسة القضائية

نتناول في هذا المبحث عدة مطالب نوضح فيها اهم التطبيقات الشائعة على الحراسة القضائية.

المطلب الأول: الحراسة على الوقف ([85] ):

نصّ المشرّع الأردني في المادّة 897 من القانون المدني على جواز الحراسة على الأموال الموقوفة وذكر ذلك في حالات على سبيل الحصر، حيث يعتبر هذا النص هو الأساس القانوني للحراسة القضائية على الوقف في التشريع الأردني، حيث جاء فيها ((تجوز الحراسة القضائية على أموال الوقف في الأحوال التالية إذا تبين أن الحراسة أجراء لابدّ منه للمحافظة على ما قد يكون لذوي الشأن من حقوق

  • إذا كان الوقف شاغرا أو قام نزاع بين المتولّين على الوقف أو بين متولّ وناظر عليه أو كانت هناك دعوى مرفوعة بعزل المتولي، وتنتهي الحراسة في هذه الأحوال إذا عُيّن متولّ على الوقف إذا سواء كان بصفة مؤقتة ام بصفة نهائية.
  • إذا كان الوقف مدينا
  • إذا كان أحد المستحقِين مدينا معسرا وتبين أن الحراسة ضرورية لصيانة حقوق الدائنين فتفرض الحراسة على حصته الا إذا تعذر فصلها فتفرض على الوقف كله.))

عرف المشرع الأردني الوقف وجعل له فصلا كاملا في القانون المدني أسماه الوقف، حيث نصّت المادّة 1233 ((الوقف حبس المال المملوك عن التصرف وتخصيص منافعه للبرّ ولو مالا)) والمادّة 1234 ((يكون الوقف خيريا إذا خُصصت منافعه لجهة برّ ابتداء ويكون ذريا اذا خصصت منافعه الى شخص أو أشخاص معينين وذرياتهم من بعدهم ثم الى جهة من جهات البر عند انقراض الموقوف عليهم، ويكون مشتركا اذا خصصت الغلة الى الذرية وجهة البرّ معا))

شروط الحراسة القضائية على الوقف:

قيّد المشرع الأردني في المادة 897 الحراسة على الأموال الموقوفة بشروط نصّ صراحة على وجوب توافرها، في حين انه لم يتطلب توافر مثل هذه الشروط في أحوال الحراسة على الأموال عموما.

فاشترط في الفقرة الأول ى أن يتبيّن للقاضي أن الحراسة أجراء لابد منه للمحافظة على ما قد يكون لذوي الشأن من حقوق

واشترط في الفقرة الثانية والثالثة أن تكون الحراسة هي الوسيلة الوحيدة لعدم ضياع حقوق الدائنين، وقصد بالنصّ في الحالة التي يكون فيها أحد المستحقين مدينا معسرا أن توضع الحراسة على حصته وحدها أن أمكن فرزها ولو بقسمة مؤقتة والا فتوضع الحراسة على الوقف كلّه. يعلق الدكتور عبد الحكيم فرّاج بهذا الخصوص ((لا جدال في أن حكمة المشرع في تشديد شروط الحراسة على الوقف إنما تقتضيه طبيعة هذه الأشياء الموقوفة، فإن الطريق الطبيعي لحصول الدائنين على حقوقهم إنما هو توقيع الحجز تحت يد ناظر الوقف، لكن اذا كان ناظر الوقف سيء الإدارة أو النية أو الذمة، لم يعد السبيل الطبيعي في استيفاء ديونهم نتيجة لموقف الناظر منهم، وفي هذه الأحوال تقتضي مصلحة الدائنين وضع أموال الوقف تحت الحراسة للوفاء بديونهم مما يتحصل عليه من ريع الوقف ))([86])      

ولعل هذه التشديد من المشرّع في نص الحراسة على الوقف يرجع الى طبيعة الوقف نفسه، لان له شخصيّة مستقلة عن المتولي والمستحقين وان الغلة مملوكة للوقف، يستوفي الوقف منها ما يلزم للمحافظة على شخصيته وكيانه، وما يكون للمستحِقّ هو ما يفيض من هذه الغلة بعد سداد النفقات والمصاريف.

نخلص الى أن المشرع لم يجز الحراسة على الوقف من اجل الدين الا اذا كان الوقف ذاته مدينا ، وكما انه لم يجزها على احد المستحقين الا اذا كان مدينا معسرا ، واشترط أن تكون الحراسة على حصته وحدها أن امكن فرزها ولو بقسمة مؤقتة ، والا على الوقف كله ، واشترط  أخير ا أن تكون الحراسة في الحالتين هي الوسيلة الوحيدة للحفاظ على حقوق الدائنين بسبب سوء إدارة المتولي أو سوء نيّته ، فعلى القاضي الا يخرج على حدود النص في حالة فرض الحراسة على الوقف ، لان المشرع قدد حدد هذه الشروط على سبيل الحصر لا على سبيل المثال .

حالات الحراسة على الوقف في المادّة 897 من القانون المدني الأردني:

أولا: حالات الحراسة على الوقف لأسباب غير الدين:
  • إذا كان الوقف شاغرا: اي أن يكون الوقف خاليا من متولّ يدير شؤونه، وذلك أما أن الواقف قد عزل المتولي، أو إذا حكمت المحكمة الشرعية بعزله أو انه خرج عن الأهلية، فيكون من الضروري تعيين حارس قضائي يدير شؤون الوقف حتى تعيين متول، حفظا لمصالح الوقف والمستحقين.
  • إذا قام نزاع بين المتولين على الوقف أو نزاع بين شخص يدّعي حق الولاية عليه وبين المتولي عليه.

ورد في الفقرة  الأول ى من المادّة 897 انه ((اذا قام نزاع بين المتولين على الوقف أو بين متول وناظر عليه )) وبالمقارنة مع ماورد في نص المادة 731 من القانون المدني المصري(( اذا قام نزاع بين نظّارهِ أو من أشخاص يدعون حق النظر عليه )) اجد باعتقادي أن ما قصده المشرع الأردني بعبارة ( اذا قام نزاع بين متولي وناظر عليه ) هو نزاع يقوم بين متول على الوقف وبين من يدعي أحقيته بالولاية عليه  ، وان المشرع الأردني قد اخطأ التعبير بقوله ( بين متول وناظر عليه ) فالصحيح أن يكون ( بين متولّ على الوقف وبين من يدعي حق الولاية عليه ).

ولم يبين المشرع الأردني طبيعة النزاع، على أن ه في الغالب يكون بين المتولين على الوقف على إدارة أموال الوقف، أما النزاع بين المتولي ومدّعي الولاية فالغالب أن يكون حق التولي ذاته.

وبقيام مثل هذه النزاعات يكون من الضروري تعيين حارس على الوقف يدير شؤونه الى أن يفصل فيها، ويزول الخطر العاجل الذي يهدد مصالح الوقف ومستحقيه.

جـ – إذا كانت دعوى مرفوعة بعزل المتولي:

أن قيام دعوى عزل المتولي على الوقف لا يدل بحد ذاته على سوء إدارة ذلك المتولي أو خيانته، ولا يُستفاد من ذلك صحة الوقائع والمستندات المنسوبة اليه، فقد تكون هذه الدعوى مرفوعة للأضرار بهذا المتولي والقصد منها عزله وهو قائم بمهامه على أكمل وجه، فلا يعقل لمجرد قيام دعوى بعزله، أن يقوم القاضي بتعيين حارس على الوقف.

 ذكرنا سابقا أن جدية النزاع لا يكفي لتحقيقها رفع دعوى موضوعية للدلالة على وجود نزاع جدي وإنما تثبت جدية النزاع من خلال وقائع الدعوى والمستندات والظروف الظاهرة للقاضي. فاشترط المشرع في الحالات الثلاثة السابقة أن يتبين القاضي أن الحراسة على الوقف أجراء لابد منه للمحافظة على ما قد يكون لذي الشأن من حقوق، وهذا شرط عام يلزم توافره للحكم بالحراسة عموما سواء على أموال الوقف ام غيرها، والنص عل هذا الشرط إنما جاء ليدلّ عل قصد المشرع على أن فرض الحراسة على الوقف لها وضع خاص وحساس، وبالقدر الذي تقتضيه الضرورة.

وتنتهي هذه الحالات الثلاث بمجرد تعيين متول على الوقف سواء بصفة مؤقتة ام نهائية.

ثانيا: حالتا الحراسة على الوقف لسبب ديْن ولمصلحة الدائنين:

ذكر المشرع الأردني حالتين فقط يجوز فيهما للقضاء أن يحكم بالحراسة على الوقف من اجل الديْن وهما:

إذا كان الوقف مدينا:

اشترط المشرع أن يكون الوقف ذاته مدينا، ويخرج من هذه الحالة ما إذا كان الواقف مدينا، فلا يجوز للقضاء تعيين حارس على الوقف من ديْن على الواقف.

 إذا كان أحد المستحقين مدينا معسرا:

ومعنى ذلك ألا تكون أمواله كافية لوفاء ديونه مستحقة الأداء، وأن يكون قد حكم بإعساره، وهذا يعني لو لم يُحكم بإعسار أحد المستحقين المدين، فانه لا يجوز وضع حصته أو الوقف كله تحت الحراسة من اجل ديْن عليه ولو كانت الحراسة هي السبيل الوحيد لضمان حقوق الدائنين، وحتى لو لم يكن للمدين المستحِق مال ظاهر سوى حصته التي يستحقها في ريع هذا الوقف ([87])

وينتقد بعض الفقهاء ([88]) شرط إعسار المدين المستحِق الوارد في هذه المادة، حيث إن هذا النص يقيد القاضي ولا يمكّنه من مواجهة ضرورات تعرض عليه في العمل وقد يكون أجراء الحراسة فيها هو العلاج الوحيد رغم عدم إعسار المدين المستحِق بسبب جسامة استحقاقه في الوقف بالنسبة الى ديونه وقد يكون مماطلا مضيّعا لحقوق الدائنين.

 وأرى انه من الأفضل أن يكون مجال التقدير للقاضي واسعا وألا يشترط المشرع في هذه الحالة إعسار المدين المستحِق في الوقف، فيكفي أن يكون استحقاق المدين في الوقف في هذه الحالة هو الضمان الوحيد للدائنين وان تكون الحراسة هي الوسيلة الوحيدة في استيفاء الدين حتى لا يضيع على الدائنين حقوقهم.

المطلب الثاني: الحراسة القضائية على المال الشائع ([89] )

نصّ المشرع الأردني على موضوع المال الشائع في المادّة 1030 مدني اردني ، وعرف فيها الملكية الشائعة بانها (( اذا تملك اثنان أو اكثر شيئا بسبب من أسباب التملك دون أن تُفرز حصة كل منهم فهم فيه شركاء على الشيوع وتحسب حصص كل منهم متساوية اذا لم يقم الدليل على غير ذلك )) وذكر في المواد التي تليها ( 1031-1037)، الأحكام المتعلقة بالمال الشائع ولم يتعرض المشرع لمسالة تعيين حارس قضائي على المال الشائع ، واكتفى بالنص على تعيين مدير للمال الشائع في المادّة 1034 من ذات القانون في حال الخلاف بين الشركاء على تعيين مدير لهذا المال الشائع . والسؤال هنا، هل يجوز فرض الحراسة القضائية على المال الشائع؟

للإجابة على السؤال السابق، رأيت من الحسن أن نبين بشكل موجز أحوال إدارة المال الشائع وكيفية معالجة المشرع للخلاف الحاصل بين الشركاء بخصوص هذا المال.

أولا: أعمال الإدارة المعتادة

نصّ المشرع الأردني في الفقرة الأول ى من المادّة 1034 مدني على أن ((يكون راي أغلبية الشركاء في إدارة المال مُلزما للجميع وتعتبر الأغلبية بقيمة الأنصبة)) هذا في حال الاتفاق، وفي الفقرة الثانية جاء فيها ((فان لم يتفق الشركاء جاز لهم أن يختاروا مديرا وان يضعوا لإدارة المال والانتفاع به نظاما يسري على الشركاء جميعا وعلى خلفائهم سواء أكان الخلف خاصا ام عاما أو أن يطلب أحدهم من المحكمة أن تتخذ ما يلزم لحفظ المال وان تعيّن مديرا للمال الشائع)).

فاذا كانت الإدارة شاغرة ولم تتوافر الأغلبية أو توافرت ولم تتفق على راي، جاز لكل شريك أن يطلب من المحكمة المختصّة أن تعين من يدير هذا المال من بين الشركاء أو من غيرهم، فتتخذ المحكمة ما يلزم للمحافظة على هذا المال وهذا ما يسمى الإدارة المعتادة على أمور ليست جوهرية

ثانيا: أعمال الإدارة غير المعتادة

نصت المادّة 1035 من القانون المدني على الإدارة غير المعتادة للمال الشائع، حيث جُعلت الأغلبية للشركاء الذين يملكون على الأقل ثلاثة أرباع المال الشائع رأيا نافذا فيما يخرج عن حدود الإدارة المعتادة. حيث جاء فيها ((للشركاء الذين يملكون ثلاثة أرباع المال الشائع أن يقرروا في سبيل تحسين الانتفاع بهذا المال من التغييرات الأساسية والتعديل في الغرض الذي اعد له، ما يخرج عن حدود الإدارة المعتادة على أن يبلغوا قراراتهم الى باقي الشركاء بعذر رسمي، ولمن خالف هؤلاء حق الرجوع الى المحكمة خلال شهرين من تاريخ التبليغ))

ثالثا: حفظ المال الشائع

إضافة الى ما نص عليه المشرع الأردني في المادتين 1034، 1035 من القانون المدني، ذكر في المادة 1036 من ذات القانون على أن ((لكل شريك في الشيوع الحق في أن يتخذ من الوسائل ما يحفظ المال المشترك ولو كان بغير موافقة باقي الشركاء)) فحفظ المال الشائع من حق كل شريك لذلك جاز له أن يتخذ من الوسائل ما يلزم مثل الترميم والصيانة.

رابعا: قسمة المال الشائع

خوّل المشرع الأردني في المادّة 1040 مدني كل شريك أن يطالب بقسمة المال الشائع إذا أراد أن يخرج منه ولم يتفق مع الشركاء على أن يطلب القسمة من القضاء.

بعد أن بينا أحوال إدارة المال الشائع، هل للشركاء في تلك الأحوال أن يطلبوا وضع المال الشائع تحت الحراسة الى أن تنتهي حالة الشيوع؟

الأساس القانوني للحراسة القضائية في القانون المدني على المال الشائع:

تنص المادّة 896 مدني، على أن ه يجوز للمتنازعين على مال أن يطلب من القضاء دفعا لخطر عاجل أو استنادا لسبب عادل تعيين حارس قضائي، وسبق التنويه الى أن مدلول لفظ النزاع جاء من العموم بحيث يشمل كل أشكال النزاع، ولا يقتصر مدلولها على شكل معين دون أخر، فالنزاع على المال الشائع في كل صوره يدخل في مدلول هذا اللفظ، وكذلك مدلول لفظ المال جاء من العموم بحيث يشمل كل صور المال، والمال الشائع من صوره.

بالإضافة الى ذلك، فإن المشرع نصّ في المادّة 1034 على أن ه يجوز للشريك أن يطلب من القضاء أن يتخذ ما يلزم للمحافظة على المال الشائع وتعيين مديرٍ يديره، كذلك الأمر نص المادّة 1036 مدني، أن للشريك على الشيوع أن يتخذ من الوسائل ما يحفظ به المال المشترك.

شروط الحراسة القضائية على المال الشائع:

بينا انه يجوز للقاضي أن يستند في الحكم بالحراسة على المال الشائع الى المادّة 896، وبالتالي وجب توافر الشروط المنصوص عليها في المادّة السابقة لفرض الحراسة، من خطر عاجل وأسباب عادلة وعدم المساس بأصل الحق.

الا وأنه يذهب البعض ([90] ) الى أن الحراسة على الأموال الشائعة لها طبيعة خاصّة، فلا يشترط فيها توافر النزاع المنوه له سابقا، وكذلك لا حاجة لتوافر لشروط الحراسة العامة من خطر واستعجال، الا أن هذا الراي مردود، لأن الشيوع بحدّ ذاته مجردا من الاعتبارات ليس سببا موجبا للحراسة.

قد لا يكون هنالك خلاف بين الشركاء على إدارة المال الشائع، أو لا يوجد اي سلبية على إدارة احدهم له، أو حتى لا يوجد خلاف على أن تفاع الشركاء بالمال المملوك على الشيوع، فلا يوجد ما يدعوا الى فرض الحراسة القضائية على هذا المال، هذا ما يوجب إخضاع الحراسة القضائية على المال الشائع لما تخضع له الحراسة عموما من شروط  ، وللقاضي سلطة واسعة في تقدير الظروف والأسباب التي تبرر الحراسة عليه .

أسباب الحراسة على المال الشائع:

قد يقوم الخلاف بين الشركاء على ملكية المال الشائع، أو غلّته وريْعه، فيمكن أن يدعي أحدهم أو بعضهم ملكيّة هذا المال، مع ظهور حق الشركاء الأخرين في المال الشائع واستحقاقهم لجزء أو غالبية الغلّة.

كذلك، يكون الخلاف بين الشركاء على إدارة المال الشائع أو على طريقة استغلاله، أو على تعيين مدير، أو قد تكون إدارة هذا المدير للمال الشائع سيئة أو لديه سوء نية وغيرها من الخلافات، مما يوجب وضع المال الشائع تحت الحراسة حفظا لحقوق الشركاء في الانتفاع بالمال الشائع حتى زوال السبب الموجب للحراسة .

المطلب الثالث : الحراسة على الشركات ([91])

عرف المشرع الأردني الشركة في المادّة 582 من القانون المدني بأنها ((الشركة عقد يلتزم بمقتضاه شخصان أو أكثر بان يساهم كل منهم في مشروع مالي بتقديم حصته من مال أو من عمل لاستثمار ذلك المشروع واقتسام ما قد ينشأ عنه من ربح أو خسارة)).

والأصل أن مدير الشركة المنتدب للإدارة هو الذي يقوم بأعمال الإدارة والتصرفات التي تدخل في أغراض الشركة، كذلك نص المشرع في المادّة 593 من ذات القانون على أن ه ((يجوز تعيين مدير للشركة من الشركاء أو من غيرهم باجر أو بغير أجر))

الا انه قد تعرض ظروف خاصة يستحيل معها على أصحاب الشأن القيام بأعمالهم فيها، فقد يقوم خلاف بين الشركاء أو الأعضاء وبين مديري الشركة على الإدارة، أو يتوفى أو يقدم استقالته، ففي هذه الحالات وغيرها تكون الشركة بحاجة ماسة الى من يديرها ريثما ينتهي هذا الخطر المستعجل، حفاظا على حقوق ومصالح ذوي الشأن، مما يوجب تعيين حارس قضائي يُعهد اليه إدارتها بدلا من أصحاب الشأن فيها.

الأساس القانوني الذي يستند اليه القاضي للحكم بالحراسة على الشركة في مثل الحالات السابقة

تعيين مصفّ للشركة:

لم ينظم المشرع الأردني نصوصا خاصّة بأحوال الحراسة القضائية على الشركات، سوى تعيين مصفّ للشركة في الحالات التي يتفق فيها الشركاء على تعيينه، فنصت المادّة 606 مدني ((تتم تصفية الشركة وقسمتها بالطريقة التي ارتضاها الشركاء فإذا لم يتفقوا جاز لاي من صاحب المصلحة أن يطلب من المحكمة تعيين مصفّ أو أكثر لإجراء التصفية والقسمة)). فلأي صاحب مصلحة أن يطلب من القضاء تعيين مصفّ للشركة بشرط ألا يتفق الشركاء على تعيين مصفّ لها.

هل المصفـّي هو الحارس القضائي ([92] )؟

ذكرنا سابقا أن الحراسة القضائية أجراء تحفظي مؤقت يقصد به حماية المال محل الحراسة وحفظه وإدارته.

قد يتوفى أحد الشركاء المتضامنين ولا توافق ورثته على الاستمرار في الشركة ولا يكون منصوصا في عقد الشركة على جواز استمرارها بعد وفاة أحد الشركاء، فيجوز للورثة أن يطلبوا الى أن يبتّ في امر حلّها وتصفيتها.

قد يدّعي بعض الشركاء أن الشركة قد حُلّت وينازع بعض أخر في ذلك، وينجم عن هذا النزاع خطر عاجل من بقاء الحالة على ما هي عليه، ويستدعي الأمر تعيين حارس قضائي يتولّى إدارة الشركة الى أن يُفصل في النزاع.

يمكن أن تُحَل الشركة وتدخل دور التصفية، ومع ذلك قد تُفرض الحراسة عليها وتكون مهمة الحارس إثبات ما تكشِف عنه أوراق الشركة من حقوق وديون وما يصل الى علم الحارس من ذلك باي طريق ممكن، حتى يتمكن من حصرها . فمهمة الحارس القضائي في هذه الأحوال تختلف عن مهمة المصفّي ولا تتعارض معها، فلا تتنافى الحراسة مع قيام التصفية.

والمصفي ليس حارسا قضائيا ، بل أن مهمته أوسع بكثير من مهمّة الحارس القضائي ، فهو يبيع مال الشركة ويستوفي الحقوق ويوفّي الديون ، ويقسم أموال الشركة بين الشركاء جميعا (انظر المادة 608 مدني عن واجبات المصفي ) ، لكن لا يوجد ما يمنع بالرغم من أن قاضي الموضوع قد عيّن مصفيا ، أن يعيّن قاضي الأمور المستعجلة حارسا قضائيا للشركة اذا نُسب الى المصفي ما يجعل من الخطر بقاء أموال الشركة تحت يده ، أو طرأ بعد تعيينه ما يستوجب الحراسة القضائية ، فيتولى الحارس إدارة أموال الشركة مؤقتا حتى يبت في النزاع القائم في شأن المصفي ، حتى يعين مصفٍ أخر مكانه .

وفي جميع الأحوال، لا تجوز الحراسة القضائية الا كإجراء تحفظيّ تستلزمه ضرورة المحافظة على حقوق الشركاء أو الأعضاء، فلأتجوز إذا تبين أن الغرض منها إنما هو تعديل في عقد الشركة أو النظام الأساسي دون موافقة جميع الشركاء، أو الحد من سلطة المدير، فإن هذا يكون مساسا بأصل الحق.

في حالة إذا عُيّن مصفٍ للشركة:

يغلب أن يكون تعيين مصف للشركة مُغنيا عن وضعها تحت الحراسة القضائية، فالمصفي يقوم بما يقوم به الحارس القضائي ويزيد عليه في انه لا يقتصر على إدارة الشركة إدارة مؤقتة، بل هو يصفّيها ويستوفي ما لها من حقوق ويوفي ما عليها من ديون، ويسلم كل شريك حصته في الشركة وهذا ما يستفاد من نصوص المواد 608 و609 و610 من القانون المدني.

ومع ذلك، قد تقوم الحاجة الى تعيين حارس قضائي قبل تعيين المصفي أو حتى بعد تعيينه، فأما تعيينه قبل تعيين المصفي، فذلك يمكن تصوره، ويكون بناء على طلب ذوي الشأن، فيمكن أن يقوم نزاع بين الشركاء في شأن حصصهم أو في إدارة الشركة ويقوم خطر عاجل يستدعي الحراسة على الشركة لحين تعيين مصفٍ من قبل المحكمة، لأنه حتما لم يتفق الشقراء على تعيينه

أما تعيين حارس قضائي بعد تعيين المصفّي قد يكون ممكنا أيضا ، فمثلا اذا قامت أسباب تبرر عزل المصفي واستبداله بغيره ، كسوء إدارته أو سوء نيته ، فيطول الوقت الذي يلزم لتعيين مصفّ جديد من قبل المحكمة ، ويقوم خطر عاجل من ترك أموال الشركة دون احد يحافظ عليها ويديرها ، فيجوز لكل ذي مصلحة في حالة عدم اتفاق الشركاء أن يطلب من المحكمة تعيين حارس على الشركة يتولى المحافظة على أموالها وإدارتها مؤقتا حتى تعيّن المحكمة مصفيا جديدا وقد تختار المحكمة الحارس القضائي مصفيا ، فتنقلب صفته من حارس قضائي بسلطات محدّدة الى مصفّ للشركة بسلطات أوسع .

هل الحراسة القضائية على الشركة تتطلب شروطا معيّنه؟

كما وضحنا سابقا، أن الحراسة القضائية لكي يصح وضعها على المال أن يقوم خطر عاجل، وهذا هو الشرط العام للحراسة كما ذكرها السنهوري، فكل حالة يتوافر فيها خطر عاجل ولو لم يكن هنالك نزاع، فهي محل للحراسة القضائية، بالنطيحة لا تتطلب الشركات شروطا معينة غير شروط الحراسة القضائية العامة، فمتى قام خطر عاجل على الشركة فهي محل للحراسة القضائية.

المطلب الرابع  : الحراسة القضائية على المدين المُعسر ([93])

سبق وان قدمنا أن الحراسة القضائية إنما تُفرض كوسيلة لحماية حقوق ذوي الشأن والمحافظة عليها وإدارتها، لكن هل تجوز الحراسة على أموال المدين ضمانا للوفاء؟

بيّـنا أن المشرع الأردني قد ذكر في نصّ الحراسة القضائية (م 896 مدني) لفظ النزاع والمال على العموم ولم يحدد فيهما نوعا معيّنا، ونص أيضا على جواز الحراسة على مال المستحِق للوقف إذا كان مدينا معسرا.

 انقسم الفقهاء ([94])الى رأيين حول جواز الحراسة على مال المدين المُعسر، فمنهم من أجازها ومنهم من لم يجزها.

الرأي الأول: عدم جواز الحراسة على أموال المدين المعسر

وحجته أن الحراسة ليست وسيلة من وسائل التنفيذ الغرض منها الحصول على ديْن الدائن فإن هذه الوسائل منصوص عليها في القانون على سبيل الحصر.

الرأي الثاني: جواز الحراسة على أموال المدين المعسر:

(ونرى هذا الرأي أقرب للصواب)

  • أن القانون أجاز الحراسة في أكثر من موضع، فمثلا، التشريع الأردني أجازها في المادّة 897 مدني من اجل دين على الوقف أو على أحد المستحِقين، إذا كان هذا المستحِق معسرا وأجازها على التركة المعسرة في الفقرة الثانية من المادة 1011 مدني، عند عدم وجود وصي على التركة يعين حارس قضائي لقيام الخطر العاجل الذي يهدد التركة.
  • والقانون المدني جعل محل الحراسة مالا وجعله على أطلاقه، فلم يقيده أو يحدده.
  • أجاز القانون المدني الحكم بإشهار إعسار المدين، فليس في الحكم بتعيين حارس قضائي لإدارة أموال المدين المعسر وحفظها بعد الحكم بشهر إعساره، إهدار لحرية المدين. لان مهمة الحارس القضائي إنما هي إدارة أموال المدين المعسر وحفظها، وان اقصى ما يخول الحارس من سلطة هي أعمال التصرف العاجلة التي هي من مستلزمات الإدارة.
  • جاء نص الحراسة، مثل المادّة 896 مدني أردني، والمادّة 730 مدني مصري، شاملا لأحوال الحراسة، فلم يحصر المشرع الحراسة بأحوال محدّدة.
  • المدين المعسر قد يكون في حالة لا يستطيع فيها إدارة أمواله، فيكون بحاجة الى من يدير هذه الأموال ويوفي بها الدائنين، خصوصا أن أموال المدين الذي يشهر إعساره لا تكفي لوفاء ديونه المستحقة الأداء.

الفصل الثالث : دعوى الحراسة القضائية

لدراسة دعوى الحراسة القضائية، وجب أن نبين أساسها القانوني، والمحكمة المختصّة في نظرها، ومعرفة إجراءاتها، ومسألة صدور الحكم وإعلانه وإمكانية الطعن فيه، وكيفية اختيار الحارس القضائي وإمكانية عزله عن مهمّته واستبداله .

المبحث الأول  : الاختصاص بدعوى الحراسة

نصت المادة 30 من قانون أصول محاكمات مدنية على أن ه ((تختصّ محكمة البداية بالنظر والفصل في الدعاوى التي لا تدخل في اختصاص محكمة أخرى بمقتضى اي قانون نافذ المفعول، كما تختص بالنظر في الطلبات المستعجلة وجميع الطلبات المرتبطة بالطلب الأصل ي مهما تكن قيمتها أو نوعها.))

ونصت المادّة 31 من ذات القانون على أن ه: ((1. قاضي الأمور المستعجلة هو رئيس محكمة البداية أو من يقوم مقامه أو من ينتدبه لذلك من قضاتها، وقاضي الصلح في الدعاوى التي تدخل ضمن اختصاصه

  1. تختص محكمة الاستئناف بالفصل في الطلبات المتعلقة بالأمور المستعجلة التي تقدم بشأن الدعاوى المنظورة أمامها.))

كما وتنص المادّة 32 من ذات القانون على ((يحكم قاضي الأمور المستعجلة بصفة مؤقتة مع عدم المساس بأصل الحق بالأمور التالية، على أن هذا لا يمنع من اختصاص محكمة الموضوع أيضا بهذه المسائل إذا رفعت لها بطريق التبعية …. ومنها …. طلب تعيين قيم على مال))

 أخير ا نصت المادّة 45 من ذات القانون على أن ه ((في الدعاوى المتضمنة اتخاذ أجراء مؤقت أو مستعجل يكون الاختصاص للمحكمة التي يقع في دائرتها موطن المدعى عليه أو المحكمة المطلوب حصول الإجراء في دائرتها.))

بناء على المواد السابقة من قانون أصول المحاكمات المدنية، نلاحظ أن الاختصاص أما أن يكون نوعيا أو مكانيا، نوضحهما على النحو الاتي:

أولا: الاختصاص النوعي ([95] )

نلاحظ من نص المادّة 32 سالفة الذكر أن قاضي الأمور المستعجلة هو المختص نوعيا بنظر طلب الحراسة وان المحكمة المختصة نوعيا هي احدى محكمتين:

محكمة الأمور المستعجلة:

فمتى توافر في طلب الحراسة شرطا القضاء المستعجل اي الشروط العامة وهي الخطر العاجل وعدم المساس بأصل الحق، يكون قاضي الأمور المستعجلة مختصا نوعيا بنظرها، ولا تأثير لرفع دعوى موضوعيه بأصل الحق على اختصاص القضاء المستعجل، فيصحّ أن ترفع دعوى الحراسة مستقلة عن دعوى الموضوع، بل يصح أن ترفع دعوى الحراسة قبل رفع دعوى الموضوع، وفي هذه الحالة لا يمكن رفع دعوى الحراسة الا أمام قاضي الأمور المستعجلة، إذ لا يمكن رفعها أمام محكمة الموضوع قبل أن ترفع أمامها الدعوى الموضوعية. ومحكمة الأمور المستعجلة هي محكمة البداية كما نصت عليه المادّة 30، وقاضي الأمور المستعجلة هو رئيس محكمة البداية أو من ينتدبه أو من يقوم مقامه كما بينت ذلك المادّة 31 سالفة الذكر.

ويجوز رفع دعوى الحراسة أمام القضاء المستعجل حتى بعد رفع الدعوى الموضوعية أمام محكمة الموضوع، فالأصل هو اختصاص القضاء المستعجل، ويجوز أن يحل محله اختصاص محكمة الموضوع، وهذا ما يُفهم من نص المادّة 32 سالفة الذكر، حيث نصت على أن الاختصاص بهذه الدعاوى لقاضي الأمور المستعجلة ثم لا يمنع من اختصاص محكمة الموضوع بنظرها، اذا ما رفعت اليها بطريق التبعية .

  1. محكمة الموضوع:

الأصل أن محكمة الموضوع غير مختصة بنظر دعوى الحراسة الا إذا رفعت اليها أولا الدعوى الموضوعية، فيجوز حينها رفع دعوى الحراسة بطريق التبعية. فمثلا، إذا رفعت دعوى نزع ملكية أمام محكمة الموضوع، جاز تقديم طلب حراسة على العقار ذاته أمام نفس المحكمة تبعا للدعوى الموضوعية، لان قاضي الأصل هو قاضي الفرع ([96] )

نخلص من ذلك الى انه قبل رفع الدعوى الموضوعية لا يكون مختصا بنظر دعوى الحراسة سوى قاضي الأمور المستعجلة، أما بعد رفع دعوى موضوعية يكون مختصا بنظر طلب الحراسة كل من قاضي الموضوع بالتبعية، وقاضي الأمور المستعجلة بالأصل. فاذا رفعت الدعوى أمام احدى الجهتين لم يجز رفعها أمام الأخرى. هذا ما يفهم من نص المادّة 32.

ثانيا: الاختصاص المكاني ([97] )

هنا نميّز بين حالتين:

 الأول ى: إذا رفعت دعوى الحراسة أمام القضاء المستعجل، فيكون الاختصاص لمحكمة القضاء المستعجل التي يقع في دائرتها موطن المدعى عليه، أو المحكمة التي يقع في دائرتها المال المطلوب وضعه تحت الحراسة. هذا ما إشارة اليه المادّة 45 من قانون الأصول المدنية.

الثانية: إذا رفعت دعوى الحراسة بطريق التبعية لدعوى الموضوع، فإنها ترفع أمام محكمة الموضوع ولو كانت غير مختصّة مكانيا بنظرها فيما لو رفعت لها مستقلة.

والاختصاص المكاني غير متعلق بالنظام العام بخلاف الاختصاص النوعي، فيجوز الاتفاق على مخالفة مبدأ الاختصاص المكاني، ولا يجوز للمحكمة أن تقضي بعدم اختصاصها مكانيا من تلقاء نفسها، فواجب على المدعى عليه أن يتمسك بدفع عدم الاختصاص المكاني قبل السير في الدعوى الموضوعية، والا اعتبر متنازلا، وذلك مضمون المواد 109 و110 من قانون أصول محاكمات مدنية .

المبحث الثاني : إجراءات دعوى الحراسة القضائية (تعيين قيّـم)

دعوى الحراسة كما أشرنا سالفا، أما أن ترفع أمام القضاء المستعجل، أو تنظر بالتبعية أمام محكمة الموضوع.

فإذا رفعت أمام القضاء المستعجل: يتقدم المستدعي (المدعي) لقاضي الأمور المستعجلة بطلب لتعيين قيم على المال الذي لم يثبت حقه فيه، فالمستدعي هو صاحب المصلحة فيتقدم بطلب الحراسة على المال الموجود تحت حيازة  المستدعى ضده ( المدعى عليه ) وذلك وفقا لنص المادة 32 من قانون الأصول . ويجب على المستدعي أن يؤيّد دعواه ببينات ومستندات تؤكد ضرورة هذه الدعوى، كما جاء في قرار محكمة الاستئناف الأردنية ((يجب أن يدل ظاهر البينات المقدمة من المستأنف على ما يبرر تعيين قيم، والا كان طلب تعيين قيم حرِيّا بالرد)) ([98])

يكون ميعاد الحضور 24 ساعة، الا إذا اقتضت الضرورة انقاص هذا الميعاد الى ساعه بشرط أن يحصل التبليغ للخصم نفسه، المادّة 61 من قانون الأصول.

ويتبع بعد ذلك الإجراءات المقررة في قانون أصول محاكمات مدنية للدعاوى المستعجلة من حيث تقديم البينات وإعطاء المحكمة المواعيد المناسبة للاطلاع والرد عليها وحالة تغيب الخصوم وما يثار أمام المحكمة من دفوع وطلبات، التي قد تستدعي سماع شهود وتعيين خبراء أو توجيه يمين حاسمة أو متممة، وما الى ذلك من إجراءات.

إذا تقدم احد الخصوم بطلب الحراسة بطريق التبعية أمام محكمة الموضوع: لاي من الخصوم من تتوافر لديه المصلحة بتقديم طلب وضع المال المتنازع عليه تحت الحراسة القضائية في مرحلة من مراحل الدعوى، ويقوم قاضي الموضوع بوزن الطلب المقدم بالحراسة ومدى توافر الخطر أو الاستعجال المبرر للحراسة.

يجوز تقديم طلب الحراسة لأول مرة أمام محكمة الاستئناف باعتبارها محكمة موضوع، فلا يشترط فقط تقديمه لدى محاكم الدرة الأول ى، وهذا ما استقر عليه اجتهاد لمحكمة التمييز الأردنية، حيث جاء فيه ((تعدّ محكمة الاستئناف محكمة موضوع إذا طلب أثناء نظر الدعوى تعيين قيم على مال محل نزاع فيها إذا رات أن الطلب عادلا، ولا ينحصر ذلك في محكمة الدرجة الأول ى، وتقدير ما إذا كان طلب تعيين قيم ام لا، يعود تقديره لمحكمة الموضوع ([99])

وأيضا ما جاء في اجتهاد حديث لها حيث مما جاء فيه : (( وحيث أن محكمة الاستئناف بصفتها محكمة موضوع في قضاء الأمور المستعجلة ، توصلت من ظاهر البينات والأوراق المقدمة في الطلب ما يوحي بعدم وجود خطر عاجل أو سبب عادل يقتضي تعيين حارس قضائي على المميز ضدها  الأول ى في هذه المرحلة ، كما أن القضاء المستعجل مناط  به الفصل في المسائل الوقتية في حين أن الدعوى المماثلة يتطلب الفصل فيها استعراض البينات استعراضا موضوعيا بشكل يؤدي للمساس بالحق موضوع الطلب مما يخرج ذلك عن اختصاص قاضي الأمور المستعجلة ويدخل ضمن اختصاص قاضي الموضوع .))([100])

أولا: حكم الحراسة وحجيّـته

طبيعة حكم الحراسة: هو حكم وقتي سواء صدر من قاضي الأمور المستعجلة ام من محكمة الموضوع، ولا ينفي عنه هذه الطبيعة انه يفصل بصفة قطعية، فهو إنما يفصل قطعيا في الحراسة لمدة مؤقتة ويكون في خلال تلك المدة قابلا للتعديل اذا تغيرت الظروف التي اقتضت إصداره، فحكم الحراسة اذا هو حكم قطعي مؤقت، وهو كذلك يحوز قوة القضية المقضية ومن ثم يقيد القضاء ويلزم طرفي الخصومة ، فليس للقضاء أن يعدِل عن حكمه وليس لطرفي الخصومة أن يرفعا دعوى ثانية بالحراسة وبنفس الأسباب لتغيير الحكم أو تعديله([101] ).

 حجية حكم الحراسة: حكم الحراسة كحكم مؤقت ليست له الا حجية نسبية مؤقتة، فحجية نسبية لأنها لا تُلزم قاضي الموضوع، وفي حكم قديم لمحكمة النقض المصرية بخصوص هذا الموضوع، حيث جاء فيه ((أن أجراء الحراسة وهو أجراء مستعجل ليس من شأنه أن يحسم النزاع بين الخصمين في أصل الحق، إذ هو تقدير وقتي عاجل، يتحسس به القاضي المستعجل ما يبدو للنظرة الأول ى أن يكون وجه الصواب في خصوص الإجراء المطلوب، مع بقاء أصل الحق سليما يناضل فيه ذوو الشأن لدى محكمة الموضوع.)) ([102])

وحجية مؤقتة، لأنها لا تبقى الا ببقاء الظروف التي بني عليها الحكم، فإذا تغيرت هذه الظروف، ووجد ما يستوجب التعديل في حكم الحراسة، زالت حجية هذا الحكم وأمكن رفع دعوى جديدة يطلب فيها ما يغاير الذي قضى به حكم الحراسة الأول.

ثانيا: تنفيذ حكم الحراسة

ما أن يصدر حكم الحراسة، فانه يُضفي صفة الحارس على الشخص الذي وقع عليه الاختيار، فيتم تسليم المال الذي فرض عليه الحراسة للحارس، ويشمل التسليم الشيء الأصل ي الموضوع تحت الحراسة وتوابعه ولو لم ينص الحكم على ذلك، فمثلا وضع شركة تحت الحراسة يشمل الأدوات والآلات والبضائع والمنقولات الأخرى الموجودة بالشركة.

ثالثا: اثأر حكم الحراسة ([103] )

إثر حكم الحراسة على حقوق مالك الشيء:

لا يترتب على حكم الحراسة اي تأثير على ملكية الشخص المحكوم بوضع الحراسة على أمواله ، فيبقى له الحق في التصرف بهذه الأموال بجميع أوجه التصرف القابلة لها قانونا ، ما لم تكن ملكية المال متنازع عليها جديا ، كما يجوز أن يرفع باسمه الدعاوى المتعلقة بالحقوق العينية ، وان يتخذ كافة الإجراءات التحفظية التي من شأنها المحافظة على المال اذا تراخى الحارس عن اتخاذها في الوقت المناسب ،وللمالك أن يتخذ كافة الإجراءات التحفظية للمحافظة على أمواله قِـبَـل الحارس فله مثلا أن يطلب بشكل مستعجل  إثبات  واقع الحال على الأعيان الموضوعة تحت الحراسة لمعرفة مدى عناية الحارس بها ، وبيان مدى الضرر الذي أصابه بسبب تقصيره أو إهماله ،وللمالك أن يطلب من المحكمة تمكينه من أجراء الأصل أحات الضرورية اللازمة لصيانة المال الموضوع تحت الحراسة مثلا اذا كان الحارس قد اهمل عنايتها وصيانتها .

 والحارس هو الشخص الوحيد المسؤول عن إدارة الأموال محل الحراسة، واستغلالها وصيانتها والتقاضي بشأنها بالقدر الذي تتطلبه أعمال الإدارة، بالحدود التي يعينها له حكم الحراسة.

إثر حكم الحراسة على حقوق الدائنين:

لا يترتب على الحكم الصادر بالحراسة حرمان الدائنين من التنفيذ الفردي على الأموال الموضوعة تحت الحراسة، لأن الحراسة ليست قيدا على الملكية تحول دون تصرف المالك في أمواله، أو تخرج هذا المال من دائرة الضمان العام للدائنين، وكل ما هنالك أن يصبح على الدائنين أن يتبعوا عند التنفيذ بديونهم إجراءات حجز ما للمدين لدى الغير على الأموال الموجودة تحت يد الحارس القضائي. ([104])

رابعا: الطعن بحكم الحراسة

يعتبر الحارس القضائي نائبا قانونيا وقضائيا على المال الذي يحرسه، ويبقى قرار تعيينه نافذا حتى تنتهي مهمته، أو تنتهي حراسته لأسباب معينه بقرار من المحكمة أو بقرار من المحكمة الأعلى درجة يكون ذلك بطريق الطعن.

تنص المادّة 170 من قانون الأصول المدنية على أن ه ((لا يجوز الطعن في الأحكام التي تصدر أثناء سير الدعوى ولا تنتهي بها الخصومة الا بعد صدور الحكم المنهي للخصومة كلها، ويستثنى من ذلك القرارات الصادرة في المسائل التالية: 1. الأمور المستعجلة …))

وتنص المادّة 176 في فقرتها الثانية من قانون الأصول المدنية على ((2. يجوز استئناف القرارات الصادرة في الأمور المستعجلة أيا كانت المحكمة التي أصدرتها، وتفصل محكمة الاستئناف المختصة في الطعن المقدم اليها بقرار لا يقبل الطعن بطريق التمييز الا بإذن من رئيس المحكمة أو من يفوضه لذلك))

وبناء على ذلك، يجوز الطعن في الأحكام المتعلقة بتعيين حارس قضائي، سواء أكان الحكم صادرا عن محكمة موضوعية ام من قاضي الأمور المستعجلة، وتكون محكمة الاستئناف هي المختصّة بالنظر في هذه الطعون حيث تصدر قرارها برد الاستئناف أو فسخه وأعادته الى محكمة الدرجة الأول ى لنظر الطلب مرة أخرى .

الطعن في حكم الحراسة بطريق التمييز:

الأصل أن حكم الحراسة لا يقبل الطعن بالتمييز، الا وانه استثناء على ذلك يجوز تقديم الطعن بحكم محكمة الاستئناف بعد الحصول على ادن رئيس محكمة التمييز في حالة وجود نقطة قانونية مستحدثة تستدعي نظرها تمييزا، هذا مضمون المادّة 176 سالفة الذكر

استقر اجتهاد قديم لمحكمة التمييز الأردنية على عدم جواز تمييز قرار محكمة الاستئناف القاضي بتعيين حارس قضائي في ظل قانون الأصول المدنية القديم، الا وان المشرع الأردني مع تعديله لقانون الأصول رقم 14 لسنة 2001 أجاز الطعن بالتمييز في القرارات المتعلقة بالأمور المستعجلة وأضاف بذلك طريقا ثانيا للطعن بهذه القرارات الصادرة عن محكمة الاستئناف، كما نصّت المادّة 176 من القانون المعدّل.

مدّة الطعن بالاستئناف:

تنص المادّة 178 من قانون الأصول الفقرة الثانية على أن ((تكون مدة الطعن بالاستئناف عشرة أيام في القرارات القابلة للطعن بموجب أحكام المادة 170 من ذات القانون)).

مدّة الطعن بالتمييز:

جاء في المادّة 191 من قانون الأصول المدنية ((2. أما الأحكام الاستئنافية الأخرى فلا تقبل الطعن بالتمييز الا بإذن من رئيس محكمة التمييز أو من يفوضه. 3. على طالب الأذن بالتمييز أن يقدّم الطلب خلال عشرة أيام من اليوم التالي لتاريخ صدور الحكم إذا كان وجاهيا والا من اليوم التالي لتاريخ تبلغه. 4. على طالب الأذن بالتمييز أن يبين في طلبه بالتفصيل النقطة القانونية المستحدثة أو التي على جانب من التعقيد القانوني وذلك تحت طائلة الرد شكلا. 5. إذا صدر القرار بالأذن وجب على مقدم الطلب أن يقدم لائحة الطعن خلال عشرة أيام من اليوم التالي لتبليغه قرار الإذن، ويبقى الأذن قائما حتى صدور الحكم النهائي في الدعوى.))

الفصل الخامس : ابتداء الحراسة القضائية وانتهاؤها

الحراسة القضائية نيابة قانونية وقضائية وإجراء تحفظي مؤقت لحفظ المال المتنازع عليه حتى الفصل الدعوى الموضوعية، أو حتى زوال الخطر الذي يهدد المال موضوع الحراسة، فالحراسة لها بداية ولها نهاية، وسنتناول في هذا الفصل متى تبدأ الحراسة القضائية، من يعين الحارس القضائي ، وماذا يترتب على الحارس بما انه نائب عن صاحب الحق في المال الموضوع تحت الحراسة ، تنحي الحارس القضائي عن الحراسة ، وأخير ا مدى إمكانية طلب عزل الحارس القضائي أو استبداله بحارس قضائي أخر ثم انتهاء الحراسة القضائية .

المبحث الأول  : ابتداء الحراسة القضائية

المطلب الأول: تعيين الحارس القضائي

تنص المادّة 898 مدني أردني ((اذا لم يتفق اطراف النزاع على شخص الحارس تولت المحكمة تعيينه)) والاتفاق هنا على شخص الحارس وليس على مبدأ الحراسة ذاتها.

من يعين الحارس القضائي ([105])؟

راينا أن المادّة 898 مدني ، تقضي بأن يكون تعيين الحارس القضائي باتفاق ذوي الشأن اي اطراف النزاع ، وهنا تأكيد على أن مسالة الاتفاق تعيين حارس قضائي لا علاقة لها بمسالة فرض الحراسة ، فهي تُفرض بأمر القضاء ، ولكن شخص الحارس القضائي يتعين باتفاق الطرفين أن امكن ذلك ولا تتغير بذلك طبيعة الحراسة من قضائية الى اتفاقية ، فالعبرة هي بمن فرض الحراسة في ذاتها ، فإن كان القاضي هو من فرضها كانت الحراسة قضائية ولو اتفق الخصوم على تعيين شخص الحارس ، وان كان الخصوم هم اللذين عيّنوه كانت اتفاقية ، ولو أن القاضي هو الذي عين شخص الحارس .

فاذا اتفق الأطراف المتنازعين على تعيين شخص الحارس القضائي، وجب على المحكمة تعيين هذا الشخص، واذا لم يتفق ذوو الشأن على شخص الحارس تولت المحكمة تعيينه بنفسها، وقد تعين المحكمة احد طرفي الخصومة حارسا قضائيا ولو اعترض عليه الطرف الأخر، اذا  اطمأنت الى أمانته لا سيما اذا قبل الحراسة دون أجر وكانت قيمة الأموال لا تتحمل نفقات الحراسة ، واذا لم تعين المحكمة احد طرفي الخصومة حارسا ، عيّنت لذلك أجنبيا ترى فيه الخبرة والأمانة التي تتطلبها إدارة الأموال الموضوعة تحت الحراسة .

وتعين المحكمة عادة من يقبل أن يكون حارسا دون أجر إذا كان يتصف بالأمانة والخبرة المطلوبين وقد تعين أكثر من حارس، إذا اقتضى المال محل الحراسة وتنوع العمل تعدد الحراس، ولا بد للحارس من قبوله للمهمة، إذ لا يجبر أحد على أن يكون حارسا، وعليهم أن يقوموا بمهمتهم على الوجه المبين في حكم الحراسة ن ولا يجوز لأحدهم الانفراد بأعمال الحفظ والإدارة عن الأخرين، هذا مضمون المادّة 895 مدني.

في حال تعيين حارس قضائي على الشركة أو المال الشائع فالرأي الأرجح ([106]) أن يتم تعيين الشريك أو المدير القائم بأعمال الإدارة حارسا قضائيا، لما لديه من الخبرة الكافية وهو الأقدر على ذلك. لكن في حال أن رات المحكمة تعيين الأجنبي حارسا، فيُستحسن أن تعين معه الشريك القائم بأعمال الإدارة، على أن تكون مهمة الحارس القضائي مراقبة أعمال الإدارة وليس مباشرتها حسب ما تقرر المحكمة في حكمها.

إمكانية أن يكون الحارس القضائي أمراه

يذهب الفقه ([107]) الى عدم أسناد الحراسة الى المرأة، الا في حالات الضرورة فقط، والتي لا يمكن فيها تعيين شخص أخر خلافها في الحراسة ، للاعتبارات التي أخذ منها ، مركزها الاجتماعي مع وظيفة الحارس وطبيعة عمله ، إضاقة لما في أعمال الحراسة من متاعب ومشاق يصعب على المرأة تحملها ، ولما أظهره العمل في هذه الحالات من أنها تترك الإدارة في يد أخر وكيل عنها لتعذر تحملها أعباءها على الوجه الأكمل .

باعتقادي لا يوجد ما يمنع من أن تعين المحكمة أمراه حارسا قضائيا على مال متنازع عليه، إذا اقتضت الضرورة ذلك، كأن يكون المال المتنازع عليه خاصا بالنساء، أو أن يكون مدرسة إناث أو ما شابه ذلك من أمور. وعلى كل الأحوال تقوم المحكمة باختيار الشخص الكفؤ القادر على إدارة المال محل الحراسة والأقدر على المحافظة عليه ممن تتوافر فيهم الخبرة والأمانة.

المطلب الثاني: تنحي الحارس القضائي

نصّت المادّة 906 مدني أردني ((للحارس أن يتخلى عن مهمته متى أراد، على أن يبلغ أصحاب الشأن وان يتابع القيام بالأعمال التي بدأ بها حتى تبلغ مرحلة لا تلحق ضررا بأطراف النزاع)) يمكن أن يجدّ على الحارس أسباب تجعل من المتعذر عليه بقاءه حارسا، كأن اضطر الى السفر أو أصابه مرض أعجزه عن الحراسة، أو استجدت صعوبات أمامه، أو ضاق وقته عن القيام بأعمال الحراسة، أو غيرها من الأمور والظروف التي تجعل من الصعب القيام بأعمال الحراسة.

للحارس أن يطلب من المحكمة التي عينته إعفاءه من مهمته ولو كانت محكمة ثاني درجة ([108] كما يجوز أن يرفع الطلب الى القضاء المستعجل ولو لم يكن هذا القضاء هو الذي عينه، وذلك عند الاستعجال.

ويرجع في ذلك الى تقدير المحكمة، فان رات أسباب تنحي الحارس مقنعة وجيهة، قبلت الطلب وأعفت الحارس من الحراسة، وعيّنت أخر مكانه، وإلا رفضت تنحي الحارس وألزمته بالبقاء في الحراسة التي سبق له أن قبلها.

المطلب الثالث: طلب عزل الحارس القضائي.

نصت المادّة 907 مدني اردني ((اذا مات الحارس أو عجز عن القيام بالمهام المكلف بها أو وقع خلاف بينه وبين احد ذوي الشأن ولم يتفق الطرفان على اختيار غيره، فللمحكمة أن تعين حارسا تختاره بناء على طلب احد الطرفين  أو من له مصلحة في ذلك وكان محقا في طلبه ، لمتابعة تنفيذ حكم الحراسة .

يشترط لطلب عزل الحارس ما اشترطته المادّة 907:

  1. أن يموت الحارس: فشخصية الحارس في الحراسة محل اعتبار، وحق الحراسة لا ينتقل الى الورثة، الا إذا أجاز ذلك أصحاب الشأن.
  2. إذا عجز عن القيام بالمهام المكلف بها: كما لو أساء الحارس أداء مأموريته أو تخلى عنها أو وكّل شؤونها الى غيره، أو إذا كان الطلب مبنيا على سوء إدارته، ويرجع الاختصاص بالحكم الى قاضي الأمور المستعجلة الذي يوزن ظاهر البيّنة المقدمة من الطرفين أو صاحب المصلحة في عزل الحارس واستبداله.
  3. وقوع خلاف بين الحارس وبين أصحاب الشأن أو احدهم: وهذا الشرط مكمل للشرط السابق، فقد يقع خلاف بينه وبين أصحاب الشأن على أن ه ينحاز لبعض الخصوم دون الأخرين، أو يهمل في إدارة المال موضوع الحراسة إهمالا يُضرّ بأصحابها أو يُهمل حفظها بما يجعله عرضة للتلف أو الهلاك أو الضياع.

يمكن أن يقدم طلب استبدال الحارس القضائي ولو لم يرتكب اي خطأ جسيم، وذلك في حال توافر حارس يحمل الصفات ذاتها لكن دون أجر. فتقرر المحكمة إذا رأت مصلحة في ذلك باستبداله بناء على طلب ذوي الشأن.

فإذا وقع من الحارس ما تقدّم، فيجوز لصاحب المصلحة أن يطلب من القضاء المختص عزل الحارس واستبداله لمتابعة تنفيذ حكم الحراسة.

ويقدم طلب عزل واستبدال الحارس الى قاضي الأمور المستعجلة أو الى المحكمة التي عينته، الا إذا كان الحارس قد عينته محكمة درجة ثانية، وجب تقديم الطلب الى محكمة الدرجة الأول ى، وهذا بخلاف طلب تنحي الحارس، فيجوز طلب التنحي الى المحكمة التي عينت الحارس ولو كانت محكمة درجة ثانية، لان التنحي ليس خصومة تقتضي أن تُنظر أمام درجتين ([109]).

وبمجرد صدور الحكم بعزل الحارس فإنه يفقد صفته ومأموريته، وتعتبر جميع التصرفات والسلطات التي يجريها على المال محل الحراسة بعد الحكم صادرة خارج حدود نيابته.

المبحث الثاني: انتهاء الحراسة القضائية

نصت المادّة 908 مدني أردني على ((تنتهي الحراسة بإتمام العمل أو باتفاق ذوي الشأن أو بحكم القضاء، وعلى الحارس حينئذ أن يبادر الى ردّ ما في عهدته الى من يتفق عليه ذوو الشأن أو تعينه المحكمة))

وبناء عليه، فإن حالات انتهاء الحراسة ثلاثة:

  • إتمام العمل الذي طبيعته حراسة المال وإدارته.
  • اتفاق ذوو الشأن على أن هاء الحراسة.
  • حكم القضاء، اي أن يثبت الحق في المال محل الحراسة لأحد الأطراف فيزول الخطر. العاجل ولا حاجة لمن يدير المال ويحفظه.

هل تنتهي الحراسة بانتهاء مأمورية الحارس؟

هنالك فرق جوهري بين انتهاء الحراسة وبين انتهاء مأمورية الحارس، فقد تنتهي مأمورية الحارس دون أن تنتهي الحراسة ذاتها، وذلك يكون بتنحي الحارس عن الحراسة لعذر قبله القضاء، أو تنتهي بعزل الحارس لسبب يوجب ذلك، وقد تنتهي بموته .

ففي هذه الحالات تزول صفة الحارس ولا تزول الحراسة ذاتها، بل تبقى الحاجة ماسة الى حارس أخر يدير المال ويحفظه ويكمل عمل الحارس الأول.

 فإذا انتهت الحراسة ذاتها بالأسباب الثلاث التي ذكرتها المادّة 908، تنتهي معها مأمورية الحارس وترفع الحراسة عن المال.

متى تنتهي الحراسة القضائية؟

تنتهي الحراسة بزوال الأسباب التي دعت اليها، وتعود الحالة الى ما كانت اليه قبل الحراسة مع ثبوت الحق لاحد الخصوم.

أولا: بإتمام العمل الموكل الى الحارس أو باتفاق ذوي الشأن

فالحراسة القضائية وان فرضت بأمر القضاء، قد فرضت حماية ومراعاة لمصالح الخصوم، فإذا اتفق الخصوم جميعهم على انتهاء الحراسة انتهت، ويستوجب على الحارس أن يردّ المال الى من يتفق على تسليمه الخصوم دون حاجة الى حكم القضاء بذلك.

ثانيا: بحسم النزاع الموضوعي وثبوت الحق لاحد الطرفين

فمثلا، اذا كان النزاع على ملكية مال، وترتب على هذا النزاع وضع المال تحت الحراسة، فإن صدور حكم نهائي في موضوع النزاع يبـُتّ لاي من الطرفين يكون الحق في ملكيته، فذلك ينهي الحراسة لنفاد غرضها ويتعين على الحارس أن يرد المال الى من ثبتت له ملكيته، دون حاجة بالحكم في ذلك ، فالحراسة قد انتهت بموجب القانون من تلقاء ذاتها .

ثالثا: بحكم القضاء ولو قبل حسم النزاع الموضوعي

ويكون ذلك إذا تغيّرت الظروف التي استدعت فرض الحراسة، بحيث لا يعود لها حاجة أو ضرورة، مثاله أن توضع أموال الشركة تحت الحراسة القضائية وثم يُعين مصفّ لها، فتنتهي الحراسة هنا وعلى الحارس تسليم المال الى المصفي.

إذا كان الحارس معينا من قاضي الأمور المستعجلة، جاز لكل ذي مصلحة أن يطلب أنهاء الحراسة للأسباب المشار اليها، ويقتصر قاضي الأمور المستعجلة للبت في المسألة على ظاهر البينات دون أن يتجاوز ذلك الى الموضوع لان في ذلك مساس بأصل الحق.

أما اذا كان معيّـنا من محكمة موضوع، جاز طلب أنهاء الحراسة أمامها بحكم التبعية، وأمام القضاء المستعجل، اذا توافر شرط الاستعجال، وفي كلا الفرضين يقتصر دور القاضي بالحكم بظاهر البينات .

لا يجوز لقاضي الأمور المستعجلة عند الفصل في طلب أنهاء الحراسة أن يتعرض الى أسباب جديدة غير تلك التي بُنيت عليها الحراسة، فحيثما زال السبب الأساسي الذي قامت عليه وجب التقرير بإنهائها.

الفصل السادس: آثــــار الحراسة القضائية

تنص المادّة 900 مدني أردني على ((يحدد الاتفاق أو الحكم الصادر بفرض الحراسة حقوق الحارس والتزاماته وما له من سلطة والا طبقت أحكام الوديعة والوكالة بالقدر الذي لا تتعارض فيه مع طبيعة الحراسة والأحكام المنصوص عليها في هذا الفصل))

تشير هذه المادّة الى انه اذا كانت الحراسة اتفاقية، فان العقد هو الذي يحدد حقوق الحارس والتزاماته وحدود سلطته، أما اذا كانت الحراسة قضائية، فان الحكم الصادر بفرضها هو الذي يبين حقوقه والتزاماته وسلطته، فقد ينص الحكم على توسيع سلطة الحارس أو على تضييقها، ويجب في جميع الأحوال ألا يتعدى الحكم في بيان سلطة الحارس حدود طبيعة الحراسة ، كونها أجراء تحفظي مؤقت لا يمسّ أصل الحق .

فإن خلا الاتفاق أو الحكم الصادر بفرض الحراسة من بيان ما للحارس وما عليه ومدى سلطته، فقد تكفل القانون ببيان ذلك، حيث نصت المادّة 900 على تطبيق أحكام الوكالة والوديعة بالقدر الذي لا تتعارض فيه مع طبيعة الحراسة والأحكام الموجودة في المواد التي تليها، والتي سنتناول شرحها.

نبحث في هذا الفصل: 1. التزامات الحارس القضائي، 2. حقوق الحارس القضائي،         3. مسؤولية الحارس القضائي.

المبحث الأول : التزامات الحارس القضائي ([110] )

اذا لم يحدد الاتفاق أو الحكم بالحراسة ما على الحارس من التزامات وما له من حقوق ، فالأصل تطبيق أحكام الوديعة والوكالة بالقدر الذي لا تتعارض مع أحكام الحراسة التي ذكرها المشرع في المواد 901 لغاية 908 مدني ، ويلتزم الحارس بمجرد قبوله بالمحافظة على الأموال التي يعهد اليه حراستها وبإدارتها إدارة صحيحة ، وقد يقوم الحارس ببعض أعمال التصرف فضلا عن أعمال الحفظ والإدارة اذا وُجد ما يخشى على المال محل الحراسة ، ولما كانت شخصية الحارس محل اعتبار وجب عليه أن لا يحل احد ذوي الشأن أو اجنبي محله في أداء مهمته بعضها أو كلها الا برضاء جميع الأطراف .

التزامات الحارس حسب نصوص المواد 901 – 908 مدني بالإضافة الى أحكام الوديعة والوكالة:

يترتب على الحارس بمجرد قبوله مهمة الحراسة ما يلي:

  • تسلم المال
  • المحافظة على المال
  • إدارة المال
  • عدم إحلال ذوي الشأن في حفظ المال أو إدارته دون رضاء الأخرين
  • تقديم الحساب
  • ردّ المال
أولا: التزام الحارس بتسلم المال محل الحراسة

تنص المادّة 901 مدني على أن يلتزم الحراس بالمحافظة على الأموال المعهودة اليه حراستها وبادرتها، وحتى يتمكن من ذلك وجب تسلمه هذا المال، فالتزاماته تبدأ بتسلم المال المعهود اليه بحراسته من يد حائزه، وإذا لم يتسلمه اختياريا، كان له تنفيذ التسليم جبريا بطريق المحكمة، وقد يكون التسليم حكميا، بان يعين القاضي أحد الخصوم حارسا على المال وكان هذا المال في حيازته.

يجب على الحارس أن يحرر محضرا أو كشفا يذكر فيه الأموال التي تسلمها والتي ستوضع تحت حراسته وتوابعها، بحضور ذوي الشأن جميعهم ويوقع الجميع على محضر الجرد، فان امتنع البعض عن الحضور، اثبت ذلك الحارس في المحضر، هذا في حال تسلمها اختياريا .

أما في حالة التسليم الجبري، فيقوم المحضر بجرد الأموال محل الحراسة ويبين أوصافها وتوابعها ويسلمها الى الحارس في حضور ذوي الشأن ([111].

جاء في قرار لمحكمة الاستئناف الأردنية ((يجب لإمكان تعيين الحراس القضائي، إمكان استلام هذا المال لغيات حفظه وإدارته وممارسة اي عمل لتحقيق مصلحة الطرفين ))[112]

ينبغي التنويه الى أن الحراسة لا تنقل ملكية الأموال الموضوعة تحتها الى الحارس، بل تبقى لصاحبها، ومن ثم فان تبعة الهلاك بعد التسليم تكون للمالك الذي يثبت له الحق فيها، والغاية من هذا المحضر، إنما من باب الضمان وحفظ المال، فبنهاية الحراسة أو عند انتهاء مأمورية الحارس، وجب عليه أن يردّ المال الذي في عهدته الى صاحب الحق فيه.

ثانيا: التزام الحارس بالمحافظة على المال الذي في عهدته

أوجبت المادّة 901 مدني ، على الحارس أن يحافظ على الأموال الموضوعة تحت حراسته مراعيا بذلك طبيعتها ، وقد وضع المشرع الأردني معيارا لهذه العناية ، “وهي عناية الرجل المعتاد” ، وفي تعليق للدكتور السنهوري على هذه النقطة (( هنا تختلف الحراسة عن الوديعة ، فقد قدمنا أن في الوديعة وجب التمييز بين ما اذا كانت بغير أجر ، فهنا يجمع بين المعيارين الشخصي والمادّي ويكون المودع عنده ملزما بان يبذل من العناية في حفظ الشيء ما يبذله في حفظ ماله الخاص دون أن يُكلف في ذلك عناية الرجل المعتاد ، وبين اذا ما كانت باجر ، فهنا يكون المعيار ماديا ويجب على المودع عنده أن يبذل من العناية ما يبذله الرجل المعتاد . أما الحراسة، فيجب على الحارس في جميع الأحوال سواء أكانت الحراسة باجر ام بغير أجر، أن يبذل عناية الرجل المعتاد، فإن لم يبذل تلك العناية حتى لو اثبت انه بذل عناية ما يبذلها في المحافظة على ماله الخاص، كان مسؤولا، لأنه ملزم أن يبذل عناية الرجل المعتاد ولو كانت تزيد على عنايته الشخصية)) ([113])  .

فمعيار عناية الحارس هو معيار مادّي أن يبذل عناية الرجل المعتاد سواء كانت الحراسة باجر ام لا، وليس كالمودع عنده الذي يختلف معيار التزامه بالعناية تبعا للأجرة.

تطبيقا على ذلك، إذا كان المال عقارا، بناء أو أرضا، وجب عليه أجراء الأصل أحات اللازمة لصيانة العقار من السقوط أو ما يضر به من عوامل خارجية مثل الرطوبة أو تمديدات الكهرباء أو الماء وما شابه ذلك، وفي حالة كون العقار أرضا مثلا، وجب على الحارس أن يزرعها طبقا للأصول المألوفة للزراعة أو أن يؤجرها إذا – خوله الحكم هذه السلطة – وان يطلب من المستأجر أن يعتني بها عناية الرجل المعتاد. وإذا كان المال آلات أو بضائع وجب على الحارس أن يقوم بأعمال الحفظ ما يمنع هلاكها وتلفها.

ولا يقتصر الحارس في الحفظ على الأعمال المادية، بل وجب عليه اتخاذ اي أجراء قانوني لازم للمحافظة على المال، فمثلا يلتزم باتخاذ الإجراءات القاطعة للتقادم الذي يسري ضد مصلحة هذه الأموال، ورفع الدعوى المستعجلة، كتوقيع الحجز التحفظي أو التنفيذي لصالح المال محل الحراسة.

عدم جواز إحلال أحد ذوي الشأن في المحافظة على المال:

اي انه لا يجوز للحارس أن ينزل عن مهمته في حفظ المال لاحد من طرفي النزاع، ولا يجوز له أن يودع هذا المال أحدا منهم مالم يكن ذلك برضا الطرف الأخر، علّق السنهوري على ذلك:  (( أن تسليط احد طرفي النزاع على حيازة المال أو على أعمال حفظه وصيانته دون رضا الأخر ، قبل الفصل في الموضوع ، يعد خطرا عاجلا على مصالح الطرف الأخر ، وهو نفس الخطر الذي أريد تفاديه بوضع المال تحت الحراسة ، فلا يجوز للحارس أن يقوم بعمل يتعارض فيه مع الغرض الأساسي من الحراسة )) ([114])   .

أما إذا وكّل الحارس أحدا غير طرفي النزاع في حفظ المال، نرجع في الحالة هذه الى المادّة 874 من القانون المدني من أحكام الوديعة، حيث جاء فيها ((1. ليس للمودع لديه أن يودع الوديعة عند أحد بغير ادن من المودِع إذا كان مضطرا وعليه استعادتها بعد زوال السبب)).

فالأصل أنه لا يجوز للحارس أن ينيب أحدا أجنبيا من غير ذوي الشأن في حفظ المال إلا بموافقة ذوي الشأن جميعا. لكن قد تطرأ عليه أسباب ضرورية وملحّة، فمتى كان ذلك جاز له أن يودعها عند أجنبي بدون ادن ذوي الشأن بشرط أن يستعيدها بعد زوال السبب.

ثالثا: التزام الحارس بإدارة المال محل الحراسة ([115])

تنص المادّة 901 مدني على هذا الالتزام أيضا حيث جاء فيها ((وان يُعنى – اي الحارس – بإدارتها))، ونخلص الى أن الحارس ملتزم بادراه المال محل الحراسة، ويجب أن يبذل في ذلك عناية الرجل المعتاد، ولا يجوز له بطريق مباشر أو غير مباشر أن يحل محله في الإدارة أحد من ذوي الشأن، الا برضا الأخرين، كما هو الحال في مهمة حفظ المال.

إن إدارة الحارس للمال هو بحد ذاته سلطة، وللحارس سلطة واسعة في الإدارة وبالمقابل سلطة محدودة في التصرّف، وأيضا لا يجوز له أن ينزل عن سلطته هذه لاحد من ذوي الشأن الا برضا الأخرين.

نصت المادّة 902 مدني على أن ه ((لا يجوز للحارس في غير أعمال الحفظ والإدارة أن يتصرف الا برضا الأخرين أو بإذن من القضاء، مالم تكن هنالك ضرورة ملحة يخشى معها على الغلّة أو المال المنقول الفساد أو الهلاك)). نبحث هذه المادّة في موضوعين الأول سلطة الحارس في الإدارة والثاني سلطته في التصرف.

سلطة الحارس في الإدارة ([116])

يلتزم الحارس علاوة على أعمال الحفظ والصيانة، بإدارة المال المعهود اليه حراسته، والحارس سواء أكان قضائيا ام اتفاقيا هو نائب عن صاحب المال في أعمال الإدارة، وسلطته في هذه الأعمال هي سلطة الوكيل، والحكم بالحراسة يمكن أن يضيّق من سلطة الحارس أو يوسّع فيها، وهو مضمون المادّة 900 مدني

ومن أعمال الإدارة التي يقوم بها الحارس القضائي، الإيجار واستيفاء الحقوق ووفاء الديون، فيجوز له أن يبرم عقود الإيجار بما يوازي أجر المثل، ويتعيّن عليه عن التأجير أن يلتزم بما نص عليه الاتفاق أو جاء به الحكم، كأن يوجب الحكم التأجير بالمزاد العلني، فلا يجوز للحارس والحالة هذه مخالفة ذلك وإجراء التأجير بطريقة أخرى، فإن هو فعل ذلك اعتُبر مقصرا في أداء واجبه، فضلا عن مسؤوليته مدنيا إذا ثبت أن أصحاب الشأن قد أصابهم ضرر بسبب عدم التأجير بالطريقة التي نص عليها الحكم.

وللحارس أن يرفع دعاوى ضد المستأجرين لمطالبتهم بالأجرة المستحقة، أو فسخ عقد الإيجار وأخلاء العقارات المؤجرة للأسباب الداعية لذلك، وله أن يطلب كشف مستعجل ل إثبات الحالة لمعرفة مدى الضرر الذي أحدثه المستأجر في العقار ومطالبتهم بالتعويض عن ذلك.

ويدخل في أعمال الإدارة أن يقوم الحارس بزرع الأرض الموضوعة تحت حراسته بنفسه، أن وجد أن هذا خير طريقة للاستغلال، أو إذا لم يتقدم مستأجر بأجرة مناسبة، وهنا يدخل بعض أعمال التصرف بالتبعية لأعمال الإدارة، فله أن يشتري البذور والسماد والآلات والمواشي للازمة للزراعة ويجوز له بيع المحصول كما لو كان سريع التلف.

وينفق الحارس لأعمال الإدارة كما ينفق لأعمال الحفظ من المال الذي تحت يده، أو من غلة هذا المال، وإذا احتاج مالا لإدارة المال محل الحراسة ولم يمدّه أصحاب الشأن فيه بالمال الكافي، له أن يقترض إذا اقتضت الضرورة لذلك.

وأخير ا، كما أن الحراس يبذل في حفظ المال محل الحراسة عناية الرجل المعتاد، فانه كذلك مُلزم ببذل نفس العناية في إدارة هذا المال، سواء أكان ماجورا ام لا، بخلاف الوكيل ، الذي يبذل العناية التي يبذلها في إدارة ماله أن لم يكن  ماجورا ، وان كان مأجورا تكون مسؤوليته كمسؤولية الحارس ببذل عناية الرجل المعتاد .

فإذا قصر الحارس في تلك العناية، وتضرر صاحب الشأن جراء إهماله، كان لهذا ال أخير أن يرجع على الحارس بالتعويض.

سلطة الحارس في التصرف ([117])

 ذكرنا أن المادّة 902 مدني، لم تجز للحارس أن يتصرّف في المال محل الحراسة الا برضا الأطراف أو بأذن القضاء، الا إذا اقتضت ضرورة ملحّة أجبرته على التصرف لإنقاذ المال من التلف والهلاك.

وهنالك فرق بين أعمال التصرف الأصل يه وبين أعمال التصرف التابعة لأعمال الإدارة كشراء البذور والسماد والأدوات وبيع المحصول، فهذه تدخل في أعمال الإدارة ولا تقتضي في مباشرتها موافقة ذوي الشأن أو ادن القضاء.

أما أعمال التصرف الأصل يه فلا يجوز للحارس أن يباشرها من غير ادن ذوي الشأن جميعا أو ادن القضاء، والا كان التصرف قد جاوز حدود النيابة، ومثل أعمال التصرف أن يهب الحارس المال الموضوع تحت حراسته أو أن يبيعه أو يقرضه أو يصالح عليه، أو أن يتنازل عن جزء منه أو أن يمسّ اصل الحق بشكل عام.

مجاوزة الحارس حدود نيابته ([118])

الحارس القضائي نائب قانوني وقضائي وهو يعبر عن أرادته لا عن إرادة من ينوب عنهم، لذا وجب أن يكون تعبيره عن هذه الإرادة في حدود نيابته التي يحددها القضاء في الحكم الصادر بتعيينه، لكن ماذا لو جاوز الحارس حدود هذه النيابة؟

تنص المادّة 109 الفقرة الثانية مدني اردني على ((يحدد سند الإنابة الصادر من الأصيل نطاق سلطة النائب عندما تكون النيابة اتفاقية، كما يحدد القانون تلك السلطة اذا كانت النيابة قانونية))

فالأصل أن العمل الذي يقوم به الحارس القضائي مجاوزا حدود نيابته كما بينها الحكم أو القانون لا ينتج اثره القانوني نحو الأصيل ، لان الحارس والحالة هذه فقد صفة النيابة التي اكتسبها بحكم القضاء ، ويعتبر العمل باطلا في مواجهة الحارس والغير ، حتى لوكان الغير الذي تعامل معه حسن النية ، بمعنى انه لا يعلم بمجاوزة الحارس حدود سلطته ، وذلك لان الغير حسن النية كان باستطاعته التأكد من حدود سطلة الحارس قبل التعاقد معه مثلا ، بالاطلاع على حكم الحراسة ، ومع ذلك في حالة ما اذا كان البيع مثلا قد حصل في منقولات مادّية فإن الغير يكون محميّا بقاعدة الحيازة في المنقول سند ملكية .

وللغير حسن النية إذا ما أصابه ضرر من عمل الحارس القضائي المجاوز حدود سلطته أن يرجع عليه بالتعويض عن الضرر الذي لحقه جراء ذلك، لان الواجب على الحارس أن يخبره بحقيقة حدود نيابته قبل التعاقد معه، وليس للغير أن يرجع على الأصيل في هذه الحالة.

على الرغم من ذلك، يذهب راي في الفقه ([119]) الى أن العمل الذي يجاوز النائب فيه حدود نيابته ينتج أثره بالنسبة الى الأصيل استثناء على القاعدة السابقة، إذا كان الغير الذي تعامل معه النائب حسن النيّة، بحيث لا يعلم أن الحارس جاوز حدود نيابته، وكانت لديه أسباب قوية تدعوه الى الاعتقاد بأن النائب (الحارس) قد تعاقد في حدود نيابته مثل أن يكون العمل الذي قام به الحارس يدخل عادة في حدود نيابته، كقيامه بعمل من أعمال الحفظ والإدارة ولا يكون الحكم القضائي قد أذن له بذلك.

باعتقادي أن هذا الاستثناء يصبّ في مصلحة الغير حسن النية الذي لا يعلم بمجاوزة الحارس حدود نيابته ، فواقع العمل والحياة أحيانا لا يتيح للغير الاطلاع على حكم الحراسة ، فلا بد من مراعاة ذلك حفظا للحقوق وتحقيقا للعدالة ، وتطبيقا لنص المادّة 114 مدني اردني التي نصت على ((اذا كان النائب ومن تعاقد معه يجهلان معا وقت أبرام العقد انقضاء النيابة ، فإن اثر العقد الذي يبرمه يضاف الى الأصيل أو خلفائه )) ، فمثلا لو أن الحارس القضائي الذي يصدر حكم  بعزله مثلا دون أن يعلم بالعزل ويتعاقد مع الغير دون أن يعلم ال أخير  بعزل الحارس ، فإن اثر العقد ينصرف الى من ينوب عنهم الحارس في المال محل الحراسة .

ماذا لو اقرّ القضاء أو الأصيل عمل الحارس الذي يجاوز به حدود نيابته؟

إذا اقرّ الأصيل أو القضاء الأعمال التي جاوز بها الحارس حدود نيابته، فأنها تكون نافذة كأنه قام بها في حدود سجلته ونيابته، ويسري أثرها على الأصيل والغير من وقت تمام العقد أو الحكم لا من وقت إقرارها، على أن عدم إقرار القضاء أو ذوي الشأن لعمل الحارس خارج حدود نيابته لا يمنع من سريان أثرها بالنسبة إليهم إذا كانوا قد أفادوا منها.

عدم جواز تمكين ذوي الشأن من الحلول محل الحارس في إدارة المال دون رضا الأخرين

كما وان الحارس لا يجوز له إحلال محله في حفظ المال أحد ذوي الشأن دون رضا الأخرين، فهو ملزم بذلك في ادرأه المال، والحكمة في ذلك كما بينا أن لا فائدة من الحراسة لو قام الحارس بالتنازل الى أحد ذوي الشأن بالمال المعهود اليه إدارته وحفظه.

أما إذا أناب الحارس أجنبيا من غير ذوي الشأن في الإدارة فنرجع في ذلك الى أحكام الوكالة، وقد نصت المادّة 843 مدني على ((1. ليس للوكيل أن يوكل غيره فيما وُكّل به كله أو بعضه الا إذا كان مأذونا من قبل الموكل أو مصرحا له بالعمل برايه، ويعتبر الوكيل الثاني وكيلا عن الموكل الأصل ي، 2. فإذا كان مخوّلا حق توكيل الغير دون تحديد، فانه يكون مسؤولا تجاه موكله عن خطئه في توكيل غيره أو فيما أصدر له من توجيهات))

فالوكيل يجوز له أن ينيب غيره في تنفيذ الوكالة الا اذا مُنع من ذلك صراحة أو ضمنا، ويعتبر أن يكون هناك منعا ضمنا، اذا اختير الوكيل لاعتبار شخصي، فانه يكون ممنوعا من إنابة غيره عنه في الإدارة ويجب أن يتولى الإدارة بنفسه فهذه مهمته ولا يجوز له أن يتخلى عنها ([120])

رابعا: التزام الحارس بتقديم حساب ([121])

تنص المادّة 903 مدني ((يلزم الحراس بان يوافي ذوي الشأن بالمعلومات الضرورية التي تتعلق بتنفيذ مهمته، بأن يقدم الحساب عنها في المواعيد وبالطريقة التي يتفق عليها الطرفان أو يأمر يهها القضاء))، وكذلك نصت المادّة 155 من قانون الأصول المدنية ((يترتب على القيم أن يقدم الكفالة التي تراها المحكمة مناسبة لضمان ما يلي: 1. تقديم حساب عن كل ما يقبضه في المواعيد وبالكيفية التي تامر بها المحكمة …)).

فالواجب على الحارس أن يتخذ دفاتر حساب منظمة يثبت فيها بانتظام الحسابات الخاصة بالحراسة وقد يلزمه القاضي بتوقيعها من المحكمة بالحكم الصادر بتعيينه، فالحارس نائب عن صاحب المال يلزم بتقديم حساب للأصيل التزام الوكيل بتقديم الحساب للموّكل، والحساب الذي يقدمه الوكيل يتضمن ما للموكل وما عليه، مثل مبالغ قبضها الوكيل ثمن ما باعه وما أجره، أو وفاء لدين الموكل، أو المصروفات التي أنفقها الوكيل في ادرأه أموال الموكل.

التشريع المصري قد نظّم هذا الالتزام تنظيما دقيقا، وبطريقة بين فيها بالتفصيل ما على الحارس في هذا الالتزام، بخلاف المشرع الأردني الذي جعل النص عاما وترك كيفية تقديم الحساب أما لذوي الشأن، أو بالكيفية التي يأمر بها القضاء، حيث نصت المادّة 737 مدني مصري ((1. يلتزم الحارس باتخاذ دفاتر حساب منظمة ويجوز للقاضي إلزامه باتخاذ دفاتر موقع عليها من المحكمة، 2. يلتزم أن يقدم لذوي الشأن كل سنة على الأكثر حسابا بما تسلمه وبما انفقه، معززا بما يثبت ذلك من مستندات، اذا كان الحارس قد عينته المحكمة وجب عليه فوق ذلك أن يودع صورة من هذا الحساب قلم كتابها)).

خامسا: التزام الحارس بردّ المال

تنص المادّة 908 مدني أردني ((تنتهي الحراسة بإتمام العمل أو باتفاق ذوي الشأن أو بحكم القضاء، وعلى الحارس عندئذ أن يبادر الى ردّ ما في عهدته الى من يتفق عليه ذوو الشأن أو تعيّنه المحكمة.))

يلتزم الحارس أن يردّ المال المعهود اليه حراسته كما يلتزم المودع عنده برد الشيء المودع عنده والأحكام التي تسري على المودع عنده بالردّ هي نفسها التي تسري على الحارس عند ردّ المال محل الحراسة لكن باختلاف متى يكون الردّ ولمن يكون.

يكون ردّ المال عند انتهاء الحراسة، وقد تنتهي مهمة الحارس ومأموريته قبل انتهاء الحراسة- كما بينا- أما بتنحي الحارس عن الحراسة أو بموته أو بعزله، وفي جميع الأحوال يحل حارس أخر محله في الحراسة. فالردّ يكون أما عند انتهاء الحراسة أو عند انتهاء مهمة الحارس.

في حالة انتهاء الحراسة، يكون الردّ الى من يثبت له الحق في الشيء، أو من يعينه القاضي في الحراسة القضائية، أو الى من يختاره ذوو الشأن في الحراسة الاتفاقية.

في حالة انتهاء مهمة الحارس، يكون الردّ الى الحارس الذي يخلفه في مهمّته.

المبحث الثاني : حقوق الحارس القضائي

كما أن على الحارس واجبات والتزامات وجب أن يؤديها، فإن له حقوقا مقررة بمقتضى القانون، فنصت الموادّ 904 و905 من القانون المدني، والمادّة 154 من قانون أصول المحاكمات المدنية على تلك الحقوق، نفصلها كالآتي :

أولا: حق الحارس في الأجر ([122])

الأصل في الحارس أن يكون مأجورا على حراسته، وذلك بخلاف المودع عنده والوكيل، حتى لو لم يشترط الحارس ذلك، نصت المادّة 905 مدني ((إذا اشترط الحارس أجرا استحقه بإيفاء العمل، وان لم يشترطه وكان ممن يعملون بأجر فله مثل أجر مثله)). فالحارس مأجور على حراسته، بل أن الأجر هو أهم حقوق الحارس، وفي أغلب الأحيان يكون الأجر هو ما دعاه الى قبول الحراسة.

يتم تقدير أجر الحارس بالاتفاق ( العقد ) اذا كانت الحراسة اتفاقية ، أو يقدرها القاضي اذا كانت قضائية ، ولم يضع المشرع الأردني معيارا معيّنا لتقدير أجر الحارس ، بل ترك ذلك للقاضي الذي حكم بالحراسة وبتعيين الحارس ، فيراعى في ذلك كفاءة الحارس والجهد الذي يبذله وأهمية العمل الذي قام به و الغاية التي وصل اليها بمعرفته وإدارته ، ومقدرته على تصريف شؤون المال المعهود اليه حراسته ، والخدمات التي أداها والصعوبات التي تواجهه ، وغير ذلك من الأمور التي تُعيّن على القاضي أن يأخذها بالحسبان عند تقدير أجر الحارس .

من يٌلزم بأجر الحارس؟  هناك عدّة أراء فيمن يلزم بأجر الحارس، وأخذتُ ما قاله السنهوري ([123]) حيث إنه فرّق بين أمرين، الأول : اذا كانت دعوى الموضوع لا تزال منظورة ،رجع الحارس بأجره على طالب الحراسة ، وهذا ال أخير  بدوره على من يكسب دعوى الموضوع اذا لم يكن هو الذي كسبها . والثاني: إذا كانت قد فصل فيها، فإن الحارس يرجع بأجره على من كسب الدعوى أو على من حكم عليه بالمصروفات. وهذا الأقرب للعدالة والصواب.

ثانيا: حق الحارس باسترداد المصروفات والتعويضات ([124] )

إن للحارس القضائي إضافة الى أجره، حقا باسترداد كافة المبالغ التي صرفها وأنفقها في أداء مهمته، سواء أكانت الحراسة باجر ام بغير أجر، هذا ما نصت عليه المادّة 904 مدني أردني حيث جاء فيها ((للحارس أن يحتسب المبالغ التي صرفها مصرف المثل في أداء مهمته)) ومثل هذه المصروفات، مصروفات الترميم الضرورية، مصروفات الزراعة كثمن البذور والآلات والسماد والمواشي وأجور العمال الذين استعان بهم الحراس في أداء مهمته إذا كانت الحالة تستدعي ذلك.

والحارس شأنه شأن المودع عنده والوكيل ، الرجوع بالتعويض عما يصيبه من ضرر يكون بسببه المباشر قيامه بمهمته دون أن يكون في جانبه اي خطأ ، ويسترد الحارس المصروفات ويتقاضى التعويض من صاحب المال اذا كان النزاع مفصولا ، فاذا كان النزاع لم يفصل بعد استردّه الحارس من طالب الحراسة أو من الخصوم الأخرين على أن يرجعوا به على من يُحكم لصالحه عند حسم النزاع ،وللحارس أن يخصم المصروفات والتعويض والأجر أيضا من غلة المال الموضوع تحت الحراسة عند تقديم الحساب ، ويجوز للقاضي أن يأمر في حكم الحراسة بإيداع مبلغ من غلة المال يُخصص للحارس بالامتياز على سائر الدائنين ، يستعين به على أداء مأموريته.

ثالثا: حق الحبس والامتياز ([125] )

حق الحبس يتقرر للحارس القضائي بأن يحبس الأموال الموضوعة تحت حراسته حتى يستوفي أجره وما يكون قد أنفقه من مصروفات، وله بموجب هذا الحق أن يمتنع عن ردّ هذا المال لمن يثبت له الحق فيه أو لمن يعينه القاضي حتى يستوفي كامل أجره ومصروفاته.

والأساس القانوني لذلك هو القاعدة العامة التي نص عليها المشرع الأردني في المادّة 387 مدني ((لكل من التزم بأداء شيء أن يمتنع عن الوفاء به ما دام الدائن لم يوف بالتزام نشأ بسبب إلزام المدين وكان مرتبطا به.))

هذه القاعدة العامة التي قررها المشرع لا يوجد ما يمنع تطبيقها بالنسبة للحارس، فهو ولو انه مُلزم قانونا برد الأموال التي في عهدته متى انتهت الحراسة الى من يعينه القاضي، الا أن من حقه في ذات الوقت أن يستوفي أجره وأن يستردّ المصروفات الضرورية التي أنفقها.

للحارس أيضا حق امتياز بالمبالغ التي صرفها لصيانة المنقول الموضوع تحت حراسته، حيث نصت المادّة 1434 مدني اردني على ((للنفقات التي صُرفت في حفظ المنقول أو إصلاحه امتياز عليه وتُستوفى من ثمنه بعد المصروفات القضائية والمبالغ المستحقة للحكومة))، والمادّة 391 مدني التي تنص (( من احتبس الشيء استعمالا لحقه في احتباسه كان احق من باقي الفرقاء في استيفاء حقه منه )).

المبحث الثالث : مسؤولية الحارس القضائي ([126] )

لا شك في أن الحارس القضائي مسؤول عما يقع منه من أخطاء وعن تعويض من يصيبهم ضرر نتيجة خطئه، فهو ملزم بأداء مأموريته حسب الاتفاق أو امر القضاء، فإذا قصّر في ذلك، كان مسؤولا عن تقصيره فيما يُحدثه من ضرر.

المطلب الأول: طبيعة مسؤولية الحارس القضائي

اختلف الفقه والقضاء في تكييف طبيعة مسؤولية الحارس القضائي مثل اختلافهم في تكييف الطبيعة القانونية للحراسة القضائية، فذهب البعض الى إخضاع مسؤولية الحارس القضائي الى أنها تخضع لمسؤولية الوديع، والبعض الأخر ذهب الى أنها تخضع لمسؤولية الوكيل ([127]) وحسب هذين الرأيين لا يُسال الحارس عن خطأه الجسيم أن كان غير مأجور، أما اذا كان مأجورا فيسأل عن خطأه اليسير .

هنا نشير الى نقطة مهمة قد أغفلها من ذهب هذين الرأيين، الا وهي الطبيعة القانونية للحراسة القضائية، فهي ليست بوكالة ولا وديعة وليست بعقد أصلا، فمن غير الجائز إحالة الطبيعة القانونية لمسؤولية الحارس القضائي على مسؤولية الوكيل أو المودع عنده. فما هي الطبيعة القانونية لمسؤولية الحارس القضائي؟

انقسم الفقه في ذلك الى رأيين:

 الأول: رأي بأن مسؤولية الحارس القضائي هي مسؤولية عقدية

غالبية الفقهاء والأحكام ([128]) تعتبر الحارس مسؤولا مسؤولية عقدية باعتبار الحارس وكيلا عن أصحاب المال الموضع تحت حراسته، فتسري على هذه المسؤولية أحكام المسؤولية العقدية، فهنا يفرّقون بين الخطأ الجسيم والخطأ اليسير تبعا إذا ما كان الحارس مأجورا ام متطوعا كما بينا سالفا.

 الثاني: رأي بأن مسؤولية الحراس هي مسؤولية تقصيرية

سبق وان بينا أن الحراسة القضائية ليست بوديعة ولا وكالة ولا اي نوع من العقود، وإنما هي نيابة قانونية وقضائية، وان التزامات الحارس مصدرها القانون وحكم القضاء وليس العقد، وعلى هذا الأساس فمسؤولية الحارس هي مسؤولية تقصيرية .

وأرى أن هذا الرأي اقرب الى الصواب، حيث إن الحراسة القضائية ليست عقدا أطلاقا، فمن غير المنطقي أن نعتبر طبيعة مسؤولية الحارس عقدية لعدم وجود عقد في الأصل، وإنما كما بينا أن الحراسة نيابة قانونية وقضائية وتبعا لذلك فإن مسؤولية الحارس منطقيا هي مسؤولية تقصيرية عن فعله الضار. سواء أكان مأجورا ام غير مأجور.

ثانيا: طبيعة التزام الحارس

والالتزام في الأصل ينقسم الى قسمين هما 1. التزام ببذل عناية، 2. التزام بتحقيق نتيجة

أما الالتزام بتحقيق نتيجة: فهو التزام يتعهد به المدين بشيء معين، سواء أكان عملا ام امتناعا عن عمل، ثم تحقيق نتيجة معينة، فإذا لم يحققها اعتبر مقصرا في التزامه.

أما الالتزام ببذل عناية: يتعهد بموجبه المدين ببذل عناية معينة لتحقيق شيء معين، ولا يكون مسؤولا عن تحقيق نتيجة معينة بالذات، فإن هو بذل العناية المطلوبة ولو لم يحقق نتيجة فهو متـمٌّ لالتزامه. وتطبيقا على ذلك:

  • التزام الحارس بالمحافظة على الأموال وإدارتها المعهودة اليه حراستها هو التزام ببذل عناية، لان هذا الالتزام لا يفرض على الحارس نتيجة معينة يلتزم بتحقيقها، إنما هو ملزم ببذل قدر من العناية.
  • التزام الحارس بردّ الأشياء الموضوعة تحت حراسته عند انتهاء مهمته وتقديمه حسابا لأصحاب الشأن أو القضاء، هي التزامات بتحقيق نتيجة، فعليه أن يردّ هذه الأشياء الى من يثبت الحق له فيها أو من يتفق عليه أصحاب الشأن، لذلك لا يبرأ الحارس من هذا الالتزام الا إذا اثبت أن عدم تحقيقه للنتيجة ناشئ عن سبب أجنبي لا يد له فيه مثل القوة القاهرة أو فعل الغير الذي لا يُسأل عنه.

المطلب الثاني: أركان مسؤولية الحارس المدنية

أن أركان المسؤولية المدنية سواء أكانت عقدية ام تقصيرية هي ثلاثة: الخطأ، الضرر وعلاقة السببية، وتقوم المسؤولية المدنية للحارس إذا اخطأ ولحق بالمضرور ووجدت علاقة السببية بين الخطأ والضرر.

أولا: الخطأ

والخطأ هو أهم ركن من أركان المسؤولية، ولا يفرق الفقه الحديث ([129]) بين الخطأ التعاقدي والغير تعاقدي من حيث الطبيعة، ويعرف البعض ([130]) الخطأ بأنه تقصير في مسلك الأنسان لا يقع من شخص يقظ وهو في نفس الظروف الخارجية التي أحاطت بالمسؤول، والخطأ قد يكون فعل سلبي بالامتناع عن عمل أو الإهمال، أو إيجابي كالفعل المتعمد.

يختلف الخطأ الذي يرتكبه الحارس باختلاف التزامه، فاذا كان التزامه بتحقيق نتيجة معينة ولم يحققها كان مخطئا، ومثاله عدم التزامه بتقديم حساب على الوجه المتفق عليه أو كما جاء في حكم الحراسة، أو عدم ردّ الأموال الموضوعة تحت حراسته بعد انتهاء مهمته، أما اذا كان التزامه ببذل عناية ومثاله ، إدارة المال محل الحراسة والمحافظة عليه ، فإن لم يبذل في ذلك عناية الرجل المعتاد كان مخطئا .

ثانيا: الضرر وعلاقة السببية بين عنصري الخطأ والضرر

يخضع هذين العنصرين للقواعد العامّة في المسؤولية، ولا محل للحديث والتفصيل عنهما، إنما نكتفي بذكر بعض التطبيقات القضائية ([131])على ذلك:

  • قضت الأحكام بأن الحارس القضائي الذي عين لأداء مهمته وجب عليه أداؤها بدون ت أخير، والا كان مسؤولا عن تعويض الضرر الذ ي أصاب أصحاب الشأن جراء ت أخير ه في القيام بمهمته، فمثلا إذا عُين حارس لبيع محصول من القمح وجب عليه بيعه في الحال، فإذا تأخر في بيعه وترتب على هذا الث أخير ضرر نتيجة لانخفاض أسعار القمح، يكون مسؤولا في هذا الحالة عن فرق السعر بين الوقت الذي كان يجب عليه أن يبيع فيه وبين الوقت الذي باع في المحصول، ولا يدفع مسؤوليته باحتجاجه أن كان ينتظر ارتفاع أسعار القمح.
  • الحارس القضائي الذي يُهمل في تحصيل الإيجارات في الوقت المناسب، يتحمل قيمة ما لم يحصّل منها
  • يتعين على الحارس عند التأجير أن يتبع الطريقة التي رسمها له حكم الحراسة، فإذا كان الحكم قد أوجب عليه التأجير بالمزاد العلني، فلا يجوز له مخالفة ذلك وإجراء التأجير بطريق أخر، فإن هو فعل ذلك اعتُبر مقصرا في أداء واجبه، فضلا عن مؤاخذته مدنيا إذا ثبت أن أصحاب الشأن قد أصابهم ضرر بسبب عدم التأجير بالمزاد العلني.

 إثبات المسؤولية

ل إثبات مسؤولية الحارس يلزم التفرقة بين ما إذا كان التزامه الذي أخل به هو التزام ببذل عناية ام بتحقيق نتيجة.

  • إذا كان التزامه بتحقيق نتيجة: يقع عبئ ال إثبات على الحارس (المدين) في هذه الحالة، ويكتفي الدائن ب إثبات أن الغاية المطلوبة لم تتحقق، فالحارس يعتبر مقصرا بمجرد عدم تحقق النتيجة، ويدفع الحارس مسؤوليته إذا اثبت أن تقصيره هذا بعدم تحقيق النتيجة يرجع الى سبب أجنبي لا يد له فيه، كالقوة القاهرة أو بسبب فعل الغير الذي لا يد للحارس فيه.
  • إذا كان التزامه ببذل عناية: يقع عبئ ال إثبات هنا على الدائن، فعليه أن يثبت أن المدين (الحارس) لم يقم ببذل العناية اللازمة وهي هنا عناية الرجل المعتاد، ولا يعتـدّ بعدم تحقق النتيجة.

مسؤولية الحارس عن أعمال مساعديه

أن مركز الحارس القانوني بالنسبة الى أصحاب الشأن هو مركز النائب، وهو إذا تصرف في حدود نيابته فإنما يتصرف لحساب من ينوب عنهم، فإذا عين الحارس من يساعده في مهمته، فلا يكون مسؤولا عن أخطائهم الا إذا كان قد أخطأ في اختيار مساعديه لإتمام هذه المهمة، فاذا أساء اختيار موظف مثلا أو أهمل في مراقبتهم أثناء قيامهم بعملهم.

ومتى انتفى خطأ الحارس وكان تصرفه في حدود نيابته ومأموريته، فإن مسؤوليته تنتفي عن خطأ مساعديه وتكون الحراسة وحدها هي التي تتحمل هذا الخطأ، لان سلطة الأمر والتوجيه التي يمارسها الحارس على مساعديه، إنما يباشرها نيابة عن الحراسة وليس لحسابه الخاص ([132])

مدى مسؤولية الحارس قبل الغير عن أعمال الحراسة

نُميـّز في هذه الحالة بين أمرين:

 الأول  : اذا التزم الحارس في حدود سلطته ، فاذا ارتكب الحارس خطئا ناتجا عن قيامه بمهمته المعهودة اليه ، وحدث ضرر نتيجة لهذا الخطأ ، كانت الحراسة هي المسؤولة عن التعويض ، لان الحارس إنما يقوم بمهمته نيابة عن أصحاب الشأن لا لمصلحته الشخصية ، فاذا اقترض أو تعاقد فهو يفعل ذلك بصفته نائبا ، فالحراسة هي من تتحمل تبعة هذا الضرر من تعويض ، فمثلا لو قام الحارس بفصل موظف معين ، وكان الفصل يدخل في سلطة الحارس وقد راعى في ذلك مصلحة العمل الموكول اليه ، فانه لا يكون مسؤولا شخصيا ، لأنه لم يقع منه خطأ في قيامه بعمله ، ولو قضى الحارس لهذا الموظف تعويضا لأنه فصله في وقت غير لائق مثلا ، فان الحراسة هي من تتحمل هذا التعويض .

الثاني: إذا جاوز الحارس حدود سجلته، فإنه يكون مُلزما شخصيا عن تعويض الغير الذي أصابه الضرر بسبب تجاوز الحارس حدود سلطته.

تمّ بحمد الله ومنّهِ وتوفيقه

[1]  د عبد الحكيم فراج، الحراسة القضائية في التشريع المصري المقارن، ص14

[2] سورة الجن، الآية: (8)

[3] صحيح البخاري ، كتاب التمني ، باب قوله عليه الصلاة والسلام ليت كذا وكذا ، برقم 6804

[4]  نبيل بن محمد المشيح، الحراسة القضائية في الفقه الإسلامي والنظام السعودي، رسالة علميه، جامعة ام القرى، ص48

[5] المبسوط ، للأمام السرخسي ، (15/149)

[6] شرح السير الكبير ، للسرخسي ، (1/10)

[7] درر الحكام في شرح مجلة الأحكام، علي حيدر المادة (620)

[8] عهدة الحراس ، مبروك مصري ، رساله علميه ، جامعة الأزهر ، ص 18

[9] ، نبيل المشيح، مرجع سابق، ص 55

[10] ، نبيل المشيح، مرجع سابق، ص 58

[11] كتاب الام ، للشافعي ، 3/209

[12] تبصرة الأحكام، لابن فرحون، 1/152-153

[13] مطالب أولي النهى، مصطفى بن عبده السيوطي، 9/307-308

[14] ، نبيل المشيح، ص62، مرجع سابق

[15]  ، نبيل المشيح، ص 64، مرجع سابق،  وانظر أيضا : مغني المحتاج 3/71 ، منهاج الطالبين 5/183 ، فتح القدير 7/357

[16] نبيل المشيح، مرجع سابق، ص 63

[17]  د عبد الحكيم فراج، الحراسة القضائية في التشريع المصري المقارن، ص 14

[18] د عبد الحكيم فراج، مرجع سابق، ص 15

[19] د عبد الحكيم فراج، مرجع سابق، ص14

[20] د. علي محمد جعفر، الحراسة في عقد البيع، ص 64

[21] د عبد الحكيم فراج ، مرجع سابق ، ص 12 – 13

[22]  المستشار محمد عزمي البكري، الحراسة القضائية في ضوء الفقه والقضاء، ص 8

[23] مجموعة الأعمال التحضيرية المصرية، ج5 ص275

[24]   د عبد الحكيم فراج ، مرجع سابق ، ص21

[25] ، د عبد الحكيم فراج ، مرجع سابق ص67 – 68

[26] مرجع سابق، د عبد الحكيم فراج ص 66

[27] مرجع سابق ، د عبد الحكيم فراج ص 65

[28] مجموعة الأعمال التحضيرية، ج5 ص77، وانظر: محمد عزمي البكري، الحراسة القضائية في ضوء الفقه والقضاء، ص 7

[29] المذكرات الإيضاحية للقانون المدني الأردني، نقابة المحامين الأردنيين، الجزء الثاني ص 609

[30] الدكتور عبد الحكيم فراج، المرجع السائق ص 91

[31] د. عبد الحكيم فراج، مرجع سابق، ص 76

[32] معوّض عبد التواب (مستشار محكمة الاستئناف المصرية)، دعاوى الحراسة، ص 26

[33] قرار محكمة تمييز حقوق رقم 977/2007 تاريخ 30/4/2007

[34] د . عبد الحكيم فراج ، مرجع سابق ، ص 45

[35] د. عبد الحكيم فراج، مرجع سابق، ص 46-48

[36]  المستشار محمد عزمي البكري، الحراسة القضائية في ضوء الفقه والقضاء، ص 12

[37] قرار محكمة التمييز الأردنية، بصفتها الحقوقية، رقم 282/1988 تاريخ 10/9/1989

[38] السنهوري ، المرجع السباق، ص 782

[39] محكمة النقض المصرية، طعن رقم 24 لسنة 17 قضائية، جلسة 22/4/1948

[40] انظر :عبد الحكيم فراج ، مرجع سابق ، ص 49

[41] السنهوري ، المرجع السباق ، ص 783

[42] محكمة النقض المصرية ، طعن رقم 1318 لسنة 48 ق ، جلسة 25/6/1981

[43] السنهوري ، المرجع السابق ، ص797

[44] عبد الحكيم فراج ، المرجع السابق ، ص 53

[45] السنهوري، مرجع سابق، ص 781

[46] د. عبد الحكيم فراج، مرجع سابق، ص 53

[47] نقض مصرية، رقم 1318، بتاريخ 25/6/1981، وانظر: معوّض عبد التواب، دعاوى الحراسة، ص 18 وما بعدها .

[48] العلامة السنهوري، مرجع سابق، ص 786 وما بعدها.

[49] ومثل المجموع من المال: المتجر، الشركة والتركة، ولا يجوز أن يكون المجموع من المال هو مجموع ما يمقله الشخص فانه لا يجوز غلّ يد الشخص عن مجموع ماله الا الحجر والإفلاس والإعسار . ( السنهوري  ، المرجع السابق ، ص 786 ، هامش 3 )

[50] عبد الحكيم فراج ، المرجع السابق ، ص 54-55

[51] السنهوري ، المرجع السابق ، ص 788-789

[52] لنظر عبد الحكيم فراج ، المرجع السابق ، ص 51

[53] معوّض عبد التواب، دعاوى الحراسة، ص 230

[54] د. فتحي والي، التنفيذ الجبري وفقا لمجموعة المرافعات المدنية والتجارية، ص 256

[55] المحامي محمد الظاهر، شرح قانون أصول المحاكمات المدنية، ص 505

[56] راجع عبد الحكيم فراج، المرجع السابق، ص251 – 252، وانظر: حسن عكوش ، المستعجل في الفقه والقضاء الجزء الثاني ، ص29   وانظر : الأستاذ محمد عبد اللطيف ، القضاء المستعجل ،الطبعة الأولى ،  ص 188

[57] انظر: الأستاذ محمد عبد اللطيف، القضاء المستعجل، الطبعة الأولى، ص177 ، وانظر : حسن عكوش ، المستعجل في الفقه والقضاء ، الجزء الثاني ، الطبعة الأولى ، ص14

[58] قرار محكمة تمييز حقوق رقم 977/2007 تاريخ 30/4/2007

[59] د. عبد الحكيم فراج، مرجع سابق، ص92

[60] د. عبد الحكيم فراج، المرجع السابق، ص 95

[61] حسن عكوش ، مرجع سابق ، ص 15

[62] د عبد الحكيم فراج، مرجع سابق، ص 96

[63] قرار محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية، رقم 3133/2001 (هيئة خماسية)، تاريخ 28/2/2002

[64] حسن عكوش ، مرجع سابق ،ص19 وما بعدها

[65] السنهوري ، المرجع السابق ، ص 794

[66] السنهوري ، مرجع سابق ، ص 795

[67] الأستاذ محمد عبد اللطيف، القضاء المستعجل، الطبعة الأولى 1955، ص183

[68] قرار محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 1646/2005 هيئة خماسية بتاريخ 8/11/2006

[69] قرار محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 3129 / 2006 هيئة خماسية، تاريخ 7/11/2006

[70] راجع : د . عبد الحكيم فراج ، مرجع سابق ، ص 250 وما بعدها

[71] انظر: الأستاذ محمد عبد اللطيف، القضاء المستعجل، الطبعة الأولى 1955، ص186- 187

[72] راجع: د. عبد الحكيم فراج، مرجع سابق،  ص 251- 252

[73] د. عبد الحكم فراج، مرجع سابق، ص 251، وانظر هامش 1

[74] قرار محكمة الاستئناف، رقم 1310/1995، هيئة خماسية ، تاريخ 27/7/1995

[75] حسن عكوش ، المستعجل في الفقه والقضاء ، ص 28-30 ، وانظر د. عبد الحكيم فراج ، مرجع سابق ، ص 253 وما بعدها .

[76] راجع : د. عبد الحكيم فراج ، مرجع سابق ، ص 254

[77] د. عبد الحكيم فراج ، مرجع سابق ، ص 255 ، هامش 3

[78] لمزيد من التفصيل انظر : حسن عكوش ، مرجع سابق ص 29 ، وانظر: محمد عبد اللطيف ، مرجع سابق ، ص190

[79] انظر: محمد عبد اللطيف، مرجع سايف، ص 189

[80] انظر : محمد عبد اللطيف ، مرجع سابق ، ص 189 ، بند 240

[81] قرار محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية، رقم 55/1976، هيئة خماسية، بتاريخ 10/3/1976

[82] راجع في ذلك: د. عبد الحكيم فراج، مرجع سابق، ص 240 وابعدها

[83] د. عبد الحكيم فراج ، مرجع سابق ، ص 246

[84] راجع: د. عبد الحكيم فراج، مرجع سابق ص 247-248

[85] راجع: حسن عكوش، مرجع سابق، ص 68 وما بعدها. عبد الحكيم فراج، مرجع سابق، ص 142 وما بعدها، وأيضا المستشار محمد عزمي البكري، مرجع سابق ، ص 143 وما بعدها .

[86] د. عبد الحكيم فراج ، مرجع سابق ، ص 146

[87] د. عبد الحكيم فراج ، مرجع سابق ، ص 156

[88] د. عبد الحكيم فراج، مرجع سابق، ص 158

[89] راجع : محمد عبد اللطيف ،مرجع سابق ، ص 192 وما بعدها ،، حسن عكوش ص 36 وما بعدها ، د. عبد الحكيم فراج ص 159 وما بعدها .

[90] انظر: د. عبد الحكيم فراج، مرجع سابق، ص 164 ، حيث إن الدكتور ليس مع هذا الراي ، وإنما ذكره على سبيل الإيضاح .

[91] راجع: حسن عكوش، مرجع سابق، ص 45 وابعدها ،، السنهوري ، مرجع سابق ، ص 846 وما بعدها

[92] راجع : السنهوري ، مرجع سابق ، ص 846

[93] حسن عكوش، مرجع سابق، ص 87 وما بعدها، وانظر: عبد الحكيم فراج، مرجع سابق ،  ص 211 وما بعدها .

[94] راجع : د. عبد الحكيم فراج ، مرج سابق ، ص 266

[95] راجع: معوض عبد التواب، دعاوى الحراسة، ص 147 وما بعدها

[96] السنهوري ، مرجع سابق ، ص 893 ، وانظر هامش 1

[97] السنهوري ، مرجع سابق ، ص 894 وما بعدها.

[98] قرار محكمة الاستئناف ، رقم 192/1995 ، هيئة خماسية ، تاريخ 23/5/1995

[99] قرار محكمة التمييز الأردنية، رقم 55 / 1976 هيئة خماسية، تاريخ 10/3/1976

[100] قرار محكمة التمييز الأردنية، رقم 1646/2006، هيئة خماسية، تاريخ 8/11/2006

[101] معوض عبد التواب ، مرجع سابق ، ص 157

[102] محكمة النقض المصرية ، سنة 15 /1/1948 ، انطر السنهوري ، مرجع سابق ، ص 902 ، هامش 1

[103] معوض عبد التواب ، مرجع سابق ، ص 164 ، وانظر : محمد عبد اللطيف ، مرجع سابق ، ص 215 وما بعدها

[104] محمد عبد اللطيف، مرجع سابق، ص 219

[105] راجع : السنهوري ، مرجع سابق ، ص 907

[106] انظر: محمد عبد اللطيف، مرجع سابق، ص 217 وما بعدها

[107] انظر : المستشار محمد عزمي البكري ، مرجع سابق ، ص 264 ، بند 115

[108] السنهوري ، مرجع سابق ، ص 915

[109] السنهوري ، مرجع سابق ، ص 916 ، بند 454

[110] راجع: السنهوري، مرجع سابق، ص921  وما بعدها ، وانظر أيضا : د. عبد الحكيم فراج ، مرجع سابق ، ص 336 وما بعدها .

[111] محمد عزمي البكري ، مرجع سابق ، ص 322

[112] قرار محكمة الاستئناف الأردنية، رقم 1310/1995 هيئة خماسية، تاريخ 27/7/1995

 [113] السنهوري، مرجع سابق، ص 923، بند 458

[114] السنهوري ، مرجع سابق ، ص 926 .

[115] راجع : السنهوري ، مرجع سابق ، ص 927 وما بعدها

[116] انظر : محمد عبد اللطيف ، مرجع سابق ، ص221 وما بعدها .

[117] راجع :  السنهوري ، مرجع سابق ، ص 934 وما بعدها ، محمد عبد اللطيف ، مرجع سابق ، ص 221 وما بعدها .

[118] محمد عزمي البكري ، مرجع سابق ، ص 352

[119] د. عبد الحكيم فراج، مرجع سابق، ص356، الفقرة الأخيرة ، وانظر هامش 4

[120] السنهوري ، مرجع سابق ، ص 937 ، بند 464

[121] راجع : محمد عزمي البكري ، مرجع سابق ، ص356 ،، وراجع السنهوري ، مرجع سابق ، ص 941 وما بعدها .

[122] راجع : معوّض عبد التواب ، مرجع سابق ، ص 218 ،، محمد عبد اللطيف ، مرجع سابق ، ص229

[123] السنهوري ، مرجع  سابق ، ص950 ، الفقرة رقم 475

[124] انظر : السنهوري ، مرجع سابق ، ص951-952

[125] راجع في ذلك : د. عبد الحكيم فراج ، مرجع سابق ، ص362

[126] راجع في ذلك : محمد عزمي البكري ، مرجع سابق ، ص 384 وما بعدها , وأيضا : د. عبد الحكيم فراج ، مرجع سابق ، ص 367 وما بعدها

[127] انظر : عبد الحكيم فراج ،مرجع سابق ، ص 386 ،وانظر هامش (1)، (2)

[128] انظر: محمد عزمي البكري ، مرجع سابق ، ص 384،385

[129] محمد عزمي البكري ، مرجع سابق ،  ص 388

[130] د. عبد الحكيم فراج ، مرجع سابق ، ص 372

[131] راجع : عبد الحكيم فراج ، مرجع سابق ، ص 373

[132] انظر : د. عبد الحكيم فراج ، مرجع سابق ،  ص 379

إعداد المحامي الأستاذ مؤيد الذنيبات / شركة حماة الحق 

error: حقوق الطبع محفوظة لشركة المحامي سامي العوض © Copy Right Protected