ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكره كله

ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكره كله

تندرج قاعدة ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكره كله تحت قاعدة إعمال الكلام خيراً من إهماله التي تُعد أحد أهم القواعد الأصولية والتي كانت مبنى للعديد من الأحكام الشرعية، بل والقانونية، وقاعدة ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكره كله تُعد من القواعد وطيدة الصلة بتصحيح تصرفات المكلف القولية.

أولاً: أصل القاعدة:

ثانياً: معنى القاعدة:

ثالثاً: تطبيقات القاعدة:

أولا: أصل القاعدة:

تُعد هذه القاعدة من الأصول التي استند عليها الإمام أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومُحمد، فلقد صاغها الإمام أبي حنيفة بقوله: (الأصل أن ما لا يتجزأ فوجود بعضه كوجود كله)، إلا أن زفر بن الهذيل – وهو من تلاميذ الإمام أبي حنيفة – قد خالفهم في ذلك حيث ذهب إلى عدم اعتبار أن وجود بعض مالا يتجزأ كوجوده كله.

ولقد عبر عن هذه القاعدة بدر الدين الزركشي – وهو أحد الفقهاء الشافعيين – بقوله: (مالا يقبل التبعيض يكون اختيار بعضه كاختيار كله، وإسقاط بعضه كإسقاط كله).

ثانياً: معنى القاعدة:

تشير هذه القاعدة إلى أن الأشياء التي لا يمكن تجزئتها إذا ذُكر بعضها فكأن الكل قد ذكر والأحكام المترتبة على الجزء هي نفسها الأحكام المترتبة على ذكر كل الشيء[1]، ونذكر لذلك مثالاً فلو أن ولي الدم عفا عن بعض القاتل فإن ذلك يعني أنه عفا عن القاتل كله، وأيضاً يرى جمهور العلماء أنه في حالة عفو بعض أولياء الدم عن القاتل فكأن العفو صادراً منهم جميعا وينقلب القصاص إلى دية، حيث أن القصاص لا يقبل التبعيض فترتب على ذلك أن العفو الصادر من بعضهم يكون مُسقطاً للقصاص إلى الدية حيث لا يتصور عقلاً استيفاء بعض القصاص.

ويتجلى تفرع هذه القاعدة عن قاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله في أن البعض يقوم مقام الكل في الأشياء أو الأمور التي لا تقبل التبعيض، فكان الحكم في هذه الحالة أن ذكر البعض كذكر الكل وهذا خيراً من أن يسقط البعض لعدم ذكر الكل تطبيقاً لقاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله.

فذكر بعض ما لا يتجزأ على وجه الشيوع كنصفه مثلا كذكره كله لأن إذا لم نقل بذلك والموضوع أن المحدث عنه لا يتجزأ يلزم إهمال الكلام بالمرة والحال أن إعمال الكلام ما أمكن إعماله أولى من إهماله[2].

ثالثاً: تطبيقات القاعدة:

ينص المشرع الأردني في المادة (217) من القانون المدني على أن: (ذكر بعض مالا يتجزأ كذكره كله)، فيتضح لنا إذن أن المشرع الأردني قد اعتنق تلك القاعدة الفقهية في المعاملات المدنية، وتطبيقًا لذلك نجده في حكم محكمة التمييز الأردنية رقم 2054 لسنة 2017 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2017-07-03 والتي قضت فيه بأن: (قرار محكمة الاستئناف باعتبار التسوية والتي هي جزء لا يتجزأ من الكراج غير مشمولة بعقد التأمين فيه مخالفة لأحكام القانون وتطبيق نصوصه بمقتضى المادة (217) من القانون المدني ومن ناحية أخرى تناقض القرار المميز مع البينة الخطية الثابتة وأن محكمة الاستئناف لم تعلل قرارها تعليلاً قانونياً سليماً بشأن استثناء التسوية).

وكذلك تطبيقاً لتلك القاعدة نذكر حكم محكمة بداية السلط رقم 270 لسنة 2020 – بداية السلط بصفتها الاستئنافية الصادر بتاريخ 2020-05-27 والتي قضت فيه بأن: (وان عدم تفريغ كامل منطوق الحكم في محضر التنفيذ لا يعني ان المحكوم له لم يطلب تنفيذ اي جزء منه، إذ أن ذكر مالا يتجزأ كذكره كله حسبما قضت المادة (217) من القانون المدني، وأن المطلق يجري على أطلاقه إذا لم يقم دليل التقييد نصاً أو دلالةً).

ونجد أيضا – تطبيقاً للقاعدة – في حكم محكمة بداية جنوب عمان رقم 3607 لسنة 2018 – بداية جنوب عمان بصفتها الاستئنافية الصادر بتاريخ 2018-11-07 والتي قضت فيه بأن: (فاذا كان القانون الجديد يطبق على الأحكام السابقة المكتسبة الدرجة القطعية فهو بالضرورة يطبق على الأحكام التي لا زالت قيد الطعن وذلك سنداً للقاعدة الأصولية في التفسير الواردة في المادة 217 من القانون المدني والتي نصها ( ذكر بعض ما لم لا يتجزأ كذكره كله) ولأن قيمة الشيك بلغت 195 دينار فان الغرامة الواجب الحكم بها هي الواردة في الحد الأدنى والبالغة 100 دينار لأن 195 × 5 ÷ 100= 9,75 دينار ويكون القرار مستوجب الفسخ من هذه الناحية).

وهناك العديد من التطبيقات الأخرى المُتعلقة بقاعدة ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكره كله، نذكر منها:

1- تفريق الشفعة:

الشفعة هي كما ذكرتها المادة (1150) من القانون المدني الأردني بأنها (الشفعة هي حق تملك العقار المبيع أو بعضه ولو جبراً على المشتري بما قام عليه من الثمن والنفقات).

وإذا قال الشفيع للمشتري رضيت بشرائك نصف المال المشفوع فقد ذهب جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة إلى سقوط الشفعة عن كل المال حيث لا يكون للشفيع أن يُطالب بحقه في الشفعة في هذه الحالة حيث – وفقاً لما ذهبوا إليه – أن الشفعة لا تقبل التبعيض والتجزئة وذلك لعدم الإضرار بالمشتري، وهذا – أيضاً – ما اعتنقته محكمة التمييز الأردنية الذي يتجلى في حكمها رقم 171 لسنة 2020 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2020-03-17 والتي ذكرت فيه أن: (أخطأت المحكمة في قرارها حيث إن القانون المدني لم يجز التجزئة والتبعيض في الشفعة).

فتبعيض الصفقة على المشتري تلحق به ضرراً والضرر لا يزال بالضرر، ولكن إذا رضي المشتري فإنه يترتب عليه زوال المانع وإجازة التجزئة.

2- تبعيض الطلاق:

يجسد هذا الفرض حالة قول الزوج لزوجته طلقتك نصف طلقة أو ربع طلقة أو جزءاً من طلقة، ففي مثل هذه الحالة ذهب جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة إلى أن هذا الطلاق يوقع طلقة واحدة كاملة، ويأخذ ذات الحكم حالة قول الزوج لزوجته أن جزءاً منك طالق كأن يقول رأسك، أو رجلك، أو وجهك طالق ،أو ربعك، أو نصفك طالق ففي مثل هذه الحالات تقع منه عليها طلقة كاملة.

حيث إن الطلاق لا يقبل التبعيض فذكر بعضه كذكره كله ووقوع بعضه كوقوعه كله، إلا أنه تجدر الإشارة إلى أن إضافة الطلاق إلى جزء من الزوجة تبقى الجملة بدونه فالأمر على خلاف بين الفقهاء، وذلك كما لو قال الزوج لزوجته شعرك طالق أو ظفرك طالق:

  • فذهب الشافعية والمالكية إلى وقوع الطلاق في هذه الحالة استنادا إلى:أولًا: قياس الشعر أو الظفر على الأصبع، حيث إن إضافة الطلاق إلى إصبع الزوجة يوقع طلاق كاملاً، فضلاً عن أن هذه الأجزاء تستباح بنكاح الزوجة فتطلق بطلاقها.ثانياً: أن الطلاق مثله مثل العفو عن القصاص لا يقبل التبعيض، وأن الإشارة إلى ما يتصل بالبدن كالإشارة إلى جملة البدن.
  • في حين أن الحنابلة ذهبوا إلى أن الطلاق لا يقع في هذه الحالة مستندين إلى أن السن والشعر أجزاء تنفصل عن الجسم ولا تؤثر في جملته، حيث يبقى البدن صحيحاً بانفصال تلك الأشياء، ولذلك فهي أمور تقبل التبعيض وتقبل الزوال دون زوال الكل.

ونشير إلى ألا يزيد البعض على الكل إلا في مسألة واحدة وهي إذا قال أنت على كظهر أمي فإنه صريح، ولو قال كأمي كان كناية[3].

3- ذكر أقل المهر:

فكما ذهب الحنفية فإن أقل المهر هو عشرة دراهم وهو مالا يقبل التبعيض، فقول الزوج لزوجته لكي خمسة دراهم مثلاً فإن التسمية لا تكون فاسدة، بل تستحق الزوجة أقل المهر وهو عشرة دراهم، حيث إن ذكر بعضه كذره كله.

خلاصة القول إذن أن الأشياء التي لا تقبل بطبيعتها أو بحكم الشرع التجزئة يكون ذكر بعضها قائماً مقام الكل، ويعتبر الكل مذكوراً إذا ذكر البعض، بشرط أن يكون البعض مذكوراً على سبيل الشيوع، وأن يكون البعض مما يعبر به عن الكل، وذلك تصحيحاً لتصرف المكلف ما أمكن، وصيانةً لكلام العاقل عن الإلغاء، وتغليباً للمحرم عن المبيح، وإعمالاً للدليل بالقدر الممكن؛ لأنه إذا لم يتكامل يؤدي إلى إبطال الدليل[4].

[1] إعمال الكلام أولى من إهماله وأثره في المعاملات المالية – يسرى عمر عبد الله – 2012 – ص 73.

[2] شرح القواعد الفقهية – الشيخ أحمد بن الشيخ محمد الزرقا – دار القلم – الطبعة الثانية – 1938 – ص 321.

[3] إعمال الكلام أولى من إهماله وأثره في المعاملات المالية – يسرى عمر عبد الله – 2012 – ص 77.

[4] قواعد التصحيح في الفقه الإسلامي – محمد على العمري، واحمد يس – ص 247.

إعداد/ أحمد منصور.

Scroll to Top