الإنابة القضائية في إجراءات الإثبات

الإنابة القضائية في إجراءات الإثبات

الإنابة القضائية عند الفقه الإسلامي وفق معناها العام الواسع تعني: “قيام من تتوافر فيه شروط ولاية القضاء مقام القاضي الأصيل المعين من قبل الحاكم ليحل محله في النظر، والفصل في الخصومة، بحيث يكون للقاضي المُناب ما للقاضي الأصيل من السلطة القضائية. أما عن الإنابة القضائية في القانون، فإنها تُعرف بمعناها الضيق تحت مسمى “الندب ” أو “الإنابة القضائية”، أو ما يسمى بالاستخلاف في بعض النظم مثل النظام السعودي. فما هي الإنابة القضائية في إجراءات الإثبات ، وما هي الغاية والهدف منها هو ما سنبينه هنا بالإضافة لتطبيقات عليها.

وهناك فارق بين الإنابة القضائية وبين الإحالة القضائية، فالإحالة تكون ممن لم ينعقد الاختصاص إليه، سواء كان الاختصاص ولائي أو نوعي أو مكاني، وتتضمن نقل سلطة إصدار القرار القضائي للمحال إليه المختص، أما الإنابة فتكون من مختص ولائيًا، ونوعيًا ومكانيًا، أو من مختص ولائيًا، ونوعيًا، وليس له اختصاص مكاني، وتتعلق الإنابة القضائية باتخاذ القاضي المُناب إجراء قضائي بعينه مع احتفاظ المُنيب بسلطة اتخاذ القرار القضائي.

وسنتناول في هذا المقال توضيح دور الإنابة القضائية في إجراءات الإثبات، وذلك في العناصر الرئيسية الآتية:

جدول المحتويات 

أولًا: الهدف من الاستعانة بالإنابة القضائية في إجراءات الإثبات:

ثانيًا: تطبيقات الإنابة القضائية في مجال الإثبات

ثالثًا: الإنابة القضائية في الإجراءات القضائية الأخرى

ونقدم شرح تفصيلي لكل عنصر من العناصر الرئيسية السابقة، فيما يلي:

أولًا: الهدف من الاستعانة بالإنابة القضائية في إجراءات الإثبات:

يعد الغرض الرئيسِ من الاستعانة بالإنابة القضائية في اتخاذ إجراء من إجراءات الإثبات تمكين القاضي الذي ينظر القضية من التوصل لوجه الحق في الدعوى، بإزالة العقبات التي تعترض سبيل هذا الوصول، فضلاً عن مراعاة الجانب الإنساني الإجرائي في مجال الإثبات، وذلك على النحو التالي:

الهدف الأول: يجد القاضي أحيانًا صعوبة في تبين وجه الحق في الدعوى؛ لوجود أدلة إثبات هامة في الدعوى، يحتاج الحصول عليها إلى الانتقال خارج دائرة الاختصاص المكاني للقاضي الأصيل في الدعوى، وهو ما لا يجوز قانونًا؛ لتقيد الولاية والسلطة القضائية للقاضي بقيد مكاني معين، لا يمكنه تخطيه، وفقًا لقواعد التنظيم القضائي؛ لذا فلا يكون أمامه سوى الاستعانة بنظام الإنابة القضائية للحصول على دليل الإثبات الموجود خارج اختصاصه المكاني.

الهدف الثاني: “يتعلق هذا الاعتبار بوجود أدلة الإثبات المذكورة خارج حدود الاختصاص المكاني للقاضي ناظر القضية مع إمكان نقلها إلى دائرة الاختصاص المكاني للقاضي ناظر القضية، غير أن هذا النقل سيستتبع تكليف غير الخصوم “كالشهود” بالانتقال من أماكن إقامتهم والحضور أمام القاضي؛ بما يرتبه ذلك في شأنهم من مشقة وعناء، خاصة إذا كانت المسافة بينهم وبين القاضي أطول مما يسهل احتماله، ويبدو البعد الإنساني للإنابة القضائية في رفع الحرج ودفع المشقة عن هذا الغير، من خلال الاكتفاء بمثوله أمام المحكمة الأقرب له، التي يتبعها مكان تواجده، لتقديم ما لديه مما يسهم في إجلاء الحقيقة، ثم تقوم هذه المحكمة بتوثيق ما تم أمامها وإحالته إلى القاضي ناظر القضية؛ ليفصل في الدعوى المعروضة عليه وفق مقتضى ذلك”([1]).

ومما ينطوي كذلك ضمن الهدف الثاني وجود أعذار شرعية تحول دون حضور المطلوب حضوره مجلس القضاء، فيستعان بالإنابة القضائية للتيسير على أصحاب الأعذار، مثل العاجز الذي لا يستطيع الحركة، أو المريض بمرض يمنعه من الانتقال إلى المحكمة، والاستعانة بالإنابة القضائية تُمكن القاضي ناظر الدعوى من الحصول على دليل الإثبات المراد الحصول عليه من مثل هؤلاء الأشخاص، دون إرهاقهم أو زيادة المشقة عليهم.

ولا شك أنه بعدما اعتمدت العديد من الدول نظام التقاضي الإلكتروني “التقاضي عن بعد”، أصبح الهدف الثاني من الإنابة القضائية -فيما يخص الاعتبارات الإنسانية- لا فائدة منه؛ لأنه يمكن ببساطة سماع شهادة هؤلاء الشهود إلكترونيًّا، بل إنه أصبح الخصوم في الدعوى يمارسون حقوقهم القضائية من داخل منازلهم، دون أي حاجة للانتقال إلى المحكمة، فأمست الدعاوى من وقت بداية رفعها إلى صدور حكم بات بها، تُجرى جميع الإجراءات بها إلكترونيًّا، ومع اعتماد نظام “التقاضي عن بعد” سينحصر استخدام الإنابة القضائية كثيرًا، إذا إنه بإمكان القاضي ناظر الدعوى اتخاذ العديد من إجراءات الإثبات إلكترونيًا، دون الحاجة إلى إنابة قاضي آخر.

“ويعد قرار المحكمة بالإنابة القضائية في مجال الإثبات من طائفة القرارات القضائية غير القطعية؛ فلها العدول عنه بعد اتخاذه إن رأت عدم أهميته، أو تغيرت الظروف التي استدعت تقريره، كما أن الأمر بالإنابة القضائية بداءةً من إطلاقات السلطة التقديرية للمحكمة، ذلك أن تحديد القيمة القانونية للدليل المراد التوصل إليه من خلال الإنابة القضائية يعد من إطلاقات السلطة التقديرية للمحكمة، فلها الامتناع عنه إذا لم تقتنع بجدوى هذا الدليل، أو كان أمامها من الأدلة ما يغني عنه، بشرط صحة التسبيب لحكمها في الموضوع، بعد رفض الإنابة على النحو المذكور”([2]).

ثانيًا: تطبيقات الإنابة القضائية في مجال الإثبات

تتمثل أدلة الإثبات في استجواب الخصوم، اليمين، القرائن، الإقرار، الخبرة، الكتابة، الشهادة، والشهادة، ومن المنطقي ألا يمكن الاستعانة بالإنابة القضائية في اتخاذ إجراء من إجراءات الإثبات مثل الكتابة، والقرائن.

“فالكتابة كدليل إثبات تنصرف إلى محرَر مكتوب وفق ضوابط معينة، مُعد سلفًا، يحوزه الخصم، وبالتالي يطرحه على المحكمة كي يستفيد مما يتضمنه من إثبات حق له أو نفي التزام عنه؛ وهو ما لا يتصور معه خروج تقديم الدليل الكتابي عن الاختصاص المكاني للمحكمة التي تنظر الدعوى، واستلزام قيام أي محكمة أخرى بإجراء قضائي في هذا الخصوص”([3]).

وكذا القرائن لا يتصور في شأنها الإنابة القضائية، ذلك أن القرينة تنصرف إلى كل مجهول تستنبطه المحكمة من أمر معلوم معروض عليها، فهي “استنتاج شيء معين إذا توافرت الوقائع التي يعتبرها القانون أساسًا لهذا الاستنتاج، بدلاً من الاعتماد على الوقائع والظروف المحتملة”([4])؛ وعلى هذا فلا يبقى من أدلة الإثبات المتصور الإنابة القضائية في شأنها سوى استجواب الخصوم، الإقرار، اليمين، المعاينة، الشهادة، والخبرة. ولم يتطرق قانون أصول المحاكم الأردنية إلى ذكر ما يخص الاستعانة بالإنابة القضائية في إجراءات الإثبات المختلفة سوى في الشهادة، والمعاينة، والخبرة، وسنوضح تطبيقات الإنابة القضائية -بشكل عام- في مجال الإثبات على النحو الآتي:

1_الإنابة القضائية في استجواب الخصوم.

لكي يتمكن قاضي الموضوع من استجواب الخصم؛ فيلزم أن يكون الاستجواب شفاهه بينه وبين القاضي ناظر الدعوى؛ وهو ما يوجب حضور هذا الخصم بذاته دون وكيله أو ممثله، وإذا كان هناك من الأعذار المعتبرة ما يمنع دون حضوره أمام المحكمة، وكان إجراء الاستجواب ضرورة إجرائية للتوصل إلى وجه العدل في الدعوى المعروضة، فلا يخرج الأمر في هذه الحالة عن فرضين:

الفرض الأول: أن يكون الخصم المراد استجوابه مقيمًا في دائرة الاختصاص المكاني للمحكمة التي تنظر الدعوى، وهنا ينتقل القاضي الذي ينظر الدعوى بنفسه إلى الخصم في مكان تواجده لاستجوابه، أو يُكلف من يثق به لاستجواب الخصم المراد استجوابه.

الفرض الثاني: أن يكون الخصم مقيمًا خارج دائرة الاختصاص المكاني للمحكمة التي تنظر الدعوى؛ فيُنيب قاضي الموضوع قاضي المحكمة الكائنة في مكان إقامة الخصم المراد استجوابه. “ومن الجدير بالذكر أن الإنابة القضائية يسري حكمها في هذا التصور الأخير بشأن من يُطَلب حضوره لاستجوابه دون من يُطَلب حضوره لسماع الدعوى عليه وجوابه عليها، ذلك أن هذا الأخير إن كان له عذر يحول دون حضوره فعليه أن يوكل غيره للمثول نيابة عنه أمام المحكمة، ولا يجوز الاستخلاف لسماع رده على دعوى المدعي”([5]).

 2_الإنابة القضائية في إثبات إقرار الخصم

إقرار الخصم أمام القضاء عادة ما يأتي نتيجة استجوابه، حيث إنه ينتهي إما إلى إنكار أو إقرار؛ لذا فعندما يكون الخصم مقيمًا خارج دائرة الاختصاص المكاني للمحكمة التي تنظر الدعوى؛ فيُنيب قاضي الموضوع قاضي المحكمة الكائنة في مكان إقامة الخصم المراد إثبات إقراره، وتقع الإنابة القضائية في هذا التصور بشأن من يُطَلب حضوره لإثبات إقراره، ولا تقع فيمن يُطَلب حضوره لسماع الدعوى عليه وإقراره بصحتها.

3_الإنابة القضائية في أداء اليمين

نظرًا لأهمية اليمين -وبخاصة الحاسمة- في الإثبات القضائي، فالعديد من الدعاوى تنتهي بمجرد توجيه اليمين سواء إلى المدعى عليه، أو إلى المدعي في بعض الحالات الخاصة. وأحيانًا قد يحول أداء الخصم لليمين أمام محكمة الموضوع؛ لذا تبنى التنظيم الإجرائي في العديد من الأنظمة القانونية الاستعانة بالإنابة القضائية في أداء اليمين؛ وذلك مراعاة لتمكين المحكمة التي تنظر الدعوى-حال تعذر أداء اليمين أمامها- من إنابة محكمة أخرى لتحليف الخصم اليمين المطلوب أداؤها.

” يتعين على القاضي المُسَتخلَف أن يُحدد في أمر الاستخلاف نص اليمين، ورغبة الخصم المحلوف له حضور جلسة الاستحلاف أو تنازله عن ذلك، إذ بمجرد طلب هذا الأخير حضور الجلسة المذكورة يجب تمكينه من طلبه، على أن الاستخلاف في أداء اليمين تسري أحكامه في خصوص أي خصم سواء أكان مدعيًا أو مدعًا عليه، أو مدخلًا أو متدخلًا”([6])

4_ الإنابة القضائية في المعاينة (الكشف)

قد يتعلق موضوع الدعوى بأشياء يتعين معاينتها توصلًا لوجه الحق في القضية المنظورة، وإن كان من الممكن إحضار الأشياء المراد معاينتها إلى قاعة المحكمة، فهذا هو الأصل وبه تتحقق الفائدة المبتغاة، ولكن إذا كان من المتعذر إحضار الشيء المراد معاينته إلى المحكمة فلا شك أن انتقال المحكمة إليه سيكون مُحتمًا، سواء بكامل هيئتها أو بأحد قضاتها، غير أن الفرض الذي يثير فكرة الإنابة القضائية إنما يتحقق إذا ما كان محل المعاينة يقع خارج حدود الاختصاص المكاني للمحكمة المنظور أمامها الدعوى، وهكذا فهناك فرضان للمعاينة خارج قاعة المحكمة، على النحو التالي:

الفرض الأول: يتمثل فيما إذا كان محل المعاينة داخل حدود الاختصاص المكاني للمحكمة التي تنظر الدعوى، فإن المحكمة تنتقل بكامل هيئتها للمعاينة، أو أن تفوض أحد قضاتها للقيام بذلك وفق ما يتراءى لها، بحسب ما تظنه أكثر تحقيقًا للعدالة وفق ظروف وملابسات كل حالة على حدة.

الفرض الثاني: يتمثل فيما إذا كان محل المعاينة خارج حدود الاختصاص المكاني للمحكمة التي تنظر الدعوى؛ بما يمنعها من الانتقال للمعاينة، أو ندب أحد قضاتها لذلك؛ فيكون للمحكمة -حينئذ- الحق في أن تُنيب المحكمة صاحبة الاختصاص المكاني؛ لإجراء المعاينة.

وقد ورد في الفقرة التاسعة من المادة (84) من أصول المحاكم المدنية الأردنية تقرير الإنابة القضائية في المعاينة (الكشف)، بما نصها: “9- إذا تقرر إجراء الكشف والخبرة على أي مال أو أمر يقع خارج منطقة المحكمة التي أصدرت القرار، فيجوز لها أن تنيب رئيس المحكمة أو القاضي الذي يوجد موضوع الكشف والخبرة في دائرته لإجراء الكشف والخبرة وفقاً لما تقرره المحكمة التي اتخذت قرار الإنابة، وإذا لم تقم هذه المحكمة باختيار الخبير تقوم باختياره المحكمة التي تم إنابتها”([7]).

5_الإنابة القضائية في سماع شهادة الشهود

الشاهد دائمًا ما يكون لا مصلحة له في الدعوى المتعين أداء شهادته فيها؛ مما يتعين معه أن تُراعى أعذارهم التي تحول دون مثولهم أمام المحكمة، مع انتقال المحكمة ناظرة الدعوى أو إنابة محكمة غيرها؛ للفاظ على الشهود من مشقة المثول أمامها حال تعذر ذلك عليهم.

وتكون الإنابة القضائية في سماع شهادة الشاهد عن طريق إرسال خطاب من القاضي المُنيب إلى القاضي المُناب مشتملاً على لفظ الإنابة، ومتضمنًا كل ما يلزم لتمكينه من ضبط الشهادة، كأسماء الخصوم، واسم المطلوب ضبط شهادته، وملخص الدعوى، ووصف المدعى به، ويجوز للقاضي الإنابة في تحديد الأسئلة المتعين توجيهها للشاهد إن تراءى له ذلك، كما له أن يطلب من القاضي المُنيب خَلف ترك البينة بعد سماعها، دون تطرق لمدى اعتبار الشهادة موصلة أو غير موصلة؛ لدخول ذلك ضمن السلطة التقديرية للقاضي بوصفه ناظر القضية، وله منفردًا الحق في تحديد البينات الموصلة من عدمها.

وعلى القاضي المُناب سماع الشهادة وضبطها في ضبط الإنهاء، وإرسال صورة مصدقة إلى القاضي ناظر القضية (المُنيب)، وذلك دون التطرق إلى مدى جدواها في الإثبات، أو مدى كونها موصلةً؛ لأن ذلك من شأن قاضي الموضوع.

وقد ورد في الفقرة الثانية من المادة (82) من قانون أصول المحاكم المدنية الأردني فيما يخص تقرير الإنابة القضائية في الشهادة، بما نصها: “2- إذا كان من الضروري سماع شهادة شاهد تعذر حضوره لسبب اقتنعت به المحكمة تأخذ شهادته بحضور الطرفين في محل إقامته أو في غرفة القضاة أو في محل آخر تستنسب أو تنيب أحد قضاتها في ذلك والشهادة التي تسمع على هذا الوجه تُتلى أثناء النظر في الدعوى”([8]).

كما ورد أيضًا فيما يخص تقرير الإنابة القضائية في الشهادة في المادة (79) من قانون أصول المحاكم الجزائية الأردني، بما نصها: “للمدعي العام عندما يكون الشاهد مقيمًا خارج منطقته أن يُنيب المدعي العام التابع لموطن الشاهد لسماع شهادته، ويعين في الإنابة الوقائع التي يجب الإفادة عنها”([9]).

6_الإنابة القضائية في الخبرة

يمكن تعريف الخبرة، بأنها: “إجراء من إجراءات التحقيق يقصد بها الحصول على المعلومات الضرورية عن طريق أهل الاختصاص، وذلك للبت في المسائل الفنية التي تكون محل نزاع بين الخصوم، ولا يستطيع القاضي الإلمام بها”([10])

إن الذي يثير فكرة الإنابة القضائية في الخبرة إنما يتحقق إذا ما كان محل الخبرة يقع خارج حدود الاختصاص المكاني للمحكمة المنظور أمامها الدعوى، وقد ورد في الفقرة التاسعة من المادة (84) من أصول المحاكم المدنية الأردني تقرير الإنابة القضائية في الخبرة، بما نصها: “9- إذا تقرر إجراء الكشف والخبرة على أي مال أو أمر يقع خارج منطقة المحكمة التي أصدرت القرار، فيجوز لها أن تنيب رئيس المحكمة أو القاضي الذي يوجد موضوع الكشف والخبرة في دائرته لإجراء الكشف والخبرة وفقًا لما تقرره المحكمة التي اتخذت قرار الإنابة، وإذا لم تقم هذه المحكمة باختيار الخبير تقوم باختياره المحكمة التي تم إنابتها”([11]).

ثالثًا: الإنابة القضائية في الإجراءات القضائية الأخرى

تتعدد دواعي الإنابة القضائية في المجال الإجرائي؛ وتتنوع -تبعًا لذلك- تطبيقاته في مرحلة خصومة الحكم القضائي، وإذا كانت الحاجة للإنابة القضائية في مجال الخصومة القضائية ضروريةً وملحةً، فإن الحاجة إليها في خصوص إجراءات الإثبات أكثر ضرورةً وإلحاحًا، ومن بعض تطبيقات الإنابة القضائية في إجراءات التقاضي:

1_الإنابة القضائية في سماع جواب المدعى عليه

من المبادئ الإجرائية العامة المستقرة في النظم الإجرائية المقارنة اختصاص المحكمة التابع لها المدعى عليه مكانيًا بنظر الدعوى، غير أن هذه النظم –ومنها القانون المصري والنظام السعودي- تقرر الخروج على هذا المبدأ العام في العديد من الفروض مراعاة لاعتبارات أولى بالرعاية، ومن هذه الاعتبارات تكريس البعد الإنساني في المجال الإجرائي، بتخيير بعض الشرائح المجتمعية الضعيفة بين رفع دعواها أمام المحكمة التي يتبعها المدعى عليه -وفقًا للقاعدة العامة- وبين رفع دعواها أمام المحكمة التي تقيم في دائرتها.

أمام عن المشرع الأردني، فقد تبنى إمكانية الاستعانة بالإنابة القضائية في جميع إجراءات التحقيق في الدعاوى الجزائية عدا استجواب المدعى عليه، فقد ورد صراحةً في المادة (92) قانون أصول المحكمة الجزائية الأردني: “1- يجوز للمدعي العام أن ينيب أحد قضاة الصلح في منطقته أو مدعي عام آخر لإجراء معاملة من معاملات التحقيق في الأمكنة التابعة للقاضي المُستناب وله أن يُنيب أحد موظفي الضابطة العدلية لأية معاملة تحقيقية عدا استجواب المشتكى عليه”([12])

2_الإنابة القضائية في إجراء الإدخال:

“إذا كان الإدخال يتمثل في إجبار شخص على الاشتراك في خصومة قائمة بنص القانون، أو بطلب أحد الخصوم، أو من تلقاء نفس المحكمة؛ بما يؤدي إلى إكسابه مركزًا لم يكن موجودًا له من ذي قبل، فإن القانون المصري لم يتعرض من قريب أو بعيد لفكرة الإنابة القضائية في مجال الإدخال، واكتفى بتقرير المبدأ العام في الإدخال، وتحديد الإطار العام لحالاته وتبدو الحكمة من هذا القيد واضحة، ذلك أن حالة الإدخال لتحقيق مصلحة العدالة أو إظهار الحقيقة دون سواها هي التي لا يكون للمدخل فيها مصلحة ذاتية أو شخصية من إدخاله، ومن ثم ليست هناك مغانم منتظرة له تحقيقها  كي يتم تحميله بغرم المثول أمام محكمة لا يقيم في دائرة اختصاصها المكاني، وفقًا للقاعدة المتواترة التي تقرر أن الغرم بالغنم؛ ولذا وجب تجنيبه هذا الغرم، من خلال إنابة محكمة مكان إقامته لمباشرة إجراءات إدخاله والحصول منه على ما يخدم مصلحة العدالة، أو ما قد يسهم في إظهار الحقيقة”([13]).

————–

[1]أستاذ/ وافي – محمود علي، مجلة العلوم القانونية الاقتصادية، مجلد 58، عدد 2، ص162

[2] أحكام محكمة النقض المصرية، الطعن رقم 275، س22ق

[3] محمد بن إدريس الشافعي، الأم، الجزء الأول، ص441

[4] معجم اللغة العربية، الجزء الثالث، ص1806

[5] عبدالله بن خنين، الكاشف في شرح نظام المرافعات الشرعية، الجزء الأول، ص 541.

[6] عبد الله بن خنين، الكاشف في شرح نظام المرافعات الشرعية، الجزء الأول، ص574.

[7] قانون أصول المحاكم المدنية الأردني

[8] قانون أصول المحاكم المدنية الأردني.

[9] قانون أصول المحاكم الجزائية الأردني

[10] دكتور/ محمد حسام لطفي، النظرية العامة للالتزام، ص190

[11] قانون أصول المحاكم المدنية الأردني

[12] قانون أصول المحاكم الجزائية الأردني

[13] عز الدين منصور، التعليق على قانون المرافعات، الجزء الأول، ص672

إعداد: محمد محمود

error: حقوق الطبع محفوظة لشركة المحامي سامي العوض © Copy Right Protected