إخلاء السبيل في الجنح
إن طبيعة الإجراءات في القضايا الجزائية قد تستدعي في كثير من الأحيان توقيف المشتكى عليه ، وذلك لعدة اعتبارات منها ما يخص المحافظة على سلامة الإجراءات التحقيقية أو المحاكمة ومنع التأثير أو التلاعب بها ، ومنها ما هو للمحافظة على سلامة المشتكى عليه من أي انتقام قد يثار ضده ، ومع أن التوقيف هو إجراء ضروري إلا أنه يمس حرية الشخص الموقوف فيقيدها وخصوصاً أنه لم تثبت إدانته بعد.
ولأن الحرية الشخصية مصونة ، كما جاء بنص المادة 7 من الدستور الأردني ، فقد نص المشرع على إمكانية إنهاء التوقيف بطريقة قانونية وذلك عن طريق إخلاء السبيل بالكفالة إذا توافرت الشروط التي تستدعي ذلك ، فما المقصود بإخلاء السبيل بالكفالة ؟، وما هي الأحكام التي تنظمه ؟.
المقصود بإخلاء السبيل
هو الإفراج عن المشتكى عليه الموقوف على ذمة التحقيق بقرار يصدر من الجهات المختصة في حال وافقت على طلب الإخلاء ، فإخلاء سبيل الموقوف هو أمر متروك تقديره للمحكمة ، وقد تقرر المحكمة إخلاء سبيل المشتكى عليه الموقوف بكفالة أو بدونها ، وذلك على حسب الاعتبارات التي تقتضيها مصلحة التحقيق، فإذا قررت المحكمة إخلاء سبيل المشتكى عليه الموقوف بالكفالة.
فالكفالة نوعان : كفالة شخصية وكفالة مالية ، فالكفالة الشخصية وهي إخلاء سبيل الموقوف مقابل كفالة من الكفيل مليء يضمن عدم إخلال المكفول بشروط الكفالة فإذا تهاون المكفول وأخل بشروط إخلاء السبيل فيتم التنفيذ على سند الكفالة وهو المبلغ المالي الذي كفله به الكفيل ، أما الكفالة المالية هي دفع مبلغ من المال تقدره المحكمة لخزينة الدولة وذلك للضمان ، ويتم تقدير المبلغ من قبل السلطة المختصة بإصدار قرار إخلاء السبيل .
أهمية إخلاء السبيل
إن إتباع إجراء إخلاء السبيل بالكفالة أو بدونها هو مطلب تنادي به جمعيات ومواثيق حقوق الإنسان كبديل عن التوقيف قبل المحاكمة، فهو يمس حرية الشخص كما أنه قد يؤدي إلى الإضرار بالمشتكى عليه وأسرته، كما تظهر أهمية إخلاء السبيل بالتقليل من أعداد الموقوفين، وبتالي تخفيض التكلفة المادية التي تتكبدها الدولة، كما أن إجراء إخلاء السبيل إجراء مقبول من الناحية الاجتماعية، وإذا تم تنفيذه بطريقة صحيحة لن يشكل ذلك خطر على المجتمع.
ما هي اعتبارات إخلاء السبيل بالكفالة؟
إن تقرير إخلاء سبيل الموقوف من عدمه هو أمر متروك للجهة المختصة بإصداره ، إلا أنه قد يساعد في إقناع السلطة المختصة بإخلاء سبيل المشتكى عليه الموقوف عدة أمور وهي عدم وجود سابقة جرمية بحق الموقوف ، أيضا أن لا يكون الموقوف مكرر للجريمة ، أن يكون حسن السيرة والسلوك ، وأن لا يكون الجرم الموقوف لأجله من الجرائم الخطرة على المجتمع ، فلا يجوز إخلاء سبيل موقوف بجريمة معاقب عليها بالإعدام مثلاً ، ومن الاعتبارات التي قد يأخذها القاضي بعين الاعتبار إذا كان المشتكى عليه الموقوف وحيد المعيل لأهله أو على مقاعد الدراسة والجرم الموقوف لأجله ليس بالجرم الخطير ، إلا ان هذه الاعتبارات لا يمكن الاستناد إلى أحدها دون الأخر ، فكل اعتبار يكمل الأخر ويدعمه .
الجهة المختصة باتخاذ قرار إخلاء السبيل
الأصل أن السلطة أو الجهة المختصة باتخاذ قرار التوقيف هي ذاتها السلطة المختصة باتخاذ قرار إخلاء السبيل، فهي الأقدر على تقدير مدى بقاء مبررات التوقيف من زوالها وذلك ما دام أن التحقيق أو الدعوى ما زالت أمامها، أما في حال انتقال الدعوى إلى سلطة أخرى فتعدد الجهات التي لها الصلاحية باتخاذ قرار إخلاء السبيل، ويتحدد اختصاص كل جهة حسب أحكام القانون، وذلك حسب نوع الجريمة فيما إذا كانت جنحة أو جناية، وسنتناول في هذا المقال الحديث عن إخلاء السبيل في الجنج.
إخلاء السبيل في الجنح
نص المشرع الأردني في المادة 122 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على السلطة المختصة بإخلاء السبيل في الجرائم الجنحوية.
إلى أي جهة يقدم طلب إخلاء السبيل بالكفالة في الجرائم الجنحوية؟
في حال كانت التحقيقات ما زالت جارية فإن الجهة المختصة بنظر طلب إخلاء السبيل بالكفالة هو المدعي العام، أما إذا أحيلت القضية إلى المحكمة، فيقدم طلب إخلاء السبيل إلى المحكمة التي يحاكم أمامها المشتكى عليه، وفي حال صدر حكم بالقضية أو قد بها طعن فيقدم طلب إخلاء السبيل إلى المحكمة التي أصدرت الحكم أو المحكمة المستأنف إليها،
فالجهات المختصة بإخلاء السبيل بالكفالة في الجرائم الجنحوية هي المدعي العام وقاضي الصلح ومحكمة البداية بصفتها الاستئنافية، ومحكمة البداية في الجنح الداخلة في اختصاصها.
فكيف تنظر هذه الجهات في طلب إخلاء السبيل؟
تنظر في الطلب تدقيقاً وذلك بعد أخذ رأي النيابة العامة.
رفض المدعي العام طلب إخلاء سبيل الموقوف
كما ذكرنا سابقاً أن الإجابة على طلب إخلاء السبيل هو أمر متروك لتقدير للسلطة المختصة فلها أن توافق على الطلب أو ترفضه ، ففي حال كانت السلطة المختصة هي جهة الادعاء العام ممثلة بالمدعي العام صاحب السلطة في إصدار القرارات بإخلاء السبيل نظراً لأن التحقيقات في القضية ما زالت منظورة أمامه ، وأصدر قراره برفض طلب إخلاء السبيل ، للموقوف أن يستأنف قرار الرفض إلى محكمة البداية بصفتها الاستئنافية خلال ثلاثة أيام من تاريخ تبليغه قرار الرفض ، أما في حال الموافقة على طلب إخلاء السبيل فباب الاستئناف مفتوح للنائب العام خلال ثلاثة أيام تبدأ من وصول الأوراق إلى قلمه للمشاهدة ، سنداً لنص المادة 124 من قانون أصول المحاكمات الجزائية .
محكمة الصلح وطلب إخلاء السبيل
يقدم طلب إخلاء السبيل إلى قاضي الصلح إذا أُحيلت القضية إلى محكمة الصلح التي سيحاكم أمامها الموقوف أو أثناء المحاكمة، كما يقدم طلب إخلاء السبيل لقاضي الصلح في المناطق التي لا يوجد فيها مدعي عام، فلقاضي الصلح أن يقوم بالصلاحيات المعطاة للمدعي العام من إجراءات التوقيف وإخلاء السبيل، فتختص محكمة الصلح بإخلاء سبيل أي موقوف في قضية جنحوية تدخل في اختصاصها.
ويتم استئناف قرارات قاضي الصلح المتعلقة بإخلاء السبيل إلى محكمة البداية بصفتها الاستئنافية، وذلك سنداً لنص المادة 124 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
متى تكون محكمة البداية بصفتها الاستئنافية مختصة بالإجابة على طلب إخلاء السبيل؟
تكون محكمة البداية بصفتها الاستئنافية مختصة بالفصل في طلبات إخلاء السبيل المقدمة لها في حال صدر حكم في القضية وقدم استئناف به، كما تفصل في الطعون المقدمة على قرارات إخلاء السبيل المطعون بها والصادرة عن المدعي العام وقاضي الصلح
ويكون قرارها برفض أو قبول تخلية السبيل قطعياً فلا يجوز استئنافه أمام محكمة الاستئناف.
هل تختص محكمة البداية في النظر في طلبات إخلاء السبيل للموقوف بجنحة؟
نعم تنظر في طلبات إخلاء السبيل في الجنح الداخلة في اختصاصها في حال كانت القضية قد أحيلت إليها وسيحاكم أمامها الموقوف أو أثناء المحاكمة، فإذا صدر حكم في القضية وقدم فيها استئناف تكون محكمة الاستئناف هي المختصة بنظر طلب إخلاء السبيل، كما يستأنف القرار الصادر عن محكمة البداية بخصوص طلب تخلية السبيل إلى محكمة الاستئناف ويكون القرار الذي تصدره المحكمة قطعياً
في حال قدم استئناف من النيابة العامة ضد قرار تخلية السبيل الصادر عن المحكمة أو المدعي العام أو قاضي الصلح وقررت المحكمة المستأنف إليها إعادة توقيف المخلى سبيله فهل يجوز تقديم طلب إخلاء السبيل مرة أخرى؟
نعم، فقد نصت المادة 124 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنه يجوز للمحكمة أن تعيد النظر في قرار سابق بالتخلية أو رفضها.
الموافقة على طلب إخلاء السبيل بالكفالة
في حال وافقه الجهة المختصة على طلب إخلاء السبيل بالكفالة فتقوم بتحديد مقدار الكفالة في قرار التخلية، وعلى الشخص المكفول أن يقدم كفالة بالمبلغ الذي تم تقديره أو أن يوقع سند تعهد بالمبلغ المقدر، ولكن يشترط في هذه الحالة أن يحضر المشتكى عليه في أي دور من أدوار التحقيق والمحاكمة وعند تنفيذ الحكم وكلما طلب اليه الحضور، كما يجوز للمرجع الذي أصدر قرار تخلية السبيل بالكفالة أن يسمح بإيداع تامين نقدي بدلاً من الكفالة.
تنظيم سند الكفالة أو التعهد
يتم تنظيم سند الكفالة أو التعهد أمام قاضي الصلح، إذا كان هو الذي أصدر قرار التخلية بالكفالة، على ان تصدق على ملاءة الكفيل الهيئة الاختيارية، أما في حال كان قرار تخلية السبيل صادر عن المدعي العام أو محكمة فيتم تنظيم سند الكفالة أو التعهد أمام كاتب العدل، على أن يصادق كاتب العدل على مقدرة الكفيل وملاءته لهذه الكفالة.
إخلاء سبيل الحدث الموقوف بجنحة
إذا كان الموقوف حدث أي لم يتم الثامنة عشرة من عمره فعند تقديم طلب لإخلاء سبيله يتوجب على المحكمة إخلاء سبيله مقابل سند كفالة مالية أو سند تعهد شخصي أو تأمين نقدي يضمن حضوره في مراحل التحقيق أو المحاكمة، ما لم تقتض مصلحة الحدث غير ذلك
النصوص القانونية المتعلقة بإخلاء السبيل بالجنح
المادة 121:
يجوز للمدعي العام ان يقرر تخلية سبيل اي شخص موقوف بجريمة جنحوية بالكفالة إذا استدعى ذلك كما يجوز للمحكمة ان تقرر التخلية بالكفالة بعد إحالة القضية اليها أو أثناء المحاكمة.
يقدم طلب تخلية السبيل بالكفالة في الجرائم الجنحوية:
1. الى المدعي العام إذا كانت التحقيقات لا تزال جارية أمامه.
- الى المحكمة التي يحاكم أمامها المشتكى عليه إذا كانت القضية قد أحيلت للمحاكمة.
- الى المحكمة التي أصدرت الحكم أو الى المحكمة المستأنف اليها إذا كان قد صدر حكم بالقضية وقدم استئناف به.
يجوز استئناف القرار الصادر عن المدعي العام أو قاضي الصلح بتوقيف المشتكى عليه أو تمديد توقيفه أو تخلية سبيله أو تركه حرا الى محكمة البداية والقرار الصادر عن محكمة البداية الى محكمة الاستئناف وذلك خلال ثلاثة أيام تبدأ بحق النائب العام من وصول الأوراق الى قلمه للمشاهدة وبحق المشتكى عليه من تاريخ وقوع التبليغ اليه.
يقدم طلب تخلية السبيل باستدعاء ينظر فيه تدقيقاً بعد استطلاع راي النيابة.
- يجوز للمحكمة أو للمدعي العام أو لقاضي الصلح الذي قدم اليه طلب تخلية السبيل بكفالة ان يقرر التخلية أو ان يرفضها أو يعيد النظر في قراره السابق حسب مقتضى الحال.
- يترتب على كل شخص تقرر تخلية سبيله بالكفالة ان يقدم كفالة بالمبلغ الذي يقرر قيمته المرجع الذي أصدر القرار أو ان يوقع سند تعهد بالمبلغ الذي يقرره المرجع المذكور ويشترط في سند الكفالة أو سند التعهد ان يحضر المشتكى عليه في اي دور من أدوار التحقيق والمحاكمة وعند تنفيذ الحكم وكلما طلب اليه الحضور.
- يجوز للمرجع الذي أصدر قرار تخلية السبيل بالكفالة ان يسمح بإيداع تامين نقدي بدلاً من الكفالة.
- تنظم سندات الكفالة أو التعهد أمام:
أ. قاضي الصلح، إذا كان هو الذي أصدر قرار التخلية بالكفالة، على ان تصدق على ملاءة الكفيل الهيئة الاختيارية.
ب. الكاتب العدل إذا كان القرار صادراً عن المدعي العام أو المحكمة على ان يصدق الكاتب العدل على مقدرة الكفيل وملاءته لهذه الكفالة. - عندما يطلب حضور شخص أخلى سبيله بالكفالة يخطر الكفيل بلزوم إحضار مكفوله. وإذا كان قد أخلى سبيله بسند تعهد فيحظر شخصياً بلزوم الحضور ويجب ان يوقع ذلك الإخطار في الحالتين من المدعي العام أو رئيس المحكمة أو قاضي الصلح حسب مقتضى الحال.
قانون محاكم الصلح
المادة 12:
أ. لقاضي الصلح في حدود اختصاصه، وفي الأحوال التي يجوز فيها التوقيف، ما للمدعي العام من صلاحية في التوقيف والتمديد والتخلية وفرض أي تدبير أو بدائل أخرى ورفعها وفقا لما هو منصوص عليه في قانون أصول المحاكمات الجزائية.
ب. إذا قرر قاضي الصلح، أو المحكمة المستأنف إليها عند وقوع الطعن، الموافقة على تخلية سبيل المشتكى عليه بالكفالة التي يحدّد مقدارها بقرار التخلية، يكتفى بالتصديق على ملاءة الكفيل من هيئة اختيارية.
من اجتهادات محكمة التمييز المتعلقة بإخلاء السبيل في الجنح
الحكم رقم 1190 لسنة 1988 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية
المبدأ: التزامات الكفيل بموجب الكفالة
يستفاد من أحكام المادتين (126 ، 129 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 9 لسنة 1961 ان الكفيل ملزم بإحضار مكفولة الى المحكمة عند كل طلب فاذا تخلف عن إحضاره بعد ان يخطر بذلك يكون من حق المحكمة ان تصدر قراره بإلزام الكفيل بتأدية قيمة الكفالة ، وللمحكمة ممارسه هذا الحق أثناء رؤيتها الدعوى وليس بعد البت فيها ، وعليه فان طلب النيابة العامة لاستصدار قرار من المحكمة بإلزام الكفيل ببدل الكفالة والمقدم بعد البت بالدعوى يستحق الرد طالما ان المحكمة قد فصلت في القضية وحكمت فيها وبالتالي لم يبق اي اختصاص لها في هذا الموضوع ، وأما فيما يتعلق بمرحله تنفيذ الحكم الجزائي وإخلال الكفيل بشروط سند كفالته بعد إحضاره مكفولة لتنفيذ الحكم بحقه بمعرفة دوائر النيابة العامة للتنفيذ فان ذلك لا يؤثر على حق النيابة العامة بإقامة دعوى حقوقية حسب الأصول على الكفيل لدى المحكمة الحقوقية المختصة ومطالبتها بالحكم عليه بقيمه سند الكفالة الذي أخل بشروطه .
الحكم رقم 588 لسنة 2009 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية:
القرار الصادر عن محكمة الاستئناف في طلب إخلاء السبيل بالكفالة في دعوى جنحيه قطعي.
وبالتدقيق تجد محكمتنا أن الجرم المسند للظنين الطاعن هو من نوع الجنحة والتي لا تقبل الحكم الصادر فيها الطعن أمام محكمة التمييز طبقاً لمفهوم المخالفة للمادة 270 من قانون أصول المحاكمات الجزائية وعليه فإنه ومن باب أولى فإن القرار الصادر عن محكمة الاستئناف في طلب إخلاء السبيل بالكفالة في دعوى جنحيه لا يكون قابلاً للطعن به أمام محكمة التمييز مما يتوجب معه رد الطعن شكلاً.
إعداد المحامية: ليلى خالد

