الإرادة المنفردة
الإرادة المنفردة هي مصدر حديث من مصادر الالتزام في القوانين الوضعية، على الرغم من أن الفقه الإسلامي اعتبرها مصدرًا للالتزام منذ القرن الهجري الأول.
ويُمكن القول إن الإرادة المنفردة هي تصرف قانوني يصدر من شخص ما بغرض إحداث أثر قانوني معين، وبغير حاجة إلى إرادة ثانية تتوافق معها، والجدير بالإشارة أنه يُمكن أن تترتب عدة آثار قانونية على الإرادة المنفردة، بحيث أنها يُمكن أن تنقل حقاً عينياً، كما في الوصية، إضافة أنها يُمكن أن تمحي هذا الحق، كما في التنازل عـن حق عيني.
ثانياً: النظريات الفقهية التي تناولت الإرادة المنفردة
ثالثاً: تطبيقات الإرادة المنفردة كمصدر ينشأ الحق
رابعاً: تطبيقات الإرادة المنفردة كمصدر يزيل الحق
خامساً: الإرادة المنفردة في مختلف التشريعات العربية
أولًا: مفهوم الإرادة المنفردة
يعرف الفقه القانوني الإرادة المنفردة بأنها عمل قانوني يقوم به شخص طواعية من أجل إحداث أثر قانوني معين ، دون موافقة الطرف الثاني، وتتنوع الآثار القانونية التي يمكن أن تنتج عن الإرادة المنفردة حيث يمكن للإرادة الواحدة نقل حقوق الملكية ، مثل الوصية ، أو إزالة الحقوق مثل التنازل عن حقوق الملكية. يمكن أن يكون لها أيضًا تأثير كاشفي ، مثل الاعتراف بالعلاقة بين الوالدين والطفل وثبوت النسب.
ويمكن أن تنهي الإرادة المنفردة بعض العقود ، مثل عقود الوكالة لأجل غير مسمى وعقود العمل. ولكن هل كان يختلف الفقهاء على تمكن الإرادة المنفردة من خلق التزامات جديدة.[1]
حيث إنه لا يحق لأي شخص أن يفرض التزامات من جانب واحد على الغير لمصلحته ؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يجعل نفسه دائنًا بإرادته، فهذا تطبيق لمبدأ حرية التعاقد ومن ناحية أخرى، يبقى السؤال هو ما إذا كان يمكن للفرد أن ينشئ التزامات تجاه نفسه لصالح الآخرين وفقًا بإرادته المنفردة.
ثانياً: النظريات الفقهية التي تناولت الإرادة المنفردة
هناك العديد من النظريات القانونية التي تناولت الإرادة المنفردة كونها مصدر من مصادر الالتزام، وأبرز النظريات هما كلاً من النظرية القانونية الفرنسية والألمانية.
1_ النظرية التقليدية في القانون الفرنسي
بالنسبة إلى القانون الفرنسي فقد عمل على الأخذ بالنظرية التقليدية التي تؤكد على أنه يشترط لوجود الالتزام وجود إرادتين متوافقتين وإلا لا يمكن إنشاء الالتزام.
وأساس هذه النظرية هي القانون الروماني حيث إن الإرادة المنفردة لم يكن لها وجود في القانون الروماني، فلا يمكن للفرد أن ينشأ الالتزام بإرادته الفردية وذلك لأن القانون الروماني لم يكن يأخذ في الاعتبار أن الالتزام يُعد رابطة شخصية بين أطراف الالتزام.
وعلى ذلك هذه الرابطة الشخصية ينتج عنها وجود دائن ومدين، وهذا ما تأثر به الفقه القانوني في فرنسا والذي أكد على عدم تمكن شخص بإرادته المنفردة أن يجعل شخص آخر دائن له لعدم وجود ركن هام من أركان الالتزام وهو ركن الرضا بين الطرفين.
ولكن يلاحظ أن القانون المدني الفرنسي الصادر في عام 1804 كان يعرف مبدأ الإرادة المنفردة، ولكنه كان يجعلها سبب لتكوين أثر قانوني دون أن تكون الإرادة المنفردة سبباً في نشأة الالتزام في حد ذاته، وعلى ذلك أشار القانون المدني الفرنسي أن الإرادة المنفردة قد تؤدي بدورها إلى نقل الحق العيني أو إلغاؤه وكذلك إنهاء العقود المختلفة، ويجيز القانون الفرنسي رقم 85/697 بتاريخ 11/7/1985 وجود عدة تطبيقات للإرادة المنفردة أبرزها إجازة العقد الباطل والوصية وكذلك إثبات النسب.
أما بالنسبة إلى إنشاء الالتزام بناء على الإرادة المنفردة فإن القانون الفرنسي لم يتطرق إلى هذا المبدأ بشكل مباشر واكتفى بذكره من خلال أكثر من حالة متفرقة مما تسبب في وجود تعارض بين الفقهاء القانونيين في فرنسا.
- يعارض الاتجاه الأول من الفقه القانوني في فرنسا أن تكون الإرادة المنفردة سبباً لنشأة الالتزام، بناء على أن مبدأ الإرادة المنفردة يتعارض مع المنطق القانوني في حد ذاته بالرغم من أنها لا تتعارض مع مبدأ سلطان الإرادة بوجه عام.
والمنطق القانوني عند الفقه المعارض يؤكد على أهمية وجود كلاً من الدائن والمدين سوياً وإلا لا ينشأ الالتزام، لأنه في حالة القول بأنه من الممكن قبول التزام المدين بإرادته المنفردة يكون الالتزام مستحيلاً لأن وجود المدين يشترط وجود الدائن.
وأي علاقة قانونية سليمة وفعالة تتطلب وجود كلاً من إرادة الدائن والمدين، وبالإضافة لذلك فإن الاتجاه الذي يوافق على وجود الإرادة المنفردة يشير إلى أن الإرادة المنفردة لها نفس الأثر القانوني للالتزام الناشئ نتيجة الإيجاب والقبول في نظرية العقد وعلى ذلك يجب أن يكون من حق صاحب الإرادة المنفردة الرجوع عن التزامه وهذا لا يتفق مع المنطق القانوني أيضاً لأنه في هذه الحالة يخرج عن معنى الالتزام ويكون مجرد تعهد إرادي.
يرى هذا الاتجاه من الفقه كذلك أن الإرادة المنفردة لها العديد من المخاطر العملية لأنها معاملات غير سليمة تسبق التعاقد وتوافق الإرادات فتجعل المدين يشعر بخطورة الالتزامات التي تتم بالإرادة المنفردة، وكذلك قد يكون من الصعب التفرقة بين العقد والالتزام بالإرادة المنفردة بالرغم من اختلاف آثارهم مما يهدد استقرار المعاملات.
- أما الرأي المؤيد لمبدأ الإرادة المنفردة يشير إلى أن هذا المبدأ يتماشى مع مبدأ سلطان الإرادة والذي يعد أساس النظرية العامة في العقود، وصحيح أن الإرادة المنفردة تختلف عن أسس إنشاء الالتزام في القانون الفرنسي إلا أن الحاجة الاقتصادية والعملية تستدعي وجود الإرادة المنفردة كمصدر من مصادر الالتزام، وهذا يتضح في العديد من الحالات التي أشار لها القانون الفرنسي نفسه والتي تندرج تحت مفهوم الإرادة المنفردة مثل الوعد بجائزة الإيجاب الملزم.[2]
2_ النظرية المادية في القانون الألماني
أما بالنسبة للقانون الألماني فإن الالتزام في القانون المدني الألماني يعد عنصر مالي، وعلى ذلك يعمل القانون على اتخاذ اتجاه النظرية المادية في تعريف الالتزام على عكس النظرية الشخصية التي يعتبرها القانون الفرنسي.
ففي القانون الألماني يتطلب الالتزام وجود المدين عند إنشاء الالتزام، وعلى ذلك فإن القانون يعتبر الإرادة المنفردة مصدر لإنشاء الالتزام بجانب العقد، ويتضح هذا في القانون الألماني لعام 1901 والذي ينص على أنه من أجل إنشاء التزام وتغيير محتواه ، يجب على الطرفين إبرام عقد باستثناء الحالات التي ينص عليها القانون.
لذلك فإن مبدأ القانون الألماني هو أن الالتزامات لا يمكن أن تنتج إلا عن طريق العقود ، ولكن كاستثناء ، يمكن أن تنتج الالتزامات بإرادة المدين المنفردة، وبناءً على ذلك لا يعتبر القانون المدني الألماني الإرادة المنفردة مصدرًا للالتزامات العامة ، ولكن يمكن استخدامها كمصدر للالتزامات في ظل ظروف خاصة معينة ينص عليها القانون.
ويرى الفقه القانوني في ألمانيا أن المنطق القانوني يتقبل وجود الإرادة المنفردة كمصدر للالتزام حيث إن الشخص له الحرية في أن يرتب التزامات على عاتقه، ولكن لا يمكن إجبار الدائن على قبول الإرادة المنفردة للمدين.
3_ تعقيب على موقف القانون الألماني والفرنسي
وبمقارنة كلاً من موقف الفقه القانوني الفرنسي والألماني يتضح أن الاختلاف بينهم عميق، ويرجع السبب في ذلك إلى الأساس القانوني لكلاً من القانون الألماني والفرنسي كما سبق الذكر حيث إن الأساس القانوني يعتمد النظرية التقليدية الشخصية للالتزام وبالتالي فإنه لا وجود للإرادة المنفردة في ظل القانون الفرنسي وحتى التطبيقات التي يشير إليها القانون الفرنسي لا يعتبر فيها الإرادة المنفردة كمصدر للالتزام.
أما القانون الألماني فيتخذ النظرية المادية أساس لمصادر الالتزام وعلى ذلك يعترف بدور الإرادة المنفردة كمصدر للالتزام.
وبالرغم من هذا الاختلاف فإنه في الواقع العملي يتم اعتماد تطبيقات مختلفة للإرادة المنفردة، ولكن بآثار ونتائج مختلفة، ففي القانون الألماني يلتزم الواعد بجائزة بالإرادة المنفردة وكذلك يلتزم الموجب بإرادته المنفردة وعلى ذلك لا تؤثر الوفاة أو انعدام الأهلية على هذا الإيجاب.
ولكن في القانون الفرنسي بالرغم من جعل الواعد ملتزما في الوعد بالجائزة ألا أنه لا يكون كذلك بناء على الإرادة المنفردة، ولكن على أساس العقد باعتبار أن السكوت في هذه الحالة هو قبول.[3]
ثالثاً: تطبيقات الإرادة المنفردة كمصدر ينشأ الحق
1_ الوصية
تعرف الوصية بأنها تمليك يضاف إلى بعد الموت، وتتم الوصية عن طريق ترك الموصي للموصي له مال أو منفعة وتعد من التصرفات القانونية التي تصدر من جانب واحد، وتنتج آثارها بعد وفاة الموصي.
2_ الإقرار
يعد الإقرار عبارة عن الاعتراف بواقعة معينة، ويتم ذلك بالإرادة المنفردة ويحدث الآثار القانونية دون الاتفاق مع الخصم أو الطرف الآخر طالما تم اعتبار مختلف الشروط التي يحددها القانون للإقرار.
3_ الوقف
وهو يعني: “حبس للمال على حكم ملك الله تعالى، والتصدق بمنفعته”. ويتم الوقف بالإرادة المنفردة وفقاً لقواعد الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية للدولة.
4_ الوعد بجائزة
وهو يُعد مثال تطبيقي مباشر للإرادة المنفردة حيث يتم الوعد بإرادة منفردة من الواعد.
رابعاً: تطبيقات الإرادة المنفردة كمصدر يزيل الحق
1_ إبطال العقد لعيب من عيوب الرضا
يستطيع الفرد بالإرادة المنفردة إبطال العقد عندما يشوبه عيب من عيوب الرضا مثل التدليس والغلط وغيرها من العيوب التي يحددها القانون.
2_ إنهاء عقد الوكالة
حيث تشمل معظم الأنظمة القانونية المدنية في الدول العربية ما ينص على جواز إنهاء عقد الوكالة بالإرادة المنفردة للموكل، كما هو الحال في القانون المدني الأردني الذي ينص في (المادة 863) على الآتي: ” للموكل أن يعزل وكيله متى أراد إلا إذا تعلق بالوكالة حق للغير أو كانت قد صدرت لصالح الوكيل فإنه لا يجوز للموكل أن ينهيها أو يقيدها دون موافقة من صدرت لصالحه”.
3_ الرجوع عن الوصية
يجيز الفقه الإسلامي والقانون الوضعي رجوع الموصي عن وصيته قبل وفاته، حيث إن الوصية نوع من أنواع الهبة والتي يجوز الرجوع فيها.[4]
خامساً: الإرادة المنفردة في التشريعات العربية
سنبين هنا مواقف بعض التشريعات العربية من الإرادة المنفردة كمصدر للالتزام :
1_ الإرادة المنفردة في التشريع الأردني
يشير المشرع الأردني بشكل مباشر إلى الإرادة المنفردة في الفصل الثاني من القانون المدني الأردني في (المادة 250) بالنص على أن: “يجوز أن يتم التصرف بالإرادة المنفردة للمتصرف دون توقف على القبول ما لم يكن فيه إلزام الغير بشيء وذلك طبقا لما يقضي به القانون”.
وكذلك بالنص في المادة (251) من ذات القانون على أن: “تسري على التصرف الانفرادي الأحكام الخاصة بالعقود إلا ما تعلق منها بضرورة وجود إرادتين متطابقتين لنشوء العقد. وذلك ما لم ينص القانون على غير ذلك ، ويبقى الإيجاب في العقود خاضعا للأحكام الخاصة به”.
2_ في التشريع المصري
كانت (المادة 228 ) من التشريع المدني المصري تنص على أن ” 1- إذا كان الوعد الصادر من جانب واحد مكتوباً وكان لمدة معيّنة، فإن هذا الوعد يلزم صاحبه من الوقت الذي يصل فيه إلى علم من وُجِّه إليه ما دام هذا لم يرفضه.
2- وتسري على هذا الوعد الأحكام الخاصة بالعقود؛ إلا ما تعلق فيها بضرورة وجود إرادتين متطابقتين لإنشاء الالتزام.
3- يبقى الإيجاب في العقود خاضعاً للأحكام الخاصة به، ويسري حكم المادة التالية على كل وعد بجائزة يوجه إلى الجمهور”
ولكن بعد ذلك تم حذف هذه المادة والاكتفاء بتطبيقات مختلفة للإرادة المنفردة دون النص عليها بشكل مباشر، مثل جواز الوصية والوقف والوعد بجائزة إلى الجمهور.
3_ في التشريع السوري
كان يقر التشريع السوري بوجود الإرادة المنفردة، حيث إنه في الفصل الثاني من الباب الأول في القانون المدني السوري يشير إلى الإرادة المنفردة كمصدر عام للالتزام بالنص على تطبيق لها وهو الوعد بجائزة.
من خلال القواعد القانونية يتضح أن أساس وجود الإرادة المنفردة هو القانون وليس وجود نظرية للإرادة المنفردة في حد ذاتها، بل يقتصر وجود الإرادة المنفردة على وجود تطبيقات قانونية دون وجود النظرية.
وعلى ذلك أقترح العديد من الفقهاء إلغاء الفصول الخاصة بالإرادة المنفردة والاكتفاء بذكر تطبيقات الإرادة المنفردة في القوانين الخاصة بها. وقد انتقد قسم آخر من الفقهاء هذا الاتجاه ، معتقدًا أن الإرادة الأحادية هي المصدر المباشر للالتزام حتى في ظل ظروف خاصة ينص عليها القانون ، وبالتالي فإن الموقف الطبيعي للإرادة المنفردة هو أنها تكون في الدرجة الثانية بعد العقد كمصدر للالتزام.[5]
4_ في التشريع الجزائري
يشير المشرع الجزائري إلى الإرادة من جانب واحد أو الإرادة المنفردة كمصدر للالتزامات في ظل ظروف معينة ، وليس كمصدر عام للالتزامات ، وفقاً للظروف التي ينص عليها القانون، ولا يمكن للإرادة المنفردة في القانون الجزائري أن تنشئ التزامات ، ما لم يصرح بها نص خاص ، وما لم تكن هناك ظروف خاصة.
كتابة : فريدة سليمان
[1] – د. عبد الفتاح عبد الباقي، موسوعة القانون المدني المصري، نظرية العقد والإرادة المنفردة – دراسة معمقة ومقارنة بالفقه الإسلامي،1984 م، ص 676.
[2] فواز صالح، الإرادة المنفردة بوصفها مصدراً للالتزام، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية المجلد 28، العدد الأول، 2012، 140 وما ابعدها.
[3] المرجع السابق.
[4] سامية علاوة، التصرفات الصادرة عن الإرادة المنفردة كمصدر للالتزام في القانون الجزائري والشريعة الإسلامية،2004.
[5] مصطفى الزرقاء، شرح القانون المدني السوري، نظرية الالتزام العامة -1- المصادر، العقد و الإرادة المنفردة (طـ 4، مطبعة دار الحياة، دمشق 1964م.

