التنفيذ بطريق التعويض

التنفيذ بطريق التعويض

الأصل أن يكون تنفيذ الالتزام عيناً، أي بعين ما تم الاتفاق عليه بين الدائن والمدين، إلا أن هناك بعض الأحوال التي يتم فيها اللجوء إلى التنفيذ بطريق التعويض سواء بحكم القضاء أو بالاتفاق بين طرفي الالتزام، ويتجلى ذلك في الحالات التي يصبح فيها التنفيذ العيني مستحيلاً أو يلحق ضرراً بالمدين لا يتناسب مع الفائدة التي تعود على الدائن إذا تم التنفيذ.

وفي مقالنا الحالي نتعرف على حالات اللجوء إلى التنفيذ عن طريق التعويض سواء كان ذلك بناءً على حكم قضائي أو اتفاق بين أطراف الالتزام:

أولاً: متى يتم اللجوء إلى التنفيذ بطريق التعويض؟

ثانياً: ما هو الالتزام الذي يجوز تنفيذه عن طريق التعويض:

ثالثاً: ما هي وسائل تنفيذ التعويض؟

رابعاً: التعويض القضائي:

خامساً: التعويض الاتفاقي “الشرط الجزائي”:

سادساً: بعض المسائل المثارة في الواقع العملي بشأن الشرط الجزائي:

سابعاً: بعض أحكام محكمة التمييز بشأن التنفيذ بطريق التعويض:

أولاً: متى يتم اللجوء إلى التنفيذ بطريق التعويض؟

الأصل أن يكون التنفيذ عيناً، ويستطيع الدائن أن يُجبر المدين على قيامه بالتنفيذ العيني كلما كان ذلك متاح، ولكن إذا أصبح التنفيذ العيني مستحيلاً فإنه لا مناص من اللجوء إلى التنفيذ بطريق التعويض في هذه الحالة، إلا أنه ينبغي أن نفرق بين نوعين للاستحالة في هذا الصدد:

  • فإذا كانت الاستحالة راجعة إلى خطأ المدين فإنه في هذه الحالة يتم اللجوء إلى التنفيذ بطريق التعويض.
  • أما إذا كانت الاستحالة راجعة إلى قوة قاهرة أو سبب أجنبي بعيداً عن خطأ أو فعل المدين ففي هذه الحالة ينفسخ الالتزام وينقضي بقوة القانون، وهذا ما يطلق عليه “انفساخ التعاقد”.

وكذلك يتم اللجوء إلى التنفيذ بطريق التعويض إذا كان التنفيذ ممكناً، ولكن لا يمكن إتمامه إلا بتدخل من المدين، فإذا امتنع الأخير عن تنفيذ التزامه فلا مناص في هذه الحالة من اللجوء إلى التنفيذ بطريق التعويض، لان في إجبار المدين على تنفيذ الالتزام اعتداء على حريته الشخصية وهو ما يخالف أحكام القانون.

ومن الممكن أن يتم اللجوء إلى التنفيذ بطريق التعويض على الرغم من إمكانية التنفيذ العيني وإمكانية إتمامه دون تدخل من المدين إلا أن الدائن لم يطلبه، ففي هذه الحالة يتم اللجوء إلى التنفيذ بطريق التعويض.

وكذلك يكون اللجوء إلى التنفيذ العيني في الحالات التي يكون فيها التنفيذ مرهقاً بالمدين شريطة ألا يكون عدم التنفيذ من شأنه أن يلحق الدائن بضرر جسيم، فإذا كانت الفائدة التي تعود على الدائن من التنفيذ العيني لا تتناسب البتة مع حجم الضرر الذي سيلحق بالمدين إذا قام بالتنفيذ العيني ففي هذه الحالة يكون للقاضي أن يحكم بتنفيذ الالتزام عن طريق التعويض.

ثانياً: ما هو الالتزام الذي يجوز تنفيذه عن طريق التعويض:

لا يوجد ثمة التزام قانوني لا يمكن تنفيذه عن طريق التعويض، فكافة الالتزامات القانونية أياً كان نوعها – سواء بعمل أو امتناع عن عمل أو بإعطاء – يمكن تنفيذها عن طريق التعويض، وسواء أكان الالتزام مصدره العقد، أم مصدره القانون ،أم أياً كان مصدره فيمكن أن يتم تنفيذه عن طريق التعويض.

فالالتزام بعمل يمكن تنفيذه عن طريق التعويض إذا أخل المدين بالعمل الذي كان من المتحتم عليه أن يقوم به، ففي هذه الحالة يُحكم عليه بالتعويض.

وكذلك في حالة الالتزام بالامتناع عن عمل وتعذر إعادة الحال إلى ما كانت عليه – كما لو كان هناك التزام بالمحافظة على أسرار عمل معينة وتم إفشائها – ففي هذه الحالة يتم الحكم على المخل بالتزامه بالتعويض.

وكذلك في الالتزام بإعطاء – أي الالتزام بنقل ملكية – إذا تعذر إتمام الالتزام لخطأ راجع إلى المدين فإن القاضي يحكم على الأخير بالتعويض كأحد صور تنفيذ الالتزام.

وفيما يتعلق بالالتزامات التي يرجع مصدرها إلى العقد فكما رأينا يمكن أن تُنفذ جميعاً عن طريق التعويض، أما باقي مصادر الالتزام الأخرى فإنها عادة ما يتم تنفيذها عن طريق التعويض، كما في حالة الإثراء بلا سبب أو العمل الغير مشروع.

ثالثاً: ما هي وسائل تنفيذ التعويض؟

يمكن تنفيذ الالتزام بالتعويض اختياراً أو إجباراً – مثله مثل التنفيذ العيني – حيث إنه لو حُكم على المدين بدفع مبلغ معين “كتعويض” للدائن فإنه يتعين عليه أن يُنفذ هذا الالتزام طواعية، ولكن في حال تقاعسه عن تنفيذ التزامه فإن الدائن يستطيع أن يجبره على تنفيذ التزامه وذلك من خلال الحجز على أمواله وبيعها في المزاد العلني واقتضاء حقه.

ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى أنه وإن كان التنفيذ العيني قد يُصبح مستحيلاً سواء لخطأ المدين أو للقوة القاهرة، فإن التنفيذ بطريق التعويض من المستحيل أن يُصبح مستحيلاً، حتى ولو كان المدين مُعسراً، فالتنفيذ بطريق التعويض جائز دائماً. وفي حالة إعسار المدين فيمكن للدائن الانتظار لحين أن يتملك المدين بعض الأموال للتنفيذ عليها إذا كان القانون لا يجيز حبس المدين كما في القانون المصري[1]، ويمكنه أن يطالب القضاء بحبس المدين إذا كان القانون يجيز ذلك كما هو الحال في القانون الأردني.

حيث تنص (المادة 22/أ) من قانون التنفيذ الأردني على أن: (يجوز للدائن أن يطلب حبس مدينه إذا لم يسدد الدين أو يعرض تسوية تتناسب ومقدرته المالية خلال مدة الإخطار على ألا تقل الدفعة الأولى بموجب التسوية عن (25%) من المبلغ المحكوم به)، فضلاً عما نصت عليه (المادة 13/أ) من قانون التنفيذ الشرعي بقولها: ” يجوز للدائن أن يطلب حبس مدينه في جميع الديون بما فيها المهر إذا لم يسدد الدين أو يعرض تسوية تتناسب ومقدرته المالية بعد دفع ربع المبلغ المحكوم به خلال مدة الإخطار”.

وحتى إذا تم حبس المدين فإن ذلك لا يكون له أثر على الدين الذي يظل قائماً وذلك بموجب (المادة 25) من قانون التنفيذ الأردني والتي نصت على أن: (لا يسقط الدين بتنفيذ الحبس ولا يحول العفو العام دون حبس المدين ما لم يرد نص مخالف).

ولكن يبقى السؤال – والذي سنجيب عليه من خلال العناصر التالية – حول كيفية تقدير هذا التعويض؟

الواقع من الأمر أنه قدي كون التعويض قضائي وفي هذه الحالة فإن القاضي هو الذي يتولى تقدير التعويض، ولكن قد يكون التعويض اتفاقي حيث يتولى أطراف رابطة الالتزام تقدير التعويض، وفي هذا الصدد تثور إشكالية على درجة عالية من الأهمية وهي هل يكون للقضاء الحق في مراقبة التعويض الذي تم الاتفاق عليه بين الأطراف أم لا؟

رابعاً: التعويض القضائي:

يتولى القاضي – حال رفض المدين التنفيذ العيني – تقدير التعويض الذي يحكم به على المدين المتقاعس مراعياً ما لحق الدائن من خسارة جراء امتناع المدين عن التنفيذ، وذلك عملاً بما تقضي به (المادة 360) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن: (إذا تم التنفيذ العيني أو أصر المدين على رفض التنفيذ حددت المحكمة مقدار الضمان الذي تلزمه المدين مراعية في ذلك الضرر الذي أصاب الدائن والعنت الذي بدا من المدين).

إلا أنه حتى يتمكن الدائن من مُطالبة المدين بالتنفيذ أو مطالبة القضاء بالحكم على المدين المتقاعس بالتعويض فإنه لا بد أولاً أن يقوم بإعذاره[2]، وذلك وفقاً لما تقضي به (المادة 361) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن: (لا يستحق الضمان إلا بعد إعذار المدين ما لم ينص على غير ذلك في القانون أو في العقد).

1- ما هو الإعذار؟

الإعذار هو إجراء بموجبه يتم وضع المدين في حالة المتأخر عن تنفيذ الالتزام، حيث لا يمكن اتخاذ ثمة إجراء قبل المدين إلا بعد أن يتم إعذاره، لأنه قد يحين وقت استحقاق الدين ولا يحرك الدائن ساكناً مما يشير إلى موافقته الضمنية على منح أجل إضافي للمدين أو تسامحه في تأخير المدين عن تنفيذ التزامه.

ويتم هذا الإعذار بالطرق الرسمية التي قررها القانون، فمثلاً في القانون المصري يجب أن يتم إعذار المدين بموجب ورقة رسمية من أوراق المحضرين يبين فيها الدائن على وجه صريح أنه يُطالب مدينه بالتنفيذ.

ومن الجدير بالذكر أن الإعذار ليس هو الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى وضع المدين موضع المتأخر في التنفيذ، فكل ورقة يُعلن بها المدين وتقطع بجلاء عن رغبة الدائن في حمل المدين على تنفيذ التزامه فإنها تقوم مقام الإعذار[3].

في حين أن هذه الأحكام لا تسري على المُعاملات التجارية والتي يجوز فيها إعذار المدين بأي وسيلة تؤدي إلى إخباره بتنفيذ التزامه حتى ولو بصورة شفوية من الدائن إليه.

2- حالات لا ضرورة فيها للإعذار:

كما رأينا، فإن الإعذار هو وسيلة تنبيه للمدين حتى يقوم بتنفيذ التزامه طواعية ويتجنب الإجراءات القانونية التي قد يتخذها الدائن ضده حال تقاعسه عن التنفيذ، إلا أن هناك حالات يُصبح فيها الإعذار دون جدوى مما دفع المشرع إلى القول بأن هناك حالات يمكن فيها البدء في اتخاذ الإجراءات القانونية ضد المدين دون الحاجة إلى إعذاره.

وهذه الحالات وردت في ( المادة 362) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن: (لا ضرورة لإعذار المدين في الحالات الآتية:

  • إذا أصبح تنفيذ الالتزام غير ممكن أو غير مجد بفعل المدين.
  • إذا كان محل الالتزام تعويضا ترتب على عمل غير مشروع.
  • إذا كان محل الالتزام رد شيء يعلم المدين انه مسروق أو شيء تسلمه دون حق وهو عالم بذلك.
  • إذا صرح المدين كتابة أنه لا يريد القيام بالتزامه.

وهناك حالة أخرى لا يكون فيها حاجة إلى إعذار المدين وهي إذا تم الاتفاق في العقد المبرم بينه وبين الدائن على أن يتم تنفيذ الالتزام فور حلول أجله ودون حاجة إلى إعذار، ففي هذه الحالة يُعفى الدائن من عمل الإعذار بموجب ما تم الاتفاق عليه في العقد.

3- الآثار المترتبة على إعذار المدين:

يترتب على إعذار المدين نتيجتان وهما:

أ- أن المدين يُصبح مسئولاً عن التعويض نظراً لتأخره في تنفيذ التزامه، فمن وقت الإعذار يفترض القانون أن الدائن قد لحق به ضرر جراء عدم التنفيذ، أما في الفترة السابقة على الإعذار فإن الدائن لا يستحق عنها ثمة تعويض لأنه القانون اعتبر – كقاعدة عامة – في موضع المتسامح الذي لم يلحق به ثمة ضرر.

ب- تنتقل تحمل التبعة إلى المدين من وقت إعذاره، إذ يترتب على هلاك محل الالتزام بعد الإعذار – سواء أكان بقوة قاهرة أو بخطأ المدين – التزامه بالتعويض.

4- تقدير القاضي للتعويض:

إذا تم إعذار المدين وتبين عدم قدرته على التنفيذ – على النحو الذي بيناه سابقاً – فإن القاضي في هذه الحالة سيحكم عليه بالتعويض.

والتعويض الذي سيُحكم به على المدين سيكون له نوعان وهما:

  • التعويض عن عدم التنفيذ.
  • التعويض عن التأخر في التنفيذ.

فالتعويض عن عدم التنفيذ هو الذي يحل محل التنفيذ العيني والذي كان يتعين على المدين القيام به، وهذا النوع من التعويض يستحيل أن يجتمع مع التنفيذ العيني، في حين أن التعويض عن التأخير في التنفيذ يكون شاملاً لما لحق الدائن من أضرار خلال الفترة التي تقاعس فيها المدين عن تنفيذ التزامه، وهذا التعويض من الممكن أن يُحكم به سواء تم التنفيذ بصورة عينية أو من خلال التعويض.

ويكون تقدير القاضي للتعويض وفقاً لحجم الضرر الذي أصاب الدائن “حين وقوعه”، وهذا ما نصت عليه (المادة 363) بقولها: (إذا لم يكن الضمان مقدرا في القانون أو في العقد فالمحكمة تقدره بما يساوي الضرر الواقع فعلا حين وقوعه).

والقاضي في هذه الحالة يتولى تقدير التعويض وفقاً لما لحق الدائن من كسب وما فاته من خسارة، شريطة أن يكون الضرر الذي أصاب الدائن نتيجة طبيعية لعدم وفاء المدين بالتزامه أو لتأخره في التنفيذ، ويعتبر الضرر نتيجة طبيعية إذا لم يكن في استطاعة الدائن أن يتوقاه ببذل جهد معقول، وفي جميع الأحوال لا يستحق الدائن تعويضاً إلا عن الضرر المباشر الذي أصابه فقط[4].

خامساً: التعويض الاتفاقي “الشرط الجزائي”:

1- ما هو الشرط الجزائي؟

قد يتولى كل من الدائن والمدين تحديد مقدار التعويض الذي يستحقه أياً منهما حال تقاعس الأخر عن تنفيذ التزامه، وهذا التعويض قد يكون عن عدم القيام بتنفيذ الالتزام أو عن التأخر في تنفيذه، وهذا ما يطلق عليه في القانون والعمل “الشرط الجزائي”.

فالشرط الجزائي – إذن – هو اتفاق مسبق بين المتعاقدين على تقدير قيمة التعويض في حالة إخلال المدين بالتزامه العقدي، وهذا الاتفاق قد يوضع كشرط في العقد أو يتم إقراره في وقت لاحق على إبرام العقد وقبل تنفيذه[5].

وهذا ما نصت عليه (المادة 364/1) من القانون المدني الأردني بقولها: (يجوز للمتعاقدين أن يحددا مقدما قيمة الضمان بالنص عليها في العقد أو في اتفاق لاحق مع مراعاة أحكام القانون).

ومن الجدير بالذكر أن الشرط الجزائي لا يُنشئ التزام جديد على عاتق المدين وإنما يقتصر على تحديد مقدار التعويض الذي يتكبده الأخير حال تقاعسه عن التنفيذ أو تأخره في إتمامه، ومن ثم يستطيع المدين أن يتخلق من المطالبة بالشرط الجزائي إذا استطاع أن يتوصل إلى إبطال العقد الذي بني عليه هذا الشرط الجزائي، سواء تم وضع الشرط في صلب العقد ضمن أحد بنوده أو تم تقريره بموجب اتفاق مشترك.

2- متى يستحق الشرط الجزائي؟

لا يستحق الشرط الجزائي إلا إذا أثيرت مسئولية المدين إما عن عدم تنفيذ الالتزام أو التأخر في تنفيذه، ومن ثم يجب أن تكون عناصر المسئولية قد استجمعت في المدين بكافة عناصرها المتمثلة في الخطأ والضرر وعلاقة السببية.

ومن ثم فلا يكون هناك مجال للحكم على المدين بدفع الشرط الجزائي إذا استطاع أن يُثبت أن الدائن لم يلحق به ضرر جراء امتناعه عن تنفيذ الالتزام.

ومن الجدير بالذكر أن الشرط الجزائي من شأنه أن ينقل عبء الإثبات إلى الطرف الأخر، حيث إنه طالما تم الاتفاق على شرط جزائي في العقد فإن مجرد تأخير المدين عن تنفيذ التزامه يجعل الضرر في حق الدائن مفترض، فلا يكلف هذا الأخير بإثبات وقوع الضرر وإنما يقع على عاتق المتعاقد الذي أخل بالتزامه العقدي إثبات عدم حصول الضرر أو أن الضرر الذي أصاب الدائن أقل من قيمة الشرط الجزائي.

سادساً: بعض المسائل المثارة في الواقع العملي بشأن الشرط الجزائي:

1- هل للمحكمة رقابة على الشرط الجزائي:

في بعض الأحيان قد يتم إبرام عقد بين طرفين ويعمد أحدهما إلى وضع شرط جزائي في العقد يكون بمقتضاه أن يلتزم الطرف المخل بدفع مبلغ مالي للطرف الأخر، وفي بعض الأحيان يتم تقدير هذا المبلغ بصورة مبالغ فيها مع ذكر أن القضاء ليس له رقابة على قيمة هذا الشرط.

(فمثلاً قد يُذكر في أحد العقود أن: يلتزم الطرف الذي يتأخر في تنفيذ التزامه أو يرغب في فسخ العقد بدفع مبلغ مقداره 50 ألف دينار، أو 500 ألف جنيه مصري غير خاضع لرقابة القضاء).

فيثار التساؤل عن مدى القيمة القانونية لهذا الشرط، وهل يلتزم المخل بدفعه أم يكون للقضاء الحق في تخفيضه إذا تبين أن المبلغ لا يتناسب مع الضرر الذي لحق بالدائن جراء الإخلال بأحد بنود التعاقد؟

والواقع أن (المادة 364/2) من القانون المدني الأردني جاءت حاسمة لتلك المسألة وذلك بنصها على أن: (ويجوز للمحكمة في جميع الأحوال بناء على طلب أحد الطرفين أن تعدل في هذا الاتفاق بما يجعل التقدير مساويا للضرر ويقع باطلا كل اتفاق يخالف ذلك).

ويقابل ذلك (المادة 224) من القانون المدني المصري والتي نصت على أن: (ويجوز للقاضي أن يخفّض هذا التعويض إذا أثبت المدين أن التقدير كان مبالغاً فيه إلى درجة كبيرة، أو أن الالتزام الأصلي قد نفذ في جزء منه. ويقع باطلاً كل اتفاق يخالف أحكام الفقرتين السابقتين).

يتضح إذن من مطالعة النصوص السابقة أن رقابة المحكمة على تقدير الشرط الجزائي هي من الأمور التي تدخل في صميم اختصاصها، وأن هذا الاختصاص مخول لها بنص آمر لا يجوز للأطراف الاتفاق على مخالفته، وفي حال النص على خلاف ذلك يكون الاتفاق – في هذا الجزء فقط – واقعاً تحت مغبة البطلان.

2- هل يجوز أن يطلب الدائن من المحكمة زيادة الشرط الجزائي؟

في المقابل، قد يحدث أن يتم تقدير الشرط الجزائي بصورة تقل عن الضرر الذي يلحق بالدائن جراء عدم تنفيذ الالتزام، أو يتم تقديره بصورة مناسبة، ولكن تتفاقم الأضرار التي لحقت به ويُصاب بخسائر فادحة جراء عدم التنفيذ، وفي هذه الحالة يكون للمحكمة أن تعدل من مقدار هذا التعويض بزيادته ليصبح متناسب مع مقدار الضرر الذي لحق بالدائن، وذلك استناداً إلى قول المشرع الأردني في (المادة 364/2) بأن: ” للمحكمة في جميع الأحوال بناء على طلب أحد الطرفين أن تعدل في هذا الاتفاق بما يجعل التقدير مساويا للضرر”.

وبالنظر إلى موقف المشرع المصري نجده قد منح المحكمة سلطة الحكم بزيادة الشرط الجزائي شريطة أن يكون هناك غش أو خطأ جسيم من جانب المدين وذلك وفقاً لما نصت عليه (المادة 225) من القانون المدني المصري بقولها: (إذا جاوز الضرر قيمة التعويض الاتفاقي فلا يجوز للدائن أن يطالب بأكثر من هذه القيمة إلا إذا أثبت أن المدين قد ارتكب غشاً أو خطأً جسيماً).

وفي هذا الصدد تنص (المادة 276) من المذكرة الإيضاحية للقانون المدني الأردني الشارحة (للمادة 364) من القانون المدني الأردني على أن: (ويختلف الحكم المقرر في هذه المادة عن أحكام القانون المصري ( والسوري والمشروع الأردني والعراقي ) من أكثر من ناحية كما يتبين من مقابلة النصوص بعضها ببعض ومن أبرزها أنه في المشروع يجوز للقاضي تعديل تقدير التعويض بالزيادة وبالنقص أما في القانون فيجوز بالنقص ولا يجوز بالزيادة إلا اذا أقام الدائن الدليل على أن المدين قد ارتكب غشا أو خطا جسيما أو قصد اشتراط الإعفاء من المسؤولية حيث لا يجوز ذلك).

سابعاً: بعض أحكام محكمة التمييز بشأن التنفيذ بطريق التعويض:

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 1930 لسنة 2020 ما يلي:

إذا أصبح التنفيذ العيني للالتزام مستحيلاً بخطأ المدين لم يبق إلا التنفيذ بطريق التعويض ويعتبر التنفيذ العيني مستحيلاً إذا كان هذا التنفيذ يقتضي تدخل المدين الشخصي وامتنع عن هذا التنفيذ وحتى إذا كان التنفيذ العيني ممكناً دون تدخل من المدين، ولكن لم يطلبه الدائن ولم يتقدم المدين به فإن التنفيذ بطريق التعويض يحل محل التنفيذ العيني.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 2778 لسنة 2018 ما يلي:

 وحيث أن المميز ضدها قد أخلت بالتزامها مع المميزة وتركت العمل من تلقاء نفسها في 18/9/2015 قبل انتهاء مدة العقد وحيث تضمن عقد العمل في البند الأول منه أنه: ” إذا تركت المميز ضدها العمل قبل مرور سنة تكون ملزمة بدفع مبلغ ألف دينار كتعويض للمميزة دون حاجة لتوجيه إنذار” أي أن مبلغ التعويض متفق عليه مسبقاً إذ أن إخلال المميز ضدها بالتزامها يلحق ضرراً مفترضاً بالمميزة يوجب التعويض بمجرد إخلال المميز ضدها بالتزامها ولا تكلف المميزة بإثباته وإنما يقع على المميز ضدها إثبات عدم وقوعه وبما أن المميز ضدها لم تقدم البينة على أنه لم يحلق بالمميزة ضرر.

وحيث أن هذا العقد ليس فيه ما يخالف القانون أو النظام فيكون والحالة هذه شريعة المتعاقدين ولا يجوز تفسيره إذا كان واضحاً كما أن المادة ( 364) من القانون المدني أجازت للمتعاقدين أن يحددا مقدماً قيمة الضمان بالنص عليه في العقد ويجوز للمحكمة في جميع الأحوال بناءً على طلب أحد الطرفين أن تعدل في هذا الاتفاق بما يجعل التقدير مساوياً للضرر وأن ورود مثل هذا الشرط ليس فيه أي مخالفة لقانون العمل حيث تم الاتفاق عليه قبل بداية العمل كما أن مثل هذا الاتفاق والشرط يتفق مع ما نصت عليه المادة (26) من قانون العمل والتي يجب أيضاً مراعاتها عند الحكم بالتعويض استناداً للشرط الجزائي.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 2778 لسنة 2018 ما يلي:

إن مجرد تضمين العقد على تعويض اتفاقي (الشرط الجزائي) عند إخلال المتعاقد في تنفيذ التزامه العقدي الأمر الذي يترتب عليه أن الضرر يكون مفترض قانوناً وأصاب المتعاقد الآخر فلا يكلف هذا الأخير بإثبات وقوع الضرر وإنما يقع على عاتق المتعاقد الذي أخل بالتزامه العقدي إثبات عدم حصول الضرر أو أن الضرر الذي أصاب المتعاقد الآخر أقل مما تم الاتفاق عليه وبذلك فإن المشرع نقل عبء إثبات وقوع الضرر من المطالب بالتعويض الاتفاقي إلى الطرف الآخر وهذا على خلاف القواعد العامة في الإثبات.

إعداد/ أحمد منصور.                   

[1] فالقانون المصري لا يجيز حبس المدين المُعسِر – في نطاق الديون المدنية – فيما عدا دين النفقة.

[2] مع ملاحظة أن هناك بعض القوانين اللاتينية والجيرمانية قد عدلت عن اشتراط الإعذار واكتفت بحلول أجل الدين لإمكانية المطالبة بالتعويض.

[3] أنظر الأستاذ الدكتور/ عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني ” نظرية الالتزام بوجه عام” الجزء الثاني، 1968، دار النهضة العربية، ص832.

[4] أنظر في ذلك الأستاذ الدكتور/ سمير تناغو، أحكام الالتزام والإثبات، 2009، مكتبة الوفاء القانونية، ط1، ص248. وأنظر في ذات المعنى المذكرة الإيضاحية (للمادة 363) من القانون المدني الأردني، مادة 275.

[5] أنظر الأستاذ الدكتور/ سمير تناغو، أحكام الالتزام والإثبات، المرجع السابق، ص 249.

Scroll to Top