سلطة النيابة العامة في إنهاء الدعوى الجنائية صُلحاً
في هذا المقال سنتناول موضوع إنهاء الدعوى الجنائية عن طريق النيابة العامة، وذلك طبقا لما نص عليه قانون الإجراءات الجنائية في القانون المصري والقانون الأردني، وقبل أن ادخل في صميم هذا الأمر يجب أن نوضح الفرق بين مصطلحي الصلح والتصالح.
فالصلح يقصد به تلاقي إرادتي المتهم والمجني عليه على التنازل والتصالح في الدعوى، أما التصالح فهو الذي يتم بإرادة المتهم وحده دون تدخل من المجني عليه، وفي كل الأحوال فانهما من الأسباب التي تؤدي إلى انقضاء الدعوى الجنائية، وتترتب عليهما آثار البراءة دون أن تؤثر على مسار الدعوى المدنية في الاستمرار.
ثانيًا: نظام التصالح بمقتضى قانون الإجراءات الجنائية المصري رقم 174لسنة 1998
ثالثاً: قانون رقم 145 لسنة 2006 والتوسع في تنظيم مسألة الصلح
رابعاً: نظام الصلح طبقا للقانون الأردني
خامساً: الخاتمة
أولًا: تمهيد بالتعريف بالصلح
يعد الصلح عقدا يبرم بين طرفين هما المجني عليه والمتهم، وذلك ما أوضحته (المادة 18 مكرر أ) من قانون الإجراءات الجنائية، ومن ثم لا يتم الصلح بإرادة واحده من قبل المجني عليه وحده، ولكن يجب أن تتلاقى إرادتي المجني عليه والمتهم معا على الصلح.
ومن الجدير بالذكر أن المتهم قد يريد الاستمرار الدعوى لإثبات براءته وبناء عليه قد يرى المتهم انه جدير بالبراءة لكيدية الاتهام ويرفض الصلح[1].
والجرائم التي وردت في قانون الإجراءات الجنائية كجرائم يجوز فيها الصلح قد وردت على سبيل الحصر، لذلك لا يجوز الصلح إلا في هذه الجرائم، وقد ذكرت (المادة 18 مكرر أ) من القانون رقم 174لسنة 1998هذه الجرائم وهي الإصابة العمدية، والإصابة الخطأ، وإعطاء مواد ضارة، واختلاس الأشياء المحجوز عليها، واختلاس الأشياء المرهونة، والاستيلاء بغير نية التملك على سيارة الغير، وتناول الطعام أو الشراب في أماكن معدة لذلك دون دفع المقابل، والنزول في فندق دون دفع مقابل ذلك، واستئجار سيارة معده للإيجار دون دفع مقابل ذلك، والإتلاف، وبعض صور الحريق، ودخول عقار في حيازة الغير بغرض منع حيازته بالقوة.
ومن خلال التدقيق فيما تضمنه هذا القانون نجد أنه فرق بين التصالح الذي يتم عن طريق المتهم في بعض الجرائم، وقد حدد القانون هذه الجرائم، ولكن ليست على سبيل الحصر، بل حدد المعيار الذي من خلاله يتم التصالح، وبين الصلح الذي يستلزم أن تتفق إرادة جميع الأطراف عليه، وقد حدد القانون الجرائم التي يتم فيها الصلح على سبيل الحصر ومن ثم لا يجوز الصلح في غيرها.
ثانيًا: نظام التصالح بمقتضى قانون الإجراءات الجنائية المصري رقم 174لسنة 1998
تناول مشروع قانون الإجراءات الجنائية نظام الصلح الجنائي في (المادة 19) و(المادة 20)، وعند إقرار القانون رقم 174 لسنة 1998 أخذ بما جاء بالمادتين مع توسع محدود في نظام الصلح، وقد نص على نوعين من الصلح هما:
– التصالح في المخالفات والجنح المعاقب عليها بالغرامة فقط وفقا للمادة (18 مكرر) إجراءات جنائية.
– صلح المجني عليه مع المتهم في بعض الجنح وهو ما حددته أيضا (المادة 18 مكرر).
وقد تم تقرير التصالح كنظام جنائي باعتباره يشارك بشكل فعال في بلوغ درجة عالية من السلم الاجتماعي، ويشيع بين كافة أطياف وأفراد المجتمع مناخاً من السلام والاطمئنان، كما يحد من العداء المستحكم بين الخصوم، ويزيل أي آثار يمكن أن تتركها الخصومة في صدورهم[2].
1- التصالح في المخالفات والجنح المعاقب عليها بالغرامة فقط
جاء في (المادة 18 مكرر) من قانون الإجراءات الجنائية المصري أنه (يجوز التصالح في مواد المخالفات ومواد الجنح المعاقب عليها بالغرامة فقط).
وعند تحرير المحضر يجب على مأمور الضبط القضائي في المخالفات أن يوجه سؤالا هاما للمتهم أو وكيله وهو هل تريد الصلح أم لا؟، فإذا رغبا في الصلح فيتم دفع الغرامة ويعتبر المحضر كأن لم يكن لعدم استكمال تحريره، بينما في حالة الجنح فعلى مأمور الضبط أن يستكمل إجراءاته تجاه المتهم والمجني علي ويكون عرض الصلح من قبل النيابة العامة فقط.
وفي كل الأحوال فإن إغفال عرض التصالح على المتهم لا ينفي حقه بطلب التصالح في أي مرحلة تكون عليها الدعوى، وتنقضي الدعوى الجنائية بدفع مبلغ التصالح ولو كانت مرفوعة بطريق الادعاء المباشر ولا يكون لذلك ثمة تأثير على الدعوى المدنية.
2- شروط هذا التصالح
أ- الشروط المتعلقة بالجريمة المرتكبة
طبقاً لقانون الإجراءات الجنائية المصري فإن التصالح يجوز في الجرائم التي تندرج تحت وصف وتكييف المخالفات، وأيضاً الجنح المعاقب عليها بالغرامة فقط، وقد حددت المخالفات المعاقب عليها بالغرامة في الجرائم المعاقب عليها بغرامة لا تزيد عن مائة جنيه، وكذلك المخالفات المعاقب عليها بعقوبات تكميلية مع الغرامة المذكورة.
أما عن الجنح الجائز التصالح فيها فهي المتعلقة بالجرائم التي تقرر لها عقوبة الغرامة دون سواها، وبالتالي فإن التصالح لا ينطبق على الجنح التي تكون العقوبة المقررة لها الحبس فقط أو التي تحدد لها عقوبتي الحبس والغرامة معا، أو التي يقرر لها القانون إما عقوبة الحبس أو الغرامة[3].
كما أوضح القانون عدم جواز التصالح في حالة الجنح التي يعاقب عليها بعقوبة تكميلية مثل عقوبة المصادرة أو عقوبة الغلق بغض النظر عن كونها وجوبيه أو جوازيه مع الغرامة، وفي كل الأحوال لا يجوز التصالح في الجنايات وذلك نظرا لما تمثله من خطورة على الأمن العام وعلى المجتمع بصفة عامة.
ب- شروط آلية التصالح
تتجسد هذه الشروط في الجهة صاحبة الاختصاص في مسألة عرض التصالح على المتهم، والأثر المترتب في حالة عدم عرض الصلح من قبل المسؤول.
– وتختلف الجهة المختصة بعرض الصلح باختلاف الجريمة، ففي المخالفات يجب أن يقوم مأمور الضبط القضائي أثناء تحرير المحضر بعرض الصلح على المتهم أو وكيله، أما في الجنح فعلى النيابة العامة أن تعرض الصلح على المتهم أو وكيله، وعلى أي حال فان المشرع قد أوجب عرض التصالح بغرض أن ينتبه المتهم إليه لعله جاهلا به، وذلك رعاية لصالحه.
ج- قبول التصالح وأداء المستحق خلال المدة التي حددها القانون
قد يقبل المتهم التصالح عند عرضه عليه من قبل مأمور الضبط القضائي أو عن طريق النيابة العامة وفي هذه الحالة يجب عليه دفع المبلغ المطلوب سواء كانت مخالفة أو جنحه كما يحق للمتهم أو وكيله أن يطلب التصالح من نفسه وعليه تتحقق نفس النتيجة في أنه يلتزم بدفع ما عليه من مستحقات.
ومن الجدير بالذكر أن الدعوى الجنائية تنقضي بمجرد التصالح في أي مرحلة تكون عليها الدعوى وإن كانت منظورة أمام محكمة النقض وذلك مهما كانت طريقة رفع الدعوى سواء بطريق الادعاء المباشر أو تم تحريكها عن طريق النيابة العامة، بينما انقضاء الدعوى الجنائية لا يؤثر على سير الدعوى المدنية المرفوعة معها وهو ما حددته (المادة 259) من قانون الإجراءات الجنائية المصري.
وفي حالة التصالح قبل رفع الدعوى المدنية فان القضاء الجنائي يصبح غير مختص بنظرها ومن ثم فإنه يحكم بعدم الاختصاص وإحالتها إلى المحكمة المدنية المختصة إذا أدعى المجني عليه مدنيا أمامها.
ثالثاً: قانون رقم 145 لسنة 2006 والتوسع في تنظيم مسألة الصلح
صدر هذا القانون معدلا لأحكام قانون الإجراءات الجنائية، حيث توسع في الجرائم التي يجوز فيها الصلح سواء في مجال الجنح أو المخالفات
1- الجرائم التي يجوز فيها الصلح
أ- فيما يتعلق بالمخالفات
نصت على هذه الجرائم المواد (327 فقره 9)، (378 فقره 6،7،8)، (379 فقرة4) من هذا القانون، وهي على سبيل الحصر:
- المشاجرة أو التعدي والإيذاء الخفيف دون حصول ضرب أو جرح.
- من تسبب بإهمال في موت أو جرح بهائم أو دواب الغير.
- من ابتدر إنسانا بسبب غير علني.
- الدخول في أرض مهيأة للزرع أو مرور البهائم أو الرعي فيها.
ب- فيما يتعلق بالجنح
في معرض الحديث عن الجنح الجائز فيها الصلح سنجد أنها تتمثل في نوعين من الجرائم، وهما جرائم الاعتداء على الأشخاص، وجرائم الاعتداء على الأموال وذلك على النحو التالي:
– الجنح التي تقع على الأشخاص وأجاز القانون الصلح فيها
نظمت المواد من (المادة 238) وحتى (المادة 244) تلك الجنح وفقاً للتالي:
جرائم القتل غير العمدي البسيط، والقتل غير العمدي المقترن بظرف مشدد، والجروح والضرب إذا نشأ عنه مرض أو عجز عن الأشغال الشخصية مده تزيد عن 20 يوم، والجرح أو الضرب المقترن بسبق الإصرار أو الترصد، والضرب أو الجرح العمدي البسيط، والضرب مع استخدام عصي أو آلات أو أسلحة، والجرح أو الإيذاء غير العمدي في صورته البسيطة، والجرح أو الإيذاء غير العمدي الذي نشأ عنه عاهة مستديمة أو اقترن بظرف مشدد، وجريمة إعطاء جواهر غير قاتله نشأ عنها مرض أو عجز عن العمل.
– الجنح التي تقع على الأموال وأجاز القانون الصلح فيها
حددت المواد (321) و(323) و(324) و(336) و(340) و(341) و(342) و(358) و(360) و(361) و(369) و(370) و(371) و(373) تلك الجنح، والتي تتمثل في ذات الترتيب الوارد به أرقامها كالتالي:
العثور على شيء أو حيوان مفقود ولم يرده لصاحبه، واختلاس الأشياء المحجوز عليها قضائيا أو إداريا، والاستيلاء بغير حق وبدون نية التملك على سيارة مملوكة للغير، وتناول الطعام أو الشراب في محل معد لذلك والنزول في فندق واستئجار سيارة معده للإيجار دون دفع مقابل لهذه الخدمات، وجريمة النصب، وخيانة الأمانة ممن أؤتمن على ورقة ممضاه أو مختومة على بياض، وجريمة خيانة الأمانة، واختلاس الحارس للأشياء المحجوز عليها، وجريمة إزالة الأسوار أو نقل وإزالة الحدود بين الأملاك بقصد اغتصابها، والحريق غير العمدي الناشئ عن الإهمال، والإتلاف العمدي للأموال الثابتة أو المنقولة المملوكة للغير، ودخول عقار في حيازة الغير بقصد منع حيازته بالقوة أو بقصد ارتكاب جريمة فيه، ودخول بيت مسكون أو معد للسكنى في حيازة الغير بقصد منع حيازة هذا الغير بالقوة أو بقصد ارتكاب جريمة فيه، وجريمة التواجد في منزل مسكون أو معد للسكنى مختفيا عن أعين من لهم الحق في إخراجه، وكل من دخل أرضا زراعيه أو مباني أو بيتا مسكونا أو معدا للسكنى ورفض الخروج منه بعد التنبيه عليه.
وفيما يتعلق بكيفية الصلح ذاته فإنه يجوز الصلح في أي مرحلة تكون عليها الدعوى، ويكون عن طريق المجني عليه أو وكيله الخاص، ويترتب على الصلح انقضاء الدعوى الجنائية دون أن يتأثر مسار الدعوى المدنية بذلك وبناء عليه لا تتأثر حقوق المضرور في التعويض بالصلح.
**ولكن تم تعديل الأحكام السابقة بالقانون رقم١٦ لسنة ٢٠١٥ وهو ما نصت عليه (المادة ١٨ مكرر ب) منه، حيث أوضحت الجرائم التي يجوز التصالح فيها وكذلك إجراءات الصلح وذلك طبقاً للنص الآتي:
(يجوز التصالح في الجرائم المنصوص عليها في الباب الرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات، ويكون التصالح بموجب تسوية بمعرفة لجنة من الخبراء، يصدر بتشكيلها قرار من رئيس مجلس الوزراء، ويحرر محضر يوقعه أطرافه، ويعرض على مجلس الوزراء لاعتماده، ولا يكون التصالح نافذا إلا بهذا الاعتماد، ويعد اعتماد مجلس الوزراء توثيقا له وبدون رسوم، ويكون لمحضر التصالح في هذه الحالة قوة السند التنفيذي، ويتولى مجلس الوزراء إخطار النائب العام سواء كانت الدعوى مازالت قيد التحقيق أو المحاكمة، ويترتب عليه انقضاء الدعوى الجنائية محل التصالح بجميع أوصافها، وتأمر النيابة العامة بوقف تنفيذ العقوبات المحكوم بها على المتهمين في الواقعة، إذا تم الصلح قبل صيرورة الحكم باتا ، وكان المحكوم عليه محبوسا نفاذا لهذا الحكم، جاز له أو وكيله الخاص أن يتقدم إلى النائب العام بطلب لوقف التنفيذ مشفوعا بالمستندات المؤيدة له، ويرفع النائب العام الطلب إلى محكمة النقض مشفوعا بهذه المستندات، ومذكرة برأي النيابة العامة، وذلك خلال (10) أيام من تاريخ تقديمه، ويعرض على إحدى الدوائر الجنائية بالمحكمة منعقدة في غرفة المشورة لنظره، لتأمر بقرار مسبب بوقف تنفيذ العقوبات نهائيا إذا تحقق من إتمام التصالح، واستيفائه جميع الشروط والإجراءات المنصوص عليها في هذه المادة، ويكون الفصل في الطلب في خلال (15) يوما من تاريخ عرضه، وبعد سماع أقوال النيابة العامة والمحكوم عليهم، وفى جميع الأحوال يمتد أثر التصالح إلى جميع المتهمين أو المحكوم عليهم، دون المساس بمسئوليتهم التأديبية، ويقدم طلب التصالح من المتهم أو المحكوم عليه أو وكيله الخاص، ويجوز للأخير اتخاذ كل الإجراءات المتعلقة بإعادة المحاكمة في غيبة المحكوم عليه في الأحكام الصادرة غيابيا).
رابعاً: نظام الصلح طبقا للقانون الأردني
لم يحدد قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني الجرائم التي يجوز فيها الصلح والتصالح على سبيل الحصر كما فعل المشرع الفرنسي والمشرع المصري، رغم أنه اتفق معهما في اعتبار الصلح والتصالح من أسباب انقضاء الدعوى الجنائية.
وبالرغم من ذلك فقد نص قانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960 على هذا النظام في أحكامه وذلك وفقا لما يلي:
1- الجرائم التي يجوز فيها الصلح
اشترط المشرع الأردني في الصلح أن يكون قد تم قبل صدور حكم بات في الدعوى محل الجريمة، وقد حدد المشرع الصلح في الجرائم التي تحتاج إلى شكوى من المجني عليه.
وطبقا لما نصت عليه (المادة 52) من قانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960 فإن صفح الطرف المجني عليه عن المتهم يوقف الدعوى وكذلك يوقف تنفيذ العقوبة المحكوم بها والتي لم تكتسب الدرجة القطعية وذلك إذا كانت إقامة الدعوى تتوقف على اتخاذ صفة الادعاء الشخصي.
وبناء عليه فالجرائم التي يتوقف سيرها على شكوى المجني عليه وتنازل عنها بعد ذلك تعد سببا من أسباب انقضاء الدعوى الجنائية، ولكن نطاق هذه الجرائم محددا على سبيل الحصر في قانون العقوبات ومن ثم لا يجوز التوسع فيها أو القياس عليها ومن هذه الجرائم:
الزنا، وجرائم السفاح بين الأصول والفروع والإخوة والأخوات ومن هم بمنزلتهم شرعيين أم غير شرعيين، وجرائم الذم والقدح والتحقير وإفشاء الأسرار، وجرائم الإيذاء المقصود كالضرب والجرح وإعطاء المواد الضارة متى نجم عنها مرض أو تعطيل عن العمل مدة لا تتجاوز عشرة أيام، وجرائم خرق حرمة المنزل، وجرائم إساءة الائتمان، واستعمال مال الغير بدون حق، وجرائم السرقات بين الأصول والفروع.
ولكن رأى بعض الفقه أن الحالات السابقة تعد قيدا من قيود المشرع في تحريك الدعوى الجنائية، فهناك اختلاف بين الصلح والتنازل عن الشكوى، حيث إن التنازل عن الشكوى يتم بالإرادة المنفردة للمجني عليه أما الصلح فلابد أن يتم بتوافق إرادتي طرفي الخصومة.
ومع ذلك فقد اعتبر المشرع الأردني أن التنازل عن الشكوى نوع من أنواع الصلح بالنظر إلى أن الأثر المترتب على كل منهما واحد وهو انقضاء الدعوى الجنائية وهو الرأي الذي يؤيده غالبية الفقه.
والواقع أن المشرع الأردني قد وفق في ذلك لأن النتيجة الحتمية لكل من الصلح والتنازل عن الشكوى هي انقضاء الدعوى الجنائية وكلاً من النظامين لا يوقف طلب المضرور عن التعويض.
2- أنظمة الصلح والتصالح في التشريع الأردني
نظم المشرع الأردني الصلح والتصالح وحدد نطاقه في بعض الجرائم وهي على سبيل المثال:
أ- التصالح في جرائم التهرب الضريبي والجمركي
تضمنت (المادة 45) من قانون ضريبة الدخل الأردني رقم 57 لسنة 1958 ما يفيد أحقية مدير ضريبة الدخل في إجراء المصالحة مع المخالف لقاء الغرامة المقررة قبل صدور حكم قطعي في المخالفة.
وطبقا (للمادة 243) من قانون الجمارك رقم 57 لسنة 1983 فإنه يجوز للوزير إجراء المصالحة مع المسؤولين عن التهريب بشرط دفع مثلي قيمة البضاعة الممنوعة أو مثلي قيمة البضاعة المسموح باستيرادها.
وقد أكدت (المادة 243) من نفس القانون على أنه (تنقضي الدعوى بإجراء مصالحه عليها).
ب- الصلح في جرائم الشيكات
أجازت (المادة 421/3/أ) من قانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960 الصلح في جرائم الشيكات حيث نصت على أنه يجوز الصلح إذا أسقط المشتكي حقه الشخصي أو إذا أوفى المشتكي عليه قيمة الشيك على أن يحكم عليه بقيمة 5% من قيمة الشيك على ألا تقل عن مائة دينار حتى بعد صدور الحكم أو اكتسابه الدرجة القطعية.
ج- الصلح بموجب قانون الجرائم الاقتصادية رقم 20لسنة 2004
طبقا (للمادة 9/ب/1) من القانون السالف ذكره يجوز للنائب العام في حالة إرجاع المتهم كليا للأموال التي تحصل عليها نتيجة ارتكابه الجريمة أو إذا أجرى تسوية عليها أن يتوقف عن ملاحقة مرتكبها، وذلك بعد موافقة لجنه مكونه من رئيس النيابات العامة والمحامي العام وقاضي تمييز وسماع رأي النائب العام.
وقد أعطت (المادة 9) أيضا نفس الحق للنائب العام حيث يجوز له إجراء مصالحه مع حائز المال إذا رد المال محل الجريمة والمنافع المرتبطة به وذلك كله بعد أخذ موافقة اللجنة المشار إليها سابقا، وهوما يوضح أن هذا القانون قد أخذ بنظام الصلح كسبب من أسباب انقضاء الدعوى الجنائية.
خامساً: الخاتمة
من خلال ما استعرضناه في هذا المقال تبين لنا أن المشرع المصري في بدايات الأمر قد أخذ بنظام الصلح بصورة موسعة، ثم اتجه إلى تضييقها، وانتهى إلى العودة مرة أخرى للتوسع في الأخذ به، في حين يختلف الأمر في شأن القانون الأردني، حيث أخذ القانون الأردني بنظام الصلح الجنائي، ولكن بشكل محدود تم تضييق دور النيابة بصورة كبيرة فيه.
كتابة: د. رضا محمدين
[1] – هدى قشقوش – الصلح في نطاق قانون الإجراءات الجنائية الجديد – دار النهضة العربية – مصر – 1999 – ص 29.
[2] – يس محمد يحيى – عقد الصلح بين الشريعة الإسلامية والقانون المدني – دار الفكر العربي – مصر – 1978 – ص 23.
[3] – عبد الفتاح الصيفي – تأصيل الإجراءات الجنائية – منشأة المعارف – مصر – 2002 – ص 74.

