دور النيابة العامة في الدعوى الجزائية وإسقاطها

دور النيابة العامة في الدعوى الجزائية وإسقاطها

لطالما كانت النيابة العامة طرفا في الدعوى الجزائية، ابتداء من مرحلة التحقيق الأولي وحتى التحقيق النهائي ومن ثم إصدار القرار المناسب لكل واقعة بحسب ظروفها اكتمال أركان الجريمة فيها وذلك قبل عرض الواقعة الجرمية على القضاء.

تختلف سلطة النيابة العامة على الواقعة الجرمية بعد إحالة أوراق الدعوى الى القضاء، إذ تصبح النيابة العامة طرفا في الدعوى الجزائية في جلسة رئيسها قاض يبحث بحيادية حقيقة الجريمة ليصدر الحكم المناسب بالإدانة من عدمها، فما هي سلطة النيابة العامة في الدعوى الجزائية قبل عرضها على القضاء؟، وإلى أي مدى يمكن تتسع دائرة هذه السلطة على الدعوى الجزائية أثناء نطر الدعوى وبحثها أمام القضاء؟

أولا: ما هي النيابة العامة

ثانيا: اختصاص النيابة العامة

ثالثا: دور النيابة العامة في تحريك دعوى الحق العام

رابعا: دور النيابة العامة في الحكم بالدعوى الجزائية

خامسا: القرارات الصادر عن المدعي العام بصفته ممثلا للنيابة العامة

سادسا: تمثيل النيابة العامة في الدعوى الجزائية أمام المحكمة المختصة

سابعا: دور النيابة العامة في إسقاط دعوى الحق العام

أولا: ما هي النيابة العامة

  • النيابة العامة هي الجهة التي تنوب عن المجتمع في ملاحقة الجريمة، وتنص المادة 11 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنه: ” يتولى النيابة العامة قضاة يمارسون الصلاحيات الممنوحة لهم قانوناً وهم مرتبطون بقاعدة تسلسل السلطة وتابعون إداريا لوزير العدلية، 2. يلزم موظفو النيابة العامة في معاملاتهم ومطالبهم الخطية باتباع الأوامر الخطية الصادرة إليهم من رؤسائهم أو من وزير العدلية.
  • تتكون النيابة العامة من رئيس وأفراد الضابطة العدلية، وتنص المادة 8 من قانون أصول المحاكمات الجزائية في ذلك على أنه: ” موظفو الضابطة العدلية مكلفون باستقصاء الجرائم وجمع الاستدلالات والأدلة المادية والقبض على فاعليها وأحالتهم على المحاكم الموكول اليها امر معاقبتهم، 2. يقوم بوظائف الضابطة العدلية المدعي العام ومساعدوه ويقوم بها أيضا قضاة الصلح في المراكز التي لا يوجد فيها مدعي عام، كل ذلك ضمن القواعد المحددة في القانون “

ثانيا: اختصاص النيابة العامة

  • تختص النيابة العامة في تحريك دعوى الحق العام ومباشرتها ابتداء من مرحلة التحقيق وحتى إحالة الدعوى الى المحكمة المختصة وصدور الحكم الفاصل فيها، إذ تنص المادة 2 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنه:

“1. تختص النيابة العامة بإقامة دعوى الحق العام ومباشرتها ولا تقام من غيرها الا في الأحوال المبينة في القانون .2. وتجبر النيابة العامة على إقامتها إذا أقام المتضرر نفسه مدعياً شخصياً وفاقاً للشروط المعينة في القانون 3. ولا يجوز تركها أو وقفها أو تعطيل سيرها الا في الأحوال المبينة في القانون.”

ثالثا: دور النيابة العامة في تحريك دعوى الحق العام

  • من المتفق عليه أن النيابة العامة تختص بتحريك دعوى الحق العام، إلا أنه وفي بعض الأحيان يحدّ من هذا الاختصاص قيود وضعها قانون أصول المحاكمات الجزائية، فهنالك من الشكاوى لا تستطيع النيابة العامة تحريك دعوى الحق العام فيها إلا بتوافر شروط معينة
  • حدد قانون أصو المحاكمات الجزائية في الماد الثالثة منه القيود التي ترد على سلطة النيابة العامة وصلاحيتها في تحريك الشكوى، فمثلا في قضايا الذم والقدح والتحقير لم يتح القانون للنيابة العامة تحريك دعوى الحق العام إلا بعد تقديم شكوى من قبل المتضرر أو المشتكي شخصيا، بحيث تدور دعوى الحق العام وجودا وعدما مع شكوى المتضرر أو ما يسمى بالادعاء بالحق الشخصي.
  • تنص المادة 3/1 من قانون أصول المحاكمات الجزائية:

 أ. في جميع الأحوال التي يشترط القانون فيها لرفع الدعوى الجزائية وجود شكوى أو ادعاء شخصي من المجني عليه أو غيره لا يجوز اتخاذ إجراء في الدعوى الا بعد وقوع هذه الشكوى أو الادعاء.

ب. إذا كان المجني عليه في الجريمة لم يكمل خمس عشرة سنة أو كان مصاباً بعاهة في عقله تقدم الشكوى من له الولاية عليه. وإذا كانت الجريمة واقعة على المال تقبل الشكوى من الوصي أو القيم

ج. إذا تعارضت مصلحة المجني عليه مع مصلحة من يمثله أو لم يكن له من يمثله تقوم النيابة العامة مقامه.

د. إذا كان المجني عليه شخصاً معنوياً فتقبل الشكوى أو الادعاء الشخصي بناء على طلب خطي من الممثل القانوني للشخص المعنوي أو من ينوب عنه

رابعا: دور النيابة العامة في الحكم بالدعوى الجزائية

من البديهي أن الخصوم يلجؤون إلى حـَكَـمٍ محايد للفصل في خصومة نشأت بينهما، ولا يجوز أن يكون الحكم أحد أطراف الخصومة أو تربطه علاقة به، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالنيابة العامة، فهي أحد أطراف الدعوى الجزائية وتتخذ المركز القانوني للمشتكي، فلا يصح القول بأن للنيابة العامة تفصل في الدعوى الجزائية أو تحكم بها، لأن ذلك سيُحدث اختلالا في ميزان العدالة.

ولذلك، فقد نصت المادة 24 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على انتفاء سلطة النيابة العامة على إصدار الأحكام الفاصلة في الدعوى الجزائية، إذ جاء النص على أنه: ” 1. لا يجوز لقاض ان يحكم بالدعوى التي تولى وظيفة النيابة العامة فيها. 2. وإنما يجوز لقاضي صلح النظر في دعوى قام بالتحقيق فيها كمدعي عام، بشرط ان لا يكون اتخذ قرار ظن فيها”

تباشر النيابة العامة إجراءات التحقيق في الوقائع الجرمية التي تحال إليها من قبل أفراد الضابطة العدلية أو الواقعة الجرمية التي تحال إليها من قبل المشتكي، ومن ثم تقوم النيابة العامة بإصدار القرارات المرتبطة بالتحقيق الذي قامت به من حيث وجود الجريمة أو عدمها، ويختص المدعي العام بإصدار القرار المنسجم مع التحقيقات التي أجراها على الواقعة الجرمية المعروضة أمامه، ويكون قراره ذاك قابلا للاستئناف لدى النائب العام الذي تخضع لرقابته القرارات الصادرة عن المدعي العام.

وعليه، وكون النيابة العامة طرفا في الخصومة وممثلا عن المجتمع في دعوى الحق العام، فتغدو سلطتها وصلاحيتها في الدعوى الجزائية بالتنسيب للمحكمة المختصة بوجود واقعة جرمية وإحالة هذه الواقعة الجرمية وأطرافها الى المحكمة المختصة، ومن ثم السير جنبا الى جنب مع المشتكي في إجراءات المحاكمة، فلها أن تسمي البينة أو تصرف النظر عنها، ولها، أي للنيابة العامة، تقديم الأدلة التي تثبت وقوع الجرم.

خامسا: القرارات الصادر عن المدعي العام بصفته ممثلا للنيابة العامة

لقد أسلفنا بالذكر أن النيابة العامة ممثلة بالمدعي العام تبسط سلطتها في التحقيق بوجود واقعة جرمية من عدمها ومن ثم الإحالة الى المحكمة المختصة إذا ظهر للمدعي العام ما يشير الى وجودها، وإلا فيكون قراره بعدم الإحالة، وتنتهي دعوى الحق العام قبل وصولها للمحكمة المختصة.

يتخذ المدعي العام عند الانتهاء من التحقيق قرارات مختلفة مستندا في ذلك الى ما يظهر له من الأدلة والبراهين أثناء السير في التحقيق، وللتوسع في ذلك، انظر بحثنا في القرارات التي يصدرها المدعي العام في القضية التحقيقية، وأما القرارات فهي:

  1. قرار عدم الاختصاص أو قرار الظن أو الإحالة للمحكمة المختصة.
  2. قرار عدم الاختصاص المكاني
  3. قرار منع المحاكمة
  4. قرار إسقاط دعوى الحق العام
  5. قرار حفظ الأوراق
  6. قرار وقف الملاحقة

بحيث يستطيع المدعي العام إنهاء دعوى الحق العام عندما يظهر له الأدلة أثناء السير في التحقيق عدد وجود جريمة، فيصدر قراره بمنع المحاكمة أو حفظ الأوراق أو وقف الملاحقة.

أما عن سقوط دعوى الحق العام، فيقرر المدعي العام قراره بإسقاط دعوى الحق العام عند ثلاث حالات: الأولى في حالة تقادم دعوى الحق العام، الثانية في حالة وفاة المشتكى عليه، والثالثة، في حالة شمول الجرم بأحكام قانون العفو العام، فعند شمول الدعوى الجزائية بإحدى هذه الحالات وجب على المدعي العام إصدار قرار بإسقاط دعوى الحق العام، وهذا ما اشتملت عليه المادة 335 من قانون أصول المحاكمات الجزائية

ونلاحظ أن سلطة النيابة العامة على الدعوى الجزائية في إصدار القرارات تكون في حدود التحقيق، وتنتفي هذه السلطة عند إحالة ملف التحقيق الى المحكمة المختصة بحيث يصبح الملف التحقيقي بما فيه قرار المدعي العام بينة من بينات النيابة العامة وأدلة من أدلة الإثبات في الدعوى الجزائية أمام المحكمة.

سادسا: تمثيل النيابة العامة في الدعوى الجزائية أمام المحكمة المختصة

الأصل أن المدعي العام هو من يمثل النيابة العامة في حضور جلسات المحاكمة في الدعوى الجزائية أمام المحكمة المختصة، بحيث يمثل المدعي العام الحق العام في مواجهة المشتكى عليه أو الظنين أو المتهم، إلا أن قانون أصول المحاكمات الجزائية قد أتاح للمشتكي أو وكيله تمثيل النيابة العامة أثناء حضور الجلسات في الجنح التي تختص محكمة صلح الجزاء في نظرها وذلك لتسمية البينة والأدلة أو صرف النظر عنها ومناقشة شهود الإثبات أو الدفاع.

 إذ نصت الفقرة الأولى والثانية من المادة 167 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنه: ” 1.  في المحاكمات التي تجري أمام قاضي الصلح وغيرها التي لا يفرض القانون تمثيل النيابة العامة فيها يجوز للشاكي أو وكيله القيام بدور ممثل النيابة العامة فيها من حيث تسمية البينة وتقديمها واستجواب الشهود ومناقشة الدفاع وطلب إجراء الخبرة إن كان لها من مقتضى. 2.  في الحالات التي تقام فيها الدعوى مباشرة أمام محكمة الصلح من قبل المشتكي أو وكيله يترتب مراعاة ما يلي:
أ. على المشتكي أن يقدم لائحة شكواه متضمنة اسم وعنوان كل من المشتكي والمشتكى عليه، وبياناً موجزاً عن الفعل المسند للمشتكى عليه وتاريخ وقوعه ومع توقيع المشتكي على تلك اللائحة .
ب. على المشتكي أن يرفق بلائحة شكواه فور تقديمها قائمة بيناته التي تثبت ارتكاب المشتكي عليه الفعل المشكو منه، متضمنا أسماء شهوده، وبيناته الخطية التي تحت يده، وتحديد بيناته تحت يد الغير، وذلك تحت طائلة عدم السماح له بتقديمها في أي مرحلة لاحقة  … “

سابعا: دور النيابة العامة في إسقاط دعوى الحق العام

  • من خلال ما تقدم في بيان دور النيابة العامة في الدعوى الجزائية، يمكن القول بأن الحق العام ممثلا بالنيابة العامة طرفٌ في الدعوى الجزائية في مقابل المشتكى عليه، ويكون الحق في جانب المشتكي وحقه الشخصي في مواجهة المشتكى عليه وذلك أمام المحكمة المختصة، فهل يمكن للمدعي العام أو المشتكي إسقاط دعوى الحق العام؟ وما سلطته في ذلك؟
  • يمكن للنيابة العامة إصدار قرارها بإسقاط دعوى الحق العام أثناء السير في التحقيق وفي الأحوال سالفة الذكر
  • بعد أن تعرض الدعوى الجزائية على المحكمة، تكون المحكمة صاحبة الاختصاص في إسقاط دعوى الحق العام في الحالات التي نص عليها القانون دون ان يكون للنيابة العامة أي صلاحية في ذلك، فالمحكمة هي صاحبة الولاية العامة بموجب السلطة التي منحاها إياها القانون
  • يكون للمشتكي الذي يمثل النيابة العامة في الحالات التي أشارت اليها المادة 167 من قانون أصول المحاكمات الجزائية سلطة أساقط حقه الشخصي فقط وذلك بإعلان عدم رغبته بمجازاة المشتكى عليه وعدم ملاحقته وفق أحكام القانون ، ففي هذه الحالة اذا كان الحق العام يرتبط بالحق الشخصي وجودا وعدما ، فيسقط الحق العام مع طلب المشتكي إسقاط حقه الشخصي ، أما في الحالات التي لا يرتبط فيها الحق العام بالحقي الشخصي ، فلا أثر لسقوط الحق الشخصي على سقوط الحق العام ، الا أن إسقاط الحق الشخصي يعتبر سببا مخففا للعقوبة التي يفرضها الحق العام
  • وقد حصر التشريع الاردني الجرائم المرتبطة بالحق الشخصي وجودا وعدما وهي على النحو الآتي: الزنا، وجرائم السفاح بين الأصول والفروع والإخوة والأخوات ومن هم بمنزلتهم شرعيين أم غير شرعيين، وجرائم الذم والقدح والتحقير وإفشاء الأسرار، وجرائم الإيذاء المقصود كالضرب والجرح وإعطاء المواد الضارة متى نجم عنها مرض أو تعطيل عن العمل مدة لا تتجاوز عشرة أيام، وجرائم خرق حرمة المنزل، وجرائم إساءة الائتمان، واستعمال مال الغير بدون حق، وجرائم السرقات بين الأصول والفروع.

إعداد المحامي مؤيد الذنيبات

Scroll to Top