قاعدة السؤال مُعاد في الجواب

السؤال مُعاد في الجواب

تناول القانون المدني الأردني بعض القواعد الهادية والهامة والتي يحتاج إليها في تفسير العقود وفي القضاء والمعاملات ويستعان بها حينما لا يكون هناك نص خاص في العقد أو في القانون وهذه القواعد مستقاة من أحكام الشريعة الإسلامية، ومن هذه القواعد الفقهية قاعدة (السؤال مُعاد في الجواب) والحكم بهذه القاعدة مقتضى لغوي لا خلاف فيه، ويجري العمل بها في مختلف أبواب المعاملات، وتستهدف هذه القاعدة تفسير الاتفاقات والالتزامات والإقرارات التي تصدر عن الأفراد، وسد منافذ التلاعب للرجوع فيها عن طريق التحايل والخداع، وسوف نتناول في مقالنا مفهوم تلك القاعدة، وشروط انطباقها، وبعض الأمثلة عليها، والاستثناءات الواردة عليها، وذلك من خلال النقاط الآتية:

أولا: مفهوم القاعدة:

ثانيا: شروط تطبيق القاعدة:

ثالثا: تطبيقات وأفرع القاعدة:

رابعا: بعض الأمثلة على القاعدة:

خامسا: بعض القيود الواردة على القاعدة:

سادسا: أثر انطباق القاعدة:

سابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن القواعد الموضوعية في الإثبات:

أولا: مفهوم القاعدة:

قاعدة (السؤال مُعاد في الجواب) هي قاعدة فقهية تم النص عليها في (المادة 234) من قانون المعاملات المدنية، والمقصود من هذه القاعدة إنه إذا طرح سؤال مفصل، وورد الجواب بإحدى الأدوات المجملة، كنعم، وبلى ( ويأخذ حكمهما – أجل، لا ) فيعتبر الجواب مشتملاً على ما في السؤال من تفصيل، لأن مدلول هذه الأدوات يعتمد على ما قبلها، ويكون جميع ما ورد في السؤال موجوداً في الجواب ولو لم يكرره.[1]

فالخطاب الوارد يكون سؤالاً لسائل يستدعي جواباً، وهذا الجواب غير مستقل بنفسه، بل يتبع السؤال في عمومه وخصوصه، حتى كأن السؤال معاد فيه ومكرر ضمنه.[2]

– الفرق بين لفظي نعم، وبلى عند الإجابة على السؤال المفصل:

 1 – أن الجواب بـ ( نعم ) تصديق لما قبلها إثباتاً كان أو نفيا:

مثال: قول القائل: هل تبيعني هذا المنزل على ثلاثمائة ألف درهم؟ فأجاب الأخر ( نعم ). فجوابه تصديق للسؤال بمعنى أن إجابته ( نعم أبيعك هذا المنزل على ثلاثمائة ألف درهم).

– وإذا قال القائل: ألست القائل كذا وكذا؟ فأجاب الأخر ( نعم ). فجوابه تصديق للنفي، بمعنى أن إجابته ( نعم لست أنا القائل كذا وكذا ).

2 – أن الجواب بـ ( بلى ) يأتي في جواب النفي للإثبات:

مثال: قول القائلة: ألست بزوجتك؟ فأجاب الأخر ( بلى ). فجوابه بنفي النفي إثبات، بمعنى أن إجابته ( نعم أنتِ زوجتي ).

– ونقل عن ابن عباس – رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام)، جواب قوله تعالى: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)، قال لو قالوا: ( نعم ) لكفروا، أي لأن ( نعم ) لتصديق الكلام مثبتاً أو منفياً، و( بلى ) لإيجاب ما بعد النفي استفهاماً كان أو خبراً.

مع ملاحظة أن المعمول به في أحكام الشرع يتم الرجوع فيه للعرف السائد بين الناس، ذلك لأن الأفراد العاديين غالبا لا يكونوا على دراية كافية بقواعد اللغة العربية.

والحكمة من إقرار هذه القاعدة هو ما تعارف عليه الناس من الإجابة على الأسئلة إجمالا، وعدم تكرار لتفاصيل الأسئلة المطروحة عليهم، ومن ثم جاءت القاعدة لسد منافذ التلاعب للرجوع في الاتفاقات أو التعهدات عن طريق التحايل والخداع، حيث انه يلجأ إلى تلك القاعدة عادة في تفسير الاتفاقات والعقود بين الأفراد بعضهم البعض.

ثانيا: شروط تطبيق القاعدة:

الشرط الأول: أن يصدر عن طرف ما سؤال مفصل:

ومعنى السؤال: استدعاء معرفة، أو ما يؤدي إلى المعرفة، وهو طلب الاستفهام والاستخبار.

الشرط الثاني: أن يجيب الطرف الأخر على هذا السؤال بأحد الأدوات المجملة:

ومعنى الجواب: مشتق من جاب الفلاة إذا قطعها، وسمي الجواب جواباً لأنه ينقطع به كلام الخصم، وهو يكون تارة بـ ( نعم)، و(أَجل)، و(بلى)، وتارة بـ (لا).

وقد تكون الإجابة المجملة بنعم أو بلى عن طريق اللفظ القولي أو الكتابة والإشارة المعهودة عرفا ولو من غير الأخرس وذلك وفقا لما تقضي به (المادة 93) من القانون المدني.

ولابد وان يكون الجواب غير مستقل بنفسه بحيث لا يحصل الابتداء به، فإذا تحقق ذلك كان الجواب تابعا للسؤال في عمومه وخصوصه، حتى كأن السؤال معاد فيه، فإن كان السؤال عاما كان الجواب عاما، وإن كان خاصا فخاص.

الشرط الثالث: أن تصدر الإجابة بذات المجلس المطروح فيه السؤال:

فيجب أن تتصل الإجابة المجملة بالجواب المفصل في ذات المجلس، وفي هذا قضت محكمة استئناف عمان في القضية رقم 2202 لسنة 2019 بأنه: ( وفقا لمقتضى المواد (234 و 241) من القانون المدني فإنه يشترط لوقوع الإقالة اتفاق الإيجاب والقبول في مجلس العقد وإذ كان العقد بين الطرفين هو عقد صحيح لازم لا تتم إقالته إلا برضاء العاقدين واتفاق الإيجاب والقبول في ذات مجلس العقد).

الشرط الرابع: أن يكون العرف السائد بين الناس موافق لمعنى تلك الإجابة:

وقد سبق وأن ذكرنا أن أحكام الشرع يتم الرجوع فيها للعرف السائد بين الناس، وذلك لعدم دراية غالبية الأفراد بقواعد اللغة العربية.

– ويراعى في تطبيق هذا الشرط:

ما ورد بنص المادة (214) من القانون المدني من أن ( العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني ).

وما ورد بنص المادة (239/2 ) من القانون المدني من انه ( إذا كان هناك محل لتفسير العقد فيجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ مع الاهتداء في ذلك بطبيعة التعامل وبما ينبغي أن يتوافر من أمانة وثقة بين المتعاقدين وفقا للعرف الجاري في المعاملات.

وما ورد بنص المادة (240) من القانون المدني من أن ( يفسر الشك في مصلحة المدين ).

بمعنى أنه عند الاختلاف على مدلول الإجابة المجملة عرفا، فيجب الرجوع إلى النية الخاصة بالمجيب وفقا للعرف الجاري في المعاملات، ويفسر الشك لمصلحة المجيب إذا صرح بان نيته كانت تتجه لكذا أو كذا.

وذلك أنه قد يلفظ البعض ببعض الكلمات التي تحمل مقصد لفظ نعم أو بلى وفقا للمتعارف بينهم، مثال ما يلفظ به المصريون من كلمة ( أيوه، ماشي ) بديلا عن كلمة ( نعم ).

ثالثا: تطبيقات وأفرع القاعدة:

1- مسائل الإقرار :

أ- إذا قيل لشخص: هل بعت دارك؟ فقال: نعم. كان ذلك إقراراً ببيع الدار كأنه قال: نعم لقد بعت داري.

ب- إذا قيل لشخص:‏ لي عندك كذا‏;‏ فقال‏:‏ نعم‏,‏ أو ليس عليك كذا‏,‏ فقال أجل في الصورتين‏,‏ فهو إقرار بما سأله عنه‏.‏

جـ – إذا سئل إنسان: لفلان عليك كذا وكذا بسبب كذا؟ فأجاب: نعم، كان مقرًّا بكل ما ورد في السؤال.

د- إذا سُئل إنسان: أليس له عليك كذا؟ فأجاب: بلى، كان مقرأ بجميع ما ورد في السؤال، ولو لم يكرره.

هـ – ولو قيل لشخص‏:‏ لي عليك مائة‏؟‏ فقال‏:‏ إلا درهما‏,‏ ففي كونه مقرا بما عدا المستثنى وجهان أصحهما‏:‏ المنع‏;‏ لأن الإقرار لا يثبت بالمفهوم‏.‏[3]

2- مسائل الطلاق:

أ- فإذا قال الزوجة لزوجها أنا طالق؟ فقال نعم، تطلق.

ب- إذا قيل للزوج ألست طلقت امرأتك؟ قال بلى . طلقت لأنه جواب الاستفهام بالإثبات. ولو أنه قال إجابة لذات السؤال: ( نعم لا ) فكأنه قال نعم ما طلقت.

جـ – إذا قالت الزوجة لزوجها: طلقني بألف، فقال: طلقتك، وقع الطلاق بالألف، وإن لم يذكر المال في الأصح؛ لأن السؤال معاد في الجواب.[4]

د – إذا قالت الزوجة لزوجها: احلف على فقل أنت طالق ثلاثا إن أخذت هذا الشيء، فقال الزوج آنت طالق ثلاثا ولم يزد، فيثور التساؤل هل يتضمن الجواب إعادة ما في السؤال فيكون تعليقا، أم يكون تنجيز؟ والإجابة بأنه يكون تنجيز.[5]

3- مسائل الإيمان:

أ – فإذا قيل لشخص: فعلت كذا أمس؟ فقال نعم. فقال السائل: والله فقد فعلتها؟ فقال نعم. فهو حالف، بمعنى أن تقدير قوله هو: والله قد فعلت كذا وكذا.[6]

رابعا: بعض الأمثلة على القاعدة:

1- إذا قيل لشخص: بعتك بألف، فقال: اشتريت، صح بألف في الأصح.[7]

2- إذا قيل لشخص: ألم تقتل فلاناً؟ فأجاب: بلى. كان مقراً بالقتل.

3- إذا باع شخص فضولي مالاً من أخر، وبلغ صاحب المال، وحينما بلغه الخبر قال: رضيت، فيعتبر قوله: رضيت، إذناً وصح البيع.[8]

4- إذا قال شخص لأخر: قد بعتك داري بكذا مبلغا أو أجرتك دكاني بكذا بدلا، وأجابه بقوله نعم، فيكون ذلك قبولا منه بالبيع والإجارة، ويكون البيع والإجارة منعقدين.

5 – إذا قال شخص لشخص مريض: هل أوصيت بثلث مالك ليصرف في وجوه البر والإحسان، وهل نصبتني وصيا لتنفيذ وصيتك هذه؟ وأجابه بكلمة: أوصيت أو فعلت، فيكون قد أوصى بذلك المال ونصبه وصيا.[9]

خامسا: بعض القيود الواردة على القاعدة:

1- إذا قال القائل: زوجتك بنتي، فقال: قبلت، لم يصح، حتى يقول: قبلت نكاحها أو تزويجها، لأن السؤال غير معاد في الجواب في باب النكاح، وهذا بخلاف ما لو قال: زوجتكها بألف فقال: قبلت نكاحها، فإنه يصح لكنه بمهر المثل.

2 – إذا كان لا يقصد بالجواب الابتداء، فإذا قيل لشخص: بعتك بألف، فقال: اشتريت، ثم قال المشتري: لم اقصد بقولي ( اشتريت ) جواب سؤالك، فالظاهر القبول، أي قبول قول المشتري، فلا يلزمه الألف ولا يصح البيع.[10]

سادسا: أثر انطباق القاعدة:

يترتب على الجواب وفقا للأسس والشروط السابقة التزام المجيب بما تضمنه الكلام السابق ( أي السؤال ) إذا تعين أنه الجواب ووقع تصديقا للكلام السابق، لأنه حينئذ يعتبر إقرارا بما تضمنه الكلام السابق، وذلك وفقا لمضمون القاعدة باعتبار أن السؤال معاد في الجواب، بمعنى أن ما قيل في السؤال المصدق كأن المجيب المصدق قد أقر به، ويتفق الفقه على أن ألفاظ ( نعم، أجل، بلى ) تعتبر جوابا وتصديقا لما تضمنه السؤال، وتكون الإجابة بهذه الألفاظ إقرارا واعترافا بما جاء فيه، لأن هذه الألفاظ من صيغ الإقرار الصريحة، ولأن الجواب بها لا يستقل بنفسه، أما إذا كان الجواب غير ذلك بأن كان مما يستقل بنفسه، ففيه احتمالات الإنشاء والإخبار، ويرجع في تفسيره غالبا إلى النية أو إلى القرائن، ومن هنا يختلف الفقهاء في اعتباره جوابا ملزما بما تضمنه الكلام السابق أو غير ملزم.[11]

سابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن القواعد الموضوعية في الإثبات:

ورد في حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 439 لسنة 2009:

وفي الموضوع ورداً على سببي التمييز: والذي يقوم على تخطئة محكمة الاستئناف عندما تجاهلت أن المميز ضده عدل عن الإجابة الأولى وسقطت إجابته الأولى بإجابته الثانية.

ومن أوراق الدعوى تجد محكمتنا أن الخبرة الفنية والتي أجرتها محكمة الدرجة الأولى وتم بمقتضاها بتفريع ما ورد في القرص المدمج ( C.D ) والذي تضمن المكالمة الهاتفية التي جرت بين المميز ضده والمذيعة لدى المميزة نجد أن المميز ضده قال : يعني 2530 وعندها ذكرت المذيعة الرقم 2535 وذكر المميز ( محمد ) حكيت أنا 2530 مش 2535 بينما نجد المذيعة تقول : قلت 35 محمد.

مما سبق نجد أن المميز ضده ذكر الرقم 2530 ولم يذكر 2535 إلا لنفي ما ذكرته المذيعة وعليه فإن إجابة المميز ضده كانت صحيحة ولم يسقطها بإجابة ثانية الأمر الذي يجعل ما ورد بهذا السبب مخالف لواقع المكالمة الهاتفية مما يتوجب رده.

والذي ينصب على تخطئة محكمة الاستئناف لعدم تعرضها لما ورد في لائحة الاستئناف والرد عليها بكل وضوح وتفصيل .

وبالرجوع إلى لائحة الاستئناف نجد أنها تضمنت السبب الأول وفيه تعالج المميزة الإجابة الصحيحة وما ذكرته المذيعة ونجد أن محكمة الاستئناف ردت على هذا السبب بكل إيضاح وتفصيل وكان ردها رداً قانونياً محكماً.

إعداد/ أكرم محمد محمود المحامي.

[1] محمد مصطفى الزحيلي، القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة ج1، ص 384.

[2] محمد صدقي آل بورنو، كتاب موسوعة القواعد الفقهية، ص 290.

[3] السيوطي، الأشباه والنظائر في فقه الشافعية، ص 5.

[4] اللحجي، إيضاح القواعد الفقهية، ط 2013، ص 142.

[5] ابن نجم، الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة، مجلد 9، ص 129.

[6] ابن نجم، الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة، مجلد 9، ص 128 : 129.

[7] اللحجي، إيضاح القواعد الفقهية، ط 2013، ص 142.

[8] محمد صدقي آل بورنو، كتاب موسوعة القواعد الفقهية،  ص 291.

[9] على حيدر درر، الحكام في شرح مجلة الأحكام، ص 66.

[10] اللحجي، إيضاح القواعد الفقهية، ط 2013، ص 143.

[11] مجموعة من المؤلفين، الموسوعة الفقهية الكويتية ج 16، ص 213.

Scroll to Top