مواصفات القاضي الشرعي في الشريعة الإسلامية والقانون

مواصفات القاضي الشرعي في الشريعة الإسلامية والقانون

اتفقت المذاهب الفقهية في مواصفات القاضي على شروط واختلفوا في أخرى، فالشروط المتفق عليها أن يكون القاضي بالغًا عاقلاً مسلماً حرًا ناطقاً سميعًا بصيرًا، والشروط المختلف فيها هي شروط متعلقة بالعدالة والذكورة والاجتهاد، وقد اتفق المشرع الأردني مع الفقه الإسلامي في غالب ما توجه إليه واختلف معه في قليل من الشروط وسنتناول ذلك تفصيلاً، ولكن قبل ذلك فضلنا التعرض سريعاً لبعض الأسئلة المهمة وذلك على النحو التالي:

أولا: من يكون له حق تعيين القاضي؟

ثانيا: ما هي الحكمة من القضاء؟

ثالثا: ما حكم قبول القضاء وطلبه في زماننا الحالي؟

رابعا: شروط القاضي فقها وقانونا:

خامسا: الشروط المستحبة

سادسا: الخاتمة

أولاً: من يكون له حق تعيين القاضي؟

لخطورة هذا المنصب وأهميته فقد اتجه فقهاء المسلمين أن تكون مهمة تعيين القاضي من اختصاصات رئيس الدولة في الإسلام، ونجد ذلك مثالاً فيما جاء في حاشية ابن عابدين حيث قال: ” أن ولاية القضاء لا تستفاد إلا من السلطان أو نحوه، حتى لو اجتمع أهل بلد على تولية أحد القضاة لم يصح”.

وعن المملكة الأردنية الهاشمية فقد نص قانون تشكيل المحاكم الشرعية رقم 19 لسنة 1972 في (المادة 4) على الآتي: ” أ‌. يجري تعيين القضاة وترفيعهم في وظيفة القضاء بقرار من المجلس وإرادة ملكية تنشر في الجريدة الرسمية .

ب‌. يقسم القضاة عند تعيينهم وقبل مباشرتهم وظائفهم اليمين التالية أمام الرئيس :

(اقسم بالله العظيم أن أكون مخلصاً للملك وأن أحكم بين الناس بالعدل وأن أحترم القوانين وأؤدي وظائفي بكل إخلاص وأن ألتزم سلوك القاضي الصادق الشريف) “.

ويُفهم مما سبق أن مهمة تعيين القضاة هي لولي الأمر أو لمن أنابه عنه القيام بذلك، مثل قاضي القضاة في العصر العباسي دون تنسيب إلى ولي الأمر على سبيل المثال، ووجهة نظرنا أن استصدار تنسيب من ولي الأمر في عصرنا الحالي هو أمر ضروري بغية الحيطة في اختيار الأنسب والأجدر.

ثانياً: ما هي الحكمة من القضاء؟

لما كانت الحكمة من القضاء هي إحقاق الحقوق ورد المظالم إلى أهلها والقصاص العادل من المجرمين والمعتدين لإسداء السلام على المجتمع، ولا يُمكن أن يتحقق ذلك بدون وجود قضاة ذو كفاءة عالية وهمة وضمير يقظ وعلم قوي.

ومهما كان من تطور ظاهر للمجتمعات الإنسانية إلا أنه لا يخلو مجتمع من النزاعات ولما كان الإنسان مدني بطبعه يحتاج للناس ويحتاجه الناس فمن الوارد وفقاً لذلك أن يحدث النزاع وسوء الفهم، فيكون القضاء بذلك هو المرجع لفض النزاعات التي قد تنشأ بين أفراد المجتمع.

ثالثاً: ما حكم قبول القضاء وطلبه في زماننا الحالي؟

يرجح البعض البعد عن تولي منصب القضاء في زماننا الحالي بحجة فساد أهل هذا الزمان وهم في ذلك يحتجون بموقف الإمام أبي حنيفة وغيره من المواقف ذات الشبه فقد عرض عليهم القضاء ولم يقبلوه.

ولكن يرد على بعضهم بأن رفض أبي حنيفة تولي القضاء في عصره إنما هو أمر يرجع إلى رأيه وموقفه من حكام عصره، لا لرأيه في من تولى منصب القضاء بوجه عام من حيث أهميته وحكمه، وقد تولى القضاء أشهر تلاميذ أبي حنيفة مثل محمد ابن الحسن وأبي يوسف، وبالتالي فإن القبول أو الرفض أمر يرجع للأشخاص بحسب الظروف والأحوال الخاصة لكل منهم على حدة.

فإننا نرى أنه إذا كان الشخص المعروض عليه ولاية القضاء تتوافر فيه الصفات الضرورية وشروط ولاية القضاء المتعارف عليها، فيتعين عليه أن يقبل تولي القضاء، لأنه في تلك الحالة يكون فرض عين عليه، وهذا في حالة عدم وجود أحد غيره، وهذا أمر اتفق عليه فقهاء المسلمين

أما في حالة وجود شخص ذو كفاءة ممن تتوافر فيهم شروط القاضي، مثل أن يستشعر الشخص أن لديه مقدرة على ذلك فإن عليه أن يتقدم للمسابقة القضائية لتعيين القضاة لأنه كما نعلم فإن تعيين القضاة في المملكة الأردنية الهاشمية تتم من خلال مسابقة تجريها دائرة قاضي القضاة كما ورد في قانون تشكيل المحاكم الشرعية رقم 19 لسنة 1972 في (المادة 3) فقرة (ب) من القانون المعدل لتشكيل المحاكم الشرعية حيث ورد في نص المادة الآتي: ” ب. مع مراعاة.

أحكام الفقرة (أ) من هذه المادة ، لا يجوز تعيين أي شخص في وظيفة قاض لأول مرة إلا بعد اجتيازه المسابقة القضائية ويكون القاضي في هذه الحالة معيناً تحت التجربة لمدة ثلاث سنوات وللمجلس بعد ذلك تثبيته أو إعادته إلى وظيفته الكتابية أو الاستغناء عن خدمته حسب مقتضى الحال”.

أما فيما يتعلق بموضوع المقال الرئيسي ألا وهو مواصفات وشروط القاضي فسوف نوضحه على النحو التالي:

رابعاً: شروط القاضي فقهًا وقانونًا:

الشرط الأول: شرط الإسلام:

فالكافر لا يجوز له أن يتولى منصب قضائي وذلك مما اتفق الفقهاء عليه وذلك لقوله تعالى: ” ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا”، فلا ولاية ولا قضاء لغير المسلم على المسلم، وبالتالي يشترط الإسلام في القاضي، وذلك لأن المسلم يعلم شرع الله ودرسه بعلم ويقين وذلك بعكس الكافر.[1]

وقديمًا كان يجري العمل في النظام القضائي الأردني على جواز تولي غير المسلم القضاء، بيد أنه في المحاكم الشرعية فمن الجانب العملي لا يتولى القضاء فيها إلا المسلم، ولكن بعد أن تم تعديل القانون وخصوصاً فيما جاء في نص (المادة 3) من قانون تشكيل المحاكم الشرعية، فقد أصبح لا يجوز تولي غير المسلم لمنصب القضاء، فقد جاء في نص المادة السالفة الذكر ما يلي :”

أ . يشترط فيمن يتولى القضاء الشرعي ما يلي :

  1. أن يكون مسلماً أردنياً متمتعاً بالأهلية الشرعية والمدنية الكاملة”.

ويستنتج مما سبق بيانه أنه لا يحق للمسيحي وفق ما جاء في التنظيم القضائي الأردني أن يتولى القضاء إذا تقدم للمسابقات القضائية المعلنة.

الشرط الثاني: البلوغ والعقل:

يشترط في القاضي بحسب اتفاق العلماء البلوغ والعقل، فالصغير المميز لا يجوز قضاؤه لأنه غير مكلف، كما أن تصرفاته بحق نفسه لا يمكن أن تنعقد أو تكون سارية، فهي كذلك لا تنعقد بحق غيره، وكما أن شهادة الصغير لا تقبل فكذلك يكون قضاؤه غير مقبول، ويُفهم بناءً على ذلك أنه لا يصح كذلك ولاية المجنون أو السفيه للقضاء.

ويُمكن أن نضيف لصفات العقل صفات أخرى ذكرها الماوردي وهي: “لا يكتفي فيه بالعقل الذي يتعلق به التكليف من علمه بالمدركات الضرورية، حتى يكون صحيح التمييز، جيد الفطنة، بعيداً عن السهو والغفلة، يتوصل بذكائه إلى إيضاح ما أشكل وفصل ما أعضل”.[2]

وقد جاء في نص (المادة 1794) من مجلة الأحكام العدلية ما يلي: “يلزم أن يكون الحاكم 1785 مقتدرًا على التمييز التام، بناءً عليه لا يجوز قضاء 1782 الصغير 943 والمعتوه 945 والأعمى والأصم الذي لا يسمع صوت الطرفين القوي”.

وجاء في (المادة 3) من قانون تشكيل المحاكم الشرعية في الأردن الفقرة (أ) ما يلي : “

أ . يشترط فيمن يتولى القضاء الشرعي ما يلي :

  1. أن يكون قد أكمل السابعة والعشرين من عمره على الأقل وتتوافر فيه الشروط الصحية للتعيين”.
    ومبررات ذلك لأهمية عمر القاضي حتى يكون اكتسب من الخبرة والحنكة حدها الأدنى بما يؤهله من ممارسة عمله بإتقان.

وأما الحكمة من اشتراط اللياقة الصحية وذلك لأن قضاء القاضي وهو مريض يؤثر سلبياً على قراراته ويجعله يشعر بالغضب، وضعف التركيز ،والوهن، والضعف.

الشرط الثالث: الحرية:

اتفق علماء المسلمين على ضرورة أن يكون القاضي حراً[3] وكما هو معروف فالقضاء منصب ديني وهو من أعظم الولايات، والعبد غير مكتمل الإرادة لأنه ناقص بالرق والذي ليس له أهلية الشهادة لا يكون أهلاً للقضاء.

وقد اختلف الفقهاء في جواز تولية العبد القضاء فقد أجاز ابن حزم تولية العبد القضاء، وذلك لأنه مخاطب بالنهي عن المنكر وبالأمر بالمعروف، وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز تولية العبد القضاء، إلا أنه لا حجة لأهل هذا القول، وذلك لأن الحكم بالعدل والأمر بالحكم بالعدل أمر متوجه للرجل والمرأة والحر والعبد كل على السواء، وقد صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: أطع الإمام ولو كان عبداً مجدعاً.

وهذا الشرط متحقق بشكل ضمني في قانون تشكيل المحاكم الشرعية الأردني وفق (المادة 3) حيث جاء في الفقرة (أ) ما يلي:

أ . يشترط فيمن يتولى القضاء الشرعي ما يلي:

  1. أن يكون مسلماً أردنياً متمتعاً بالأهلية الشرعية والمدنية الكاملة.

ومما لا شك فيه تعليقاً على النص السابق أن العبد لا يكون متمتعا بالأهلية المدنية أو الشرعية الكاملة.

ويتضح لنا من خلال النص السالف بيانه أن تمتع الفرد بالأهلية الشرعية والمدنية ما هو إلا تعبير عن تمتعه بالحرية.

الشرط الرابع: سلامة الحواس من البصر والنطق والسمع:

مما يشترط به في القاضي أن يكون سليم البصر حتى يتمكن من التعرف على المدعي عليه والمدعي ويميز بينهما، وكذلك ليميز بين المتخاصمين، وليعرف صاحب الحق من صاحب الباطل، ومن ثم نفهم لماذا لا يجوز ولاية الأعمى للقضاء بحسب اتفاق جمهور الفقهاء.[4]

أما عن النطق فليس على الأخرس ولاية على القضاء وذلك لعدم مقدرته على النطق بالأحكام، ولما كان القضاء يستلزم من الهيبة والوقار فإن عدم صحة الحواس يفقد كثيراً من تلك الهيبة، واشتراط النطق هو أمر أقره الحنابلة والحنفية وأكثر الشافعية.

أما عن السمع فلا يمكن لقاضي أن يحكم بالعدل إلا بعد أن يسمع كلام كل من المدعي والمدعى عليه ويسمع كذلك شهادة الشهود ليتمكن من تمييز صاحب الحق من صاحب الباطل وإلا فالأصم لا يمكن له أن يميز ذلك، فشرط السمع في القاضي متفق عليه عند جمهور الفقهاء وذلك لضمان صحة الأحكام ودقتها.[5]

وبالرجوع لقانون تشكيل المحاكم الشرعية المشار إليه فيما سبق نجد أنه قد نص على ذلك ضمنيا فيما ذكر في نص (المادة 3) من لزوم أن يتمتع القاضي باللياقة الصحية واللياقة الصحية لا شك أنها تشمل سلامة الحواس جميعها.

الشرط الخامس: الكتابة:

اختلف الفقهاء في اشتراط الكتابة في القاضي، فمنهم من أجاز ذلك لأن القاضي يحتاج أن يكتب لنفسه ويكتب إليه ويكتب لغيره فإذا قرأ عليه شيء ربما حرف لمصلحة شخص ما إذا لم يعلم القاضي الكتابة، أما الفئة التي لم تجيز شرط الكتابة في القاضي فقد عللت ذلك بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان أميًا، ولكن رد عليهم بأن عدم الكتابة عند النبي كانت معجزة لا يقاس عليها بشر آخر فهي في حق غيره منقصه.[6]

أما وفق القانون الأردني فنجد أن (المادة 3) و(المادة 3مكرر) من قانون تشكيل المحاكم الشرعية وتعديلاته قد نصتا في كل فقراتها بما يحوي هذا المعنى ويؤكده، فقد نصت (المادة 3) على ما يلي:

أ . يشترط فيمن يتولى القضاء الشرعي ما يلي:

….٣. أ. أن يكون حاصلاً على الشهادة الجامعية الأولى على الأقل في القضاء الشرعي أو الفقه الإسلامي وأصوله ، أو

ب. أن يكون حاصلاً على شهادة من كلية الدعوة أو كلية أصول الدين وعين في المحاكم الشرعية وعمل كاتبا فيها قبل صدور هذا القانون ، أو

  1. أن يكون قد مارس الأعمال الكتابية لدى المحاكم الشرعية مدة لا تقل عن ثلاث سنوات بعد حصوله على الشهادة الجامعية الأولى.

ج. أن يكون حاصلاً على الشهادة الجامعية الأولى في الدراسات الإسلامية أو الشرعية وعين في المحاكم الشرعية وبدأ عمله فيها كاتباً قبل عام 2008 ولا زال على رأس عمله.

الشرط السادس: العلم:

فيرى فقهاء المسلمين حرمة تولي الجاهل القضاء ذلك لأن القاضي الجاهل لا يقل فساداً عن القاضي الظالم لأن كلاهما يُمكن أن يعطيا الحق لمن لا حق له[7] وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: ” قاضيان في النار، وقاض في الجنة، قاض عمل بالحق في قضائه فهو في الجنة وقاض علم الحق فجار متعدياً فذلك في النار، وقاضي قضى بغير علم واستحيا أن يقول لا علم فهو في النار”.

والتنظيم القضائي الأردني اهتم بشرط العلم فقد أشار لهذا الشرط في قانون تشكيل المحاكم الشرعية السالف ذكره في (المادة 3) في الفقرة (ج) حيث جاء فيها ما يلي:

ج. أن يكون حاصلاً على الشهادة الجامعية الأولى في الدراسات الإسلامية أو الشرعية وعين في المحاكم الشرعية وبدأ عمله فيها كاتباً قبل عام 2008 ولا زال على رأس عمله.

ووفق ما جاء بالمادة (٣) مكرر فقرة (د) أنه:

د‌. على الرغم مما ورد في البند (4) من الفقرة (أ) والفقرة (ب) من المادة (3) والمادة (34) من هذا القانون ، يجوز للمجلس أن يعين بعقد سنوي قاضياً، أو أكثر، في المحكمة العليا الشرعية يتمتع بالكفاءة العلمية والخبرة العملية ممن سبق له وأن عمل قاضياً شرعياً مدة لا تقل عن خمس عشرة سنة منها ثلاث سنوات في محاكم الاستئناف الشرعية أو ممن عمل قاضياً شرعياً وزاول مهنة المحاماة الشرعية معاً مدة لا تقل عن خمس وعشرين سنة أو ممن زاول مهنة المحاماة الشرعية مدة لا تقل عن ثلاثين سنة.

وهناك شروطاً أخرى مختلف عليها فقهًا وقانونًا سنبينها فيما يلي:

الشرط الأول: العدالة:

“وهي معتبرة في كل ولاية، والعدالة أن يكون صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفًا عن المحارم، متوقياً المأثم، بعيداً عن الريب، مأمونًا في الرضا والغضب، مستعملًا لمروئه مثله في دينه ودنياه، فإذا تكاملت فيه، فهي العدالة التي تجوز بها شهادته، وتصح معها ولايته…”[8]

وأما جمهور الفقهاء فهو يشترط العدالة في القاضي فلا يُمكن تولية الفاسق لأمر القضاء[9] ودليل ذلك قوله تعالى في سورة الحجرات: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ”.

والاستدلال من الآية هنا أن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالتبين من قول الفاسق وبالتالي فلا يجوز أن يكون القاضي أو من يحكم ممن لا يقبل قوله، ويتعين التبين عند حكمه، فكيف يمكن أن يكون الفاسق قاضياً رغم أنه لا يجوز له أن يكون قاضيًا؟

ونرجح أن اعتبار العدالة كشرط حتى تنعقد الولاية هي الأصح والأولى، وهو ما أخذ به جمهور الفقهاء، فالعدالة من الأمور المعتبرة والقضاء هو أعظم الولايات وسبيل الأمانات وذلك لطبيعته الخاصة بحيث أن أحكامه يتعين أن تتصف بالمصداقية والدقة والحيادية، والفاسق لا يؤتمن فكيف نثق في أحكامه؟

والتنظيم القضائي في الأردن أكد على ضرورة توافر العدالة في القاضي وفق ما جاء في (المادة 3) فقرة (أ):

أ . يشترط فيمن يتولى القضاء الشرعي ما يلي:

  1. أن يكون حسن السيرة والسمعة وأن لا يكون قد حكم عليه بأي جناية (عدا الجرائم السياسية ) أو بجنحة مخلة بالشرف وأن لا يكون محكوماً عليه من محكمة أو مجلس تأديبي ولو رد إليه اعتباره أو شمله عفو عام.

وجاء أيضاً في (المادة 3 مكرر) فقرة (د) أنه:

” د‌. على الرغم مما ورد في البند (4) من الفقرة (أ) والفقرة (ب) من المادة (3) والمادة (34) من هذا القانون، يجوز للمجلس أن يعين بعقد سنوي قاضياً، أو أكثر، في المحكمة العليا الشرعية يتمتع بالكفاءة العلمية والخبرة العملية ممن سبق له وأن عمل قاضياً شرعياً مدة لا تقل عن خمس عشرة سنة منها ثلاث سنوات في محاكم الاستئناف الشرعية أو ممن عمل قاضياً شرعياً وزاول مهنة المحاماة الشرعية معاً مدة لا تقل عن خمس وعشرين سنة أو ممن زاول مهنة المحاماة الشرعية مدة لا تقل عن ثلاثين سنة”.

فنرى وفق رؤيتنا المتواضعة أن حسن السيرة والسمعة والكفاءة العلمية والخبرة العملية هي من موجبات شرط العدالة، فمن لا يملك الخلق والسيرة الطيبة لا يمكن أن يؤمن أن يحكم بالعدل حتى وإن امتلك الكفاءة العلمية والخبرة العملية، ومن يملك السيرة الطيبة والخلق الحسن دون الخبرة العملية والكفاءة العلمية لا يمكن أن يحكم أيضاً بعلم وحكمة وعدل، فيجب تلاقي العلم مع الأدب.

الشرط الثاني: الذكورة:

كان رأي جمهور الفقهاء هو عدم جواز تولي المرأة للقضاء بشكل مطلق، إلا أن البعض خالفهم مثل ابن جرير الطبري وابن حزم الظاهري الذين أجازوا ولاية المرأة للقضاء.[10]

وقد احتج أصحاب الرأي القائل بعدم جواز تولية المرأة للقضاء بالقرآن والسنة وأقوال الخلفاء والسلف، ومن أدلتهم من القرآن قوله تعالى : “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ.” فالرجل أكفأ من المرأة عقلًا، وجسداً، وقوة، وتحملاً.[11]

ومن استدلالهم من السنة قوله صلى الله عليه وسلم: “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأه” فالحديث فيه بيان لعدم تولية المرأة أي أمر من أمور المسلمين وأخص تلك الأمور وأعظمها هو باب القضاء.

وبمعاينة أراء الفقهاء والتدبر فيها نجد أن رأي الجمهور الذي يعتبر الذكورة شرطاً رئيسياً من شروط صحة تولي القضاء هو أرجح الآراء، فقد استدل أصحاب هذا الرأي بأدلة من القرآن والسنة، ذلك لأن المرأة تحكم بعاطفتها أكثر مما يؤثر على صحة الحكم.

بيد أن المشرع الأردني لم يشترط ذلك وساوى بين الرجل والمرأة في تولي منصب القضاء (فالمادة 3) من قانون تشكيل المحاكم الشرعية لم تفرق في ألفاظها ومرادفاتها في شروط القاضي ما يدل على تفضيل الرجل عن المرأة.

الشرط الثالث: الاجتهاد:

فلا يصح أن يتولى الجاهل بالأحكام الشرعية وذلك لقوله تعالى: “تُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ”. فالتفكير في الأحكام يتضمن الاجتهاد ومن لا يملك الاجتهاد والتفكر والتدبر والاستنباط من أجل الوصول للراجح وللحقيقة فليس بأهل أن يتولى القضاء، وذلك لأن القاضي مأمور أن يحكم بالقسط والعدل ولا يمكن أن يصل القاضي للحكم بالحق إلا بعد اجتهاد.

وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أراد أن يبعث معاذ ابن جبل إلى اليمن قال: ” كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضى بكتاب الله، قال فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في كتاب الله؟ قال أجتهد رأيي ولا آلو؟ فضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صدره وقال: الحمد لله الذي وفّق رسول الله لما يُرضي رسول الله”.

ولهذا نجد أن الإمام مالك ابن أنس كان يكره أن يتولى القضاء من ليس بفقيه[12]، فلا يجوز أن يحكم من لا يعلم دليل وحجة ما يحكم به وذلك لأنه لا يحل أن يحكم بجهله بالحكم، والعلم بالأحكام الشرعية وأصولها من القرآن والسنة وغيرها من الأحكام من شروط الاجتهاد.

ورأينا أنه نظراً لتغير الزمان وفتور الهمم عن تحصيل العلم بالقدر المطلوب فإن ذلك أدى لقله عدد المجتهدين في وقتنا الحاضر، وبالتالي فنرى أنه من المرجح اعتبار الاجتهاد شرط ندب واستحباب لا شرطاً لصحة التولية لما في ذلك من مردود سيء يعود على تعطل الأحكام وضياع حقوق كثير من الناس، وقد أفتى فقهاء المذاهب المتأخرون بجواز أن يتولى غير المجتهد القضاء.

وباستقراء التنظيم القضائي الأردني فإننا نجد أن هذا الشرط لم يرد بذاك التفصيل، ولكن نص عليه على الإطلاق وذلك من خلال اشتراط الإجازة الشرعية.

خامساً: الشروط المستحبة:

وفق رؤيتنا من خلال بحثنا في موضوع مواصفات القاضي واستنباطنا بالفهم والدراسة ما يحبب أن يتواجد في القاضي من شروط فنرى لإضفاء الكمال والصحة في شروط القاضي أن يتوافر فيه – إضافة إلى ما سبق- ما يلي:

  • أن يكون ورعاً موثوقًا في فهمه تقياً في تحري الحق وعارفاً بما يجب عليه ويتعن له عمله.
  • ألا يكون فقيرا، لأن الفقر في القاضي قد يورث المهانة ويجلبه على قبول الرشوة واستغلال مركزه لسد حاجته بما يلزمه من ضروريات وما تشتهي نفسه من ملذات.
  • أن يتصف بالصبر والحكمة والفطنة وحسن الفهم وأن يحكم ضميره وأن لا يتسرع في حكمه وأن يتصف بالرحمة ويضعها في موضعها لمن يستحقها ويكون شديد الحكم الرادع فيمن يستحق.
  • أن يكون حسن الألفاظ قليل الكلام والمزاح والخلطة بالعوام لأن ذلك يورث الإجتراء على مكانة القضاء وهيبته.

وغيرها من الصفات المستحبة التي ذكرها كثير من علماء المسلمين إلا أننا فضلنا ذكر أهمها كما سبق.

سادساً: الخاتمة:

من خلال دراستنا لهذا الموضوع فقد توصلنا إلى أنه ليس بمقدور رئيس البلاد أو الملك أو ولي الأمر أو يتولى أمر القضاء بنفسه في جميع أنحاء البلاد، فكان لزاماً أن يتعين من يرتضي فيهم العلم والأدب وفق مسابقات لاختيار وانتقاء الأفضل في سائر الفضائل وأجل الصفات حتى يُضمن بذلك تحقيق العدل والاستقرار ومصالح العباد بشكل يرضي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويتحقق به الاستقرار والتنمية والرخاء.

وقد استشفينا من خلال فهمنا أن طلب القضاء فيمن توافرت فيه الشروط التي نص عليها الفقهاء أمر جائز شرعاً وربما يأثم من يرفض تولي منصب القضاء وهو كفء لأنه باعتذاره قد يسمح بمن هو أقل كفاءة أن يتولى القضاء.

وقد كانت ولازالت الشريعة الإسلامية مرنة وحية بحيث اهتمت بأمر القضاء لأنه يعتبر من دعامات توطيد الأمن والاستقرار، ولهذا فقد أوصت الشريعة واحتاطت وسار على طريقها القانون في جل نصوصه لتعزيز مكانة القاضي واستقلاله عن سلطة ولي الأمر ليستقل في حكمه ويعدل بعيداً عن كافة التأثيرات الخارجية.

إعداد/ نسمه مجدي.

[1] الأحكام السلطانية والولايات الدينية، ص 65، روضة القضاة للسمناني 1/52.

[2] المارودي، الأحكام السلطانية، ص 111.

[3] محمد بن محمد الغزالي، الوسيط في المذهب، دار السلام، القاهرة، ط1،ج7،ص 289.

[4] الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الصنائع، جزء 7، ص 3.

[5] ابن نجيم، البحر الرائق، جزء 6، ص 280.

[6] تولية القاضي وعزلة في الشريعة الإسلامية، امبيريكة شحات محمد، رسالة ماجستير، ليبيا، ص 65.

[7] ذياب، عبد الكريم ذياب، شروط القاضي في الشريعة الإسلامية مقارنا بقانون تشكيل المحاكم الشرعية الأردني، مج 22، ع 4، 1995، ص 1728.

[8] الماوردي، الأحكام السلطانية، ص112.

[9] ذياب، عبد الكريم ذياب، شروط القاضي في الشريعة الإسلامية مقارنا بقانون تشكيل المحاكم الشرعية الأردني، مج 22، ع 4، 1995، ص 1727.

[10] ذياب عبد الكريم ذياب، شروط القاضي في الشريعة الإسلامية مقارنا بقانون تشكيل المحاكم الشرعية الأردني، مج 22، ع 4، 1995، ص 1730 و 1731.

[11] ذياب عبد الكريم ذياب، شروط القاضي في الشريعة الإسلامية مقارنا بقانون تشكيل المحاكم الشرعية الأردني، مج 22، ع 4، 1995، ص 1730 و 1731.

[12] مالك بن أنس الأصبحي، المدونة الكبرى، القاهرة، ج 5، ص 179.

Scroll to Top