مسؤولية المقاول والمهندس عن ضمانة متانة البناء
نظرا لخطورة الخلل والتهاون في البناء فقد جعل المشرع الأردني المقاول والمهندس مسؤولين بالتكافل والتضامن عن أي خلل يلحق بالبناء وذلك لمدة عشر سنوات، والمسؤولية هنا هي تلك المسؤولية التي تقع علي عاتق المقاول والمهندس نتيجة التهدم الجزئي أو الكلي أو العيوب التي قد تهدد كل ما هو مرتبط بمتانة البناء وسلامته، والتي قد لا تبدو واضحة لصاحب العمل عند الاستلام وذلك عن طريق بعض القوانين التي تشدد من مسؤولية المقاول والمهندس عن سلامة ومتانة هذا البناء والتعويض في حالة وقوع ضرر أو تهدم لاحق للاستلام وتعويض صاحب العمل عما فاته من كسب جراء حدوث هذا الضرر.
أولا: الطبيعة القانونية لمسؤولية المقاول والمهندس:
ثانيا: خصائص مسؤولية المقاول والمهندس:
ثالثا: جزاء مسؤولية المقاول والمهندس:
رابعا: أحكام محكمة التمييز عن مسؤولية المقاول والمهندس عن ضمان متانة البناء:
أولا: الطبيعة القانونية لمسؤولية المقاول والمهندس:
فهناك آراء كثيرة أوضحت طبيعة تلك المسؤولية فمنها من اعتبرها مسؤولية عقدية أساسها العقد لأن المقاول هو من يقع عليه مسؤولية كل عيب يشوب ما تم إنشائه بناء على عقد المقاولة، وأن تسليم ما تم من أعمال لا يمكنه أن يكون ملم بكل العيوب التي قد تتضح فيما بعد.
ورأي آخر اعتبر تلك المسؤولية تقصيرية أساسها الخطأ فالالتزام الذي ينهي العقد ليس تعاقدي وإنما تقصيري لأنه بإتمام التسليم ينتهي العقد الذي كان قائما ويخفي كل العيوب.
وهناك رأي آخر يعتبرها مسؤولية قانونية تهدف إلى الحفاظ على الصالح العام وعلى مصالح صاحب العمل الذي لا يملك الخبرة المطلوب معرفتها في البناء لأنه بمجرد تسليم العمل تنتهي العيوب وعليه فتنتهي كافة الالتزامات والمسؤوليات المتعلقة بهذا العقد، وتأتي المسؤولية القانونية التي يفرضها القانون للحماية العامة والخاصة وذلك لأهمية المنشآت الثابتة ومتانتها بعد مرور مدة من الزمن.[1]
ثانيا: خصائص مسؤولية المقاول والمهندس:
1. مسؤولية تضامنية ومفترضة بقوة القانون:
لم يأت القانون بنص مباشر يشير فيه الى المسؤولية القانونية للمقاول والمهندس عن متانة البناء، إلا أنه يقاس في ذلك على النصوص المذكورة ضمن باب عقد المقاولة في القانون المدني، وما يشير الى تضامن المقاول مع المهندس في المسؤولية إذ نصت المادة (788) من القانون المدني على أنه:
- أ- إذا كان عقد المقاولة قائما على تقبل بناء يضع المهندس تصميمه على أن ينفذه المقاول تحت إشرافه كانا متضامنين في التعويض لصاحب العمل عما يحدث في خلال عشر سنوات من تهدم كلي أو جزئي فيما شيداه من مبان أو أقاماه من منشآت. وعن كل عيب يهدد متانة البناء وسلامته إذا لم يتضمن العقد مدة أطول.
- ب- يبقى الالتزام في التعويض المذكور ولو كان الخلل أو التهدم ناشئا عن عيب في الأرض ذاتها أو رضى صاحب العمل بإقامة المنشآت المعيبة.
- ت- تبدأ مدة السنوات العشر من وقت تسلم العمل.
وأيضاً أوضحت المادة (791) أنه لا تسمع دعوى الضمان بعد انقضاء سنة على حصول التهدم أو اكتشاف العيب، وعليه فإن قرينة الإثبات عن التهدم الكلي أو الجزئي بأنه لسبب أجنبي يكون على عاتق المقاول أو المهندس، دون يقع عبئ ذلك على صاحب العمل ، وإذا عجز المقاول أو المهندس عن الإثبات تقع المسؤولية عليهم.[2]
2. مسؤولية متعلقة بالنظام العام:
هناك اختلاف بين الفقهاء حول سبب جعل المسؤولية الواقعة على المقاول والمهندس من النظام العام ويتبين ذلك في رأيين كما يلي:
أ_ حماية المصلحة العامة:
والسبب في ذلك أنه حينما يتواجد الضرر في البناء فيكون نتيجته وآثاره ليست فقط على صاحب العمل، بل أنه قد يضر بالناس عامة سواء في الضرر في الأرواح والأموال لبعض المارة والسكان والجيران، ولتطبيق الحماية القصوى يجب أن تقع المسؤولية ويتحملها المهندس والمقاول للتقليل من وقوع تلك الأضرار بتحملهم تلك المسؤولية، ولابد باتفاق خاص لاستبعاد تلك المسؤولية عن عاتقهم.[3]
ب_ حماية صاحب العمل:
هناك رأي آخر يرى أن تلك المسؤولية تكون من النظام العام لحماية صاحب العمل من إهمال المهندس والمقاول والآثار المترتبة على هذا الإهمال، لأنه ليس لديه الخبرة الكافية بأعمال البناء، وليس اعتباره من النظام العام للسلامة العامة لأن السلامة العامة محمية قانوناً بشكل كبير في القانون الوضعي سواء كان في المسؤولية الجنائية أو المسؤولية التقصيرية.
ويري الكاتب أن السبب الأساسي هو المجتمع ومصالحه بشكل عام بجانب حماية صاحب العمل الذي يجهل بشؤون البناء، وهناك هدف أخر وهو الحزم والتشديد على المهندس والمقاول لتجنب الوقوع في خطأ أو إهمال والسعي لإتقان العمل بأفضل الطرق وبأعلى دقة وجوة.[4]
3. مسؤولية شاملة للعيوب الخطيرة:
حيث نص المادة بالقانون المدني الأردني (788) والمتعلقة بتضامن المقاول مع المهندس فجاء بها أنواع العيوب التي تعرقل متانة البناء وسلامته في التهدم الجزئي والتهدم الكلي، ويعد التشقق الذي يلزم معالجته ويكون له تأثير على متانة البناء من التهدم الجزئي.
تلك العيوب يجب أن تكون غير واضحة في توقيت استلام العمل بعد الانتهاء منه ولابد أن يكون هناك مجهود يبذل لاكتشاف تلك العيوب والأضرار، ولكن إذا كان الضرر واضحا وقبله صاحب العمل دون الاعتراض عليه فانه بمثابة قبول لهذا العيب وتنازل عن حقه في المطالبة بالتعويض من المقاول والمهندس.[5]
وليس شرطا أن يكون هذا الضرر كان متواجد وقت استلام صاحب العمل له وأن يكون قديما، فحتى إذا جاء العيب بعد الاستلام وبشكل طاريء يندرج تحت مسؤولية المقاول والمهندس ويكونوا ضامنين لها مادام السبب ليس أجنبيا ويقع عليهم عبء الإثبات.
ثالثا: جزاء مسؤولية المقاول والمهندس:
يجب أن يتم تعويض المتضرر صاحب العمل نتيجة ما لحق به من قبل المقاول والمهندس نتيجة تهدم البناء أو ظهور عيوب تجعل متانة البناء في حالة خطرة وسلامتها مهددة، والتعويض قد يكون عيني أو بمقابل:
1. التعويض العيني:
حيث يشكل التعويض العيني الأساس والذي يعتمد عليه كتعويض عن الضرر الذي يلحق بالبناء عن طريق رجوع المبني إلى ما هو عليه قبل حدوث الضرر، والذي يقوم بذلك هو المقاول والمهندس عن طريق إعادة بناء ما تم هدمه أو إصلاح وعلاج ما لحق به من ضرر في البناء.
فإذا لم يتمكن صاحب العمل من تلك التعويض العيني ورجوع البناء لمتانته التي كانت عليها قبل الحاق الضرر به فيكون البديل لديه اللجوء للقضاء ليحكم له بالتعويض العيني عن تلك الضرر طالما أن المقاول والمهندس لم يقوموا بذلك باختيارهم.[6]
وطبقاً لنص المادة (355) من القانون المدني الأردني والتي بها أن التنفيذ العيني فيه:
-يجبر المدين بعد إعذاره على تنفيذ ما التزمه تنفيذاً عينيا متى كان ذلك ممكنا.
– على أنه إذا كان في التنفيذ العيني إرهاق للمدين جاز للمحكمة بناء على طلب المدين أن تقصر حق الدائن على اقتضاء عوض نقدي إذا كان ذلك لا يلحق به ضرراً جسيما.
فالتعويض بشكل عيني يعد تنفيذ عيني للالتزام الذي كان لابد أن يفعله المقاول والمهندس ولم يقوموا بتنفيذه وتم إجبارهم عن طريق القضاء.
2. التعويض بمقابل:
هناك حالات يلجأ إليها صاحب العمل كتعويض عن الضرر الذي لحق بالمنشآت الثابتة والبناء الذي تم هدمه وهي:
- إذا كان هناك يأس من التنفيذ العيني الذي حدث نتيجة خطأ المقاول والمهندس.
- إذا كان التنفيذ العيني به ثقل وإرهاق للمهندس والمقاول وأن عدم التنفيذ بالتعويض لا يمكنه التعويض عن الضرر الذي لحق صاحب العمل.
- إذا كان هناك إمكانية للتنفيذ العيني ولكن لم يطالب به صاحب العمل ولم يطرحه المهندس أو المقاول.
- إذا كان التنفيذ العيني يلزم المقاول والمهندس بشكل شخصي ولا يوجد وسائل مالية يتم تهديدهم بها لإجبارهم على التنفيذ.
وهناك نوعين للتعويض بمقابل فقد يكون تعويض نقدي أو تعويض غير نقدي:
أ- التعويض النقدي:
فهو التعويض المالي ويكون الأساس في طرق التعويض بمقابل، ولابد أن تحكم به المحكمة حيال عدم إمكانية التنفيذ العيني نتيجة هدم المباني أو المنشآت الثابتة التي قام ببنائها المهندس والمقاول وذلك وفقا لنص المادة (355/2) من القانون المدني الأردني. ويمكن الجمع بين طريقي التعويض النقدي والعيني إذا استغرقت أعمال التصليح وقتا طويلا وإلحاق الضرر بصاحب العمل وعدم تمكنه من استغلال البناء كما يريد، ويجب أن يكون مقدار التعويض عن الخسارة التي حدثت وعن الكسب الذي فات عليه بسبب هذا الضرر، ويكون داخل هذه التعويضات التي تحق لصاحب العمل من المقاول والمهندس للغير تعويضا عما لحقهم من ضرر.
ب- التعويض غير النقدي:
لم يتطرق نص المادة (355) من القانون المدني الأردني للتعويض الغير النقدي، لكنه اكتفى بأن يتيح التعويض العيني في حالة استحالة التنفيذ العيني، ولكن أتى بنص المادة (269) من القانون المدني الأردني في تقديره للضمان بأنه يجوز التعويض الغير النقدي عن الضرر لصاحب العمل فأتي بها أنه:
“ويقدر الضمان بالنقد على أنه يجوز للمحكمة تبعاً للظروف وبناءً على طلب المضرور أن تأمر بإعادة الحالة إلى ما كانت عليه أو أن تحكم بأداء أمر معين متصل بالفعل الضار وذلك على سبيل التضمين”.
3. مدى التعويض الذي يستحقه صاحب العمل:
فجاء في القانون المدني الأردني بنص المادة (363) بأنه “إذا لم يكن الضمان مقدراً في القانون أو في العقد فالمحكمة تقدره بما يساوي الضرر الواقع فعلا حين وقوعه”، فلابد أن يكون التعويض عن ضرر لاحق لاستلام البناء ويكون بقدر الضرر الذي حدث بالفعل عند حدوثه.
ومحكمة الموضوع لها السلطة في تحديد مقدار التعويض مادام أنه لم يتم توضيح مقدار هذا التعويض في العقد أو بناءً على قانون، ويكون تقدير القاضي لهذا التعويض مبني على الضرر الذي حدث والمكسب الذي فات. ولابد أن يكون التعويض عن الضرر الذي يحدث مباشر سواء كان متوقع أو غير متوقع نتيجة المسؤولية القانونية التي تساوي المسؤولية التقصيرية.[7]
رابعا: أحكام محكمة التمييز عن مسؤولية المقاول والمهندس عن ضمان متانة البناء:
- فجاء الحكم الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 1293 لعام 2021 والصادر بتاريخ 9/5/2021:
وحيث إن الثابت من مجمل أوراق الدعوى وبيناتها الخطية والشخصية أن المدعى عليه (…) وبموجب اتفاقيتين بينه وبين المدعية منفذة العطاء رقم (45/2013) المحال عليها من قبل محمية المأوى للطبيعة البرية / وكمقاول فرعي قام بتنفيذ أعمال الحفريات والمسيجات اللازمة للمشروع ولدى استلام المدعية للأعمال المنجزة من قبله تبين وجود نواقص لم يقم المدعي عليه (…) بإكمالها رغم إنذاره عدلياً وأن ثمة خلاف قد حصل بين المدعية وصاحبة المشروع محمية المأوى بشأن نواقص المشروع (العطاء ككل) قامت صاحبة المشروع بخصم المبلغ المدعى به عن النواقص الكلية للعطاء .
وحيث إن العلاقة بين المدعية والمدعى عليه تنظمها أحكام عقد المقاولة الفرعية بين الفريقين وأن النواقص على المدعى عليه من الأعمال المتفق عليها بينه وبين المدعية مبينة بالكشف الصادر عن المدعية ممثلة بالمهندسة (…) وحيث إن المقاول المدعي عليه هنا يضمن ما تولد عن فعله من ضرر أو خسارة سواء كان بتعديه أو تقصيره أم لا وينتفي الضمان إذا نجم ذلك عن حادث لا يمكن التحرز منه وفق ما هو مقرر في المادة (788) مدني.
الخاتمة:
حيث أن مسؤولية المقاول والمهندس تعد مسؤولية ملزمة من قبل القانون لحماية مصالح أصحاب الأعمال غير الخبراء بشؤون البناء، وكذلك لحماية المصالح العامة وتنطبق أحكامها على كافة الأضرار التي أصابت البناء من تهدم كلي وجزئي.
وتظل مستمرة هذه المسؤولية طيلة العشر سنوات اللاحقة على تسلم البناء لصاحب العمل، ويكون المقاول والمهندس متضامنين في تحمل المسؤولية عن الأضرار الناجمة من عملهم تجاه صاحب العمل وإذا لم يقوموا بتعديل الأضرار من تلقاء أنفسهم فسيجبرهم القانون بالتعديل والتعويض كلا حسب جسامته.
إعداد/ شيماء عبد المجيد.
[1] انظر المرجع: سمارة، عادل عبد العزيز، مسؤولية المقاول والمهندس عن متانة البناء في القانون المدني الأردني ” دراسة مقارنة”، جامعة النجاح الوطنية، ص27.
[2] انظر المرجع السابق ص31.
[3] انظر المرجع السابق ص34.
[4] انظر المرجع السابق ص35.
[5] انظر ، مرسي، كامل مرسي، في العقود المسماة، دار النشر للجامعات المصرية الطبعة الأولي، ص127.
[6] انظر المرجع: سمارة، عادل عبد العزيز، مسؤولية المقاول والمهندس عن متانة البناء في القانون المدني الأردني ” دراسة مقارنة”، جامعة النجاح الوطنية، ص80.
[7] انظر المرجع السابق

