ضمان العيوب وتخلف المواصفات في عقد البيع
يلتزم البائع بتقديم مبيع خال من العيوب حتى يتمكن المشتري من الانتفاع به وفقاً للغرض الذي اشتراه من أجله، لكن يحدث أن يتسلم المشتري المبيع فيجد به عيباً قديماً كان موجوداً قبل التسليم، إلا أنه لم يستطع أن يتبين هذا العيب رغم قيامه بفحصه أو تخلف الصفات التي كفل البائع توافرها في المبيع لذلك كفل له المشرع حقه بالرجوع على البائع بضمان هذا العيب الخفي متى توافر في العيب الشروط التي حددها القانون و والذي سنبينه في هذا المقال في النقاط التالية:
أولاً: المقصود بالعيب الخفي الموجب للضمان:
ثانياً: شروط العيب الموجب للضمان:
ثالثاً: آثار وجود العيب في المبيع:
رابعاً: دعوى ضمان العيوب الخفية:
سادساً: حكم محكمة التمييز الأردنية المتعلق بضمان العيب الخفي:
وتفصيل ذلك على النحو التالي:
أولاً: المقصود بالعيب الخفي الموجب للضمان:
يقصد بالضمان في الفقه القانوني[1]: حق المشتري في الرجوع على البائع برد المبيع وأخذ الثمن، أو الإبقاء على المبيع ونقصان الثمن إذا وجد عيباً خفياً في المبيع أو تخلفت صفة من الصفات التي التزم البائع بتوافرها في المبيع.
ويقصد بالعيب[2]: كل ما من شأنه أن ينقص قيمة المبيع أو يقلل مقدار الانتفاع به.
ويقصد بالخفي وفقاً لنص (المادة513/4)من القانون المدني الأردني: “والخفي هو الذي لا يعرف بمشاهدة ظاهر المبيع أو لا يتبينه الشخص العادي أو لا يكشفه غير خبير أو لا يظهر إلا بالتجربة.”
ثانياً: شروط العيب الموجب للضمان:
يلتزم البائع بنقل ملكية المبيع للمشتري في حال تمكنه من الانتفاع به على النحو الذي يحقق الغرض منه، فإذا وجد المشتري بالمبيع عيباً من شأنه أن ينقص من قيمة المبيع أو من منفعته فإن البائع يكون ملزماً حينئذ بضمان هذا العيب، ولكن ليس كل عيب يظهر في المبيع يكون البائع ملزماً بضمانه،
بل لا بد من توافر شروط معينة في العيب حتى يكون البائع ضامناً لهذا العيب، وهو ما نصت عليه(المادة194) من القانون المدني الأردني بقولها: “يشترط في العيب لكي يثبت به الخيار أن يكون قديماً مؤثراً في قيمة المعقود عليه وأن يجهله المشتري وأن لا يكون البائع قد اشترط البراءة منه.” ونفصل هذه الشروط فيما يلي[3]:
1. أن يكون العيب قديماً:
نصت (المادة513) من القانون المدني الأردني على أحكام العيب القديم فبينت في (الفقرة الثانية من ذات المادة) أنه: “يعتبر العيب قديماً إذا كان موجوداً في المبيع قبل البيع أو حدث بعده وهو في يد البائع قبل التسليم.” وبينت في (الفقرة الثالثة منها) على أن: “يعتبر العيب الحادث عند المشتري بحكم القديم إذا كان مستنداً إلى سبب قديم موجود في المبيع عند البائع.”
إذاً يتضح لنا من خلال النصوص سالفة الذكر أن معيار كون العيب الموجود في المبيع قديماً هو وقت تسليم المبيع للمشتري وله ثلاث حالات هي:
أ. وجود العيب قبل البيع:
وفقاً لنص (المادة513/2) من القانون المدني الأردني سالفة الذكر يعتبر العيب الموجب للضمان قديماً إذا كان هذا العيب موجوداً قبل إبرام عقد البيع بين البائع والمشتري وظل موجوداً إلى وقت التسليم ولم يتبينه المشتري أو لم يكن ظاهراً له وقت إبرام العقد وعند التسليم، ومن ثم تبين له هذا العيب بعد أن تسلم المبيع وقام بتجربته كأن يتم إبرام عقد بيع سيارة بين البائع والمشتري وكانت بها عطل في مكيف الهواء لم يتبنه له المشتري إلا بعد أن تسلم هذه السيارة وقام بتجربتها فهنا يكون البائع ملتزماً بضمان هذا العيب القديم الخفي.
ب. حدوث العيب بعد البيع وقبل التسليم:
وفقاً لنص (المادة513/2) من القانون المدني الأردني: “يعتبر العيب قديماً إذا كان موجوداً في المبيع قبل البيع أو حدث بعده وهو في يد البائع قبل التسليم.” أن العيب قد يوجد بالمبيع قبل إبرام عقد البيع ويظل موجوداً وقت التسليم ولم يستطع المشتري تبينه، وقد يكون المبيع سليماً عند إبرام عقد البيع بين البائع والمشتري لكنه أصبح معيباً وهو في يد البائع بعد إبرام العقد وقبل أن يتسلمه المشتري ولم يستطع المشتري أن يتبينه وقت التسليم فهنا يكون البائع ضامناً لهذا العيب كأن يكون المبيع معيناً بالنوع وتراخى البائع عن تسليمه للمشتري بعد إفرازه فحدث عيب في بعض المبيع في الفترة بين الإفراز والتسليم.
ج. حدوث عيب عند المشتري لسبب قديم موجود في المبيع:
نصت (المادة 513/3) من القانون المدني الأردني على أن: ” يعتبر العيب الحادث عند المشتري بحكم القديم إذا كان مستنداً إلى سبب قديم موجود في المبيع عند البائع.”
وبناءً على ذلك فقد يظهر العيب في المبيع بعد أن يتسلمه المشتري من البائع إلا أن سبب هذا العيب كان موجوداً قبل أن يتسلمه المشتري سواء أكان موجودا قبل إبرام العقد أو بعده، فهنا يكون هذا العيب في حكم العيب القديم رغم ظهوره وهو في يد المشتري ومن ثم يضمنه البائع، ومثال ذلك أن يكون المبيع قطيع أغنام وبعضه مصاب بجرثومة قبل أن يتسلمه المشتري وظهرت أعراض هذه الجرثومة بعد أن تسلمها المشتري فالعيب حينئذٍ يكون قديماً لأنه يرجع إلى سبب تحقق وهو في يد البائع.
2. أن يكون العيب خفياً:
نصت المادة(513/4) من القانون المدني الأردني على أن: “يشترط في العيب القديم أن يكون خفياً والخفي هو الذي لا يعرف بمشاهدة ظاهر المبيع أو لا يتبينه الشخص العادي أو لا يكشفه غير خبير أو لا يظهر إلا بالتجربة.”
فطبقاً لهذا النص يشترط في العيب الذي يضمنه البائع بجانب كونه قديماً أن يكون خفياً، ويكون العيب خفياً في الحالات التالية:
أ. ظاهر المبيع لا يشير لوجود عيب:
وهو كما بينته (المادة513/4) من القانون المدني الأردني: “..والخفي هو الذي لا يعرف بمشاهدة ظاهر المبيع..” حيث يكون ظاهر المبيع خالياً من العيوب التي تنقص قيمته أو تقلل منفعته فحينئذٍ يضمن البائع هذا العيب، أما إن كان ظاهر المبيع يدل على وجود عيب به ورضي به المشتري فهنا لا يكون البائع ضامناً لهذا البيع كأن يشتري المشتري من البائع حليب يتبين من رائحته أنه فاسد ورضي به المشتري.
ب. صعوبة اكتشاف العيب من الشخص العادي:
يتضح من نص (المادة513/4) من القانون المدني الأردني: “…والخفي هو الذي لا يعرف بمشاهدة ظاهر المبيع أو لا يتبينه الشخص العادي…” فالمعيار الذي استند إليه المشرع هنا هو خبرة الرجل العادي، فإذا قام المشتري بفحص المبيع وفقاً لخبرة الرجل العادي ثم ظهر العيب بعد ذلك فهنا يكون العيب خفياً ويضمنه البائع، أما إن استطاع المشتري أن يتبين العيب الموجود بالمبيع حينما قام بفحصه وفقاً لخبرة الرجل العادي ورضي به أو كان في استطاعته أن يتبين العيب الموجود في المبيع لو أنه فحصه كما يفعل الرجل العادي إلا أنه تقاعس عن فعل ذلك فهنا لا يكون البائع ضامناً لهذا العيب.
ج. اكتشاف العيب من الخبير:
فإذا كان العيب لا يستطيع الشخص العادي أن يتبينه ولا يمكن تبينه إلا من خلال خبير كما لو كان المبيع سيارة ولم يستطيع المشتري أن يتعرف على العيب الموجود بها لعدم خبرته في هذا الشأن فجعل الميكانيكي يقوم بفحصها فتبين له وجود عيب بالمحرك فهنا يكون البائع ضامناً لهذا العيب الخفي وهو ما نصت عليه (المادة513/4) من القانون المدني الأردني: “…والخفي هو الذي لا يعرف بمشاهدة ظاهر المبيع أو لا يتبينه الشخص العادي أو لا يكشفه غير خبير…”
وكذلك إذا كان المبيع متعلق بالدواء فلا يستطيع أن يتبين عيوبه الخفية إلا من له خبرة في مجال الأدوية.
د. تجربة المبيع:
فقد نصت (المادة513/4) من القانون المدني الأردني: “…والخفي هو…لا يظهر إلا بالتجربة.”
فإذا كان ظاهر المبيع أنه يحتوي على الصفات التي كفل البائع توافرها فيه ثم تبين للمشتري بعد أن تسلم المبيع وقام بتجربته وتخلفت هذه الصفات التي كفل البائع توافرها في المبيع فحينئذِ يكون البائع ضامناً لهذا العيب الخفي الذي لم يظهر إلا بتجربة المبيع، كأن يكون المبيع جهاز من الأجهزة الكهربائية اشتراه المشتري على أنه يوجد به ميزة معينة وكفل البائع توافر هذه الميزة في هذا الجهاز وعندما قام المشتري بتجربتها تبين له عدم وجود تلك الميزة.
3. أن يكون العيب مؤثراً:
نصت (المادة194) من القانون المدني الأردني على أن: ” يشترط في العيب لكي يثبت به الخيار أن يكون قديماً مؤثراً في قيمة المعقود عليه وأن يجهله المشتري و أن لا يكون البائع قد اشترط البراءة منه.”
فالعيب الخفي الموجب للضمان يجب أن يكون مؤثراً أي من شأنه أن ينقص من قيمة المبيع أو منفعته طبقاً لطبيعة المبيع والغرض الذي قصده المشتري من هذا المبيع، ومعيار العيب المؤثر هو معيار مادي موضوعي.
وقد وضع المشرع المصري شروطاً في العيب المؤثر فنص في (المادة447) مدني على أن: “يكون البائع ملزماً بالضمان إذا لم يتوافر في المبيع وقت التسليم الصفات التي كفل المشتري وجودها فيه، أو إذا كان بالمبيع عيب ينقص من قيمته أو من نفعه بحسب الغاية المقصودة مستفادة مما هو مبين في العقد أو مما هو ظاهر من طبيعة الشيء أو الغرض الذي أعد له ..”
إذاً فالعيب الخفي المؤثر وفقاً لنص هذه المادة قد يُنقص من قيمة المعقود عليه أو منفعته إذا اشترط المشتري في عقد البيع وجود صفات معينة في المبيع ليس بالضرورة أن تكون مألوفة، كأن يشترط في السيارة أنها تسطيع السير في الطرق غير الممهدة فإذا وجد المشتري أن السيارة لا تتوفر فيها هذه الصفة رغم توافر جميع الصفات الأخرى المألوفة في السيارة فيحق له الرجوع على البائع بالضمان.
كذلك فإن العيب المؤثر الذي يقلل من منفعة المبيع يكون بحسب طبيعة المبيع، فإذا كان المبيع أرض زراعية فطبيعتها أن تكون صالحة للزراعة فإذا وجد المشتري أن هذه الأرض بها عيب خفي يجعلها غير صالحة للزراعة فهنا يكون العيب مؤثراً يوجب الضمان.
كما أن العيب الذي يقلل من منفعة المبيع يتحدد بتخصيص طبيعة المبيع لغرض أعد له كأن يكون الغرض من الحصان المبيع هو السباق فإذا وجد المشتري أن هذا الحصان لا يصلح للسباق كان عيباً مؤثراً يضمنه البائع.
وتقدير العيب المؤثر مسألة نسبية يختص بها قاضي الموضوع، وقد نصت (المادة512/1) من القانون المدني الأردني على أن: “يعتبر البيع منعقداً على أساس خلو المبيع من العيوب إلا ما جرى العرف على التسامح فيه.”
فإذا كان العيب قد جرى العرف على التسامح فيه فإنه لا يكون عيباً مؤثراً يوجب الضمان كأن يباع القمح مع بعض الأتربة.
4. أن يكون العيب غير معلوم للمشتري:
نصت (المادة194) من القانون المدني الأردني على أن: ” يشترط في العيب لكي يثبت به الخيار أن يكون قديماً مؤثراً في قيمة المعقود عليه وأن يجهله المشتري و أن لا يكون البائع قد اشترط البراءة منه.”
ومن خلال نص المادة سالفة الذكر يتضح لنا أنه لكي يلتزم البائع بضمان العيب الخفي في المبيع ألا يكون المشتري على علم بهذا العيب حتى وإن كان خفياً سواء وقت البيع أو وقت التسليم فإذا كان المشتري على علم بالعيب الموجود بالمبيع وقت إبرام العقد أو وقت التسليم ورضي به صراحة أو ضمناً سقط حقه في الرجوع على البائع بضمان هذا العيب الخفي. ولا عبرة بكون البائع عالماً بالعيب الخفي الموجود بالمبيع أو غير عالم لوجوب ضمانه بالعيب الخفي.
ثالثاً: آثار وجود العيب في المبيع:
يترتب على وجود العيب في المبيع بالشروط السابق ذكرها عدة آثار وهي تتمثل في أنه يكون للمشتري الحق في رد المبيع أو قبوله بالثمن المسمى، أو حقه في احتباس الثمن، أو حقه في فسخ العقد وتفصيل ذلك ما يلي[4]:
1. رد المبيع أو قبوله بالثمن المسمى:
نصت (المادة513/1) من القانون المدني الأردني عل أنه: “إذا ظهر في المبيع عيب قديم كان المشتري مخيراً إن شاء رده أو شاء قبله بالثمن المسمى وليس له إمساكه والمطالبة بما أنقصه العيب من الثمن.”
فطبقاً لنص المادة سالفة الذكر إذا ظهر للمشتري عيب قديم في المبيع لم يكن ظاهراً له وقت التسليم يكون له الخيار بين رد المبيع للبائع أو قبول المبيع بالعيب الموجود فيه وبالثمن المسمى في عقد البيع سواء أكان هذا القبول صراحة أو ضمناً.
2. احتباس الثمن:
نصت (المادة528) من القانون المدني الأردني على أنه: “1. إذا رفعت على المشتري دعوى باستحقاق المبيع مستندة إلى حق سابق على البيع أو آيل إليه من البائع جاز للمشتري أن يحتبس الثمن حتى يقدم البائع كفيلاً مليئاً يضمن للمشتري رد الثمن عند ثبوت الاستحقاق وللبائع أن يطلب إلى المحكمة تكليف المشتري إيداع الثمن لديها بدلاً من تقديم الكفيل.
2.ويسري حكم الفقرة السابقة إذا تبين المشتري في المبيع عيباً قديماً مضموناً على البائع.”
وبناءً على هذا النص إذا وجد المشتري في المبيع عيب قديم ولم يكن قد دفع للبائع الثمن فيحق له احتباس الثمن كله حتى وإن كان العيب في جزء من المبيع، وليس من حق البائع أن يجبر المشتري على قبول الوفاء الجزئي وهو ما تؤكد عليه (المادة330/١) من القانون المدني الأردني على أنه: “ليس للمدين أن يجبر الدائن على قبول وفاء جزئي لحقه ما لم يوجد اتفاق أو نص يجيز ذلك.”
واحتباس الثمن ليس من النظام العام لذا يجوز الاتفاق بين البائع والمشتري على عدم جواز حق المشتري في حبس الثمن فيسقط حقه حينئذ في الاحتباس، كذلك يسقط حق المشتري في احتباس الثمن إذا دفع للبائع الثمن لأن هذا يفيد تنازله عن حقه في الاحتباس.
3. جواز فسخ العقد:
نصت (المادة195) من القانون المدني الأردني على أنه: “1.إذا توفرت في العيب الشروط المبينة في المادة السابقة كان العقد غير لازم بالنسبة لصاحب الخيار قبل القبض قابلاً للفسخ بعده.
2.ويتم فسخ العقد قبل القبض بكل ما يدل عليه دون حاجة إلى تراضي أو تقاضي بشرط علم العاقد الآخر به وأما بعد القبض فإنما يتم بالتراضي أو التقاضي.”
فبناءً على نص هذه المادة إذا ظهر للمشتري عيب خفي مؤثر في المبيع قبل أن يقبضه فإن العقد يكون غير لازم بالنسبة له دون حاجة إلى تراضي بين البائع والمشتري على انفساخ العقد ودون حاجة إلى اللجوء للتقاضي، ولكن يشترط علم البائع بفسخ المشتري للعقد، ويترتب على فسخ العقد قبل قبض المبيع استرداد المشتري الثمن إن كان قد دفعه إلى البائع أو حبس المشتري للثمن إن لم يكن قد دفعه للمشتري.
أما إن قبض المشتري المبيع وظهر فيه عيب خفي قديم مؤثر فيجوز له فسخ العقد إما بالتراضي بينه وبين البائع أو بالتقاضي إذا لم يرض البائع بالفسخ وبعد إعذاره من قبل المشتري، وسواء تم الفسخ بالتراضي أو بالتقاضي فإن الأثر المترتب على ذلك هو رد البائع الثمن للمشتري واسترداد المشتري الثمن من البائع وهو ما نصت عليه (المادة196) من القانون المدني الأردني: “يترتب على فسخ العقد للعيب رد محله إلى صاحبه واسترداد ما دفع.”
4. رجوع المشتري على البائع بنقصان الثمن:
إذا كان المشرع الأردني في (المادة513) من القانون المدني لم يجز للمشتري إمساك المبيع والرجوع على البائع بنقصان الثمن وهو بذلك يخصص النص العام المنصوص عليه في (المادة198) من ذات القانون الذي ينص على أنه: “لصاحب خيار العيب أيضاً إمساك المعقود عليه والرجوع بنقصان الثمن.” فقد نص المشرع الأردني على ثلاث حالات يجوز فيها للمشتري إمساك المبيع المعيب والرجوع على البائع بنقصان الثمن وهاتين الحالتين منصوص عليهما في (المواد516 ، 517 ، 518) من ذات القانون وهم:
أ. هلاك المبيع:
فقد نصت (المادة516) من القانون المدني الأردني على أنه: “إذا هلك المبيع المعيب بعيب قديم في يد المشتري أو استهلكه قبل علمه بالعيب رجع على البائع بنقصان العيب من الثمن.”
فإذا قام المشتري باستهلاك المبيع أو هلك منه المبيع سواء بفعله أم لسبب أجنبي عنه ثم اكتشف أن المبيع كان به عيباً خفياً لم يتبينه من قبل فإنه يحق له الرجوع على البائع بنقصان الثمن بقدر العيب فيتم تقدير قيمة المبيع وهو خالي من العيب وقيمته وهو مبيع والفرق بين القيمتين هي التي يتم إنقاصها من الثمن، فإذا لم يتم التراضي بين البائع والمشتري على مقدار النقصان في الثمن يتم اللجوء إلى القضاء لتقدير قيمة النقصان في الثمن.
أما إن كان المشتري عالماً بالعيب القديم الموجود في المبيع ثم قام باستهلاكه أو هلك منه المبيع فهنا يسقط حقه في إمساك المبيع والرجوع على البائع بنقصان الثمن.
وأجاز المشرع للمشتري في هذه الحالة الرجوع على البائع بنقصان الثمن لأنه لا يستطيع رد المبيع إلى البائع لهلاكه أو استهلاكه فضماناً من المشرع لحق المشتري أجاز له الرجوع على البائع بنقصان الثمن في هذه الحالة.
ب. حدوث عيب جديد:
نصت (المادة517) من القانون المدني الأردني على أنه: “1.إذا حدث في المبيع لدى المشتري عيب جديد فليس له أن يرده بالعيب القديم وإنما له مطالبة البائع بنقصان الثمن ما لم يرض البائع بأخذه على عيبه الجديد.
2.إذا زال العيب الحادث عاد للمشتري حق رد المبيع على البائع بالعيب القديم.”
فبناءً على هذا النص إذا حدث في المبيع عيب جديد وهو في يد المشتري ووجد فيه عيب قديم لم يكن ظاهراً فله إمساك المبيع والرجوع على البائع بنقصان الثمن بقدر العيب القديم، ولكن ليس للمشتري أن يرد المبيع للبائع بالعيب الحديث إلا إذا رضي البائع أخذ المبيع بعيبه الجديد.
ومثال ذلك إذا اشترى المشتري شجرة على أن خشبها للبناء فقام بتقطيعها واتضح أنها تصلح للحطب فقط فللمشتري الرجوع على البائع بنقصان الثمن وليس له أن يرد الخشب بعد أن قام بتقطيعه إلا إذا رضي البائع أخذه وهو بهذه الحالة.
ج. حدوث زيادة في المبيع مانعة من الرد:
نصت (المادة518) من القانون المدني الأردني على أنه: “1.إذا حدث في المبيع زيادة مانعة من الرد ثم ظهر للمشتري عيب قديم فإنه يرجع على البائع بنقصان العيب وليس للبائع الحق في استرداد المبيع.
2.والزيادة المانعة هي كل شيء من مال المشتري يتصل بالمبيع.”
وبناءً على ذلك إذا حدث بالمبيع زيادة متصلة أي كانت من مال المشتري كأن يكون المبيع أرض زراعية وقام المشتري بزراعتها ثم وجد بها عيب خفي قديم فهنا يحق للمشتري إمساك المبيع والرجوع على البائع بنقصان الثمن، وعلة ذلك أن رد المبيع للبائع سيكلف المشتري خسارة ما أنفقه من مال على المبيع ليحدث به هذه الزيادة ولكن يشترط عدم علم المشتري بالعيب القديم قبل إحداث الزيادة.
ويجوز الاتفاق بين البائع والمشتري على رد المبيع المعيب حتى وإن حدث به زيادة متصلة وهو في يد المشتري سواء اتفقا على أن للمشتري مقابل لهذه الزيادة أم لا.
رابعاً: دعوى ضمان العيوب الخفية:
نصت (المادة521) من القانون المدني الأردني على أنه: “1.لا تسمع دعوى ضمان العيب بعد انقضاء ستة أشهر على تسلم المبيع ما لم يلتزم البائع بالضمان لمدة أطول 2.وليس للبائع أن يتمسك بهذه المدة لمرور الزمان إذا ثبت أن إخفاء العيب كان بغش منه.”
وبناءً على هذا النص فإن دعوى ضمان العيوب الخفية تتقادم بمضي ستة أشهر من تاريخ تسلم المشتري للمبيع ويتعين على المشتري قبل رفع الدعوى إعلام البائع بالعيب القديم[5].
فإذا انقضت مدة الستة أشهر من تاريخ تسلم المشتري للمبيع ولم يكتشف وجود عيب خفي خلال هذه المدة ثم وجد العيب الخفي القديم بعد فوات الستة أشهر سقط حقه في رفع دعوى ضمان العيب الخفي.
وإذا كان إخفاء العيب ناتجاً عن غش البائع فهنا يجوز للمشتري رفع دعوى ضمان العيب بعد فوات مدة الستة أشهر بشرط إثبات أن إخفاء العيب كان بغش من البائع ويثبت ذلك بكافة طرق الإثبات لأنها واقعة مادية، ولا يجوز للبائع في هذه الحالة أن يتمسك بتقادم مدة دعوى ضمان العيب.
ويجوز الاتفاق بين كلاً من البائع والمشتري على تقصير مدة سريان دعوى ضمان العيب بحيث لا يكون للمشتري الحق في رفعها خلال مدة أقل من الستة أشهر، كذلك يجوز الاتفاق فيما بينهما على إطالة مدة سريان الدعوى وهو ما نص عليه صراحة في (المادة521/1) السالفة الذكر: “ما لم يلتزم البائع بالضمان لمدة أطول.” ولكن يجب الأخذ في الاعتبار أن هذه المدة يجب ألا تزيد على 15سنة من تاريخ البيع.
خامساً: سقوط خيار العيب:
نصت (المادة197) من القانون المدني الأردني على أنه: “1.يسقط خيار العيب بالإسقاط وبالرضا بالعيب بعد العلم به وبالتصرف في المعقود عليه ولو قبل العلم به وبهلاكه أو نقصانه بعد القبض وبزيادته قبل القبض زيادة متصلة غير متولدة منه وبعد القبض زيادة منفصلة متولدة منه.
2.ولا يسقط بموت صاحبه ويثبت لورثته.”
كما نصت (المادة514) من ذات القانون على أنه: “لا يكون البائع مسئولاً عن العيب القديم في الحالات التالية:
1.إذا بين البائع عيب المبيع حين البيع.
2.إذا اشترى المشتري المبيع وهو عالم بما فيه من العيب.
3.إذا رضي المشتري بالعيب بعد اطلاعه عليه أو بعد علمه به من آخر.
4.إذا باع البائع المبيع بشرط عدم مسؤوليته عن كل عيب أو عن عيب معين إلا إذا تعمد البائع إخفاء العيب أو كان المشتري بحالة تمنعه من الاطلاع على العيب.
5.إذا جرى البيع بالمزاد من قبل السلطات القضائية أو الإدارية.”
إذاً يتضح من خلال نصوص المواد سالفة الذكر أن خيار العيب يسقط في الحالات التالية[6]:
- إذا قام البائع بذكر العيب الموجود في المبيع وقت البيع ورضي المشتري بهذا العيب فهنا يسقط حق المشتري بالرجوع على البائع بالضمان بعد ذلك.
- إذا علم المشتري بالعيب القديم الخفي سواء بنفسه أو من شخص آخر أعلمه بهذا العيب ورضي به سقط حقه في الرجوع على البائع بالضمان.
- إذا اشترط البائع عدم ضمان العيب الموجود في المبيع سواء أكان كل العيوب أو عيب بعينه وقبل بذلك المشتري أو تم الاتفاق بينهما صراحةً أو ضمناً على سقوط حق المشتري في ضمان العيب.
- إذا هلك المبيع أو استهلك وهو في يد المشتري فلا يحق له مطالبة البائع باسترداد المبيع لفوات محله وإنما يحق له الرجوع على البائع بنقصان الثمن.
- إذا انقضت مدة الستة أشهر من وقت تسلم المشتري للمبيع ولم يكتشف العيب القديم إلا إذا كان خفاء العيب بسبب غش البائع فلا يسقط حقه في الضمان حينئذ.
- إذا تصرف المشتري في المبيع تصرف المالك بعد أن اطلع على العيب فهذا يدل على رضاه بالعيب.
- إذا كان البيع قد تم من جهة القضاء أو الإدارة عن طريق المزاد لأنه يكون هناك فترة للاطلاع على المبيع قبل دخول المزايدة من قبل المزايدين.
- إذا زاد المبيع سواء أكانت زيادة قبل القبض متصلة به أو زيادة بعد القبض منفصلة عن المبيع ومتولدة منه.
- إذا كان العيب مما جرى التسامح فيه عرفاً.
سادساً: حكم محكمة التمييز الأردنية المتعلق بضمان العيب الخفي:
قضت محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية في الحكم رقم 2979/2021 الصادر بتاريخ 7/7/2021ما يلي: “وحيث إنه ليس للمشتري إمساك المبيع والمطالبة بالتعويض عما أحدثه العيب في المبيع من نقصان في القيمة وليس له أن يطالب بنقصان قيمة المبيع. وحيث إن المحكمة حكمت للمدعي بالتعويض عن نقصان القيمة في المبيع مع الإمساك به فيكون قرارها مخالفاً للمادة(513/1)من القانون المدني ومخالفاً للمادة(198/1)من قانون الأصول المدنية من جهة ثانية كونها حكمت للمدعي بشيء لم يطلبه أصلاً. وحيث إن هذه القاعدة الإجرائية من النظام العام للمحكمة إثارتها من تلقاء نفسها في أي مرحلة كانت عليها الدعوى ولو لم يتمسك بها أو يثرها أحد من الخصوم مما يجعل الحكم المميز مستوجباً النقض.”
سابعاً: الخاتمة:
بعد بياننا للنقاط سالفة الذكر نستنج أن المشرع كفل للمشتري الحق في الرجوع على البائع بضمان العيوب الخفية القديمة المؤثرة في المبيع والتي لم يكن المشتري على علم بها وقت تسلمه المبيع فيحق له رد المبيع أو قبوله أو الرجوع على المشتري بنقصان الثمن أو فسخ العقد وكذلك رفع دعوى ضمان العيب الخفي، ويشترط في العيب الموجب للضمان أن يكون قديماً ومؤثراً وخفياً ولم يكن المشتري عالماً به.
إعداد/ أبرار السيد.
[1] انظر: الوزان، وليد محمد بخيت، إبراء المسؤولية البائع من ضمان العيب الخفي في عقد البيع، موقع دار المنظومة، ص١٥.
[2] انظر: الوزان، وليد محمد بخيت، المرجع السابق، ص١٦.
[3] انظر: عبد الرزاق السنهوري، العقود التي ترد على الملكية، الوسيط الجزء الرابع، ص626وما بعدها، وانظر: الوزان، وليد محمد بخيت، إبراء المسؤولية البائع من ضمان العيب الخفي في عقد البيع، موقع دار المنظومة، ص18وما بعدها، وانظر: الشناوي، سنان خليل سلامة، مسقطات ضمان العيب الخفي في عقد البيع في القانون المصري والقانون الأردني: دراسة مقارنة، موقع دار المنظومة، ص12وما بعدها.
[4] انظر: الوزان، وليد محمد بخيت، إبراء المسؤولية البائع من ضمان العيب الخفي في عقد البيع، موقع دار المنظومة، ص31وما بعدها.
[5] انظر: الوزان، وليد محمد بخيت، إبراء المسؤولية البائع من ضمان العيب الخفي في عقد البيع، موقع دار المنظومة، ص83وما بعدها.
[6] انظر: سالم، نور الدائم علي أحمد، ضمان العيوب وتخلف المواصفات في عقد البيع: دراسة مقارنة، موقع دار المنظومة، ص170وما بعدها، انظر: الوزان، وليد محمد بخيت، إبراء المسؤولية البائع من ضمان العيب الخفي في عقد البيع، موقع دار المنظومة، ص43وما بعدها.

