الإكراه السلبي في القانون المدني الأردني
إن الأصل في كل شخص أنه أهل للتعاقد ما لم يكن هناك نص قانوني يسلب تلك الأهلية أو يحد منها, ولا يكفي تلك الأهلية فقط لصحة التعاقد وإنما لابد من توافر الرضا لدى هذا الشخص وأن تسلم ارادته من الإكراه .
ونظرا لأهمية العقود في حياة البشر فقد اهتمت التشريعات المختلفة تنظيمها وبيان شروطها وما يعتريها من عيوب تؤثر في صحة انعقادها , ولعل جل ما تؤثر فيها هو عيوب الرضا من غلط واكراه وغش وتدليس , ويأتي الإكراه بأنواعه سببا رئيسيا يؤثر في إرادة المتعاقد إذ أنه يحمل ويدفعه إلى ابرام التعاقد على نحو ما يطلبه المكرِه منه.
أولا: مفهوم الإكراه وأنواعه
ويمكن تعريف الإكراه بأنه حمل المتعاقد أو دفعه إلى ابرام عقد معين وذلك باستعمال وسيله للضغط عليه قد يكون بتهديده بحياته أو بجسمه أو بث روح الخوف أو القلق إلي نفسه مما يجعله يوافق على ابرام التعاقد على النحو الذي يطلبه الشخص المكرِه.
ويعتبر الإكراه عيب من عيوب الرضا الذي يمس الإرادة ويجعلها معيبه, وبموجبه يضغط المكرِه على شخص بتهديده بفعل معين وهو المكرَه كي يدفعه للتعاقد وهذا هو الأصل, وقد يمتنع المكرِه عن فعل ما بحيث يسبب ضررا للمكرَه أو يكون الامتناع عن هذا الفعل مسببا لضرر له بما يحمله إلى تنفيذ ما طلبه منه.
ولقد عرفته مجلة الأحكام العدلية في المادة \948بأنه” إجبار أحد على أن يعمل عملا بغير حق دون رضاه بالإخافة”.
ولقد عرفته محكمة النقض المصرية في حكم لها بأنه” الإكراه المبطل للرضا تحققه بتهديد المتعاقد بخطر محدق بنفسه أو بماله أو باستعمال وسائل ضغط لا قبل له باحتمالها أو التخلص منها ويكون من نتيجة ذلك حصول رهبة يبعثها المُكرِه في نفس المُكرَه بغير حق تحمله على الإقرار بقبول ما لم يكن ليقبله اختيارا”([1]).
وعرفه البعض بأنه” فعل يوقعه الإنسان بغيره يفوت به رضاه أو يفسد اختياره والإكراه بنوعيه الملجئ وغير الملجئ يعدمان الرضا فالإكراه الملجئ يفسد الاختيار والإكراه غير الملجئ الذي يوجب الغم كالضرب غير المبرح يفوت به الرضا مع بقاء الاختيار الصحيح”([2]).
ولقد عرفه المشرع الأردني في المادة \135من القانون المدني بأنه” إجبار شخص بغير حق على أن يعمل عملا دون رضاه ويكون ماديا أو معنويا”.
ويفهم من هذه المادة أن الإكراه نوعان :
الإكراه المادي وهو الذي يقع على جسم الانسان فيضطر الشخص بإبرام العقد وذلك بهدف التخلص من الإكراه أو لتفادي ما يمكن أن يقع عليه من أذى على جسمه .
والإكراه المعنوي ويتمثل في التهديد بالإيذاء أو القتل بغرض بث روح الخوف والقلق في نفس الشخص المكرَه لحمله على قبول التعاقد على النحو المطلوب.
وفعل الإكراه يأخذ طريقين بنوعيه يأخذ طريقين إما ايجابي أو سلبي :
الإكراه الايجابي وهو التهديد بالقيام بعمل معين لحمل شخص على التعاقد أو فعل عمل معين.
والإكراه السلبي وهو امتناع المكرِه عن عمل معين بقصد احداث ضرر لشخص آخر هو المكرَه لحمله على التعاقد بما يرضي الأول, كما هو الحال في الطبيب الذي يمتنع عن اجراء عمليه لمريض في وقت حاجته إليها ويهدده بعدم اجراءها بهدف دفعه إلى التعاقد بأجر معين يطلبه المكرِه (الطبيب).
ثانيا: شروط الإكراه السلبي
يشترط لتحقق الإكراه السلبي واعتباره مؤثرا في الرضا على شخص المكرَه توافر عدة شروط وهي:
1- عدم مشروعية الإكراه
ولقد أشار المشرع الأردني إلى هذا الشرط في المادة \135من القانون المدني عندما نص على أنه” الإكراه هو اجبار الشخص بغير حق على أن يعمل عملا دون رضاه ويكون ماديا أو معنويا”.
فقد اشترط المشرع أن يكون الإكراه بغير حق أي اشترط أن يكون الإكراه مشروعا، إذ أنه قد يكون الإكراه مشروعا وقد يكون غير مشروعا:
أ- الإكراه المشروع وهو الضغط على شخص باستعمال وسائل إكراه مشروعة أو غير مشروعة لتنفيذ أمر معين لغرض مشروع , ففي هذه الحالة يكون الغرض من الإكراه هو حصول المكرِه على شيء فيه حق له , كما في حالة حمل شخص على تنفيذ حكم قضائي بنقل ملكية عين معينه لشخص آخر.
ب- الإكراه غير المشروع وهو في حالة إذا ما كان المكرِه يسعى إلى الحصول على شيء ليس له فيه حق له حتى ولو باستعمال وسائل إكراه مشروعة كمن يهدد شخصا بالتشهير به إن لم يحصل على قطعة أرض يملكها, أو تهديد الغير بإشهار إفلاسه إذا لم يضف مبلغ يزيد على مبلغ الدين المحدد بسند الدين.
فيجب في الرهبة القائمة على أساس أن يكون قد بعثها المكرِه في نفس المكرَه (بغير حق) فالدائن الذي يهدد مدينه بمقاضاته إذ لم يعترف بالدين إنما يستعمل وسيلة قانونية للوصول إلى غرض مشروع وما دام الغرض مشروعا فلا يعتبر الإكراه قد وقع بغير حق أما إذا كان الغرض من الإكراه غير مشوع كما إذا استغل المكرِه ضيق المكرَه ليبتز منه ما يزيد كثيرا على ما في ذمته من حق فيكون الإكراه على نقيض ما تقدم واقعا بغير حق ولو أن حق الدائن في هذا الفرض قد اتخذ وسيلة لبلوغ الغرض المقصود([3]).
ولقد قضت محكمة النقض المصرية في حكم لها باشتراط أن يكون الإكراه مشروعا كي لا يبطل العقد بأن” إنه وإن كان يشترط في الإكراه الذي يعتد به سبباً لإبطال العقد أن يكون غير مشروع وهو ما أشارت إليه المادة 127/ 1 من القانون المدني إذ نصت على أنه. يجوز إبطال العقد للإكراه إذا تعاقد شخص تحت سلطان رهبة بعثها المتعاقد الآخر في نفسه دون حق وكانت قائمة على أساس “مما مفاده أنه يجب في الرهبة أن يكون المكره قد بعثها في نفس المكره بغير حق، وعلى ذلك فإن الدائن الذي يهدد مدينه بالتنفيذ عليه إنما يستعمل وسيلة قانونية للوصول إلى غرض مشروع، فلا يعتبر الإكراه قد وقع منه بغير حق – إلا أنه إذا أساء الدائن استعمال الوسيلة المقرر قانوناً بأن استخدمها للوصول إلى غرض غير مشروع كما إذا استغل المكره ضيق المكره ليبتز منه ما يزيد عن حقه، فإن الإكراه في هذه الحالة يكون واقعاً بغير حق ولو أن الدائن قد اتخذ وسيلة قانونية لبلوغ غرضه غير المشروع، وذلك على ما صرحت به المذكرة الإيضاحية للقانون المدني”([4]).
2- مقدرة المكرِه على ايقاع تهديده
ولقد نص المشرع الأردني على هذا الشرط ف المادة \ 140 من القانون المدني على أنه” يشترط أن يكون المكرِه قادرا على ايقاع ما هدد به وأن يغلب على ظن المكرَه وقوع الإكراه عاجلا إن لم يفعل ما أكره عليه”.
ويفهم من هذه المادة أنه لا يكفي لحصول الإكراه أن يكون المكرِه لديه القدرة على الحاق الضرر بالمكرَه أو على احداث ما هدد به للمكرَه , بل أيضا اشترط المشرع أن يغلب على ظن المكرَه أن الإكراه واقع عاجلا وأن يغلب على ظنه أنه عاجز عن التغلب عن التهديد بالهرب أو بالاستعانة بأحد كي يخلصه منه وبالتالي فهو يضطر إلى تنفيذ ما يطلبه منه المكرِه.
3- أن يكون الإكراه باعثا على رهبة المكرَه
فالإكراه لا يفسد الرضا وإنما الرهبة هي التي تفسد الرضا, إذ أن الإكراه هو وسيلة ضغط تتأثر به إرادة الشخص فيندفع به إلى التعاقد, وكذلك ليست الوسائل المادية التي تستعمل في الإكراه هي التي تفسد الرضا وإنما الرهبة التي تقع في نفس المتعاقد هي التي تفسد الرضا([5]).
ولقد كان المشرع المصري أكثر دقة عندما نص في المادة \127من القانون المدني على اعتبار أن الرهبة هي التي تفسد الرضا أنه” 1- يجوز إبطال العقد للإكراه إذا تعاقد شخص تحت سلطان رهبة بعثها المتعاقد الآخر في نفسه دون حق وكانت قائمة على أساس.
2- وتكون الرهبة قائمة على أساس إذا كانت ظروف الحال تصور للطرف الذي يدعها أن خطرا جسيما محدقا يهدده هو أو غيره في النفس، أو الجسم، أو الشرف، أو المال .
3- ويراعي في تقدير الإكراه جنس من وقع عليه الإكراه وسنه وحالته الاجتماعية والصحية وكل ظرف أخر من شأنه أن يؤثر في جسامة الإكراه”.
ويقصد بذلك أن يكون الإكراه الواقع على المكرَه باعثا في نفسه الرهبة والقلق بما يدفعه إلى تنفيذ ما يطلبه منه المكرِه, كما في حالة الخوف والرهبة اللذان يستحوذان على المكرَه من جراء امتناع الطبيب عن اجراء العملية له وما يترتب على ذلك من امكانية حدوث مكروه وهو ما يدفعه إلى الخضوع لرغبة الطبيب وقبول التعاقد بدفع المبلغ المطلوب لإجراء العملية.
أي يكون ما بعثه المكرِه في نفس المكرَه من رهبة وخوف هو ما دفعه إلى قبول ما لم يكن ليقبله اختيارا وهذا هو الإكراه المفسد للرضا الذي لا يتحقق إلا بالتهديد المفزع في النفس, وهو يختلف عن الإكراه المبطل للرضا والذي يترتب عليه بطلان العقد بطلانا أصليا كما لو أمسك المكرِه بيد المكرَه والقلم فيها للتوقيع على العقد فالإرادة هنا منعدمه.
وهو ما قضت به محكمة النقض المصرية في حكم لها بأن” المقرر – في قضاء محكمة النقض – أن الإكراه المبطل للرضا ، إنما يتحقق بتهديد المكره بخطر جسيم محدق بنفسه أو بماله ، أو باستعمال وسائل ضغط أخرى لا قبل له باحتمالها أو التخلص منها ، ويكون من نتيجة ذلك حصول رهبة تحمله على الإقرار بقبول ما لم يكن ليقبله اختياراً ، وأنه يشترط في الإكراه الذى يعتد به سبباً لإبطال التصرف ، أن يكون غير مشروع ومفاد ذلك أن الدائن الذى يهدد مدينة بالتنفيذ عليه ، إنما يستعمل وسيلة قانونية للوصول إلى غرض مشروع ، فلا يعتبر الإكراه قد وقع منه بغير حق ، إلا إذا أساء الدائن استعمال الوسيلة المقررة قانوناً ، بأن استعمالها للوصول إلى غرض غير مشروع”([6]).
4- أن يكون الإكراه قد وقع بفعل شخص المكرِه
فلا يكفي لوقوع الإكراه السلبي أن يوجد إكراه فحسب بل لابد وأن يكون هذا الإكراه بفعل المكرِه نفسه أو نائبه أو شخص تابع له وليس شخص آخر بعيدا عن العقد.
ولقد أورد المشرع المصري في نص المادة \128من القانون المدني على اشتراط أن يكون الإكراه قد صدر من أحد طرفي العقد على أنه” ” إذا صدر الإكراه من غير المتعاقدين ، فليس للمتعاقد المكره أن يطلب إبطال العقد ، ما لم يثبت أن المتعاقد الآخر كان يعلم أو كان من المفروض حتما أن يعلم بهذا الإكراه”.
إذ أنه اشترط لكي يكون العقد باطلا ان يكون المتعاقد الآخر يعلم أو كان من المفترض أن يعلم بهذا الإكراه.
ثالثا: عناصر الإكراه السلبي
ويفهم من نص المادة \140 سالفة الذكر أن الإكراه له عنصران هما:
1- استعمال وسائل إكراه تهدد بخطر جسيم
ويقصد بذلك أن يستعمل المكرِه وسائل يكون من شأنها أن تهدد المكرَه بخطر جسيم محدق به وهذه الوسائل لها تأثيرها على النفس فتهدده في نفسه بخطر جسيم بنفسه أو في ماله , وقد تكون تلك الوسائل مشروعة أو غير مشروعة إلا أن العبرة هي بالغرض منها فمتى كان غير مشروع فيتحقق الإكراه كما لو استغل صاحب الحق المطالبة بحقه لأخذ فائدة غير مشروعة من المدين.
ويشترط أن ينصب الإكراه على خطر جسيم يحدق بنفس المكرَه أو جسمه كما في حالة الطبيب الذي يمتنع عن أداء العملية الجراحية للمريض إلا بعد التعاقد بدفع مبلغ كبير من النقود, وهو ما نصت عليه المادة \ 136من القانون المدني الأردني على أنه” يكون الإكراه ملجئ إذا كان تهديدا بخطر جسيم محدق يلحق بالجسم أو المال …….”.
2- حصول رهبة في النفس يبعثها الإكراه
فيشترط ان يبعث الإكراه الذي يقوم به المكرِه الرهبة في نفس المكرَه أي الخوف الشديد والقلق الذي يولد شعورا بعدم الاطمئنان ويتولد لديه الإحساس بأنه ليس أمامه سوى القبول بما يطلبه منه المكرِه.
وتنص المادة \ 139من القانون المدني الأردني على أنه” يختلف الإكراه باختلاف الأشخاص وسنهم ومناصبهم ودرجة تأثرهم وتألمهم من الإكراه شدة وضعفا”.
فالرهبة التي يحدثها الإكراه تختلف من شخص لآخر بحسب سنة فالصغير ليس كالرجل الكبير فالتأثر بالرهبة يختلف من واحد لآخر, وبحسب منصبه وكذلك بحسب درجة تأثره وتألمه من الإكراه فالجميع ليس سواء في درجة التأثر فقد يكون شخص يؤثر فيه الإكراه ويحدث ألما أكثر من آخر الذي لا يحدث فيه الإكراه أثر بسيط إن لم يكن يحدث أساسا, فالغني ليس كالفقير والصحيح ليس كالمريض فتختلف درجة تأثر كل واحد باختلاف ظروفه وشخصه.
رابعا: الأثر القانوني للإكراه
بطبيعة الحال ما دام أن الإكراه هو عيب من عيوب الرضا والذي هو شرط من شروط صحة التعاقد فبالتالي فان وجود عيب في أحد شروط التعاقد فانه يترتب عليه أن العقد يكون موقوفا في مصلحة المكرَه وغير نافذ.
ورغم ذلك فانه يكون العقد جائزا وذلك إذا أجازه المكرَه أو ورثته وهو ما نصت عليه المادة \ 141من القانون المدني الأردني على أنه” من أكره بأحد نوعي الإكراه على ابرام عقد لا ينفذ عقده ولكن لو أجازه المكرَه أو ورثته بعد زوال الإكراه صراحة او دلالة ينقلب صحيحا”.
– الإكراه في حالة الضرورة
ويظهر هذا النوع من الإكراه كما لو جدت حالة ضرورة واستغل فيها شخص الموقف واشترط فعل أو طلب مال من القيام بشيء كما لو كانت هناك سفينة تغرق في البحر وأرسلت استغاثه فحضرت إليها سفينة بوجوده قربها إلا أن القبطان الأخيرة استغل الموقف وطلب مبلغ من المال في مقابل انقاذها بالركاب فاضطر قبطان السفينة الأولى أن يقبل, فيعد الفعل هنا اكراه في حالة الضرورة.
رغم أن المشرع الأردني لم ينص على الإكراه في حالة الضرورة وأثره على الرضا إلا أن إلا أن الفيصل هو موقف الرضا وهل هو سليم أم معيب فإذا كان معيبا بعيب الإكراه فانه يترتب عليه بطلان العقد المتفق عليه ولا حاجة للنص عليه في القانون.
الخاتمة:
يعد الرضا ركن من أركان العقد وبغيابه نكون أمام عقد غير صحيح, ويطرأ على الرضا عيوب, ومناط الرضا هي الإرادة, فقد تكون الإرادة معدومة كإرادة الصبي المميز أو المجنون وفي هذه الحالة يترتب عليها بطلان العقد وقد تكون الإرادة موجودة إذا كانت قد صدرت من كامل الاهلية إلا انها تكون معيبه بعيب الإكراه أو الغلط او التدليس ففي هذه الحالات لا يكون العقد باطلا وإنما يكون العقد موقوفا أو غير نافذ أي يجوز للمكرَه فسخه.
كتابة دكتور \ عبدالمنعم الشرقاوي
([1]) حكم نقض مصري, طعن رقم \ 13184لسنة75ق, جلسة 24\3\2007, مجموعة أحكام النقض.
([2]) د. سليم رستم باز, شرح مجلة الأحكام العدلية , بيروت, المطبعة الأدبية , 1923, ص536.
([3]) مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون المدني المصري, ج2, ص180.
([4]) حكم نقض مصري, طعن رقم \ 365لسنة38ق, جلسة 2\1\1974, مجموعة أحكام النقض.
([5]) د. عبدالرزاق السنهوري, الوسيط في شرح القانون المدني, نظرية الالتزام بوجه عام, مصادر الالتزام, المجلد الأول, فقرة 187
([6]) حكم نقض مصري, طعن رقم \ 7763لسنة74ق, جلسة 7\4\2014, مجموعة احكام النقض.

