أحكام عقد العمل الجماعي في قانون العمل الأردني
مع تزايد النمو الاقتصادي في الآونة الأخيرة من القرن العشرين ظهرت شركات كبرى تدير قطاعات كبيرة للغاية وعلى درجة عالية من الأهمية وتضخ مبالغ ضخمة في الاستثمار، ومثال هذه الشركات شركة السكة الحديد والغزل والنسيج والكهرباء والنقل الجوي، وبانتشار هذه الشركات الكبرى أصبحت الحاجة ملحة إلى إنشاء عقود عمل جماعية لتنظيم عمل تلك الشركات الضخمة في سوق العمل.
وقد قامت شركة حماة الحق بإطلاق حاسبة الحقوق العمالية الإلكترونية لحساب مقدار حقوق العامل عن فترة عمله.
ومما سبب زيادة العمل بها هو أن قانون العمل أكثر ما يميزه عن القوانين الأخرى هو أنه يلجأ إلى أساليب جماعية لينظم العمل وهذا يتضح من فكرة النقابات التي ينظمها القانون للعمال وأصحاب المهن، وأهم ما يميز عقود العمل الجماعية هو وجود طرق خاصة بها لتسوية النزاعات التي قد تنشأ منها تختلف عن الطرق التقليدية، وسوف نوضح بالتفصيل تنظيم عقد العمل الجماعي في قانون العمل الأردني كالآتي:
ثانيا: فائدة عقد العمل الجماعي وأهميته
ثالثا: أطراف عقد العمل الجماعي
رابعا: الشروط الشكلية لانعقاد عقد العمل الجماعي
خامسا: الشروط الموضوعية لانعقاد عقد العمل الجماعي
سادسا: إنهاء عقد العمل الجماعي
سابعا : ماهية منازعات العمل الجماعية وطرق تسويتها
أولا: ماهية عقد العمل الجماعي
عرف المشرع الأردني عقد الجماعي في المادة رقم (2) من قانون العمل الأردني على أنه:
” اتفاق خطي تنظم بمقتضاه شروط العمل بين صاحب العمل أو نقابة أصحاب العمل من جهة ومجموعة عمال أو النقابة من جهة أخرى”.
ويتضح من التعريف أن عقد العمل الجماعي عبارة عن اتفاق خطي لتنظيم جماعي أو مشترك، الغاية منه تنظيم شروط العمل ويكون الأطراف هما ممثلي العمال نقابة أو مجموعة من القوى العمالية وممثلي أصحاب الأعمال أو مجموعة من أصحاب الأعمال، أو شركة، أو نقابة، أو جمعية ويكون هذا التنظيم الهدف منه تحقيق أكبر مزايا للطرفين من علاقات العمل التي تجمعهم، والحفاظ على حقوقهم التي كفلها لهم القانون.[1]
ثانيا: فائدة عقد العمل الجماعي وأهميته
أ. فوائد عقد العمل الجماعي
عقد العمل الجماعي يتميز بالعديد من الفوائد والمزايا في تنظيم علاقات العمل ويسد أي نقص أو إخلال في التشريع من جهة تنظيم العمالة، ولما كان له من مرونة لكافة النزاعات التي قد تنشأ بين العمال وصاحب العمل التي قد لا يكون وضع لها قانون العمل تصورًا أو حلولًا، لذلك يطلق عليه “عقد العمل التفاوضي”.
فوائد عقد العمل الجماعي منها ما يأتي:
1/ عقد العمل الجماعي يزيل التفاوت بين العمال وأصحاب الأعمال، ويجعل هناك توازن بينهما، كما يجعل العمال يحصلون على مزايا أكثر مما هي متاحة في قانون العمل.
2/ يفيد العمال من نواحي كثيرة حيث يساعدهم في الحصول علي مستوى معيشي أفضل ويحسن مستوى الدخل السنوي لهم، حيث إن التواصل بين أصحاب الأعمال والعمال يكون من خلال النقابة، والنقابة بدورها تتواصل مع أصحاب الأعمال بصفة دورية لضمان مستوى معيشي أفضل للعمال التابعين لها.
3/ عقود العمل الجماعية تضمن انضمام العمال للنقابات، وهذا في حد ذاته فائدة كبيرة للعمال حيث إن العقود توفر تأمين صحي لأفرادها ومعاشات وتحاول جاهدة حل أية مشاكل تواجه العمال وغيرها من الفوائد التي تعم العامل إثر انضمامه للنقابة.
4/ عقد العمل الجماعي يجعل العمال يشعرون أنهم قوة في مواجهة صاحب العمل مما يرفع من الروح المعنوية لديهم ويخلق جو عام إيجابي لدى العمال، ويعود هذا على الإنتاج، حيث تزداد الإنتاجية، وبذلك يكون عقد العمل الجماعي وفق بين مصلحة العمل ومصلحة أصحاب الأعمال.
5/ عقد العمل الجماعي يؤمن استقرار العمال في العمل ويحميهم من الشعور بأنهم غير مستقرين وأن صاحب العمل قد ينهي عقد عملهم في أي لحظة.
6/ من أهم مميزات عقد العمل الجماعي أنه يحدد آليات لتسوية النزاعات التي تنشأ بين العمال وصاحب العمل.[2]
ب. أهمية عقد العمل الجماعي
لعقد العمل الجماعي الذي ينظم العلاقة بين العمال وأصحاب الأعمال أهمية كبيرة على مستويات عدة وسوف نذكر بشيء من التفصيل أهمية عقد العمل الجماعي على المستوى الاجتماعي والاقتصادي.
أهمية عقد العمل الجماعي من الناحية الاقتصادية
عقد العمل الجماعي يحقق المساواة بين العمال لأن أجورهم جميعا تكون متساوية، فيؤدي ذلك إلى تخفيف حدة التنافس بينهم، ويجعلهم عندما يطالبون بحقوقهم يكونوا قوى واحدة في مواجهة صاحب العمل، وهذا يحقق حفظ حقوقهم وعدم ضياعها ويجعل أصحاب الأعمال يبتعدون عن المساس بحقوقهم، ولا يتعدون على حقوق العمال لتخفيف أعباء الإنتاج ويبحثون عن طرق أخرى لتخفيف أعباء الإنتاج.
وعقد العمل الجماعي يحقق مكسب اقتصادي للعمال لا يستطيعون أن يجنوا تلك المكاسب من عقود العمل الفردية، لأن مركزهم بها أقوى من مركزهم في عقود العمل الفردية، ويخلق توازن بين طرفي العقد من حيث مركزهم فيه، ويخفف من الشروط التعسفية التي يتم النص عليها في عقود العمل الفردية لأن النقابة تتفاوض وتتناقش في كافة الشروط التي تري أن فيها تعدي على حقوق العمال.[3]
أهمية عقد العمل الجماعي من الناحية الاجتماعية
يحد عقد العمل الجماعي من النزاعات التي قد تحدث بين صاحب العمل والعمال، ويطلق عليه مجازاً معاهدة السلام لأنه يوفر السلام والراحة الاجتماعية لطرفي العقد، وينظم العلاقة بين الطرفين ويحافظ على حقوق العمل، فهو بمثابة آلية حضارية فعالة تتم بين صاحب العمل والعمال، كما يحمي حقوق كل طرف وذلك من خلال الأحكام والشروط التي يتم الاتفاق عليها بين الطرفين والتي تكون مناسبة وملائمة لكل منهم.
ثالثا: أطراف عقد العمل الجماعي
النقابات العمالية
النقابات العمالية طرف أساسي في عقد العمل الجماعي، والنقابات العمالية هذه عبارة عن مجموعة من الأشخاص يعملون في نفس المهن وقد عرفها المشرع الأردني في المادة رقم (2) من قانون العمل الأردني أنها:
“تنظيم مهني عمالي يشكل وفق أحكام القانون”.
وأجاز المشرع الأردني من البداية تأسيسها ووضع شروط لتأسيسه بحيث يسمح بإنشاء نقابة من قبل أصحاب المهن بشرط أن لا يقل عددهم عن خمسين شخص، وسمح بانضمام كل شخص مستوفي الشروط إلي النقابة، والهدف الأساسي من تأسيس هذه النقابات هو رعاية مصالح العاملين في المهنة التي تمثلها النقابة، ودور النقابة متمثل في الدفاع عن العاملين وحقوقهم والعمل على زيادة المستوى الاقتصادي والثقافي والمهني لهم.
ب. نقابات صاحب العمل
الطرف الآخر في عقود العمل الجماعية هي نقابات أصحاب الأعمال، فصاحب العمل قد يأخذ أكثر من صورة، إما أن يكون هو الطرف الآخر بشخصه، أو نقابة أصحاب الأعمال، ونقابات أصحاب الأعمال حق ممنوح لأصحاب الأعمال استعماله وفقا للمادة (102) من قانون العمل الأردني ، وفي ذلك مساواة بينهم وبين العمال في أن لهم الحق في تأسيس نقابات فيما بينهم، تبعا للشروط الموضوعة لتأسيس النقابات.[4]
رابعا: الشروط الشكلية لانعقاد عقد العمل الجماعي
عقد العمل الجماعي وثيقة تنظيمية وأداة لتنظيم العلاقة بين صاحب العمل والعمال وجد المشرع الأردني أن الاتفاق الرضائي بين الطرفين لا يكفي، لذلك اشترط المشرع الأردني بعض الشروط الشكلية لضمان تحقيق الأمن والاستقرار؛ ولكي يضمن كل طرف حقه إذا نشأ بينهم أية نزاعات مستقبلية، وهذه الشروط الشكلية هي:
1/ شرط الكتابة
نص المشرع الأردني على الكتابة في عقد العمل في المادة (39) في قانون العمل الأردني، حيث إن الكتابة في عقد العمل الجماعي ليست وسيلة للإثبات وإنما شرط أساسي لانعقاد العقد، وذلك لأن عقود العمل الجماعية لها أهمية كبيرة ونطاق سريانها واسع، وإذا لم يتحقق شرط الكتابة في عقد العمل الجماعي يصبح العقد باطلا[5].
وتُشترط الكتابة لأي تعديل، أو إضافة، أو إلغاء، أو أي ملحق للعقد، أو أي اتفاقات لها علاقة بعقد العمل، وتتبلور أهمية شرط الكتابة في أنه يتم به التحقق من الطرفين وتحفظ حق كل طرف، وتبين الواجبات والالتزامات التي تقع على كلا الطرفين، وفي حالة النزاع يتم الرجوع إلى شروط العقد المكتوبة لمعالجة النزاع.
والأمور التي يشترط كتابتها في عقد العمل الجماعي هي مكان العقد وتاريخه وطبيعة العمل والكيفية التي يشترط أداء العمل بها، وتحديد الأجر المتفق عليه بين الطرفين، وتوضيح التزامات كل طرف وحقوقه، والمدة التي يسري فيها العقد، والشرط الجزائي إذا أخل أي طرف بالتزاماته.
2/ عمل نسخ عديدة من العقد الجماعي وإيداع العقد لدى وزارة العمل مدة سريانه
يلتزم الطرفان بعمل ثلاث نسخ أصلية من عقد العمل الجماعي، على أن يحتفظ كل طرف بنسخة والنسخة الثالثة توضع لدى وزير العمل، ويهدف هذا الشرط إلى سهولة إثبات مضمونه وتيسير الرجوع إليه، لضمان حقوق كل طرف.
أما بخصوص مدة العقد فقد أجاز المشرع الأردني أن يكون العقد محدد المدة أو غير محدد المدة، فإذا تم إبرام عقد محدد المدة فيجب ألا تزيد هذه المدة عن سنتين من تاريخ إبرام العقد، أما اذا كان غير محدد المدة ففي هذه الحالة يحق لأي طرف بعد مرور سنتين من تاريخ إبرام العقد أن ينهي العقد، ولكن بشرط إرسال إخطار إلى الطرف الآخر والوزارة قبل انتهاء العقد بشهر على الأقل، وهذا ما نصت عليه المادة رقم (40) من قانون العمل الأردني، حيث نصت على أنه:
“يكون عقد العمل الجماعي لمدة معينة أو غير معينة، فإذا عقد لمدة معينة فلا يجوز أن تتجاوز الثلاث سنوات وإذا عقد لمدة غير معينة ومضى على تنفيذه سنتان على الأقل فيكون لكل من طرفي العقد حق إنهائه بموجب إشعار يبلغ إلى الطرف الأخر قبل شهر على الأقل من تاريخ الإنهاء وتبلغ الوزارة بنسخة من هذا الأشعار”.
خامسا: الشروط الموضوعية لانعقاد عقد العمل الجماعي
هناك شروط موضوعية يشترط توافرها في عقد العمل الجماعي وهي:
1/ الرضا
الرضا أهم شرط في عقد العمل الجماعي حيث إنه يشترط التراضي بين أصحاب العمل والعمال أو من يمثل كل منهم من نقابات أو جمعيات بالنسبة لأصحاب الأعمال، وفي هذه الجزئية لم ينص المشرع الأردني على قواعد التراضي فيما يخص عقد العمل الجماعي، لذلك يتم الرجوع فيها إلى قواعد التراضي العامة المنصوص عليها في القانون المدني الأردني، وقواعد التراضي في القانون المدني الأردني تتمثل في الإيجاب والقبول وسلامة الإرادة من العيوب كعيب الإكراه والغش.
ولكي يكون التراضي صحيح يشترط الأهلية في طرفي العقد: بالنسبة لصاحب العمل فله حالتان قد يكون صاحب العمل هو شخص واحد فيشترط في هذا الشخص أن يكون بلغ سن الرشد وهو 18 سنة، وإن لم يكن بلغ سن الرشد ينوب عنه وليه أو الوصي عليه، وإما يكون صاحب العمل متمثل في نقابة أصحاب الأعمال وفي هذه الحالة يوقع على العقد من يمثل النقابة، أو أن يكون صاحب العمل متمثل في جمعية أصحاب الأعمال فيقوم مفوض الجمعية بالتوقيع على العقد.
وبالنسبة للعمال فإما أن يكونوا مجموعة من العمال فيشترط فيهم الأهلية ليصح منهم الرضا، أما إذا كانت النقابة هي التي تمثل العمال فيوقع على العقد من يمثل النقابة طبقاً لنظامها الداخلي، لأنها شخص معنوي، يجب أن يكون هناك من يمثله.
2/ محل العقد [6]
من الشروط الموضوعية هو محل العقد، ومحل العقد هو ما يتم الاتفاق عليه بين الطرفين، وقد ظم قانون العمل حقوق العامل، ولكنه وضع الحد الأدنى لها، وبما أن عقد العمل الجماعي هو الذي ينظم العلاقة بين صاحب العمل والعامل فلابد أن لا يقل عن الحد الأدنى للحقوق المنصوص عليها في قانون العمل الأردني، ويلزم أن ينص العقد على أفضل شروط تخص مصلحة العامل.
سادسا: إنهاء عقد العمل الجماعي
نص المشرع الأردني في المادة رقم (41) من قانون العمل الأردني على حالات انتهاء عقد العمل الجماعي، حيث إنها نصت على:
” أ-إذا انتهى عقد العمل الجماعي بانتهاء أجله أو بإنهائه من قبل أحد الطرفين وفقاً لأحكام المادة (40) من هذا القانون وكانت هناك مفاوضات تجديد أو تمديد مدته أو تعديله فإن مفعوله يبقى ساريًا طيلة فترة المفاوضات لمدة لا تزيد عن ستة أشهر فإذا لم تنته المفاوضات إلى اتفاق خلال هذه المدة يعتبر العقد منتهيا.
ب- إن انتهاء عقد العمل الجماعي لا يجيز لصاحب العمل المساس بأي صورة من الصور بالحقوق التي اكتسبها العمال الذين كان عقد العمل يشملهم”.
ومن نص المادة نجد أن هناك ثلاث صور لإنهاء عقد العمل الجماعي وهم:
أ. حالة عقد العمل الجماعي محدد المدة
في حالة عقد العمل الجماعي محدد المدة فإنه ينتهي بانتهاء مدته بشرط ألا تتجاوز الثلاث سنوات، فإذا تجاوزت المدة الثلاث سنوات فإن مدة العقد تنتهي عند المدة الأقل، ولا يسري فيما يزيد عنها من مدد مخالفة للقانون.
ب. حالة عقد العمل الجماعي غير محدد المدة
عقد العمل الجماعي غير محدد المدة ينتهي بإرادة أحد الطرفين، ولكن بثلاث شروط:
1.أن يقوم الطرف الذي يريد إنهاء العقد بإرسال إخطار إلى الطرف الآخر يوضح فيه رغبته، ويرسل هذا الإخطار قبل انتهاء العقد بشهر على الأقل، وذلك محاولة لتلافي أي أضرار قد تنشأ نتيجة إنهاء العقد بصورة فورية.
- يرسل الطرف الذي يريد إنهاء العقد نسخة من الإخطار السابق الإشارة إليه إلى وزارة العمل.
- يشترط مرور مدة ثلاث سنوات على الأقل على تاريخ انعقاد عقد العمل.
ج. حالة التفاوض
إذا انتهى عقد العمل الجماعي فقد يدخل الأطراف في عدة مفاوضات لتمديد مدة العقد أو تجديده، فنص المشرع الأردني على بقاء العقد ساري لمدة لا تزيد عن ستة أشهر، وإذا لم تنجح المفاوضات بين الأطراف يعتبر العقد منتهيا.
سابعا : ماهية منازعات العمل الجماعية وطرق تسويتها
- ماهية منازعات العمل الجماعية:
منازعات العمل الجماعية كما عرفها المشرع الأردني في قانون العمل في المادة رقم (2) منه بأنها:
” كل خلاف ينشأ بين النقابة من جهة وبين صاحب عمل أو نقابة أصحاب العمل من جهة أخرى حول تطبيق عقد عمل جماعي أو تفسيره أو يتعلق بظروف العمل وشروطه”
ومن نص المادة يظهر لنا ماهية المنازعات الجماعية وهي النزاعات التي تنشأ بسبب عقد عمل جماعي سواء لها علاقة بتطبيقه أو تفسيره أو ظروف العمل ذاته والشروط التي تسير فيه، ويشترط في نزاعات العمل أن تنشأ بسبب عقد عمل جماعي أي أحد الأطراف نقابة أو مجموعة من الأشخاص، وقد تنشأ نزاعات العمل بسبب وجود عبارات غير واضحة في العقد فيقوم كل طرف بتأويل هذه العبارات بما يتماشى مع مصلحته، أو بسبب عدم قيام أحد الأطراف بالالتزامات بشكل كلي أو جزئي أو بسبب أن صاحب العمل يريد تخفيف أعباء الإنتاج عن طريق تقليل حجم العمل أو تقليل رواتبهم، أو يأتي على مصلحتهم بأي شكل من الأشكال.
وتنقسم صور منازعات العمل الجماعي إلى نوعين، نوع عادي وهو عبارة عن مجموعة مفاوضات مع صاحب العمل يطالبون بحقوقهم أو من صاحب العمل مع العمال يحاول إقناعهم بقراراته التي اتخذها، أما النوع الثاني وهو منازعات العمل غير العادية، وهذه تكون بالإغلاق أو بالإضراب.
وقد نظم المشرع الأردني صور المنازعات غير العادية وحاول حماية حقوق العمال قدر الإمكان، والصورة الأولى من صور المنازعات العمالية الجماعية هو الإغلاق وهو عبارة عن قيام صاحب العمل بإغلاق المؤسسة التي يعمل بها العمال وذلك للضغط عليهم للموافقة علي شروطه، وقد ينصاع له بعض العمال بشكل جزئي أو كلي..
وقد يكون الإغلاق مشروع في حالة ما إذا لم يكن هناك أحد الحالات المنصوص عليها أن الإغلاق فيها غير مشروع وهذه الحالات هي (إذا أحيل النزاع العمالي إلى لجنة توفيق أو مندوب، أو صدر قرار من المحكمة العمالية وتم تنفيذ القرار على النزاع، أو كان الإغلاق بعد تسوية النزاع)، ولكن يمكن أن يرسل صاحب العمل إخطار إلى العمال قبلها ب 14 يوم على الأقل بأنه يحتج بالإغلاق ويبين السبب الذي جعله يستخدم الإغلاق.
فإذا كان الإغلاق مشروع يكون صاحب العمل غير ملتزم بدفع الأجور للعمال، أما إذا كان الإغلاق غير مشروع يكون ملزم بدفع الأجور خلال فترة الإغلاق بأكملها، وهذا ما نص عليه المشرع الأردني في المادة رقم ( 131) من قانون العمل الأردني.
أما الإضراب يكون بتوقف العمال عن العمل، وعادة ما يكون الغرض من الإضراب هو الضغط على صاحب العمل وإرغامه على تنفيذ شروطهم لأن الهدف من إضرابهم من الأساس هو تحسين ظروف المعيشة إلى الأفضل، ويكون الإضراب مشروعاً إذا تم إخطار صاحب العمل به قبل البدء في الإضراب بمدة لا تقل عن 14 يوما ويشترط توضيح سبب الإضراب فيه.
وفي حالة الإضراب المشروع فقد ألزم المشرع الأردني بإعطاء العمال أجورهم طوال فترة الإضراب، أما غير المشروع فهو مجرم وقد ألزم المشرع الأردني العمال بدفع غرامة مالية نتيجة الإضرار بصاحب العمل.[7]
- طرق تسوية نزاعات العمل الجماعية
يتم تسوية منازعات العمل الجماعية بثلاث طرق:
- التوفيق
أحد الوسائل والطرق التي يتم اللجوء إليها لحل منازعات العمل الجماعية وهي عبارة عن تدخل طرف ثالث يقوم بالتوفيق بين الطرفين، ويحاول أن يقرب بين وجهات النظر ويصل إلى حلول مرضية للطرفين، ويكون مندوب التوفيق معين بواسطة وزارة العمل على ضوء المادة (121) من قانون العمل الأردني، وإذا نجح مندوب التوفيق في التدخل وحل النزاع فيقوم بكتابة عقد جماعي يذكر فيه ما توصل إليه خلال التوفيق بين أطراف العقد، ويصبح هذا العقد وملحقاته ملزماً للطرفين، ويكون هذا العقد مصدق عليه من قِبلهما، ويحتفظ مندوب التوفيق بنسخة منه.
أما في حالة عدم نجاح مندوب التوفيق في التوفيق بين الأطراف يقوم بتقديم تقرير إلى وزير العمل يوضح فيه أسباب النزاع ويذكر كافة المفاوضات التي دارت بين الأطراف وعدم تقديم هذا التقرير بعد مدة لا تزيد عن 21 يوما من يوم تسلمه مهمة مندوب التوفيق، ويحيل النزاع إلى مجلس التوفيق.
- المفاوضات الجماعية
الطريق الأساسي لتسوية منازعات العمل الجماعية هو المفاوضات الجماعية، وتتم المفاوضات الجماعية عن طريق التفاوض بين النقابة التي تمثل العمال مع صاحب العمل أو من يمثله، والهدف من المفاوضات هو الوصول إلى حل بطريقة ودية، والدول تشجع وسيلة المفاوضات الجماعية لأنها أفضل الطرق وأيسرها.
والمقصود بالمفاوضات هي النقاشات والمساومات التي تتم بين صاحب العمل والعمال وموضوعها هو ظروف العمل وشروطه، ولا شك في أن هذه المفاوضات أصعب أنواع المفاوضات، والمفاوضات لها ثلاث مستويات، هي المفاوضات على مستوى المؤسسة والمفاوضات على مستوى النشاط الاقتصادي والمفاوضات على مستوى الدولة.
- القضاء عن طريق المحكمة العمالية
نحن هنا بصدد المرحلة الأخيرة من مراحل تسوية المنازعات الناتجة عن عقود العمل الجماعية، حيث يلجأ الطرف المتضرر إلى المحكمة العمالية، بعد أن فشلت كافة طرق تسوية المنازعات الأخرى، والمحكمة العمالية محكمة مختصة بالنظر في قضايا قانون العمل، فتنظر كافة قضايا قانون العمل ومن ضمنها المنازعات الناتجة عن عقود العمل الجماعية، ويصدر حكمه حياديا، فتُشكل المحكمة من ثلاثة قضاة نظاميون لنظر كل قضية وذلك لضمان إصدار حكم حيادي.[8]
ثامنا: الخاتمة
ان التعاقد الجماعي أصبح في غاية من الأهمية في الآونة الأخيرة ويعد من الوسائل التي كثر التعامل بها، فهي وسيلة جديدة لمحاربة القصور والخلل في عقود العمل الفردية والتشريعات، وتوفر الحماية القانونية لأطرافها وتوازن بين المراكز القانونية لكل منهم، وقد وضع المشرع الأردني نصوص كثيرة تنظم عقود العمل الجماعية، وقد تناولنا كافة الأمور المتعلقة بعقود العمل الجماعية بداية من تعريفها وأطرافها والهدف منها ووضحنا الشروط الشكلية والموضوعية للعقد، وبعد ذلك تعرضنا لصور المنازعات التي تنشأ عن عقود العمل الجماعية وطرق تسويتها بداية من المفاوضات الجماعية مروراً بالتوفيق وحتى وصلنا إلى المرحلة الأخيرة وهي اللجوء إلى المحكمة العمالية.
تاسعا : النتائج
1/ لعقد العمل الجماعي فوائد كثيرة منها ما هو اقتصادي منها ما هو اجتماعي، ويكفي تنظيم عقد العمل للعلاقة بين العمال وأصحاب الأعمال.
2/ لقد منح المشرع الأردني لعقود العمل الجماعية أهمية كبيرة وتولى تنظيمه في قانون العمل الأردني، وهذا في حد ذاته يجعل عقود العمل الجماعية منتجة لآثارها التي أنشئت لها.
3/ رغم وضع نصوص كثيرة تنظم عقد العمل الجماعي إلا أنها قليلة مقارنة بالنصوص الموضوعة لتنظيم عقود العمل الفردية.
4/ الأولوية لفض النزاعات الناشئة عن عقود العمل الجماعية تعطى للطرق الودية والسلمية، ليتم تسوية النزاعات بسهولة وفي وقت قصير، مما يحافظ على مصلحة كل من العمال وصاحب العمل.
عاشرا : التوصيات
1/ نوصي بتوسيع نطاق تطبيق عقود العمل الجماعية لتعود بالنفع على قطاعات أخرى وينتفع المجتمع بأكمله من فوائد هذه العقود.
2/ نوصي بتوسيع طرق حل النزاعات التي تنتج عن عقود العمل الفردية، مثل إدخال طريقة التحكيم أو الوساطة كطريق لتسوية المنازعات التي تنشأ بطريقة سلمية.
3/ نوصي بمراجعة تعريف عقد الجماعي والبحث عن تعريف شامل أكثر له، ويحقق الأهداف المرجوة منه على أكمل وجه.
4/ نوصي بضرورة وضع قوانين تنظم عمل النقابات كي ينظم جانب تمثيل النقابة للأعضاء المنتمين إليها.
5/ نوصي بزيادة الاهتمام بعقود العمل الجماعية وإعطائها الاهتمام الكافي من قبل الدولة والمشرع الأردني.
إعداد / أميرة محمد
[1] المغربي، جعفر محمود، شرح أحكام قانون العمل، دار الثقافة للنشر والتوزيع عمان، طبعة 1، صفحة 169.
[2] أبو شنب، احمد عبد الكريم، شرح قانون العمل، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، طبعة 1، صفحة 313.
[3] نقلا عن مقال محامي أردني معروف ). كرم، عبد الواحد، قانون العمل، دار الثقافة للنشر والتوزيع عمان، طبعة 1، صفحة 231.
[4] حمدان، حسين عبد اللطيف، قانون العمل دراسة مقارنة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، طبعة 1، صفحة 513.
[5] فراج، مصطفي، قانون العمل لسنة 1996 وتعديلاته، دار الثقافة للنشر والتوزيع عمان،محامي الأردن، طبعة 1، صفحة 96.
[6] كامل، رمضان جمال، شرح قانون العمل الجديد، المركز القومي للمصدرات القانونية، القاهرة، الطبعة الخامسة، صفحة 381.
[7] عبد السلام، سعيد سعد، الوسيط في قانون العمل الجديد، دار النهضة العربية، القاهرة، طبعة 1، صفحة 139.
[8] زكي، مجمود جمال الدين، قانون العمل، مطبعة جامعة القاهرة، ط 3، صفحة 804.

