العلاقة بين رب العمل والمقاول من الباطن

العلاقة بين رب العمل والمقاول من الباطن

يتداخل عقد العمل مع عقود المقاولة من حيث استخدام رب العمل للمقاول في أداء عمل أو مهمة معينة مقابل أجر وقد يحدث أن يتعاقد المقاول الذي استخدمه رب العمل والذي يعرف بالمقاول الأصلي أن يتعاقد مع مقاول أخر من الباطن لأداء العمل وتكمن المسألة بهذا الخصوص في عدم وجود علاقة مباشرة  بين رب العمل وبين المقاول من الباطن حيث أن أثر العقد وفقا لأحكام القانون المدني الأردني لا يمتد إلا بين عاقديه وتكون علاقة المقاول من الباطن مقتصرة على المقاول الأصلي الذي استخدمه فقط لذلك منح المشرع الأردني للمقاول من الباطن بعض الضمانات للرجوع على صاحب العمل حيث يمكن للمقاول من الباطن الرجوع على رب العمل بموجب دعوى الحوالة، ويمكنه الرجوع عليه أيضا بموجب الدعوى غير المباشرة، أو الدعوى المباشرة في قانون العمل.

وسوف نعرض في هذا المقال إلى العلاقة القانونية بين رب العمل والمقاول من الباطن في القانون الأردني  على النحو التالي: –

أولا: المقصود بعقد المقاولة

ثانيا: تعريف عقد المقاولة من الباطن

ثالثا: الطبيعة القانونية لعقد المقاولة من الباطن

ربعا: علاقة رب العمل بالمقاول من الباطن

أولا: المقصود بعقد المقاولة

لقد عرف المشرع الأردني عقد المقاولة بموجب نص المادة (780) من القانون المدني الأردني رقم 43 لسنة 1976 والتي نصت على إنه ” المقاولة عقد يتعهد أحد طرفيه بمقتضاه بأن يصنع شيئا أو يؤدي عملا لقاء بدل يتعهد به الطرف الآخر”

ولقد استبدل المشرع الأردني في تعريفه لعقد المقاولة الأجر الذي يحصل عليه المقاول بكلمة البدل لتشمل الأجر أو الثمن وهذا ما أقره المشرع الأردني بالمذكرة الإيضاحية بالمادة (490) والتي نصت على إنه ” وقد رؤي أن يوضع عوضا عن كلمة (الأجر) كلمة (البدل) لتشمل الثمن والإجارة وقد رؤي استبعاد الأحكام المتصلة بالتزام المرافق العامة لأنه تغلب على عقودها الصبغة الإدارية وتختلف أحكامها بالنسبة لطبيعة كل عقد”

ثانيا: تعريف عقد المقاولة من الباطن

لم يضع المشرع الأردني تعريفا محدد لعقد المقاولة من الباطن مثلما سبق وعرف عقد المقاولة الأصلي الأمر الذي ترك للفقه مهمة تعريفه حيث عرف بعض الفقهاء عقد المقاولة من الباطن على انه ” هو اتفاق يتعهد بمقتضاه فرد أو شركة بتنفيذ عمل معين حدده شخص أخر وبالتالي فإن المقاولة من الباطن تمثل طريقا لتنفيذ العقد عن طريق الغير ” [1]

كما تم تعريفه أيضا إنه ” العقد الذي يتعهد فيه المقاول إلى شخص أجنبي عن عقد المقاولة ويسمي المقاول من الباطن بتنفيذ بعض أو كل الأعمال الموكولة إليه ”

ويتضح من ذلك أن عقد المقاولة من الباطن هو حق المقاول الأصلي في أن يعهد إلى شركة أو فرد ببعض الأعمال الموكلة إليه أو كلها

ثالثا: الطبيعة القانونية لعقد المقاولة من الباطن

لقد أجاز المشرع الأردني للمقاول الأصلي إبرام عقود المقاولة من الباطن ولقد نص على ذلك بمقتضي نص المادة (798) من القانون المدني الأردني والتي نصت على إنه ” 1- . يجوز للمقاول أن يكل تنفيذ العمل كله أو بعضه إلى مقاول آخر إذا لم يمنعه شرط في العقد او لم تكن طبيعة العمل تقتضي أن يقوم به بنفسه

2- وتبقى مسئولية المقاول الاول قائمة قبل صاحب العمل.”

ويستفاد من نص المادة السابقة أن المشرع الأردني منح للمقاول الأصلي حق إبرام عقد المقاولة من الباطن ولكن هذا الحق مشروط بشرطين هما: –

  • ألا يكون عقد المقاولة الأصلي قد حظر على المقاول أن يبرم عقود مقاولة من الباطن
  • أن لا تكون طبيعة العمل الموكل إلى المقاول الأصلي تقتضي أن يقوم به بنفسه [2]

وبذلك يكون المقاول من الباطن أجنبيا عن رب العمل ولا يلتزم مقابله بشيء مالم يحل المقاول من الباطن محل المقاول الأصلي وفقا لنص المادة (799) من القانون المدني والتي نصت على إنه ” لا يجوز للمقاول الثاني أن يطالب صاحب العمل بشيء مما يستحقه المقاول الأول إلا إذا أحاله على رب العمل”

ربعا: علاقة رب العمل بالمقاول من الباطن

الأصل أنه لا توجد أي علاقة بين المقاول من الباطن وبين رب العمل حيث إن علاقة المقاول من الباطن علاقة عقدية مع المقاول الأصلي ويعتبر من الغير بالنسبة لرب العمل، ولكن المشرع الأردني قد منح المقاول من الباطن بعض الضمانات التي قد تكفل له اقتضاء حقه من صاحب العمل تتمثل تلك الضمانات في دعوي الحوالة والدعوي غير المباشرة والدعوي المباشرة والاشتراط لمصلحة الغير نعرضها تفصيلا على النحو التالي: –

أ‌)     دعوي الحوالة

الأصل أن العقود لا ينصرف أثرها إلا بين عاقديها وفقا لنص المادة (110) من القانون المدني الأردني والتي نصت على إنه ” من باشر عقدا من العقود بنفسه لنفسه فهو الملزم دون غيره بما يترتب عليه من أحكام.”

ولكن المشرع الأردني قد أورد استثناء من ذلك الأصل العام بموجب نص المادة (799) والتي أجازت للمقاول من الباطن حق مطالبة صاحب العمل بالبدل المستحق له عن عقد المقاولة من الباطن في حالة حوالة الحق ويفترض هذا لاستثناء وجود عقد حوالة مستوفي أركانه وشروطه [3]

1)    شروط دعوي الحوالة

يشترط في دعوي الحوالة نوعين من الشروط – شروط عامة تتمثل في الشروط الواجب توافرها في العقد وشروط خاصة نص عليها المشرع الأردني كما يلي: –

–        شروط عامة
  • رضاء أطراف الحوالة الثلاث وهما (المحيل – والمحال عليه والمحال له) ولقد نص المشرع الأردني على هذا الشرط بموجب نص المادة (996) من القانون المدني الأردني والتي نصت على إنه ” يشترط لصحة الحوالة رضا المحيل والمحال عليه والمحال له”
  • يشترط لصحة الحوالة أن يكون المحيل (المقاول الأصلي) مدينا للمحال له (المقاول من الباطن)
–        شروط خاصة

لقد اشترط المشرع الأردني بالإضافة إلى الشروط العامة الواجب توافرها في الحوالة شرط خاصة نص عليها بمقتضي نص المادة 1000 من القانون المدني والتي نصت على انه ” يشترط لانعقاد الحوالة فضلاً عن الشروط العامة:

  • أن تكون منجزة غير معلقة إلا على شرط ملائم او متعارف ولا مضافاً فيها العقد إلى المستقبل.
  • ألا يكون الأداء فيها مؤجلاً إلى أجل مجهول.
  • ألا تكون مؤقتة بموعد.
  • أن يكون المال المحال به ديناً معلوماً يصح الاعتياض عنه.
  • أن يكون المال المحال به على المحال عليه في الحوالة المقيدة ديناً أو عيناً لا يصح الاعتياض عنه وأن يكون كلا المالين متساويين جنساً وقدراً وصفة.
  • أن تكون ارفاقا محضاً فلا يكون فيها جعل لأحد اطرافها بصورة مشروطة أو ملحوظة ولا تتأثر الحوالة بالجعل الملحق بعد عقدها ولا يستحق”

2)    الأثار المترتبة على حوالة الحق

يترتب على انعقاد الحوالة صحيحة وقبولها من المحال له بعض الأثار التي نص عليها المشرع الأردني وهي: –

  • إذا قبل المحال له الحوالة فإنها تصبح نافذة بحقه وتبرأ ذمة المحيل من الدين والمطالبة وفقا لنص المادة (1002) من القانون المدني الأردني والتي نصت على إنه ” يثبت للمحال له حق مطالبة المحال عليه ويبرأ المحيل من الدين ومن المطالبة معاً إذا انعقدت الحوالة صحيحة”[4]
  • ينتقل الدين بنفس حالته وفقا لنص المادة (1003) من القانون المدني فإذا كان الدين حالا أو مؤجلا فإنه ينتقل بنفس حالته والتي نصت على انه ” ينتقل الدين على المحال عليه بصفته التي على المحيل فان كان حالاً تكون الحوالة به حالة وإن كان مؤجلاً تكون مؤجلة.”
  • ينتقل الدين بكافة ضمانته وفقا لنص المادة (1004) والتي نصت على انه ” تبقى للدين المحال به ضماناته بالرغم من تغيير شخص المدين”
  • يجوز للمحيل مطالبة المحال عليه بالدين سواء نقدا أو عينا إذا لم تقيدها الحوالة ولا يكون للمحال عليه الحق في الحبس وفقا لنص المادة (1006) من القانون المدني والتي نصت على انه “للمحيل حق مطالبة المحال عليه بما له في ذمته من دين أو عين إذا لم تقيد الحوالة بأيهما وليس للمحال عليه حق حبسهما حتى يؤدي إلى المحال له”
  • ويسقط حق المحيل في مطالبة المحال عليه إذا كانت الحوالة مقيدة بدين أو عين واستوفت شرائطها وفقا لنص المادة (1007) من القانون المدني والتي نصت على انه ” يسقط حق المحيل في مطالبة المحال عليه بما له عنده من دين أو عين إذا كانت الحوالة مقيدة بأيهما واستوفت شرائطها ولا يبرأ المحال عليه تجاه المحال له إذا أدى أيهما للمحيل”
  • لا يحق لرب العمل الامتناع عن الوفاء بالحوالة إلى المقاول من الباطن حتى لو كان قد وفي مستحقات المقاول الأصلي وفقا لنص المادة (1008) من القانون المدني والتي نصت على انه ” لا يجوز للمحال عليه في الحوالة الصحيحة بنوعيها أن يمتنع عن الوفاء إلى المحال له ولو استوفى المحيل من المحال عليه دينه أو أسترد العين التي كانت عنده”
  • يلتزم المقاول من الباطن تسليم رب العمل سند الحق المحال به وكافة البيانات اللازمة لذلك وفقا لنص المادة (1010) من القانون المدني والتي نصت على انه “على المحيل أن يسلم إلى المحال له سند الحق المحال به وكل ما يلزم من بيانات أو وسائل لتمكينه من حقه.”

ب‌)  الدعوى الغير المباشرة

لقد أجاز المشرع الأردني للدائن أن يطالب بحقوق مدينه لدي الغير عن طريق ما يسمي بالدعوي المباشرة والتي نص عليها بموجب نص المادة (366) من القانون المدني الأردني رقم 43 لسنة 1976 والتي نصت على انه “

1-لكل دائن ولو لم يكن حقه مستحق الأداء أن يباشر باسم مدينه جميع حقوق هذا المدين إلا ما كان منها متصلا بشخصه خاصة أو غير قابل للحجز.

2-ولا يكون استعمال الدائن لحقوق مدينه مقبولا إلا إذا اثبت أن المدين لم يستعمل هذه الحقوق وأن إهماله من شأنه أن يؤدي إلى إعساره ويجب إدخال المدين في الدعوى.”

ولما كان رب العمل يداين المقاول الأصلي بالالتزامات في عقد المقاولة وكان المقاول الأصلي يداين المقاول من الباطن بالالتزامات في عقد المقاولة من الباطن يكون من حق رب العمل الرجوع على المقاول من الباطن بالتزامات مدينه وفقا للدعوي الغير مباشرة كذلك يحق للمقاول من الباطن الرجوع على صاحب العمل بما يداين به المقاول الأصلي بالدعوي الغير مباشرة[5]

ولكن الدعوي غير المباشرة لا تكفي في جميع الحالات لتكون ضمانة لمستحقات المقاول من الباطن للأسباب الاتية: –

  • يكون المقاول من الباطن واحد من دائني المقاول الأصلي مما يعرضه لمزاحمة الدائنين حيث أن دين المقاول الأصلي في ذمة صاحب العمل يدخل في الضمان العام للدائنين فيقاسمه فيها سائر الدائنين
  • يقتصر حق المقاول من الباطن في الدعوي الغير مباشرة على المطالبة بالمال ولا يكون له أي حقوق أخري على صاحب العمل كذلك الحال بالنسبة لصاحب العمل
  • يظل حق الدائن في الدعوي الغير مباشرة مرتبط بمدينه فيحق للمقاول الأصلي التصرف في دينه لدي رب العمل سواء قبل رفع الدعوي أو قبل صدور حكم فيها وفي هذه الحالة يسري التصرف في حق الدائن
  • يجوز للمدين التمسك في مواجهة رافع الدعوي الغير مباشرة بكافة الدفوع التي له التمسك بها في مواجهة دائنة من إبراء ومقاصة وخلافه

ت‌)  الدعوي المباشرة

وهي دعوي يخول بها المشرع الأردني لعمال المقاول من الباطن الحق في مطالبة رب العمل في حدود المستحق على المقاول الأصلي حيث نصت المادة (15) فقره (ه) من قانون العمل رقم 8 لسنة 1996 على انه ” 1- لعمال المقاول الذين يشتغلون في تنفيذ مقاولة رفع دعوى مباشرة على صاحب المشروع للمطالبة بما يستحق لهم قبل المقاول وذلك في حدود ما يستحق للمقاول على صاحب المشروع وقت رفع الدعوى.

2- ولعمال المقاول الفرعي رفع دعوى مباشرة على كل من المقاول الأصلي وصاحب المشروع في حدود المستحق على صاحب المشروع للمقاول الأصلي والمستحق على المقاول الأصلي للمقاول الفرعي وقت رفع الدعوى.

  • للعمال المذكورين في الفقرتين السابقتين أن يستوفوا حقوقهم بالامتياز على المبالغ المستحقة للمقاول الأصلي أو المقاول الفرعي ويستوفون حقوقهم عند تزاحمهم بنسبة حق كل منهم.”

ويلاحظ من نص المادة السابقة أن المشرع قد قصر الحماية بموجب الدعوى المباشرة على عمال المقاول من الباطن دون المقاول من الباطن نفسه فيحق لعمال المقاول من الباطن الرجوع على صاحب العمل بحقوقهم في حدود ما يلتزم به صاحب العمل تجاه المقاول الأصلي ويترتب على إمكانية إقامة دعوي مباشرة من عمال المقاول الأصلي أو المقاول من الباطن ضد صاحب العمل عدة نتائج أهمها: –

  • يمتنع على المقاول الأصلي التصرف في حقوقه من تاريخ الإنذار بالوفاء ويترتب على ذلك أن وفاء رب العمل للمقاول الأصلي بعد الإنذار لا يسري في حق المقول من الباطن أو عماله ويكون للأخير اقتضاء حقه في حدود ما يلتزم به صاحب العمل تجاه المقاول الأصلي
  • يكون من حق المقاول الأصلي التصرف في حقه لدي صاحب العمل جميع أنواع الصرفات وكذلك إبراء ذمة صاحب العمل طالما كان ذلك قبل الإنذار
  • يتجنب عمال المقاول من الباطن وعمال المقاول الأصلي مزاحمة الدائنين العاديين لصاحب العمل

ث‌)  الاشتراط لمصلحة الغير

لقد نص المشرع الأردني على الاشتراط لمصلحة الغير بمقتضي نص المادة (210) من القانون المدني الأردني والتي تنص على انه ” 1- يجوز للشخص أن يتعاقد باسمه على حقوق يشترطها لمصلحة الغير إذا كان له في تنفيذها مصلحة شخصية مادية كانت أو أدبية.

2- ويترتب على هذا الاشتراط أن يكسب الغير حقا مباشرا قبل المتعهد بتنفيذ الاشتراط يستطيع أن يطالبه بوفائه ما لم يتفق على خلاف ذلك ويكون لهذا المتعهد أن يتمسك قبل المنتفع بالدفوع التي تنشأ عن العقد.

3-ويجوز ايضا للمشترط أن يطالب بتنفيذ ما اشترط لمصلحة المنتفع إلا إذا تبين من العقد أن المنتفع وحده هو صاحب الحق في ذلك”

ويتضح من نص المادة السابقة إنه في علاقة المقاول الأصلي (المشترط) والمقاول من الباطن (المتعهد) يكون صاحب العمل هو المنتفع فيكون من خلال الاشتراط لمصلحة الغير المتعهد مدينا لمطالبته بتنفيذ الالتزام

كتابة / كريم عبد السلام

[1] – النظام القانوني لعقد المقاولة من الباطن – كتابة/ صلاح عبد الله امحمد القمودي – اشراف د/ ايمن خالد مساعد ص12

[2] – احكام العلاقة القانونية بين رب العمل والمقاول من الباطن كتابة / هارون أحمد محمد – اشراف د/ جعفر محمود علي المغربي ص26

[3] – العلاقة بين رب العمل والمقاول من الباطن في القانون الأردني – كتابة د / نسرين مصطفي محمد العساف ص339

[4] – احكام العلاقة القانونية بين رب العمل والمقاول من الباطن كتابة / هارون أحمد محمد – اشراف د/ جعفر محمود علي المغربي ص59

[5] – العلاقة بين رب العمل والمقاول من الباطن في القانون الأردني – كتابة د / نسرين مصطفي محمد العساف ص344

Scroll to Top