الضرر المفترض
من المُسلم به أن للمسئولة – تقصيرية كانت أو تعاقدية – أركان ثلاث لا تقوم إلا بتحققهم، وهم الخطأ والضرر وعلاقة السببية، وغني عن البيان أن المضرور حتى يُحكم له بأحقيته في التعويض يتعين عليه إثبات تحقق الثلاث أركان المُشار إليهم.
وتجدر الإشارة إلى أنه في بعض الأحيان – ولاعتبارات خاصة – يقرر المشرع إعفاء المدعي من إثبات الخطأ مكتفياً فقط بتحميله عبء إثبات الضرر الواقع عليه، فإن نجح في ذلك افترض المشرع – سواء أكان الافتراض قطعي أم نسبي – تحقق الخطأ من جانب المدعى عليه.
والواقع أن المشرع لا يلقي للخطأ بالاً إلا إذا ترتب عليه ضرراً، حيث أن تحقق الخطأ وحده لا يكفي لقيام المسئولية واستحقاق التعويض يحث يجب أن يكون هناك ضرر لاكتمال أركان المسئولية، وعلى الرغم من ذلك فهناك بعض الحالات التي يفترض فيها المشرع – سواء على النطاق المحلي أم الدولي – أن الضرر يفترض وقوعه بمجرد حدوث الخطأ، وهذا الأمر وإن كان نادر الحدوث في جانب القانون المدني إلا أنه له مجالاً واسعاً سواء في نطاق القانون الجنائي أو على صعيد المسئولية الدولية.
وفي هذا المقال سنتولى إلقاء الضوء على الحالات التي يفترض فيها المشرع حدوث الضرر بمجرد تحقق وقوع الخطأ وذلك على النحو التالي:
ثانياً: المقصود بالضرر المفترض:
ثالثاً: الشروط الواجب توافرها في افتراض الضرر:
رابعاً: آلية تحديد التعويض حال تقرير الضرر المفترض:
خامساً: إعمال الضرر المفترض في نطاق المواد الجزائية:
سادساً: الضرر المفترض في نطاق القانون الدولي العام:
أولاً: قوام المسئولية:
لا تنعقد المسئولية سواء أكانت تقصيرية أم تعاقدية إلا إذا توافرت ثلاث أركان تتمثل في:
1- الخطأ:
يتمثل الخطأ في صورة الانحراف أو التعدي سواء أكان بصورة عمدية أم غير عمدية وبغض النظر عن كونه بصورة إيجابية أم سلبية، إلا أن التعدي يجب أن يكون صادراً عن شخص كامل الأهلية حتى يمكن أن يوصف فعله بأنه تعدي غير مشروع، ويجب أن يكون هذا التعدي مجرد من الحالات التي ترفع وصف الخطأ عن الفعل مثل حالة الدفاع الشرعي أو حالة الضرورة وغيرها.
وعلى الرغم من أنه الأصل العام أن الشخص لا يُسأل إلا أن الأخطاء التي يقوم بارتكابها إلا أن المشرع يقرر في بعض الأحيان مسائلة الشخص عن أفعال الغير كما هو الحال في تقرير مسئولية متولي الرقابة ومسئولية المتبوع عن فعل التابع.
2- الضرر:
الضرر هو الخسارة أو الأذى الذي لحق بشخص المضرور أو ماله، والضرر قد يكون مادياً يصيب المضرور في جسمه أو ماله، وقد يكون أدبياً يصيب المضرور في شعوره أو عاطفته أو كرامته أو شرفه، فإذا انتفى تحقق الضرر فلا مسئولية على المخطئ مهما كان خطأه مؤكداً.[1]
فحتى يتحقق الضرر يجب أن يكون هناك إخلال واعتداء على مصلحة مشروعة سواء أكانت تلك المصلحة مالية أم أدبية، مع ضرورة الإشارة إلى أن الإخلال بالمصلحة المشروعة لا يكون ضرراً إلا إذا كان هذا الضرر قد وقع بالفعل أو أنه محقق الوقوع في المستقبل، أما مجرد احتمالية وقوع الضرر فإنه لا يكون كافياً لتقرير المسئولية.
3- علاقة السببية:
حتى تتحقق أركان المسئولية لا بد أن يكون الخطأ هو السبب المباشر لحدوث الضرر، فإذا ثبت أن المضرور لحقه ضرر ولكن لم يكن ذلك انعكاساً للخطأ الذي ارتكبه المدعى عليه فإن ذلك من شأنه أن يعفيه من المسئولية، وذلك لأن خطأه لم يكن له دوراً في إلحاق الضرر بالمضرور، فمثلاً يعفى من المسئولية الشخص الذي يقود سيارة مسرعاً بدون ترخيص ويدهس أحد الأشخاص الذي كان مستلقياً في نهر الطريق، فعلى الرغم من خطأ قائد السيارة والمتمثل في القيادة بسرعة تجاوز الحد القانون والقيادة بدون ترخيص، إلا أنه لا يكون مسئولا عن دهس المضرور لأنه خطأه لم يكن السبب المباشر في إحداث هذا الضرر، وإنما يرجع السبب إلى خطأ المضرور ذاته الذي قام بفعل شاذ وهو الاستلقاء في نهر الطريق.
ثانياً: المقصود بالضرر المفترض:
الافتراض هو وسيلة عقلية لازمة لتطوير القانون تقوم على أساس افتراض أمر مخالف للواقع يترتب عليه تغيير حكم القانون دون تغيير نصه، فالافتراض يستند إلى واقعة كاذبة بحيث يجعلها أو يعتبرها واقعة صحيحة.[2]
فالمشرع في بعض الأحيان قد يعتقد بوقوع الضرر بمجرد إتيان سلوك معين مما يعني أن المضرور – أو المدعي – يُعفى من إثبات تحقق الضرر في جانبه، بل يكتفى منه أن يثبت إتيان السلوك الذي رتب عليه المشرع افتراض وقوع الضرر.
والواقع أن افتراض الضرر على هذا النحو يُعد بمثابة خروج عن المألوف وعلى وجه الخصوص في نطاق القانون المدني، ذلك أن تقدير التعويض في دعاوى المسئولية لا يكون إلا من خلال تقدير حجم الضرر الذي وقع على المضرور، وعلى إثر ذلك يُحدد القاضي التعويض الذي يكون من شأنه أن يجبر هذا الضرر ويُعيد التوازن إلى المجتمع مرة أخرى.
وهذا ما قررته محكمة التمييز الأردنية في حكمها رقم 3930 لسنة 2021 والتي قضت فيه بأن: (ولما كان ذلك وأن المشرع وحفاظاً على الروابط العقدية وتحفيزاً للمتعاقدين على تنفيذ التزاماتهم أجاز لصاحب العمل مطالبة العامل الذي أنهى عقد العمل قبل انتهاء مدته أو لم ينفذ العقد بما قد ينشأ عن هذا الانتهاء من عطل وضرر يعود تقديره إلى المحكمة المختصة ومقتضى ذلك أن الضرر ليس مفترضاً إذ لا بد من إقامة الدليل عليه وإلا كيف تستطيع المحكمة تقديره فإذا ما أثبتت المدعية الضرر الذي لحق بها جراء امتناع المدعى عليه عن تنفيذ التزامه فإن المحكمة قد تلجأ إلى أهل الخبرة لتقدير التعويض المستحق مع مراعاة أن هذا التعويض محكوم بسقف محدد لا يجوز تجاوزه وفق أحكام قانون العمل كما جاء أعلاه).
ثالثاً: الشروط الواجب توافرها في افتراض الضرر:
حتى يمكن تقرير مبدأ الضرر المفترض فلابد من توافر عدة شروط تتمثل فيما يلي:
1- وجود نص قانوني:
لا يمكن للقاضي أن يحكم بافتراض الضرر مهما كان منطقه في ذلك، ذلك أن الأصل العام أن الضرر لا يفترض، ولكن لا بد من أن تُقام البينة على وقوعه حتى يتسنى للقاضي أن يحكم بالمسئولية على المُدعى عليه، أما افتراض الضرر فلا يكون إلا بموجب نص قانون من المشرع هو الذي يقرر افتراضه بمجرد وقوع الفعل الذي يحدده المشرع.
ومن الأمثلة على الحالات التي افترض فيها المشرع تحقق ضرر بمجرد ارتكاب المدين لخطاً ما تقرر بموجب (المادة 228) من القانون المدني المصري والتي نصت على أن: (لا يشترط لاستحقاق فوائد التأخير قانونية كانت أو اتفاقية أن يثبت الدائن ضرراً لحقه من هذا التأخير).
وافتراض الضرر بموجب النص القانوني لا يشترط أن يكون قد تم النص عليه بصورة صريحة، حيث لا ضير على القاضي إن هو استنبط من القواعد القانونية أن المشرع قد أقر بمبدأ الضرر المفترض في طيات تلك القواعد شريطة أن تكون تلك القواعد ذات دلالة قطعية على افتراض الضرر.
أما إذا لم يقرر القانون الضرر المفترض – سواء بصورة صريحة أو ضمنية – فإن القاضي لا يكون له الحق في أن يقيم المسئولية على الضرر المفترض، ويتعين عليه في هذه الحالة أن يتحقق من توافر الضرر المحقق سواء كان حالاً أم مستقبلاً حتى يتسنى له أن يحكم بالتعويض.
2- تحقق أساس افتراض الضرر:
إن الضرر المفترض حينما يقرره المشرع فإنه يضع له قاعدة وضعية تنطوي على شرط معين يتعين تحققه حتى يكون للقاضي أن يطبق الحكم المتمثل في افتراض الضرر، ومن ثم يتعين على القاضي قبل أن يقرر افتراض الضرر أن يتحقق بداية من تحقق الأساس القانوني الذي بني عليه المشرع قرينة افتراض الضرر.
ومن الأمثلة على ذلك ما ورد (بالمادة 171) من القانون المدني العراقي التي قضت بأن الضرر يلحق بالدائن بمجرد تأخر المدين عن سداد الدين في ميعاد الاستحقاق، وكذلك ما قرره المشرع المصري في نطاق القانون التجاري بافتراض تحقق ضرر للشركة إذا تأخر الشريك عن الوفاء بقيمة الحصة التي تعهد بتقديمها.
ففي المثالين السابقين يتعين على القاضي أن يتحقق من وقوع الأساس القانوني المترتب عليه افتراض الضرر، ففي المثال الأول يتعين على القاضي التثبت من تأخر المدين بالفعل عن سداد الدين في ميعاد الاستحقاق وتكون تبعة إثبات ذلك على الدائن، وفي المثال الثاني يتعين على القاضي تحري تأخر الشريك عن الوفاء بقيمة الحصة التي تعهد بتقديمها للشركة وتكون تبعة إثبات ذلك على الشركة ذاتها.
رابعاً: آلية تحديد التعويض حال تقرير الضرر المفترض:
من المُسلم به أنه وفقاً للقواعد العامة فإن التعويض يُحدد استناداً إلى مقدار الضرر الذي لحق بالمدين، وعلى هذا الأساس يُقدر القاضي التعويض الذي يكفل جبر الضرر الذي لحق بالمدين، أما في حالة تقرير فكرة الضرر المفترض فهنا قد لا يكون هناك ثمة ضرر من الأساس حتى يستند القاضي عليه في تحديد التعويض، وفي هذه الحالة فإن تقدير التعويض إما أن يكون اتفاقياً بحيث تم الاتفاق عليه مسبقاً قبل اندلاع النزاع، أو أن يكون الأساس الذي يُقدر بناءً عليه التعويض مقرر بنص قانوني:
1- تحديد التعويض بموجب اتفاق سابق:
قد يتولى أطراف العلاقة التعاقدية الاتفاق على تحديد التعويض الواجب أدائه حال إخلال أحد الأطراف بما عليه من التزامات، وهذا ما يُطلق عليه الشرط الجزائي، وفي هذه الحالة يكون أمام القاضي تحديداً للتعويض الذي يقضي به وفقاً لما اتجهت إليه إرادة الطرفين.
ولكن تجدر الإشارة إلى أن ما سبق بيانه لا يُعمل به على إطلاقه في عموم الاتفاقات المنطوية على التحديد المسبق للتعويض ” الشرط الجزائي “، حيث أنه – عادة – يكون للقاضي السلطة التقديرية في إسباغ رقابته على الشرط الجزائي وتعديله وتخفيضه بما يجعله متناسباً مع مقدار ما لحق المدين من ضرر، وهذا ما تقرر بموجب ( المادة 364) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن: (يجوز للمتعاقدين أن يحددا مقدما قيمة الضمان بالنص عليها في العقد أو في اتفاق لاحق مع مراعاة أحكام القانون، ويجوز للمحكمة في جميع الأحوال بناء على طلب أحد الطرفين أن تعدل في هذا الاتفاق بما يجعل التقدير مساويا للضرر ويقع باطلا كل اتفاق يخالف ذلك).
إلا أن إعمال الاتفاق على التحديد الاتفاقي للتعويض يجد مجاله – مثلاً – في نطاق عقود التأمين على الحياة، حيث يستحق المستفيد المبلغ المتفق عليه مع شركة التأمين بغض النظر عن تحقق الضرر منه عدمه، وهذا ما تقرر بموجب (المادة 941) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن: (يلتزم المؤمن في التامين على الحياة بان يدفع إلى المؤمن له أو إلى المستفيد المبالغ المتفق عليها عند وقوع الحادث المؤمن منه أو حلول الأجل المنصوص عليه في العقد دون حاجة لإثبات ما لحق المؤمن له أو المستفيد من ضرر).
ولكن من الأهمية بمكان أن نشير إلى أن الحكم السابق لا ينطبق على كافة عقود التأمين وإنما يقتصر فقط على عقود التأمين الواردة على الأشخاص وذلك نظراً لكون التأمين على الأشخاص تنتفي فيه الصفة التعويضية، أما في التأمين على الأشياء ونظراً لقيامه على الصفة التعويضية فلا يكون للمؤمن له – أو المستفيد – أن يحصل على مبلغ التأمين إلا بمقدار ما لحقه من ضرر، ويكون للقاضي أن يُخفض المبلغ المتفق عليه إذا كان الضرر الذي لحق بالمؤمن له أقل من المبلغ الذي تم الاتفاق عليه مع شركة التأمين.[3]
2- تحديد التعويض بموجب نص القانون:
قد يتولى المشرع تبيان الأسس القانونية التي بناءً عليها يتم تقدير التعويض في الحالات التي لا يشترط فيها القانون حلول ضرر بالمدين جراء ارتكاب الدائن لخطأ، ومن ضمن تلك الحالات ما قرره المشرع الأردني بموجب (المادة 26/أ) من قانون العمل الأردني والتي نصت على أن: (إذا أنهى صاحب العمل عقد العمل محدد المدة قبل انتهاء مدته أو أنهاه العامل لأحد الأسباب الواردة في المادة ( 29 ) من هذا القانون يحق للعامل استيفاء جميع الحقوق والمزايا التي ينص عليها العقد كما يستحق الأجور التي تستحق حتى انتهاء المدة المتبقية من العقد).
وكذلك أيضاً من الحالات التي حدد فيها المشرع أسس تقدير التعويض حال افتراض الضرر، ما تقرر بموجب (المادة 226) من القانون المدني المصري والتي حددت مقدار الفوائد التي يستحقها الدائن حال تأخر المدين في سداد الدين، فكما ذكرنا سابقاً فإن المشرع المصري أقام قرينة حلول ضرر بالدائن بمجرد التأخر عن سداد الدين ويؤدي ذلك إلى استحقاق الدائن للفوائد، قرر المشرع مقدار تلك الفوائد بقوله: (إذا كان محل الالتزام مبلغاً من النقود وكان معلوم المقدار وقت الطلب وتأخر المدين في الوفاء به، كان ملزماً بأن يدفع للدائن على سبيل التعويض عن التأخر فوائد قدرها أربعة في المائة في المسائل المدنية وخمسة في المائة في المسائل التجارية. وتسري هذه الفوائد من تاريخ المطالبة القضائية بها، إن لم يحدد الاتفاق أو العرف التجاري تاريخاً آخر لسريانها، وهذا كله ما لم ينص القانون على غيره).
خامساً: إعمال الضرر المفترض في نطاق المواد الجزائية:
على الرغم مما سبق ذكره، فيظل الأصل العام أن المسئولية المدنية لا تتحقق إلا بتوافر الضرر، أما افتراض الضرر فهو يُعد استثناء في حالات حصرية قررها المشرع سواء بصورة صريحة أم ضمنية، إلا أن الأمر يختلف تماماً في نطاق القانون الجزائي، الذي يتولى إثارة المسئولية الجزائية للمخطئ بغض النظر عن وقوع ضرر ناتج عن فعله أم لا.
1- في جرائم الشروع:
فالمشرع الجزائي لم يضع الضرر ركناً من أركان المسئولية الجزائية، والأمثلة التي تدل على ذلك متعددة لا تقع تحت حصر، حيث أنه بالنظر إذا نظرنا فكرة الشروع في الجرائم لوجدنا أن المشرع الجزائي يُعاقب على مجرد الشروع في الجريمة، وذلك يُعد المثال الأجدر على تحقق المسئولية على الرغم من تحقق الضرر.
فالشروع هو صورة الجريمة الناقصة التي لم يكتمل بنيانها القانوني، إذ اقتصر قوامها على مجرد إتيان السلوك المؤثم دون تحقق النتيجة المرجوة من الفعل، فالشروع في الجريمة قد لا يكون قد سبب ضرراً للغير ولكن على الرغم من ذلك يُعد سبباً كافياً لإثارة مسئولية الفاعل، وهذا ما قرره المشرع الأردني بموجب (المادة 68) من قانون العقوبات والتي نصت على أن: (الشروع: هو البدء في تنفيذ فعل من الأفعال الظاهرة المؤدية إلى ارتكاب جناية أو جنحة، فإذا لم يتمكن الفاعل من إتمام الأفعال اللازمة لحصول تلك الجناية أو الجنحة لحيلولة أسباب لا دخل لإرادته فيها عوقب على الوجه الآتي إلا اذا نص القانون على خلاف ذلك:
- الأشغال المؤبدة أو المؤقتة من سبع سنوات إلى عشرين سنة إذا كانت عقوبة الجناية التي شرع فيها تستلزم الإعدام، وخمس سنوات من ذات العقوبة على الأقل اذا كانت العقوبة الأشغال المؤبدة أو الاعتقال المؤبد .
- أن يحط من أية عقوبة أخرى مؤقتة من النصف إلى الثلثين.
2- الجرائم الشكلية:
الجرائم الشكلية أو جرائم الخطر كما يُطلق عليها بعض الفقه[4] هي الجرائم التي يُعاقب عليها المشرع على الرغم من عدم تحقق ضرر منها أو تحقق نتيجة بناءً على ارتكابها، ومن أمثلة ذلك جريمة حيازة سلاح بدون ترخيص، أو جريمة قيادة مركبة دون الحصول على ترخيص، أو جريمة مجاوزة السرعة المقررة قانوناً، فكل تلك الأفعال لا يترتب على ارتكابها إحداث ضرر بالغير وعلى الرغم من ذلك يقرر المشرع الجزائي لها عقوبات بمجرد ارتكابها.
سادساً: الضرر المفترض في نطاق القانون الدولي العام:
تقررت فكرة الضرر المفترض في نطاق القانون الدولي العام عندما قررت لجنة القانون الدولي تقرير المسئولية الدولية بمجرد ارتكاب الدولة لبعض الأخطاء دون النظر إلى مدى تحقق ضرر من عدمه كنتيجة لارتكاب تلك الأخطاء، وهذا قررته لجنة القانون الدولي العام في مشروع مواد المسئولية الدولية الذي توصلت إليه عام 2001 والذي نشرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 56/83 في دورتها رقم 56 بتاريخ كانون الأول 2001 كمرفق، أحالته في جدول الأعمال المؤقت لدورتها رقم 59، ثم أحالته في قرارها رقم 59/35 إلى الدورة 62، ثم أحيل بالقرار 62/61 إلى الدورة 65، ثم إلى الدورة 68 تاريخ 16 كانون الأول 2013، وبعدها إلى الدورة 71، تاريخ 13 كانون الأول 2016، ثم إلى الدورة 74، ولم تقرر الجمعية العامة بشأنه أي إجراء حتى الآن.[5]
ولقد بينت لجنة القانون الدولي الضرر المفترض بموجب (المواد 42، 48) من مشروع مواد المسئولية الدولية بأنه الضرر المشترك المتعلق بقيام دولة معينة بانتهاك قواعد القانون الدولي العام دون أن يحصل ضرر لدولة معينة، حيث أن هذا الضرر لا يخص دولة بعينها وإنما يمس المجتمع الدولي ككل، كما هو الحال في شأن الانتهاكات التي ترتكبها الدول ضد مواطنيها، أو الأضرار البيئية الناتجة عن الأخطاء التي ترتكبها أحد الدول دون أن يكون هناك ثمة ضرر واقع على دولة بعينها.
وحتى يتحقق الضرر المفترض في نطاق المسئولية الدولية فلا بد من توافر عدة شروط تتمثل فيما يلي:
1- وقوع انتهاك خطير لقاعدة من قواعد القانون الدولي العام:
فحتى تثار مسئولية الدولة بافتراض تحقق ضرر حال ارتكابها أحد الأخطاء التي تمثل انتهاكاً للقانون الدولي العام فيجب أن يكون الخطأ المرتكب من قبل الدولة على درجة عالية من الخطورة، حيث لا يمكن إثارة مسئولية الدولة استناداً إلى فكرة الضرر المفترض إذا كان الخطأ الذي ارتكبته لا يمثل خطورة جسيمة تمس بمصالح المجتمع الدولي.
وهناك العديد من المعايير التي يمكن الارتكان إليها لاستبيان مدى خطورة الخطأ المرتكب من قبل الدولة، ومن تلك المعايير:
أ- أن يكون الخطأ المرتكب يمثل خطر على السلم أو الأمن الدوليين، وذلك كما في حالة إخلال الدولة بحظر العدوان المنصوص عليه بموجب (المادة 5) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. أو مثل تهديد الدولة باستخدام القوة والذي يمثل خرقاً لأحد أهم القواعد الراسخة في القانون الدولي العام والتي تقررت بموجب المادة الثانية في فقرتها الرابعة من الميثاق الأساسي لمنظمة الأمم المتحدة.
ب- أن يكون إخلال الدولة متعلق بمسألة سياسية خطيرة تقرر حق معين، مثل حق الشعوب في تقرير مصيرها.
ج- اعتداء الدولة على أحد حقوق الإنسان الجوهرية والتي تمثل انتهاكاً صارخاً للقواعد القانونية الدولية. فهناك العديد من الالتزامات التي تتحمل بها الدولة تجاه الأشخاص الطبيعيين ولا يحق لها التحلل أو انتهاك تلك الالتزامات، مثل الالتزامات التي تحظر الرق والإبادة الجماعية والفصل العنصري.
وكذلك الالتزامات الواردة باتفاقية العمل الدولية المتضمنة أحكام تحظر السخرة، وأيضاً الالتزامات الخاصة بحظر الإتجار بالبشر واستغلالهم في أعمال الدعارة والوارد باتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بحظر الإتجار بالأشخاص واستغلال دعارة الغير لعام 1949.
د- أن يكون إخلال الدولة منصب على التزام على درجة عالية من الخطورة يؤثر على حماية البيئة والحفاظ عليها، وذلك مثل الالتزامات التي تحظر التلويث الشديد للغلاف الجوي أو البحار.
2- أن ينصب هذا الانتهاك على قاعدة قانونية تتعلق بالنظام العام الدولي:
فالقانون الدولي العام ينطوي على العديد من القواعد القانونية الآمرة التي لا يجوز لأي شخص من أشخاص القانون الدولي مُخالفتها، فإذا وقع انتهاك لواحدة من تلك القواعد فإن ذلك من شأنه أن يُثير مسئولية الدولة أمام المجتمع الدولي حتى ولو لم يترتب على هذا الانتهاك ثمة ضرر لدولة بعينها.
ولقد بينت لجنة القانون الدولي عدة أمثلة لانتهاكات لقواعد آمرة للقانون الدولي العام، منها:
- إبرام معاهدة تتوخى استخدام القوة بصورة غير مشروعة تتنافى مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
- إبرام معاهدة محلها أداء عمل إجرامي.
- إبرام معاهدة محلها الإتجار بالرقيق أو القيام بأعمال القرصنة أو الإبادة الجماعية.
- إبرام معاهدة تنطوي على انتهاكات لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية.
معنى ذلك أن ليس كل إخلال يقع من الدولة بأحد التزاماتها يمكن أن تساؤل عنه حتى ولو لم يترتب عليه ضرر، وإنما يجب أن يكون هذا الإخلال على درجة من الجسامة ويكون ماساً بمصلحة المجتمع الدولي ككل.
وهذا ما دعا لجنة القانون الدولي إلى تقسيم الالتزامات الدولية إلى أربع التزامات وهي:
- التزامات ثنائية.
- التزامات تجاه مجموعة من الدول.
- التزامات تجاه المجتمع الدولي.
- التزامات ناشئة عن قاعدة دولية آمرة.
فإذا كان الخطأ مرتكب في نطاق التزامات ثنائية فإنه يجب أن يكون هناك ثمة ضرر وقع على الدولة المطالبة بالتعويض حتى يمكن أن يحكم لها بذلك، ومن ثم فلا مجال لإعمال فكرة الضرر المفترض في تلك العلاقات الثنائية.
وذات الأمر ينطبق على الالتزامات الخاصة بمجموعة من الدول، حيث أنه من غير المتصور أن لا يترتب على الأخطاء التي ترتكبها الدولة في مثل تلك الالتزامات أن تؤدي إلى إلحاق ضرر بغيرها من الدول.
أما إذا كان إخلال الدولة متعلق بالتزاماتها المقررة عليها في مواجهة المجتمع الدولي ككل، فإنه في هذه الحالة يفترض أن هناك ضرر قد لحق بمجموع المصالح الدولية الأخرى لباقي أشخاص المجتمع الدولي، وهو ما يعني تقرير مسئولية الدولة المخطئة بمجرد ارتكابها للخطأ. وهو الأمر ذاته الذي يتحقق حال خرق الدولة لأحد قواعد القانون الدولي الآمرة.
ولكن تبقى الإشكالية القائمة في فكرة الضرر المفترض على النحو الذي عرضنا له متعلقة بمن له الحق في رفع دعوى المسئولية على الدولة المخطئة، فمن المسلم به أن القانون الدولي العام لا يعرف ” دعوى الحسبة ” والتي تعرفها بعض الأنظمة القانونية.
ومن ثم فسيكون هناك عقبة أمام إقامة دعاوى المسئولية القائمة على فكرة الضرر المفترض، ذلك أن محكمة العدل الدولة مثلاً لا تثبت ولايتها إلى في النزاعات القائمة بين دول، ويجب أن تكون للدولة رافعة الدعوى مصلحة من إقامة دعواها، وهذا ما تقرر بموجب (المادة 62) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية.
بل والإشكالية الأخرى ستكون متعلقة بمن هي الدولة التي ستكون مستحقة للتعويض على افتراض أن هناك دعوى مسئولية أقيمت على الدولة التي ارتكبت الخطأ، فغني عن البيان أن الأحكام القضائية لا تمس سوى أطرافها ولا تكون حجة على غيرهم ولا يستفاد منها إلاهم، وذلك استناداً إلى مبدأ نسبية آثار الأحكام القضائية.
لذلك فإن المشروع الذي تقدمت به لجنة القانون الدولي العام يحتاج إلى بيان الآلية الخاصة بكيفية تنفيذه، سواء من خلال إنشاء محكمة دولية مختصة بتنفيذ أحكام هذا المشروع أو من خلال تعديل أحكام الاختصاص الخاصة بمحكمة العدل الدولية.
إعداد/ أحمد منصور.
[1] أنظر الأستاذ الدكتور/ نبيل إبراهيم سعد، النظرية العامة للالتزام، 2017، دار المطبوعات الجامعية، ص 438.
[2] أنظر سعد ربيع عبد الجبار، الضرر المفترض افتراضاً قطعياً وأثره في تحقيق المسئولية المدنية، 2016، جامعة الكوفة – كلية القانون، ص 82.
[3] أنظر الأستاذ الدكتور/ عصام سليم، أصول عقد التأمين، 2015، دار الجامعة الجديدة، ص 57 وما بعدها.
[4] مثل الأستاذ الدكتور محمود نجيب حسني، والأستاذ الدكتور سليمان عبد المنعم، أنظر النظر العامة لقانون العقوبات للأستاذ الدكتور/ سليمان عبد المنعم، 2014، دار المطبوعات الجامعية، ص 410، 411.
[5] عمران محمود مفلح، الضرر المفترض: دراسة في ضوء مشروع لجنة القانون الدولي المتعلق بمسئولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً لعام 2001، 2019، جامعة مؤتة – عمادة البحث العلمي، ص 275.

