المثول أمام المحكمة الجزائية

المثول أمام المحكمة الجزائية

إن التقاضي لدى المحاكم القضائية بجميع أنواعها ودرجاتها يتطلب إتباع إجراءات المحاكمة المنصوص عليها في القوانين التي تنظم أحكام التقاضي في كل من هذه المحاكم، فلكل نوع ودرجة محكمة لها إجراءات في التقاضي تختلف نوعاً ما عن غيرها ،لذلك نجد المشرع قد شرع بوضع العديد من القوانين ومنها  قانون أصول المحاكمات المدنية وقانون أصول المحاكمات الجزائية، فكل منهما ينظمان إجراءات التقاضي أمام المحاكم المدنية والجزائية، ومن إجراءات التقاضي في الدعاوى الجزائية المثول أمام المحكمة، فما هو المقصود بالمثول أمام المحكمة، وما هي الأحكام القانونية التي نص عليها المشرع بهذا الخصوص، فسنتحدث عن ذلك في هذا المقال ، بالاستناد إلى قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني لسنة1961 وتعديلاته.

جدول المحتويات

المقصود بالمثول أمام المحكمة

السند القانوني للمثول المتهم أمام المحكمة

المبادئ القانونية المرتبطة بالمثول أمام المحكمة

كيفية مثول المتهم أمام المحكمة

محاكمة المتهم أمام المحكمة

الحكم الصادر بحق المتهم في الدعوى الجزائية

مثول الشاهد أمام المحكمة

 

المقصود بالمثول أمام المحكمة

يقصد بالمثول أمام المحكمة هو حضور المتهم أو المشتكي أو الشاهد بشكل شخصي أمام الهيئة القضائية الناظرة في الدعوى الجزائية ، وما يهمنا في هذا المقال الحديث عن مثول المتهم ، فالمثول هو مصطلح قانوني قضائي يشير إلى وجوب حضور المتهم ووقوفه أمام الهيئة الحاكمة الناظرة في الدعوى القضائية المقامة ضده ، فالعدالة القضائية تقتضي أن يمثل المتهم أمام المحكمة وأن تتم إجراءات التقاضي بحضوره، وحتى وأن قام المتهم بتوكيل محامي لتمثيله أمام المحكمة فإن هذا لا يعني أنه لا يتوجب مثول المتهم أمام المحكمة فجلسة سؤال المتهم عن التهمة المنسوبة إليه يجب حضورها بشكل شخصي من قبل المتهم فهذا السؤال يوجه للمتهم ولا يجوز أن يجيب عنه وكيله، كذلك جلسة تقديم الإفادة الدفاعية يجب أن تقدم من قبل المتهم، إلا أنه في الواقع العملي يجوز تقديم الإفادة الدفاعية من قبل وكيل المتهم بشرط أن تكون موقعه من المتهم .

السند القانوني للمثول المتهم أمام المحكمة

نص المادة 212 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني جاء متضمنا أحكام مثول المتهم أمام المحكمة والمحاكمة الغيابية أو بمثابة الوجاهية، والإجراءات التي تتم دون وجود المتهم أمام المحكمة أي في غيبته، ودور مثول المتهم أو عدم مثوله أمام المحكمة في نوع المحاكمة، فالمحاكمات أنواع، وجاهية، وبمثابة الوجاهية، وغيابية.

وقبل التعرف على هذه الأحكام لا بد من الحديث عن المبادئ القانونية التي ترتبط بمثول المتهم أمام المحكمة.

المبادئ القانونية المرتبطة بالمثول أمام المحكمة

هناك مبادئ وقواعد قانونية ترتبط بالأحكام الي تنظم مثول المتهم أمام المحكمة، وسنأتي على ذكر هذه المبادئ ومدى ارتباطها بمثول المتهم أمام المحكمة على النحو التالي:

مبدأ علانية المحاكمة

إن مبدأ علانية المحاكمة هو مبدأ يشير إلى ضرورة تحقيق العدالة في المحاكمة القضائية وذلك عن طريق إبعاد الهيئة الحاكمة عن كل ما قد يؤثر عليها في إجراءاتها وأحكامها، فتحافظ على النزاهة والحيادية في إجراءات التقاضي ، فمبدأ علانية المحاكمة يساعد القضاء على إثبات نزاهة إجراءاته وعدالة أحكامه، ويجعلها بعيدة عن أي تأثيرات شخصية ومثول المتهم أمام المحكمة وحضوره لإجراءات محاكمته يجعل المتهم مطلع على كل الإجراءات والظروف التي صدر فيها حكم المحكمة، كما يساعد هذا المبدأ المتهم على الدفاع عن نفسه وهذا من مقتضيات العدالة القضائية.

فمبدأ علانية المحاكمة هو أن تنعقد جلسة المحكمة التي تنظر في الدعوى في مكان يجوز لأي فرد أن يدخله ويشهد المحاكمة بغير قيد إلا ما يقتضيه حفظ النظام، فالهدف من تقرير علانية الجلسات هو تحقيق مصلحة عامة وهي بث الطمأنينة في النفوس بتحقيق العدالة، كما أن علانية الجلسات حماية للقاضي نفسه من أن يظن فيه خضوعه لمؤثرات خارجية في قضائه، بالإضافة إلى أن مبدأ علانية الجلسات تحقق معه سياسة الردع العام [1].

إلا أن هذا مبدأ علانية الجلسات عليه استثنى هو سرية المحاكمة في حال كانت الدعوى تمس النظام العام أو الأداب العامة، إلا أن هذا الاستثناء لا يعني أن تتم المحاكمة بمعزل عن المتهم، بل يمثل أمام المحكمة.

مبدأ المتهم بريء حتى تثبت إدانته

إن مبدأ المتهم بريء حتى تثبت إدانته هو قاعدة قانونية تقتضي معاملة المتهم معاملة البريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي قطعي، ولهذا السبب يمثل المتهم أمام المحكمة بموجب مذكرة حضور أو إحضار حسب مقتضى الحال، ولا يتم إصدار الحكم عليه مباشرة بل تتبع الإجراءات القضائية المنصوص عليها في أصول المحاكمات الجزائية ويتاح للمتهم الدفاع عن نفسه وتوكيل محامي وتقديم ما يثبت براءته بدخض أدلة الإثبات المقدمة ضده، ومن الإجراءات القضائية التي تندرج تحت مبدأ المتهم بريء حتى تثبت إدانته هي طريقة مثول المتهم أمام المحكمة، والتي سنأتي على ذكرها في هذا المقال .

كيفية مثول المتهم أمام المحكمة

كما سبق وأن ذكرنا أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته لهذا يمثل المتهم أمام المحكمة دون قيود أو أغلال وإن كان يتم إحضاره بواسطة الضابطة العدلية مقيد الأغلال في حالات التي يخشى فيه من فراره إلا أن هذه القيود تفك عند مثوله أمام المحكمة، ويبقى رجال الضابطة العدلية في قاعة المحاكمة خوفاً من فراره وهذا ما جاء بنص المادة 212 من قانون أصول المحاكمات الجزائية حيث جاء بالفقرة الأولى منها:

يمثل المتهم أمام المحكمة طليقاً بغير قيود ولا أغلال وإنما تجري عليه الحراسة اللازمة ….

هل من الممكن للمحكمة أن تأمر بإبعاد المتهم ومنعه من حضور إجراءات المحاكمة؟

الأصل أنه لا يجوز إبعاد المتهم عن حضور إجراءات محاكمته إلا في حال صدور أي تصرف منه يخل بإجراءات المحاكمة ويعطل عمل القضاء كأن يرفع المتهم صوته أو يتسبب بالضوضاء داخل قاعة المحاكمة، ففي هذه الحالة للمحكمة أن تامر بإبعاد المتهم.

ماذا عن إجراءات المحاكمة؟

تستكمل المحكمة الإجراءات دون وجود المتهم إلا أن يستطيع المتهم حضور باقي الإجراءات، والإجراءات التي تمت في غيبة وتطلع المتهم على الإجراءات التي تمت في غيبته، حيث جاء بالفقرة الأولى من نص المادة سابقة الذكر:

يمثل المتهم أمام المحكمة طليقاً بغير قيود ولا أغلال وإنما تجري عليه الحراسة اللازمة، ولا يجوز إبعاده عن الجلسة أثناء نظر الدعوى إلا إذا وقع منه تشويش يستدعي ذلك وفي هذه الحالة تستمر الإجراءات الى أن يمكن السير فيها بحضوره، وعلى المحكمة أن توقفه على ما تم في غيبته من الإجراءات.

محاكمة المتهم أمام المحكمة

تجري محاكمة المتهم أمام المحكمة إما حضورياً، أو غيابياً، أو بمثابة الوجاهي، فإذا حضر المتهم ومثل أمام المحكمة تجري محاكمته حضورياً، وإذا كان قد مثل أمام المدعي العام إلا أنه تخلف عن الحضور أمام المحكمة رغم تبليغه بموعد المحاكمة فللمحكمة أن تحاكمه غيابياً، وفي حال حضر إلى المحكمة ثم انسحب منها لأي سبب كان أو غاب عن المحاكمة بعد حضوره إحدى جلساتها فللمحكمة أن تحاكمه بمثابة الوجاهي.

حيث جاء بنص الفقرة الثانية من المادة 212 ما يلي:

إذا لم يحضر المتهم الذي مثل أمام المدعي العام، والمتبلغ موعد المحاكمة، فللمحكمة أن تحاكمه غيابيا وإذا حضر احدى الجلسات وتخلف بعد ذلك عن الحضور فتجري المحاكمة بحقه بمثابة الوجاهي…….

الحكم الصادر بحق المتهم في الدعوى الجزائية

إن الأحكام القضائية سواءً كانت مدنية أو جزائية لا تكتسب الدرجة القطعية منذ صدورها الحكم من محكمة الدرجة الأولى وهذا أمر يعد من متطلبات العدالة القضائية، لذلك فأن الحكم الصادر في الدعوى الجزائية يكون قابل للاعتراض أو الاستئناف حسب الصورة التي صدر بها الحكم والمتعقلة بمثول المتهم أمام المحكمة بشكل حضوري أو بمثابة الوجاهي أو غيابه عن إجراءات المحاكمة، فإذا كان الحكم قد صدر غيابياً بحق المتهم فإنه يكون قابلاً للاعتراض وعلى المتهم أن يتبع القواعد القانونية لتقديم الاعتراض وذلك من حيث ميعاد الاعتراض والنظر في الاعتراض وفي حال رد الاعتراض يكون قرار رد الاعتراض قابلاً للاستئناف ويشمل هذا الاستئناف الحكم الغيابي الأول، وقد نص المشرع على أحكام الاعتراض في المواد 183 _ 188 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، أما إذا كان  الحكم قد صدر بمثابة الوجاهي أو وجاهي فيكون قابلاً للاستئناف وفقاً للأحكام والمواعيد المحددة في القانون.

فقد جاء بالفقرة الثانية من المادة 212 من قانون أصول المحاكمات الجزائية ما يلي:

إذا لم يحضر المتهم الذي مثل أمام المدعي العام، والمتبلغ موعد المحاكمة، فللمحكمة أن تحاكمه غيابياً وإذا حضر احدى الجلسات وتخلف بعد ذلك عن الحضور فتجري المحاكمة بحقه بمثابة الوجاهي، ويكون الحكم في الحالة الأولى قابلا للاعتراض وفقا للإجراءات المنصوص عليها في المواد من (184) الى (189) من هذا القانون وفي الحالة الثانية يكون الحكم قابلاً للاستئناف ضمن المواعيد المحددة لذلك.

مثول الشاهد أمام المحكمة

إن مصطلح المثول أمام المحكمة لا ينحصر بمثول المتهم فقط، بل والشاهد أيضاً، فالشاهد يدعى إلى المثول أمام المحكمة والإدلاء بشهادته بموجب مذكرة تبليغ صادرة حسب الأصول والقانون، فإذا لم يحضر الشاهد المتبلغ في دعوى جنائية عن المثول أمام المحكمة، فللمحكمة أن تعاقبه بغرامة لا تقل عن خمسين دينارا ولا تزيد على مئة دينار وللمحكمة أن تعفيه منها كليا أو جزئيا إذا اثبت أن تخلفه كان لمعذرة مشروعة.

من اجتهادات المحاكم الأردنية فيما يتعلق بالمثول أمام المحكمة

الحكم رقم 3466 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية: ضرورة مثول المتهم أمام المحكمة لسؤاله عن الجرم المسند إليه

عن السبب الأول ومؤداه تخطئة محكمة الاستئناف في قرارها والاستناد إلى اعتراف المتهم (المميز) لدى المدعي العام دون حضور محامٍ معه وإن المادة (22) من قانون الأحداث اعتبرت أن مجرد اعتراف الحدث لا يعد بينة كافية للحكم ما لم تقنع المحكمة به والمتهم عند مثوله أمام محكمة الدرجة الأولى أنكر التهمة المسندة إليه.

نجد في ذلك أن قانون الأحداث لم ينص في مؤداه على وجوب حضور محامٍ برفقة الحدث عند التحقيق معه من قبل المدعي العام واستجوابه بالتهم المنسوبة إليه.

وإن مدعي عام بصيرا التابع لمحكمة بداية الطفيلة وبالدعوى التحقيقية رقم (14/2020) وعلى الصفحة (25) من محاضر استجواب المتهم (المميز) بحضور ولي أمره وبحضور مراقب السلوك حيث اعترف صراحة قيامه بطعن المشتكي مصعب في صدره بواسطة سكين وبالأداة ذاتها قام بضرب المشتكي أسفل شفته ومثل هذا الاعتراف تأييد بباقي بينات النيابة العامة خصوصاً شهادة المشتكين والتقارير الطبية وشهادة الطبيب الشرعي مما يوجب رد هذا السبب.

إعداد المحامية: ليلى خالد.

[1] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة السادسة، عمان، 2021، ص 493.

Scroll to Top