الرجوع عن الهبة

الرجوع عن الهبة

عقد الهبة من العقود المسماة والذي تطلب فيه المشرع الأردني شكلًا خاصًا، وهذا العقد كمثل باقي العقود يشترط فيه سلامة الرضا والمحل والسبب، ولكن الاختلاف في أنها قد تكون بعوض أو بغير عوض، هذه الطبيعة الخاصة قد جعل المشرع الأردني ينظم لها أحكام خاصة، وفي هذا المقال سنتحدث عن جانب من أحكام الهبة وهو الرجوع في الهبة، وسنتعرض لذلك من خلال النقاط الآتية:

أولًا: تعريف الهبة

ثانيًا: تمام عقد الهبة ونفاذه

ثالثًا: الرجوع في الهبة

رابعًا: حالات عدم جواز الرجوع في الهبة

خامسًا: أثر الرجوع في الهبة

سادسًا: تطبيقات قضائية

سابعًا: خاتمة

 

أولًا: تعريف الهبة

قد عرف القانون الروماني الهبة لما بعد الموت (causa mortis donation)، بأنها هبة یتجرد بها الواهب عن مال له دون مقابل لمصلحة الموهوب له عندما يخشى أن تكون منیته قد دنت، كأن یكون موشكا على الاشتباك في حرب أو في مبارزة أو كأن یكون مصابا بمرض خطير، ولا ینتقل ملك الموهوب إلى الموهوب له إلا إذا مات الواهب قبله. فإذا نجا الواهب من الموت انفسخت الهبة من تلقاء نفسه[1].

ولقد عرفها المشرع الأردني بالقانون المدني حيث نصت المادة (557/1) على:

  1. الهبة تمليك مال أو حق مالي لآخر حال حياة المالك دون عوض.
  2. ويجوز للواهب مع بقاء فكرة التبرع ان يشترط على الموهوب له القيام بالتزام معين ويعتبر هذا الالتزام عوضا.

ثانيًا: تمام عقد الهبة ونفاذه

قبل الحديث عن الرجوع في الهبة وضوابط هذا الرجوع كان لزامًا علينا أن نتعرض لتمام عقد الهبة ونفاذه، والهدف من هذا التعرض أنه لابد لكي يتم إعمال قواعد الرجوع في الهبة أن يكون عقد الهبة تام وصحيح وإلا يكون التعرض له بأي شكل أخر من الوسائل التي أقرها القانون لكل حالة من الحالات، وأما الهدف من التعرض لنفاذ العقد لأن المشرع الأردني قد فرق بين حالة الرجوع إذا ما كانت الهبة قد دخلت حيز التنفيذ أم لا.

1- تمام عقد الهبة

عقد الهبة بداية يتطلب ما تتطلب كافة العقود من حيث صحة الرضا والمحل والسبب ويرجع في ذلك للقواعد العامة الخاصة بإبرام العقود والتصرفات، كذلك بالإضافة لذلك تطلب المشرع الأردني كما تطلب في بعض العقود ان تبرم في شكلًا معين. ونصت المادة (558) من القانون المدني على:

  1. تنعقد الهبة بالإيجاب والقبول وتتم بالقبض.
  2. يكفي في الهبة مجرد الإيجاب إذا كان الواهب ولي الموهوب له أو وصيه والشيء الموهوب في حوزته وكذا لو كان الموهوب له صغيرا يقوم الواهب على تربيته.

وفي ذلك جاء بالحكم رقم 162 لسنة 2020 – بداية جزاء – جنايات (جنايات صغرى) عمان الصادر بتاريخ 2021-09-30 (حيث ان المادة 566 من ذات القانون أوجبت مراعاة الشكل لنفاذ عقد الهبة ثم ان المشتكي كان ينوي التنازل عن المركبة للمتهم في اليوم التالي لتسليم المركبة كما جاء على لسانه أعلاه إلا أن المتهم استعجل الأمر وقام بحرق المركبة ويكون العقد بين المشتكي والمتهم لم يبرم وفق ما حدده القانون وذلك عملاً بالمادة 105 من القانون المدني.

2- نفاذ عقد البيع

نصت المادة (566) من القانون المدني على:

  1. يتوقف نفاذ عقد الهبة على أي إجراء تعلق النصوص التشريعية نقل الملكية عليه ويجوز لكل من طرفي العقد استكمال الإجراءات اللازمة.
  2. وتتم في المنقول بالقبض دون حاجة إلى تسجيل.

وجاء بالمذكرة الإيضاحية للمادة (566) من القانون المدني المادة (390):

ان عقد الهبة بعد إتمام أركانه وشروطه يصبح عقدا صحيحا غير ان نفاذه يتوقف على القبض وما في معنى القبض مما يشترط قانونا القيام به لإتمامه وهذا يستلزم بقاء عقد الهبة صحيحا غير ان للمصلحة اعتبر غير نافذ المفعول عملا بالمادة 58 من المجلة وشرحها لعي حيدر وهذا اعدل في الحكم وأقرب إلى مقاصد الشرع وهي تقابل المواد 455 و456 مشروع أردني و456 و457 سوري و602 و603 عراقي.

ثالثًا: الرجوع في الهبة

1- تعريف الرجوع في الهبة

وردت في تعریف الرجوع اصطلاحا أكثر من تعریف ومن تلك التعريفات، أنه رفع العقد من الأصل، في حین عرف البعض الآخر الرجوع في الهبة بأنه هو العود إلى حال ما قبل العقد وفق شروط مخصوصة[2].

والرجوع في الهبة عندنا يمكن تعريفه بأنه زوال صفة الواهب والموهوب له بمسك الهبة بإرادة الواهب عن الموهوب له إذ لم تسلم وبردها منه بإرادته أو بالتقاضي إذا كان الموهوب مقبوض.

2- الطبيعة القانونية للرجوع في الهبة

اختلف فقهاء القانون في توصيف رجوع الواهب في هبته فمنهم من قال إنها إقالة على اعتبار أن الإقالة عبارة عن رفع الشيء وهو ما يتشابه مع الرجوع في الهبة، ومنها من وصف الرجوع بالإلغاء حيث لم يفرق فقهاء الشريعة بينهما ولما يتشابها فيه في العديد من المواضع، والبعض وصفها بالرد، وأخيرًا اعتبرها البعض فسخًا. والرأي عندنا أن لها طبيعة خاصة.

يتحقق الرجوع في عقد الهبة إما بتراضي الواهب والموهوب له. وإما بالإرادة المنفردة للواهب متى ثبت له الحق في ذلك» وسواء في التشريع الجزائري أو في التشريعين المصري والفرنسي يشكل فعل الرجوع في الهبة بالتراضي إقالة منها، تستلزم لقيامها نفس الشروط الموضوعية والشكلية التي استلزمها ابرام عقد الهبة- يتسم من جانبه فعل الرجوع في عقد الهبة بالإرادة المنفردة بطبيعة قانونية خاصة سواء تجسد بالتقاضي كما هو الحال في التشريعين المصري والفرنسي؛ أو بفعل الواهب الانفرادي كما هو الحال في التشريع الجزائري. ذلك لأنه حق استثنائي يتقرر للواهب بموجب نص خاص؛ ويخضع لنظام قانوني يستقل به يجعله يتميز عن الطرق الأخرى التي يترتب عنها وفقا للقواعد العامة انحلال العقد، والتي يخضع لها أيضا مثل سائر العقود الأخرى[3].

3- حالات الرجوع في الهبة

أ- الرجوع قبل القبض

في حالة ما إذا كان الموهوب بيد الواهب ففي هذه الحالة يكفي للرجوع في الهبة أن تتجه إرادة الواهب إلى ذلك دون الاعتبار بإرادة الموهوب، ونجد مرجع ذلك لما طالعناه من الآراء أن عقد الهبة ينشأ بإرادة منفردة (إرادة الواهب) ولا ينفذ إلا بقبض الموهوب له كما بينا في عنصر نفاذ عقد الهبة.

وهذا ما أقره المشرع الأردني حيث نصت المادة (576/1) من القانون المدني على (للواهب ان يرجع في الهبة قبل القبض دون رضا الموهوب له).

ب- الرجوع الاتفاقي بعد القبض

في حالة ما إذا تم القبض ورغب الواهب في الرجوع عن الهبة فيجوز له وبقبول أن يرجع عن الهبة وأن يسترد الموهوب، ويرجع ذلك إلى قاعدة أن العقد شريعة المتعاقدين، فكما وهب الواهب وقبل الموهوب له فلهما كذلك أن يرجعا في هذه الهبة ولو تم قبض الموهوب.

وهذا ما أقره المشرع الأردني حيث نصت المادة (576/2) من القانون المدني على (وله ان يرجع فيها بعد القبض بقبول الموهوب له ……….).

ج- الرجوع القضائي بعد القبض

في حالة ما إذا تم القبض ورغب الواهب في الرجوع عن الهبة إلا أن الموهوب له رفض قبول هذا الرجوع فللواهب أن يطلب من القضاء إقرار رجوعه في الهبة، والسند في هذا الحق نص المادة (576/2) من القانون المدني حيث نصت على (وله ان يرجع فيها بعد القبض بقبول الموهوب له فان لم يقبل جاز للواهب ان يطلب من القضاء فسخ الهبة والرجوع فيها متى كان يستند إلى سبب مقبول ما لم يوجد مانع من الرجوع)

ولقد أورد المشرع الأردني الحالات التي يجوز فيها للواهب طلب الرجوع في الهبة من القضاء وجاءت تلك الحالات حصرًا بنص المادة (577) من القانون المدني والتي نصت على: يعتبر سببا مقبولا لفسخ الهبة والرجوع فيها:

  1. ان يصبح الواهب عاجزا عن ان يوفر لنفسه أسباب المعيشة بما يتفق مع مكانته أو ان يعجز عن الوفاء بما يفرضه عليه القانون من النفقة على الغير.
  2. ان يرزق الواهب بعد الهبة ولدا يظل حيا حتى تاريخ الرجوع أو ان يكون له ولد يظنه ميتا وقت الهبة فاذا هو حي.
  3. إخلال الموهوب له بالتزاماته المشروطة في العقد دون مبرر أو إخلاله بما يجب عليه نحو الواهب أو أحد أقاربه بحيث يكون هذا الأخلال جحودا كبيرا من جانبه.

وبالتعليق على نص المادة نجد أن الحالات التي جعلها المشرع الأردني سببًا معتبرًا يصح لطلب الرجوع في الهبة تتلخص في أسباب ثلاث.

السبب الأول تبدل حال الواهب بحيث لا يقدر على توفير متطلباته المعتبرة هو ومن يعولهم أو النفقات المفروضة عليه قانونًا، ويعد هذا السبب معتبرًا ذلك أن الهبة تعد من الإحسان وهي شكلًا من أشكال التبرعات إذا ما كانت بغير عوض، فلا يستقيم أن يكون للواهب مال ويكون هو عالة على غيره.

السبب الثاني حفظ حق الذرية للواهب حيث إن الإنسان مع عدم وجود ذرية له قد يهب من ماله للغير ابتغاء مرضاة الله مما يعجل عدم وجود الذرية سببًا للقيام بتلك الهبة، وبهذا السبب قد حفظ المشرع الأردني الحق لذرية الواهب سواء التي رزق بها بعد الهبة أو من لم يكن موجودًا وقت الهبة ولم يرج رجوعه ثم عاد أن ينعموا بمال أبيهم، وهو سبب معتبر.

السبب الثالث إخلال الموهوب له بواجباته، فعقد الهبة لا يمنع من انعقاده أن يكون بعوض يلتزم به الموهوب له طالما قبل الهبة، وفي حالة الإخلال بأي من الالتزامات المكلف بها الموهوب له يكون من حق الواهب طلب الرجوع في الهبة من القضاء، ويعد هذا عادلًا حيث إن هذا العوض قد يكون هو سبب الهبة.

رابعًا: حالات عدم جواز الرجوع في الهبة

ومع إقرار المشرع الأردني لحق الواهب في الرجوع في الهبة حدد كذلك بعض الحالات التي لا يجوز فيها الرجوع في الهبة، ولعل العلة من ذلك الحفاظ على استقرار المعاملات بين الأفراد، تلك الحالات جاءت حصرًا بالمادة (579) من القانون المدني والتي نصت على (يعتبر مانعا من الرجوع في الهبة ما يلي:

  1. إذا كانت الهبة من أحد الزوجين للآخر أو لذي رحم محرم ما لم يترتب عليه مفاضلة بين هؤلاء بلا مبرر.
  2. إذا تصرف الموهوب له في الموهوب تصرفا ناقلا للملكية فاذا اقتصر التصرف على بعض الموهوب جاز للواهب ان يرجع في الباقي.
  3. إذا زادت العين الموهوبة زيادة متصلة ذات أهمية تزيد من قيمتها أو غير الموهوب له الشيء الموهوب على وجه تبدل فيه اسمه.
  4. إذا مات أحد طرفي العقد بعد قبضها.
  5. إذا هلك الموهوب في يد الموهوب له فاذا كان الهلاك جزئيا جاز الرجوع في الباقي.
  6. إذا كانت الهبة بعوض.
  7. إذا كانت الهبة صدقة أو لجهة من جهات البر.
  8. إذا وهب الدائن الدين للمدين.

خامسًا: أثر الرجوع في الهبة

1- على الموهوب

في حالة الرجوع في الهبة سواء رضاءً أو قضاءً فيتم بالتبعية إبطال أثر العقد، فيرد الموهوب للواهب، وينتهي التزام الموهوب له إذا ما كان الالتزام بعوض، وفي ذلك نصت المادة (580/1) من القانون المدني على (يعتبر الرجوع عن الهبة رضاء أو قضاء إبطالا لأثر العقد.)

2- على ثمار الموهوب

نظم المشرع الأردني ما تؤول إليه ثمار الشيء الموهوب في حالة الرجوع في الهبة حيث نصت المادة (580/1) من القانون المدني على (ولا يرد الموهوب له الثمار إلا من تاريخ الرجوع رضاء أو تاريخ الحكم وله ان يسترد النفقات الضرورية أما النفقات الأخرى فلا يسترد منها إلا ما زاد في قيمة الموهوب.)

3- أحكام استرداد الموهوب

أ-استرداد الموهوب دون مصوغ قانوني

في حال كان الموهوب في يد الواهب دون قبض الموهوب له فلا إشكالية في ذلك حيث أن رجوع الواهب في الهبة لا يلزم قبول الموهوب له وبالتبعية فلا يلزم الواهب باتخاذ أي إجراء للممارسة سلطته على الموهوب، لكن الإشكالية توجد عندما يكون قد تم قبض الموهوب له للموهوب فحينها لا يحق له استرداد الموهوب إلا بسند قانوني سواء كان رضاء الموهوب له أو حكم قضائي، وإلا يكون مسؤولًا عن الموهوب وفي ذلك نصت المادة (581/1) من القانون المدني على: (استعاد الواهب الشيء الموهوب بغير رضاء او قضاء كان مسؤولا عن هلاكه مهما كان سببه.)

ب- رفض الموهوب له رد الموهوب

في حالة ما إذا صدر حكم قضائي يقر رجوع الواهب في الهبة واعذر الموهوب له برد الموهوب ومع ذلك رفض تسليم الموهوب للواهب فإنه يتحمل مسؤولية الشيء الموهوب، وفي ذلك نصت المادة (581/2) من القانون المدني على: (أما إذا صدر حكم بالرجوع في الهبة وهلك الشيء في يد الموهوب له بعد إعذاره بالتسليم فان الموهوب له يكون مسئولا عن الهلاك مهما كان سببه)

سادسًا: تطبيقات قضائية

الحكم رقم 3454 لسنة 2021 محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2021-10-11

وعن السبب الثاني وفيه يخطئ الطاعن محكمة الاستئناف في تكييفها للدعوى وخروجها عن حدودها حين فسرت مطالبات المميز /المدعي على أنها إحدى حالات الرجوع عن الهبة على خلاف الواقع والقانون وما قدم في الدعوى من بينات ودفوع ودون مراعاة أن المميز ضدها لم تدعِ بأن ما دخل في ملكيتها كان على سبيل الهبة.

وفي ذلك نجد أن هذا النعي في محله ذلك أنه لئن كان لمحكمة الموضوع السلطة التامة وفق ما استقر عليه الفقه والقضاء في تكييف الدعوى وإعطائها الوصف القانوني الصحيح (تمييز حقوق 3781/2012 , 4761/2020 , 4643/2018) إلا أن ذلك مشروط بأن يكون ذلك في حدود طلبات الخصوم ودفوعهم والأساس الذي استندوا إليه في هذه الطلبات باعتبار حقيقة المقصود من هذه الطلبات والدفوع ودون الخروج عنها.

فلما كان ذلك وكان البين من لائحة الدعوى ومجمل أوراقها أن المميز / المدعي قد طلب إلزام المدعى عليها / المميز ضدها بالمبلغ المدعى به وهو ثمن قطعة أرض وتكاليف استصلاحها وتعميرها وثمن شقة وتكاليف تشطيبها والديكور فيها قام بشرائها من ماله الخاص وسجلها باسم المميز ضدها (المدعى عليها) على سبيل الحفظ والأمانة لوجود العلاقة الزوجية بينهما وكل ذلك على فرض الثبوت فقد كان على محكمة الاستئناف أن تكييف الدعوى على هذا الأساس وأن تزن البينات المقدمة فيها على ضوء هذا التكييف وأن تبني على ذلك مقتضاه لا كما ذهبت إليه باعتبار مطالبة المدعي إحدى حالات الرجوع عن الهبة بغير سند في لائحة الدعوى أو طلبات المدعي أو دفع الدعوى بذلك من قبل المميز ضدها .

وحيث إن محكمة الاستئناف بحكمها الطعين لم تلتزم النظر الذي بيناه فإنه يكون معيباً بما يوجب نقضه.

لهذا وتأسيساً على ما تقدم ودون حاجة لبحث باقي أسباب الطعن ولما للنقض من أثر بالنتيجة التي قد تصل إليها المحكمة نقرر نقض الحكم المطعون فيه وإعادة الأوراق إلى مصدرها لإجراء المقتضى القانوني.

الحكم رقم 1637 لسنة 2018 محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2018-05-09

ورداً على هذه الأسباب نجد أن المدعي (المميز) تقدم بدعواه بمواجهة المدعى عليه (المميز ضده) للمطالبة بفسخ عقد هبة و/أو المطالبة بقيمة العقار الموهوب وعلى أساس أن المدعى عليه (الموهوب له) قطعة الأرض موضوع الدعوى قد أخل بالالتزامات الواجبات عليه قانوناً وشرعاً تجاه والده المدعي ( الواهب) ولأن هذا الإخلال وصل إلى حد الجحود والعقوق من جانب المدعى عليه ومن خلال قيامه بشتم والده (المدعي) وتحقيره وضربه وتسجيل عدة قضايا جزائية ضده، ونجد أنه يعتبر بنوع خاص عذراً مقبولاً للرجوع في الهبة (أن يخل الموهوب له بما يجب عليه نحو الواهب أو نحو أحد من أقاربه بحيث يكون هذا الإخلال عذراً مقبولاً للرجوع في الهبة) وهو ما نصت عليه المادة (577/3) من القانون المدني، الأمر الذي كان يتوجب معه على محكمة الاستئناف تدقيق بينات الدعوى ومناقشتها مناقشة وافية وفيما إذا ثبت من خلالها أن المدعى عليه ( المميز ضده) قد صدر عنه بما يشكل إخلالاً بما يجب عليه نحو والده المدعي (الواهب) له حصتين من جامعة الحصص في قطعة الأرض رقم (207) حوض المقرن رقم (2) من أراضي بدران/ شمال عمان وإن هذا الإخلال يشكل جحوداً كبيراً من جانب المدعى عليه تجاه والده المدعي ، وتفسير المواد القانونية الواجبة التطبيق وتأويلها وفقاً لأحكام القانون، ولما لم تفعل محكمة الاستئناف ذلك واكتفت بمناقشة الدعوى وفق أحكام المادة (579) من القانون المدني الباحثة في موانع الرجوع عن الهبة بصفة عامة فيكون قرارها المميز وتأسيساً على ما تقدم مستوجباً النقض لورود أسباب الطعن عليه .

لهذا وتأسيساً على ما تقدم نقرر نقض القرار المميز وإعادة الأوراق إلى مصدرها للسير بالدعوى حسب الأصول على ضوء ما بيناه

الحكم رقم 1981 لسنة 2014 محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2014-09-10

حددت المادة 579 من القانون المدني حصراً الحالات التي تعتبر في حال توافرها مانعاً من الرجوع في الهبة ومنها موت أحد طرفي العقد بعد قبضها ولا خلاف على ما أجمع عليه الفقه والقضاء على أنه في حال وفاة الواهب قبل إقامة الدعوى للمطالبة بفسخ الهبة والرجوع فيها يمتنع على ورثته إقامة الدعوى للمطالبة بالرجوع في الهبة لعلة أن حق الرجوع حق متصل بشخص الواهب وهو وحده الذي يقدر الأسباب المبررة لطلب الرجوع في الهبة ، ولم يعالج المشرع الأردني بالنص حالة وفاة الواهب بعد إقامة الدعوى بطلب فسخ الهبة والرجوع فيها أسوة ببعض التشريعات الأخرى ، وحيث أن الدعوى هي وسيلة للمطالبة بالحقوق التي تكون قد نشأت وتكونت قبل إقامتها بمعنى أنه يشترط لقبول الدعوى التي تحمي الحقوق أن تكون هذه الحقوق موجودة قبل إقامتها والدعوى في حال ثبوت أسبابها تكشف هذه الحقوق يوم إقامتها فدعوى فسخ الهبة والرجوع فيها على فرض ثبوتها يتقرر الحق للواهب واعتباره مالكاً للمال الموهوب من تاريخ إقامة الدعوى وليس من تاريخ إصدار الحكم ويعتبر المال الموهوب أمانة في يد الموهوب له وإن أي تصرف يقوم به الموهوب له بعد إقامة الدعوى بفسخ الهبة والرجوع فيها يعتبر باطلاً لأن القول بأن الواهب يعتبر مالكاً فقط من تاريخ الحكم واكتسابه الدرجة القطعية يؤدي إلى قيام الموهوب له بالتصرف بالمال بعد رفع الدعوى واعتبار هذا التصرف صحيحاً الأمر الذي يخالف القواعد القانونية التي تقرر أن الحكم القضائي القطعي يقرر الحق من تاريخ إقامة الدعوى وقد ذهب الفقه إلى أن الواهب إذا كان قد أقام دعوى الرجوع عن الهبة ثم توفي بعد إقامتها وقبل صدور الحكم فيها جاز لورثته متابعة الدعوى وحيث أن الدعوى الماثلة أقيمت من المدعي ( الواهب ) بتاريخ وأنه وأثناء سير الدعوى وبعد إقامتها وإظهار المدعي رغبته بالرجوع في الهبة قد انتقل إلى رحمة الله تعالى وعليه فإن من حق الورثة متابعة الدعوى للمطالبة بحقهم بالرجوع في الهبة الذي انتقل إليهم بوفاة مورثهم وتعتبر الخصومة صحيحة في الدعوى ، وحيث أن الحكم المطعون فيه انتهى إلى نتيجة مغايرة فيكون واقعاً في غير محله وحرياً بالنقض.

يعتبر سبباً مقبولاً لفسخ الهبة والرجوع فيها وفقا لأحكام المادة (577) من القانون المدني أن يرزق الواهب بعد الهبة ولداً يظل حياً حتى تاريخ الرجوع أو أن يكون له ولد يظنه ميتاً وقت الهبة فإذا هو حي أو إخلال الموهوب له بالتزاماته المشروطة في العقد دون مبرر أو إخلاله بما يجب عليه نحو الواهب أو أحد أقاربه بحيث يكون هذا الإخلال جحوداً كبيراً من جانبه ، وحيث أن من أسباب الدعوى للرجوع في الهبة أن الواهب رزق بأبناء من زوجتيه الاثنتين بعد حصول الهبة فإن المفروض في هذا العذر أن يكون الواهب وقت أن صدرت منه الهبة ليس له ولد ذكر أو أنثى وانه قد وهب ماله مدفوعاً في ذلك إلى أنه ليس له ولد يترك له هذا المال وآثر الموهوب له على ورثته الآخرين ففي هذه الحالة إذا رزق الواهب ولداً بعد الهبة يكون هذا عذراً مقبولاً للرجوع في الهبة ذلك أن دافع الهبة قد انعدم والولد الذي رزق به الواهب أولى بالمال الموهوب وإذا كان للواهب ولد وقت الهبة ثم رزق ولداً آخر بعد الهبة لم يكن هذا عذراً مقبولاً للرجوع في الهبة ذلك أنه وقت الهبة كان له ولد ومع ذلك وهب المال الموهوب له مؤثراً إياه على ولده الآخر ولا يحق له بعد ذلك الرجوع في الهبة حتى ولو زاد عدد الأولاد ،وحيث أنه كان لمورث المدعين الواهب ولدان ومولدين في العام 1971 أي قبل عقد الهبة المبرم في 1973/1/4 فعليه يكون سبب الرجوع عن الهبة غير متوافر وفقاً لأحكام المادة 2/577 من القانون المدني .

أجازت المادة (576) من القانون المدني للواهب أن يرجع في الهبة بعد القبض بقبول الموهوب له فإن لم يقبل جاز للواهب أن يطلب من القضاء فسخ الهبة والرجوع فيها متى كان يستند إلى سبب مقبول ما لم يوجد مانع من الرجوع فهو يعتبر مانعا من الرجوع إذا كانت الهبة من أحد الزوجين للآخر أو لذي رحم محرم ما لم يترتب عليه مفاضلة بين هؤلاء بلا مبرر عملا بالمادة (1/579) من القانون المدني وحيث أن الموهوب له هو ابن الواهب ( مورث المدعين) وهو من ذوي الأرحام وبالتالي فإن الرجوع عن الهبة إليه بلا مبرر أو سبب مقبول يعتبر مانعاً من الرجوع عن الهبة أو طلب فسخ عقد الهبة ومن المتفق عليه فقهاً وقضاءً أن البت في السبب المقبول الذي يبيح للقضاء فسخ الهبة والرجوع فيها عملاً بأحكام المادة (2/576) من القانون المدني هو مسألة تقديرية تستقل بها محكمة الموضوع وحيث أن محكمة الموضوع خلصت بقرارها إلى أن المدعين لم يثبتوا بأن هذه الهبة لأخيهم المدعى عليه كانت فيها مفاضلة بينهم بلا مبرر وأن الادعاء بوجود المفاضلة لا يعدو عن كونه قولاً مرسلاً مفتقراً للدليل إذ لا مجال للقول بوجود المفاضلة بين المدعى عليه وبين بعض المدعين طالما أنهم ولدوا بعد عقد الهبة وبالتالي لاحق لهم بالاعتراض عليه كونهم لم يكونوا موجودين وقت إبرامه وأن المولودين قبل ذلك العقد لم يعترضوا عليه كما اثبت البينة المقدمة اعتياد مورث المدعين على الهبة بعوض أو بغير عوض والتصرف لأولاده وانه يملك عقارات كثيرة وميسور الحال مما لا يوفر أسباب الرجوع عن الهبة .

لا يشكل الجحود والنكران كسبب للرجوع في الهبة مفترضا ولابد من إقامة البينة القانونية الصحيحة عليه، وحيث إن وزن البينة وتقديرها هي مسألة تقديرية تستقل بها محكمة الموضوع أن محكمة الموضوع قد خلصت بقرارها إلى أن المدعين قد عجزوا عن إثبات هذا السبب كمبرر للرجوع بالبينة القانونية المقبولة إذ إن بينتهم انحصرت في شهادة الشاهدين (المدعيين) وهي مردودة عملاً بأحكام المادة (80) من القانون المدني، فيكون استخلاص محكمة الموضوع لما توصلت إليه استخلاصاً سائغاً ومقبولاً ونحن نقرها على هذه النتيجة.

إذا كانت الغاية من إجراء الخبرة لتقدير قيمة قطعة الأرض موضوع الدعوى لغايات إثبات وجود المفاضلة بين الورثة لفسخ عقد الهبة، وحيث أن المدعين لم يقدموا البينة القانونية لإثبات وجود المفاضلة فيكون إجراء الخبرة والحالة هذه غير منتج في الدعوى.

قرار صادر عن الهيئة العامة.

سابعًا: خاتمة

في هذا المقال تحدثنا عن الرجوع عن الهبة، ولقد نظم المشرع الأردني أحكام الهبة نظرًا لخطورتها كشكل من أشكال عقود التبرع، فلقد كفل بداية شروط انعقادها ونفاذها وبعد ذلك نظم الرجوع عنا موضوع مقالنا، ولقد حدد المشرع الأردني الحالات التي يجوز فيها الرجوع، والحالات التي لا يجوز فيها الرجوع وهذا ما قمنا بعرضه في السطور السابقة، ونرى ان المشرع الأردني قد حسن توفيقه في الموازنة بين استقرار المعاملات بتقيد حالات الرجوع عن الهبة وبين مصلة الواهب في تقرير بعض الحالات التي يجوز فيها الرجوع عن الهبة لأسباب معتبرة.

كتابة: محمد السعيد عبد المولى

[1] د. عبد الرزاق أحمد السنھوري، الوسیط في شرح القانون المدني (٥ (العقود التي تقع على الملكیة المجلد الثاني الھبة والشركة والقرض والدخل الدائم والصلح، دار النھضة العربیة،

[2] انــس عبدالواحــد صــالح الجــابر، أحكــام الرجــوع في العقــود المالیــة في الفقــه الإسلامي، رســالة دكتوراه، كلیة الدراسات العلیا، الجامعة الأردنية، نیسان ٢٠٠٧م، صـ.١

[3] المجلد 12 العدد 01 (خاص) 2021، ولد محمد محند شريف؛ ” الطبيعة. القانونية للرجوع في الهبة: دراسة مقارنة “. ص 319.

Scroll to Top