تنظيم عقود التجارة الدولية الالكترونية

تنظيم عقود التجارة الدولية الالكترونية

لقد انتشرت في الآونة الأخيرة عملية تبادل السلع أو التجارة الالكترونية عبر الإنترنت ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك انعكاسا للتطور التكنولوجي في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

وقد كان لذلك الأثر الكبير في اهتمام الدول بهذا النوع من التجارة خاصة مع تفضيل غالبية رجال الأعمال له، مما دفع الدول للاهتمام به من خلال السعي نحو وضع له إطار قانوني يحدد كيفية عمله ونطاقه وأحواله وذلك من خلال تنظيم العقود التي تتناوله وبيان أحكامها.

أولا: مفهوم عقد التجارة الدولي الالكتروني

ثانيا: طرق التعبير عن الإرادة في العقد التجاري الإلكتروني

ثالثا: الاثبات في العقد التجاري الدولي الالكتروني

رابعا: أنواع العقود الالكترونية

أولا: مفهوم عقد التجارة الدولي الالكتروني

ويمكن تعريف التجارة الالكترونية أولا بأنها عبارة عن عملية عرض للسلع والخدمات على الإنترنت بقصد تلقي طلبات شراء أو تعامل عليها من قبل المستهلكين أو الطالبين للخدمة.

أما العقد الالكتروني التجاري فيمكن تعريفه بأنه” اتفاق يتلاقى فيه الايجاب والقبول عبر شبكة دولية للاتصال عن بعد وذلك بوسيلة مسموعة أو مرئية تتيح التفاعل بين الموجب والقابل”([1]).

ولقد عرفته لجنة القانون التجاري الدولي التابعة للأمم المتحدة المسماة اليونسترال والتي أنشأت بموجب القرار رقم\ 22\5المؤرخ 17\12\1996وتضم في عضويتها غالبية الدول الممثلة للأنظمة القانونية المختلفة، ولقد عرفت العقد الإلكتروني من خلال تعريف الوسائل التي يتبع من خلالها ابرامه. إذ نصت في المادة الثانية منه الفقرة \أ بأنه يراد بمصطلح “رسالة بيانات” المعلومات التي يتم إنشاؤها، أو إرسالها، أو استلامها، أو تخزينها بوسائل الكترونية، أو البريد الإلكتروني، أو البرق، أو التلكس، أو النسخ البرقي.

كما نصت المادة\ 11من هذا القانون على ما يلي” في سياق تكوين العقود وما لم يتفق الطرفان على غير ذلك يجوز استخدام رسائل البيانات للتعبير عن العرض وقبول العرض وعند استخدام رسالة بيانات في تكوين العقد لا يفقد ذلك العقد صحته او قابليته للتنفيذ لمجرد استخدام رسالة بيانات لذلك الغرض”

ويستفاد من هذا النص أنه يمكن استخدام رسالة البيانات في التعبير عن الايجاب أو القبول وأن العقد لا يفقد صحته او قابليته للتنفيذ لجرد أن الإيجاب أو القبول أو أحدهما يتم عن طريق رسالة البيانات ([2]).

بينما عرفه البعض الآخر بأنه” التقاء ايجاب صادر من طرف محله عرض مطروح بطرق سمعية أو بصرية أو كلاهما على شبكة للاتصالات بقبول صادر من طرف آخر بذات الطرق وتحقيقا لعملية معينة يرغب الطرفان في انجازها وهي في العادة مبادلة القيم او الأموال”([3]).

وعرفه البعض الآخر بأنه” عبارة عن نوع من العقود المبرمة عن بعد ما بين غائبين من حيث المكان باستخدام وسيلة اتصال فوري هي الإنترنت وهذا التعاقد يتم بالكتابة من خلال تبادل الرسائل الالكترونية أو بالصوت عبر تبادل الحديث عبر الشبكة أو عبر استخدام تقنية تبادل الصوت والصورة معا وهو عقد متميز بالطريقة التي ينعقد بها حيث يتلاقى الإيجاب والقبول على الشبكة العالمية للاتصال عن بعد مكونين بذلك اتفاقا”([4]).

ومن وجهة نظرنا يعتبر التعريف الأخير هو الأوضح والأفضل في بيان معناه وتشخيصه بشكل يميزه عن غيره من العقود العادية، فهو يشمل كافة صور التعاقد عبر الشبكة العنكبوتية بشكل واضح.

ثانيا: طرق التعبير عن الإرادة في العقد التجاري الإلكتروني

 

العقد التجاري الالكتروني عقد كأي عقد لابد لانعقاده من التعبير عن الإرادة، ولكنه يختلف في طريقة التعبير ووسيلة التعبير عن العقد العادي الذي ينعقد بالطرق العادية إذ أنه له مجلس عقد وطرفي العقد حضور به وبالتالي ينعقد في مجلس العقد، أما العقد التجاري الالكتروني فتتمثل طريقة التعبير عنه بالطرق الآتية:

1- البريد الالكتروني

ويتم التعبير عن هذا العقد عبر البريد الالكتروني وذلك بإرسال المورد بريدا الكترونيا يعرض فيه السلع والخدمات على المستخدم، وبعد وصول البريد للمستخدم يتصل علمه بالرسالة الواردة فيه وبالتالي يكون الإيجاب، وما عليه سوى ارسال قبوله ردا على هذا الايجاب عبر ذات البريد الإلكتروني فينعقد العقد إذا قبل هذا الايجاب.

2- تصفح الموقع الالكتروني للخدمات

وينعقد أيضا العقد وذلك عن طريق التعبير عن الارادة وذلك بتصفح الموقع الالكتروني الذي يتضمن المنتجات والخدمات المراد التعاقد عليها وذلك بمجرد كتابة اسمه وعنوانه ورقمه السري ([5]).

3- تبادل الحديث بالصوت أو الصوت والصورة معا عبر الانترنت

ويتم أيضا التعبير عن الارادة في هذا العقد عن طريق المحادثة صوتا او صوتا وصورة معا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك بالتعبير عن رغبته في بيع السلعة او عرضها على المستخدم وبمجرد ان يبدي المستخدم رغبته في القبول ينعقد العقد ويصبح نافذا، ويقع على عاتق المشتري دفع ثمن السلعة عن طريق شبكة الانترنت بإحدى وسائل الدفع المعروفة عبر الإنترنت وهي بطاقة الدفع، أو بطاقة الائتمان البطاقة الذكية، أو النقود الإلكترونية أو الشيك الإلكتروني.

ثالثا: الاثبات في العقد التجاري الدولي الالكتروني

 

نظرا لأن العقد التجاري الالكتروني ينعقد بطرق حديثة عبر الشبكة العنكبوتية بإحدى الطرق المبينة سابقا فانه أيضا يتم اثباته بطرق مختلفة عن غيره من العقود العادية، إذ أن له خصوصية في الإثبات، وذلك على النحو التالي:

من الطبيعي أن يتم اثبات العقد بتوقيع طرفيه عليه أو ما يعرف بالتوقيع التقليدي، أما العقد الإلكتروني فيتم إثباته عن طريق ما يسمى بالتوقيع الإلكتروني ([6]).

ولقد عرف البعض التوقيع الالكتروني بأنه” قيد أو سجل أو رسالة المعلومات التي يتم إنشاؤها أو تخزينها بوسائل الكترونية ([7]).

وعرفه البعض بأنه” علامة مميزة تسمح بتفريد القائم بها تترجم بدون غموض إرادة الرضا بالتعرف لديه”([8]).

وعرفه البعض الآخر بأنه” عبارة عن حروف وأرقام أو رموز أو إشارات لها طابع منفرد تسمح بتحديد شخص صاحب التوقيع وتميزه عن غيره ويتم اعتماده من الجهة المختصة”([9]).

ولقد عرفه قانون المعاملات الالكترونية الأردني رقم \85لسنة2001بأنه” البيانات التي تتخذ هيئة حروف، أو أرقام، أو رموز، أو إشارات، أو غيرها وتكون مدرجة بشكل إلكتروني، أو رقمي، أو ضوئي، أو أي وسيلة أحرى مماثلة في رسالة معلومات أو مضافة أو مرتبطة بها ولها طابع يسمح بتحديد هوية الشخص الذي وقعها ويميزه عن غيره من أجل توقيعه وبغرض الموافقة على مضمونه”.

صور التوقيع الإلكتروني:

والتوقيع الالكتروني له صور متعددة أهم هذه الصور التوقيع بالصفات والخواص الذاتية منها،

أ- بصمة العين، وبصمة الإصبع ونبرة الصوت:

ويتم تخزين هذه البصمة بشكل رقمي مضغوط، ولا يسمح للشخص بالدخول في هذا النظام إلا إذا تطابقت المعلومات الخاصة بالشخص مع ما هو مسجل ومشفر داخل جهاز الحاسوب، تستخدم هذه الطريقة كبريات البنوك في الدول المتقدمة ([10]).

ب- والتوقيع الرقمي الذي يعتمد على التشفير.

ويتم هذا التوقيع في المراسلات الالكترونية التي تتم بين التجار والشركات وفي العقود الالكترونية.

ج- التوقيع بالقلم الالكتروني

وهو عبارة عن قلم حسابي يمكن من خلاله الكتابة على شاشة الحاسوب الخاص بالموقع وهو متصل بحساب آلي يختوي على برنامج خاص مثبت له وظيفتا هما التقاط التوقيع والتحقق من صحة التوقيع.

ويعتبر التوقيع الالكتروني شأنه شأن التوقيع العادي في العقود له ذات الحجية في الإثبات، من حيث إلزام صاحبه، وذلك إما توافرت جميع الشروط التي يتطلبها القانون في هذا التوقيع ليكون صالحا للإثبات.

رابعا: أنواع العقود الالكترونية

 

وتتنوع العقود الالكترونية التي تنعقد عبر الشبكة العنكبوتية وسنقوم ببيان أهم هذه العقود:

1- عقود البيع المبرمة عبر شبكة الانترنت

ويعتبر هذا النوع من العقود هو الأكثر انتشارا عبر الإنترنت، إذ يلجأ إليه العديد من الاشخاص لسهولة انعقاده إذ أنه لا يتشرط تواجد أطراف العقد في مكان واحد، ولقد انتشر هذا النوع من العقود في ظل انتشار التجارة الإلكترونية ([11]).

2- عقود المعلوماتية

وهي العقود المتعلقة ببيع أو تأجير المعلومات او استعمال برامج المعلومات ومنها عقد الترخيص باستعمال برامج المعلومات وعقد المقاولة وعقد تقديم الدراسة والمشورة وعقد تسليم المفتاح، وعقد الإيجار التمويلي ([12]).

3- عقود الخدمات الالكترونية

ويقصد بها العقود التي تبرم بين مزود الخدمة والمستفيد بها مثل عقد الاشتراك في الإنترنت، وعقد خدمة البريد الإلكتروني، وعقود العمل أو الاستشارات القانونية عبر الإنترنت.

خامسا: حل منازعات العقود التجارية الالكترونية

1- لقد استقر الفقه على اخضاع العقود التجارية الدولية الالكترونية لقانون الارادة فيما ينشأ عنها من منازعات، والمقصود بالإرادة هي الارادة المشتركة للمتعاقدين وليس إرادة أحدهما دون الآخر، أي يجوز للطرفين الاتفاق على خضوع العقد الإلكتروني لقانون معين، سواء كان الاتفاق عبلى خضوعه لمبادئ العامة للقانون او عادات أو أعراف التجارة ([13]).

وقد يكون هذا الاختيار صريحا بالنص على ذلك في بند من بنود العقد أو في اتفاق لاحق على العقد، وقد يكون اتفاق ضمني يفهم من المعنى أو يستنبط من ملابسات العقد كما لو كان هناك اتفاق على أن يكون قضاء دولة معينة هو المختص في حالة حدوث نزاع على بنود العقد، ففي هذه الحالة يكون الاختصاص لقانون تلك الدولة.

ويتم هذا الاختيار عبر وسائل الانترنت المختلفة سواء بالبريد الالكتروني أو المحادثة أو المشاهدة.

2- حالة عدم الاتفاق على قانون الارادة

فإذا لم يتفق الأطراف على قانون معين يخضع له العقد التجارة الإلكتروني، ففي هذه الحالة يتم الاستناد إلى نوعين من الضوابط هما:

أ- الضوابط الجامدة

فاذا لم يتفق الأطراف على قانون معين يخضع له النزاع فيكون الاحتكام هنا لقانون دولة محل أبرامه، أو تنفيذه، أو جنسية المتعاقدين، أو موطنهما، أو موطنهما المشترك، وهو ما نصت عليه غالبية القوانين ومنها القانون المدني الأردني في المادة \20 منه على أنه” 1- يسري على الالتزامات التعاقدية قانون الدولة التي يوجد بها الموطن المشترك للمتعاقدين إذا اتحدا موطنا فان اختلفا سرى قانون الدولة التي تم فيها العقد هذا ما لم يتفق المتعاقدان على غير ذلك”.

 

ب- الضوابط المرنة

ويتم اللجوء إلية في حالة عدم الاتفاق على قانون معين يخضع له النزاع الناشئ عن العقد التجاري الإلكتروني، ويكون الأسناد في هذه الحالة لقانون دولة محل إقامة المدين بالأداء المميز للعقد.

ويقصد بفكرة الأداء المميز للعقد تنوع معاملة العقود وتحديد القانون الذي يحكم العقد وفقا للالتزام الأساسي فيها، فرغم تعدد الالتزامات في العقد الواحد إلا أن أحد هذه الالتزامات هو الذي يميز العقد وعبر عن جوهره وبالتالي يجب الاعتماد عليه لتعيين القانون الواجب التطبيق على العقد في جملته ([14]).

  • التحكيم الالكتروني كوسيلة لحل منازعات عقود التجارة الالكترونية

ولقد ظهر هذا النظام نتيجة للتطور التكنولوجي في الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بوصه نظام أكثر تناسبا مع نزاعات التجارة الإلكترونية لما يتميز به من سرعة في الفصل بين الأطراف المتنازعة وقلة التكلفة وكذلك توفير الوقت والجهد.

ويعرف التحكيم بأنه” نظام قضائي خاص يختار فيه الأطراف قضاتهم ويعهدون إليهم بمقتضى اتفاق مكتوب بمهمة تسوية المنازعات التي قد تنشا او نشأت بالفعل بينهم بخصوص علاقاتهم التعاقدية او غير التعاقدية والتي يجوز حسمها بطريق التحكيم وفقا لمقتضيات القانون والعدالة وإصدار قرار قضائي ملزم لهم”([15]).

ولا يختلف عنه التحكيم الالكتروني إلا في الوسيلة التي يتم فيها حيث إنه تتم إجراءاته عبر الإنترنت بطريقة سمعية او بصرية ودون حاجة لتواجد الأطراف.

كتابة دكتور \ عبد المنعم حسن الشرقاوي

دكتوراه القانون المدني

([1]) د. أسامة أبو الحسن مجاهد, الوسيط في قانون المعاملات الإلكترونية, ط1, دار النهضة العربية, مصر, 2007, ص120.

([2]) د. باسيل يوسف, الجوانب القانونية للعقود التجارية عبر الحواسيب وشبكة الانترنت والبريد الالكتروني, بحث منشور في مجلة الدراسات القانونية, العراق, ع4, 2000, ص66.

([3]) د. بشار طلال المومني, مشكلات التعاقد عبر الانترنت, عالم الكتب الحديث, الأردن, 2004, ص25,24.

([4]) د. بشار محمود دودين, محمد يحي المحاسنة, الإطار القانوني للعقد المبرم عبر شبكة الانترنت, دار الثقافة للنشر والتوزيع, الأردن, 2006, ص71.

([5]) د. بشار طلال المومني, مرجع سابق, ص34,33.

([6]) د. بشار محمود دودين, محمد يحي المحاسنة, مرجع سابق, ص74,73.

([7]) د. بشار محمود دودين, محمد يحي المحاسنة, مرجع سابق, ص228.

([8]) د. نضال سليم برهم، أحكام عقود التجارة الكترونية، ط1, دار الثقافة للنشر والتوزيع، الأردن، ص165.

([9]) د. منير محمد الجنبيهي, ممدوح محمد الجنبيهي, تزوير التوقيع الالكتروني, دار الفكر الجامعي, الاسكندرية, 2006, ص42.

([10]) د. بشار محمود دودين, الإطار القانوني للعقد المبرم عبر شبكة الانترنت, ط2, دار الثقافة للنشر والتوزيع, الأردن, 2010, ص253.

([11]) د. بشار محمود دودين, محمد يحي المحاسنة, مرجع سابق, ص 183,

([12])د. بشار محمود دودين, محمد يحي المحاسنة, مرجع سابق, ص82,80.

([13]) د. محمد فؤاد المطالقة, الوجيز في عقود التجارة الالكترونية, دار الثقافة للنشر والتوزيع, الأردن, 2006, ص125.

([14]) د. احمد عبدالكريم سلامة, القانون الدولي الخاص النوعي الالكتروني السياحي البيئي, ص104.

([15]) د. أحمد عبدالكريم سلامة, مرجع سابق, ص 19,18.

Scroll to Top