دور إرادة المتعاقدين في اختيار القانون واجب التطبيق
يُمثل العقد اتفاق بين طرفين على إنشاء رابطة قانونية أو إنهائها أو تعديلها، ومن المسلَّم به أن للمتعاقدين كامل الحرية في اختيار البنود والشروط موضوع العقد، ومن شمن البنود التي يُمكن للمتعاقدين الاتفاق عليها القانون الذي يحكم العلاقة التعاقدية بينهما، بشرط ألا يتعارض ذلك مع النظام والآداب العامة. ولا تُثار مسألة البحث عن القانون واجب التطبيق بالنسبة للعقد الذي لا يشتمل على عنصر أجنبي، بعكس ذلك الذي يكون فيه أحد طرفي العقد أجنبيًا، حيث يثير هذا الأخير مسألة تنازع القوانين في حكمه وبيانه. وإذا كانت قاعدة خضوع العقد لمبدأ قانون الإرادة قد انتشرت في مختلف دول العالم، فإن إعمالها يقتضي التساؤل عن مدى حرية المتعاقدين في اختيار القانون الذي يحكم العقد. وسوف نتناول جميع ما يتعلق بدور إرادة المتعاقدين في اختيار القانون الواجب التطبيق، وذلك من خلال العناصر الرئيسية التالية:
ثانيًا: الجذور التاريخية لمبدأ قانون الإرادة
ثالثًا: النظريات التي تُحدد أسس اختيار القانون واجب التطبيق
رابعًا: القانون الواجب التطبيق على الالتزامات التعاقدية
خامسًا: القيود الواردة على حرية الأطراف في اختيار القانون الواجب التطبيق
سادسًا: مجال تطبيق القانون المختار
سابعًا: التعبير الصريح عن الإرادة في اختيار القانون واجب التطبيق
ثامنًا: مدى الاعتداد بالإرادة الضمنية للأطراف في حالة عدم وجود إرادة صريحة لهم
تاسعًا: موقف المشرع الأردني من قانون الإرادة والاعتداد بالإرادة الضمنية
عاشرًا: السوابق القضائية بدور إرادة أطراف التعاقد في اختيار القانون واجب التطبيق
ونقدم شرح تفصيلي لكل عنصر من العناصر الرئيسية السابقة فيما يلي:
أولًا: تعريفات هامة
- مبدأ قانون الإرادة: يُعرف بمبدأ قانون أو سلطان أو استقلال الإرادة أو كما يُسمى باللغة الإنجليزية “Autonomy in choice of law”، ويُراد به: “حرية الأطراف في تحديد القانون الواجب التطبيق على العقد المزعم إبرامه إذا كان هذا العقد مما يحتمل خضوعه لقوانين بلاد مختلفة”([1]).
- القانون الدولي الخاص: يُعرف على أنه: “مجموعة القواعد التي تعني بصفة أساسية بيان المحكمة المتخصصة والقانون الواجب التطبيق على العلاقات القانونية ذات العنصر الأجنبي وإسناد هذه العلاقات إليه، لذلك تُسمى بقواعد الإسناد”([2]).
- ضابط الإسناد: يُعتبر أهم عنصر من عناصر قاعدة الإسناد، فهو الذي يربط بين موضوع الإسناد والقانون الواجب التطبيق، فضابط الإسناد يعني: “المعيار الذي يستند إليه المشرع في تحديد القانون الواجب التطبيق على موضوع الإسناد”([3]).
ثانيًا: الجذور التاريخية لمبدأ قانون الإرادة
يرجع ظهور مبدأ قانون الإرادة إلى الفقيه دوملين “Dumoulin” بقوله: “إن العقود من حيث توافر أركانها وشروطها الأساسية، خاضعة للقانون الذي يختاره المتعاقدان صراحةً أو ضمنًا، وأما من حيث شكلها فإخضاعها إلى بلد تحريرها”، وعلى الرغم من تعرض هذا المبدأ إلى العديد من الانتقادات، إلا أن تطبيقه لا يزال مستمرًا في جميع أنحاء العالم.
“أما الفقيه الإيطالي مانشيني “Macini” فقد أعلن عام 1851م نظريته المسماة نظرية “شخصية القوانين” والتي تقضي بأن القوانين تتنبع الشخص أينما ذهب، وبالتالي يُطبق عليه قانون بلده دائمًا، أي قانون الدولة التي ينتمي إليها بجنسيته سواء داخل إقليمها أو خارجه، مع تحديد جملة من الاستثناءات التي لا يُطبق عليها قانون الجنسية، من بينها ما تعلق بالقانون الواجب التطبيق على العقود من حيث موضوعها، فيُطبق عليها قانون الإرادة عملًا بمبدأ سلطان الإرادة في العقود”([4]).
وقد استقرت تلك القاعدة فقهًا وقضاءً منذ ذلك الوقت، حتى أصبح مبدأ سلطان الإرادة في ميدان العلاقات التعاقدية بمثابة مبدأ عام أو عرف دولي معترف به في كافة النظم القانونية.
ثالثًا: النظريات التي تُحدد أسس اختيار القانون واجب التطبيق
على الرغم من إجماع الفقه على العمل بمبدأ قانون الإرادة، فقد اختلفوا بشأن الأساس الذي يقوم عليه هذا المبدأ ما بين نظرية شخصية وأخرى موضوعية، نتناول فيما يلي مضمون هذه النظريات على النحو التالي:
1. مضمون النظرية الشخصية:
تُعتبر النظرية المقبولة بشكل عام منذ أكثر من قرن، وقد بيّن معالمها “لورانت”، بقوله: إن الأطراف في تصرفاتهم القانونية أحرار في اختيار القانون الذي يحكم بينهم؛ ونتيجة لذلك -في نطاق القانون الخاص- فإن إرادة، أو رغبة الأطراف الصريحة، أو الضمنية، أو المفترضة من خلال ظروف القضية هي التي ستشرف على القانون الواجب التطبيق وتحدده.
ومن هنا استقر مبدأ سلطان الإرادة في نطاق الروابط التعاقدية بحيث إن إرادة الطرفين المتعاقدين تتمتع بكامل الحرية في إبرام العقود وتنظيمها وتحديد شروطها بصرف النظر عن صلة القانون المختار بالعقد.
2. مضمون النظرية الموضوعية
في مقابل النظرية الشخصية تأتي النظرية (الموضوعية) التي ترفض مفهوم فكرة الاستقلال الشخصي من جانب الطرفين في تحديد القانون الواجب التطبيق. تفسر هذه النظرية تعبير “الإرادة Autonomy ” على أنها تشتمل على إقرار بأن الأطراف أحرار ضمن النطاق المُحدد بالقانون للدخول في اتفاقيات وفقًا للشروط المناسبة لهم، ولغايات المواءمة وتبنّي قواعد نظام قانوني ما لاختصار الأهداف، لكن الشروط القانونية المدرجة من قِبل الأطراف لا تعد تشريعًا بحد ذاتها، وتكون ملزمةً إلى الحدود التي يمتد إليها القانون المنصوص عليه في الدولة ذات السيادة التي لها صلاحية على ذلك العقد داخل نطاق اختصاصها الإقليمي. وبذلك فإن النظرية الموضوعية ترجع اختيار القانون إلى قاعدة تنازع القوانين في دولة القاضي، واصفة دور الإرادة بقاعدة الإسناد.
والملاحظ على النظريات الواردة أعلاه أنها تأخذ بحرية الإرادة في اختيار القانون، لكنها تختلف في تفسيرها وفي المدى الذي تتأثر به إرادة الأفراد من خلال مجموعة من العوامل المختلفة، وينطبق هذا القول حتى على النظرية الموضوعية theory objective؛ نظرًا لأنها من ناحية عملية سلّمت بأن مبدأ حرية الإرادة في اختيار القانون الذي يحكم العقد يُسيطر أساسًا من خلال النية الحقيقية أو الضمنية للأطراف المتعاقدة في مقابل ذلك فإن النظرية الشخصية subjective تُفسر مبدأ حرية الإرادة في اختيار القانون بصفة خاصة بأنه سلطة الأفراد في اختيار القانون الذي يحكم مجموعة من الأمور إلى المدى الذي تكون لهم الحرية في إبرام العقد.
رابعًا: القانون الواجب التطبيق على الالتزامات التعاقدية
نتيجة لتنوع صور العقود فيما يتعلق بالالتزامات التعاقدية واختلاف القواعد التي تُطبق عليها من حيث أركان الانعقاد وشروط الصحة والآثار المترتبة، فقد سكت التشريع الأردني عن بيان موقفه فيما يتعلق بالقانون الواجب التطبيق مراعيًا في ذلك الموقف غير المستقر لفقه القانون الدولي الخاص في هذا الشأن.
حيث تنص (المادة 20/1) من القانون المدني الأردني على أنه: “1. يسري على الالتزامات التعاقدية قانون الدولة التي يوجد فيها الموطن المشترك للمتعاقدين إذا اتحدا موطنًا، فإن اختلفا سري قانون الدولة التي تم فيها العقد. هذا ما لم يتفق المتعاقدان على غير ذلك.
- على أن قانون موقع العقار هو الذي يسري على العقود التي أبرمت في شأن هذا العقار”.
ويتضح لنا من هذا النص أن المشرع الأردني قد كرس مبدأ قانون الإرادة، والدليل على ذلك تجنبه التفصيل، واقتصاره على أكثر الأحكام استقرارًا في نطاق التشريع بإعطاء الأطراف المتعاقدة مطلق الحرية في اختيار القانون واجب التطبيق على العقد المعني.
ويُثار تساؤل بشأن ما إذا كان من شأن سكوت المشرع الأردني يُفسر على أنه ترك مطلق الحرية فيما يتعلق باختيار القانون الذي يحكم العلاقة التعاقدية بينهما دون أي اعتداد للنظام العام ولسيادة دولة المقر الخاص بالقاضي؟ وتقتضي الإجابة على هذا التساؤل بيان القيود التي ترد على حرية أطراف التعاقد في اختيار القانون الذي يحكم العقد المبرم بينهما، وسنجيب على هذا التساؤل من خلال العنصر التالي.
خامسًا: القيود الواردة على حرية الأطراف في اختيار القانون الواجب التطبيق
وفقًا لمبدأ سلطان الإرادة فإنه لا يُترك للإرادة الحرية بعدم اختيار القانون الذي يحكم العلاقة التعاقدية، وفي الوقت ذاته لا يكون لأطراف التعاقد مطلق الحرية في اختيار القانون الواجب التطبيق، ويخول القضاء مهمة تقدير ذلك، إذ قد تكون ثمة قيود محدودة بشأن تطبيق القانون الأجنبي ضمن ذلك الاختصاص. ونتناول هذه القيود فيما يلي:
1. أن يكون الاختيار ضمن حدود القانون
تذهب أغلب التشريعات في جميع أنحاء العالم إلى أن مسألة اختيار القانون الواجب التطبيق يجب ألا تتجاوز حدود القانون، وذلك تماشيًا مع السياسة العامة.
2. عدم مخالفة النظام العام الآداب
تتمثل أهم القيود التي ترد على حرية الأطراف المتعاقدة في اختيار القانون الواجب التطبيق في عدم مخالفة القانون المختار القواعد العامة والآداب في المملكة الأردنية الهاشمية، وجدير بالذكر أن هذه المسألة تضيق وتتسع وفقًا للأفكار السائدة في المجتمع، وهي تعني مجموعة المصالح الأساسية القائم عليها كيان المجتمع، ويمتنع على الإرادة أن تتجه إلى ما يخالفها، سندًا لنص (المادة 29) من القانون المدني الأردني حيث تنص على أنه: “لا يجوز تطبيق أحكام قانون أجنبي عينته النصوص السابقة إذا كانت هذه الأحكام تخالف النظام العام أو الآداب في المملكة الأردنية الهاشمية”.
وعلى صعيد الاتفاقيات الدولية، فإنه لا يمكن تطبيق مبدأ حرية الأطراف في اختيار القانون واجب التطبيق متى كان مخالفًا للنظام العام في بلد القاضي، وهو ما أكدته اتفاقية روما.
“وإذا كانت هناك حالات في العقود الداخلية تتم بين مواطنين من جنسية واحدة يتدخل فيها القضاء وكذلك المشرع بنصوص آمرة تكاد تقربه من مرحلة العقد الموجه، وذلك من أجل حماية الطرف الضعيف في هذه العقود، فإن ما يترتب على ذلك أن النزاعات ذات العنصر الأجنبي التي تكون فيها فكرة النظام العام أكثر مرونة، ستكون من باب أولى أكثر مراعاة للصالح العام، وما تقتضيه سيادة دولة القاضي، ولهذا فإنه يقع باطلًا الاتفاق الذي يعقده مصور أردني مع أشخاص أجانب لالتقاط صور خلاعة لهم ونشرها في الأردن”([5]).
سادسًا: مجال تطبيق القانون المختار
يوجد عدد من العقود التي لا يسري عليها مبدأ قانون الإرادة كتلك المتعلقة بمسائل الأحوال الشخصية مثل عقود الزواج، والوصية حيث يسري عليها قانون المواطن أو قانون الجنسية. أيضًا فإنه وسندًا لنص (المادة 20/2) من القانون المدني الأردني تخضع العقود المتعلقة بالعقار إلى قانون موقع العقار دون إيراد ذكر اختصاص لقانون الإرادة.
وإذا كان هذا هو الحال بالنسبة للعقود المتعلقة بالعقار، فإن المسائل المتعلقة بالأهلية اللازمة للتعاقد تخرج من نطاق هذا الاختصاص، ويسري عليها قانون الجنسية سندًا لنص (المادة 12/1) من القانون المدني الأردني.
سابعًا: التعبير الصريح عن الإرادة في اختيار القانون واجب التطبيق
الأصل في اختيار القانون الواجب التطبيق هو تلاقي إرادة طرفي العقد برضاء تام؛ لذلك فإن اختيار القانون يكون لحظة التعاقد بحيث تم التعبير عن القانون الذي يحكم العقد صراحةً، فلا يُترك لأحد الأطراف بتسميته لاحقًا، إذ يعتد بتلك الإرادة كضابط إسناد على اعتبار أن القانون الذي اُختير يعد بمثابة قانون مركز العلاقة العقدية. ومع ذلك صار من المتعارف عليه في مجال التجارة الدولية والنقل الدولي وعقود نقل التكنولوجيا الإلكترونية وجود عقود نموذجية بصورة قالب نموذجي واحد يخضع كل منها لقانون معين منصوص عليه، بصرف النظر عن وجود أو عدم وجود صلة بين العقد وقانون الإرادة. وهي بذلك تقترب من عقود الإذعان لو اكتملت شروطه الأخرى.
والتعبير عن الإرادة يكون صريحًا متى كشف طرفا العقد عن هذه الإرادة وفقًا لما هو متعارف عليه بين الناس سواء بالكلام أو الكتابة أو الإشارة أو نحو ذلك. وجدير بالذكر أن الطريقة الأكثر وضوحًا للتعبير الصريح عن الإرادة تتمثل بالتعبير الكتابي وذلك من خلال قيام طرفي العقد بتعيين القانون الواجب التطبيق على العقد، أو الذي يحكمه أو أن يكون ذلك من خلال الرسائل الإلكترونية المتبادلة فيما يتعلق بالمعاملات الإلكترونية عبر الإنترنت.
وإذا كان التعبير الصريح عن إرادة الطرفين المتعاقدين لا يُشكِّل خلافًا قانونيًا، فالسؤال الذي يمكن إثارته حول هذه المسألة، هل يمكن الاعتداد بالإرادة الضمنية في حالة عدم وجود إرادة صريحة لهم؟ وهو ما سنجيب عنه من خلال العنصر التالي.
ثامنًا: مدى الاعتداد بالإرادة الضمنية للأطراف في حالة عدم وجود إرادة صريحة لهم
عند سكوت المتعاقدين عن الإعلان عن إرادتيهما بشأن تطبيق قانون معين، يتم الرجوع في هذه الحالة إلى إراداتهما الضمنية، ويتم ذلك إما بأن يتولى القانون مهمة تحديد ذلك القانون، وإما أن يتولى القضاء تحديد ذلك القانون من خلال دراسته طبيعة العقد، عناصره، وظروفه، وهي مسائل يستقل بها قاضي الموضوع، ولا تخضع بصفة عامة لرقابة المحكمة العليا، كما سنبينه تباعًا:
1. الاعتداد بالإرادة الضمنية لأطراف التعاقد
في حالة عدم وجود إرادة صريحة، فإن ثمة قرائن قد تكون مأخوذةً من داخل العقد أو من خارجه، يستند إليها القاضي كضوابط إسناد في الكشف عن الإرادة. والقرائن التي تكون من داخل العقد منها ما تكون خاصة بالعقد نفسه كمضمون العقد، أو عملة الدفع، أو محل العقد، أو الاختصاص القضائي، ومنها ما تكون عامةً في كل العقود كمكان إبرام العقد، أو مكان تنفيذه، ومنها ما تكون مؤشرات مكملة كالجنسية المشتركة للمتعاقدين، أو الموطن المشترك، أو مركز الأعمال المشترك لهما.
2. ضوابط إسناد اختيارية
إذا لم يستطع القاضي المتخصص بنظر النزاع التوصل إلى القانون الواجب التطبيق، أو القانون الذي اتجهت إلى اختياره الإرادة الضمنية للمتعاقدين عند عدم كفايتها، فيمكن اللجوء في هذه الحالة إلى القانون الذي يختاره القاضي على افتراض أنه القانون المختار والذي يتوصل إليه القاضي باستخدام معايير مختلفة يكون فيها ملزمًا بتحديد القانون الأوثق صلة بالعلاقة العقدية، وذلك إما وفقًا لمعايير مرنة تختلف من حالة إلى أخرى كـ “معيار الأداء المميز”، أو وفقًا لـ “ضوابط جامدة” ومحدد سلفًا مثل قانون دولة مكان إبرام العقد أو قانون دولة مكان تنفيذه، والتي سنبينها كما يأتي:
المعيار الأول: المعايير المتعلقة بالأداء المميز
“يذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى تحديد القانون الأوثق صلةً بالرابطة العقدية بناءً على ضوابط مرنة في حال سكوت إرادة المتعاقدين عن الإشارة إلى القانون الواجب التطبيق على عقدهم الدولي، وتهدف هذه الروابط المرنة إلى تركيز الرابطة العقدية في ضوء ظروف التعاقد وملابساته في كل حالة على حدة وصولًا لتطبيق القانون الذي يشكل مركز الثقل في الرابطة العقدية”([6]).
فلما كان العقد يحوي جملة من الالتزامات المتعددة في العلاقة التعاقدية، فإن هناك التزامًا منها يعبر عن حقيقة هذه العلاقة ويميز العقد عن غيره من العقود ومن ثَم يصلح أن يتم الاعتماد عليه لتحديد القانون واجب التطبيق على مجمل العقد.
وقد تم توجيه نقد شديد إلى هذا المعيار، على أساس عدم صلاحية الاعتماد عليه لتحديد القانون الواجب التطبيق، نظرًا لاستحالة تحديد الالتزام الذي يمكن اعتباره أداءً مميزًا من بين مجموعة الالتزامات التي يكون لها ذات الأهمية، مما يدع مجالًا آخرًا لتفسيرات المحاكم والمحكمين في موضوع النزاع.
المعيار الثاني: وضع قواعد إسناد جامدة
“اتجه المشرعون في بعض البلدان بهدف التيسير على القاضي في حالة عدم وجود إرادة صريحة أو ضمنية للمتعاقدين إلى النص على ضوابط مقيدة، يُعيّن على أساسها القانون الذي يحكم العقد. ويتميز هذا الاتجاه بأنه يكفل للمتعاقدين فرصة العلم المسبق بالقانون الذي يحكم العقد عند سكوتهم عن الاختيار، وهو ما يحقق لهم الأمان القانوني الذي ينشدونه ويحافظ على توقعاتهم، إلى جانب تحقيق الاستقرار في معاملات التجارة الدولية”([7]).
وعادةً ما تتمثل الضوابط التي يُعول عليها المشرعون في الجنسية المشتركة والموطن المشترك للمتعاقدين ومحل إبرام العقد، كما قد يجمع المشرع بين أكثر من قرينة من هذه القرائن، وقد يكتفي بإحداها والتي غالبًا ما تكون “محل إبرام العقد”.
والملاحظ أن المشرع الأردني قد حسم المسألة من خلال وضع قاعدة إسناد جامدة غير مرنة، وإن كانت ذات خيارات متعددة، فبعد أن منح إرادة الأطراف المتعاقدة الأولوية ابتداء فيما يتعلق باختيار القانون الذي يحكم العلاقة التعاقدية في مجال العقود الدولية، ذهب إلى أنه في حال غياب هذا القانون، فإن القانون الواجب التطبيق هو قانون الموطن المشترك لأطراف العقد متى اتحدا في الموطن، وفي حال اختلفا في الموطن فإن قانون الدولة المبرم فيها العقد يصبح هو القانون الواجب التطبيق.
وبناءً على ما تقدم يُمكننا القول إن قانون الدولة المبرم فيها العقد لا يُطبق إلا في حالة عدم اتفاق أطراف التعاقد على قانون معين، وبذلك يكون المشرع الأردني قد جعل من مكان إبرام العقد ضابطًا احتياطيًا إضافةً إلى قانون الموطن المشترك.
تاسعًا: موقف المشرع الأردني من قانون الإرادة والاعتداد بالإرادة الضمنية
لم يذكر المشرع الأردني أي عبارات يُستدل منها على اعتداده بالإرادة الضمنية ضمن (المادة20)، وربما أراد من ذلك أن يُترك للقاضي أمر استخلاص الإرادة الضمنية، ومنحه سلطة تقديرية بشأن هذه المسألة، خاصةً أن الاتجاه الحديث للتشريع وفقهاء القانون الدولي الخاص يذهب إلى الاعتداد بالإرادة الضمنية؛ مما يصح معه الاستناد إلى (المادة25) من القانون المدني الأردني، بما نصها: “تُتبع مبادئ القانون الدولي الخاص فيما لم يرد في شأنه نص في المواد السابقة من أحوال تنازع القوانين”، وإن لم تعتد المادة المذكورة بالإرادة الضمنية إلا أنه يمكن من خلالها تطبيق ما ورد في القانون الدولي الخاص بشأن الإرادة الضمنية.
وبذلك يستطيع القاضي المختص بنظر النزاع في حال عدم وجود إرادة صريحة للمتعاقدين بشأن اختيار القانون الذي يحكم العقد سواء تم التعبير عنها كتابة أو إشارة أو نحو ذلك، الاعتداد بالإرادة الضمنية لهما والتي يستخلصها القاضي من ظروف الحال، كالنظر إلى جنسية وموطنهما المتعاقدين ومكان إبرام العقد وظروف وحيثيات العقد، كما لو اتحدت على سبيل المثال المحكمة التي جعلها المتعاقدان مختصة بنظر النزاعات المتعلقة بالعقد، مما يدل على اتجاه إرادتهما الضمنية إلى إخضاع العقد لقانون دولة القاضي.
وفي حال تعذر وصول القاضي إلى القانون الذي يحكم العلاقة العقدية، لا من خلال الإرادة الصريحة، ولا من خلال الإرادة الضمنية، يلجأ القاضي إلى تعيين هذا القانون من خلال ضابطي الإسناد المنصوص عليهما في المادة (20/1) من القانون المدني الأردني مبتدئًا بقرينة الموطن المشترك لأطراف العقد إذا اتحدا في الموطن، فإن لم يكن للمتعاقدين موطن مشترك لجأ القاضي إلى أعمال قرينة محل إبرام العقد، وتطبيق قانون الدولة التي أبرم فيها العقد.
بمعنى آخر إذا انتفت إرادة الأطراف الصريحة أو الضمنية في اختيار القانون الواجب التطبيق، فقد افترض المشرع أن المتعاقدين قد أرادا تطبيق قانون الموطن المشترك لهما، فإن لم يوجد لهما موطن مشترك افترض المشرع أنهما أرادا قانون الدولة التي أبرم فيها العقد. وبعبارة أخرى فإن ضابطي الإسناد (قانون الموطن المشترك وقانون محل إبرام العقد) يُطبقان على سبيل التدرج بحكم القانون، لا بمقتضى إرادة المتعاقدين.
وقد يبدو لأول وهلة من خلال قراءة سريعة للمادة (20/1) أن ما ورد أعلاه صحيحًا، غير أنه يتضح لنا ومن خلال تفسير ما ورد في المادة سالفة الذكر أنه لا يُستفاد منها التزام القاضي بالتدرج الوارد فيها، فالأخير لا يلتزم بالأخذ بضابط القانون المشترك قبل الأخذ بمكان تنفيذ العقد أو العكس، كما أنه كان واضحًا فيما يتعلق بمنحه المتعاقدين الحرية على الاتفاق على ما يُخالف هذه الضوابط، وبذلك يجوز للمتعاقدين حتى وإن اتحدا في الموطن اختيار قانون آخر غير قانون الموطن المشترك، وهذا ما يذهب إليه البعض من أنه حتى عند حالات وجود التعيين الصريح من قِبل المتعاقدين للقانون المختار، فإن تسكين العقد يبقى قائمًا رغم ذلك، وأن كل ما في الأمر أن هذا الاختيار الصريح يكون له أهمية خاصة لدى القاضي كعنصر مادي جديد من العناصر التي يتم من خلالها تسكين العقد، والبحث عن وجود صلة بينه وبين القانون المختار.
كما أن المشرع في القانون الأردني رغم أنه قد أشار صراحةً إلى حرية الأطراف في اختيار القانون الواجب التطبيق، فإنه لم يُراعِ تقييد هذه الحرية بأن يكون القانون المختار له صلة حقيقية بالمتعاقدين أو بالعقد مما يزيد الانتقادات الموجهة إلى هذه النصوص.
حيث إن في إجراء هذا القيد ثلاث فوائد تتمثل الفائدة الأولى بأن في إدخال مثل هذا الشرط وجود ضوابط إسناد أكثر مراعاةً لمصالح أطراف العقد، بحيث يتسم بالمرونة بما يتناسب مع التطور التكنولوجي للعقود الدولية. أما عن الفائدة الثانية فإن من شأن ذلك أن يحول دون اختيار المتعاقدين لحكم عقدهما قانونًا لا صلة له مطلقًا بهما ولا بعقدهما.
وتكمن الفائدة الثالثة بأنه عند غياب الإرادة الصريحة أو الضمنية للمتعاقدين في اختيار القانون الواجب التطبيق؛ فإنه لا يُترك للقاضي مطلق الحرية لافتراض هذا القانون دون أي اعتداد بضوابط الإسناد التي افترضها المشرع ونص عليها في هذه الحالة.
وبناءً على ما سبق؛ فإنه يتعين إجراء المزيد من التقييد على سلطة القاضي إذا استجدت ظروف تستوجب الأخذ بقرائن أخرى تُساير ما يتوصل إليه الفقه والقضاء في ظل تطور العقود ذات العنصر الأجنبي، ويُمكن إجراء هذا التعديل عن طريق الاقتراح بتعديل نص المادة (20/1) من القانون المدني الأردني لتصبح مكونة من ثلاث فقرات على النحو الآتي: ”
- إن قانون موقع العقار هو الذي يسري على العقود التي أُبرمت في شأن هذا العقار.
- يسري على الالتزامات التعاقدية قانون الدولة التي يوجد فيها الموطن المشترك للمتعاقدين إذا اتحدا موطنهما، فإن اختلف موطنهما؛ فحينها يسري قانون الدولة التي يتم فيها تنفيذ العقد.
- مع مراعاة ما ورد في الفقرة الثانية والثالثة من هذه المادة يسري على الالتزامات التعاقدية القانون المختار من المتعاقدين إذا كانت له صله حقيقية بالمتعاقدين أو بالعقد”.
وفي جميع الأحوال فإن مسألة تنازع القوانين واختيار القانون الواجب التطبيق على العقود الدولية معقدة وصعبة، وإن محاولات إيجاد الحلول لها تظل تراوح مكانها ما لم تحل بنص دولي. والحقيقة إن اختيار القانون الواجب التطبيق يجب أن يُبنى على أسس قائمة على قرائن حقيقية وسليمة، يستعين بها القاضي عند تحديد القانون الواجب التطبيق، غايته في ذلك تحقيق العدالة ومراعاة الأعراف المهنية والتجارية والمدنية القائمة على حسن النية.
عاشرًا: السوابق القضائية بدور إرادة أطراف التعاقد في اختيار القانون واجب التطبيق
لقد ورد في الحكم رقم (1825) لسنة 2018م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 09/05/ 2018م، بما نصه: “3- يسري على الالتزامات التعاقدية قانون الدولة التي يوجد فيها الموطن المشترك للمتعاقدين إذا اتحدا موطنًا فإن اختلفا سرى قانون الدولة التي تم فيها التعاقد هذا ما لم يتفق المتعاقدان على غير ذلك، على أن قانون موقع العقار هو الذي يسري على العقود التي أبرمت في شأن هذا العقار، وذلك وفقًا لأحكام المادة (20) من القانون المدني”.
وما ورد في الحكم رقم (867) لسنة 2007م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 25/06/ 2007م، بما نصه: “3. يستفاد من المادة (29) من القانون المدني أنها لا تجيز تطبيق أحكام قانون أجنبي عينته النصوص السابقة إذا كانت هذه الأحكام تخالف النظام العام أو الآداب في المملكة الأردنية الهاشمية وحيث إن المبلغ المدعى به هو نتيجة وفاة زوج المميزة في الدنمارك وابن المميز ضدهما فيعتبر هذا المبلغ من ضمن تركة المتوفى يوزع على الورثة كل حسب حصته الشرعية ووفقًا للقانون الأردني”.
إعداد/ محمد محمود
[1] الهادي خضراوي، اختيار قانون الإرادة وتحديد مدى ملائمته لعقود الدولة الاستثمارية، (ص130).
[2] زياد محمد بشايشة، دور إرادة أطراف التعاقد في اختيار القانون واجب التطبيق في الالتزامات التعاقدية الدولية وفقًا للقانون الأردني، (ص357).
[3] المرجع السابق (ص357). مرجع :مقال محامي عقارات منشور على موقع حماة االحق 2020.
[4] الهادي خضراوي، اختيار قانون الإرادة وتحديد مدى ملائمته لعقود الدولة الاستثمارية، (ص131).
[5] زياد محمد بشايشة، دور إرادة أطراف التعاقد في اختيار القانون واجب التطبيق في الالتزامات التعاقدية الدولية وفقًا للقانون الأردني، (ص365).
[6] محمد الأيوبي، دور مبدأ سلطان الإرادة في تحديد القانون الواجب التطبيق على عقود التجارة الإلكترونية، (ص171-172).
[7] المرجع السابق، (ص166).

