ضمانات تفتيش الأنثى

ضمانات تفتيش الأنثى في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني

التفتيش من أكثر الإجراءات مساسًا بالحق في الخصوصية، وخصوصًا تفتيش الأشخاص؛ نظرًا لأنه يمس حرمة الإنسان وكرامته، ويكون التفتيش أكثر مساسًا بالحق في الخصوصية والحرمة في حالة إذا كان الشخص المراد تفتيشه أنثى، غير أن هذه الحرمة لا تمنع من تفتيش الأنثى مطلقًا، ولكن لقد راعي المشرع الأردني حرمة الأنثى عند تفتيشها عن طريق مراعاة ضوابط خاصة عند القيام بتفتيشها؛ لذا سوف نتناول في هذا المقال ضمانات تفتيش الأنثى في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني من خلال العناصر الرئيسية الآتية:

أولًا: مفهوم التفتيش والغاية منه

ثانيًا: ماهية ضمانات التفتيش بشكل عام

ثالثًا: المقصود بضمانات تفتيش الأنثى في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني

رابعًا: التأصيل الشرعي لضمانة تفتيش الأنثى بمعرفة أنثى

خامسًا: خصائص ضمانة تفتيش الأنثى بمعرفة أنثى في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني

سادسًا: الشروط الواجب توافرها في الأنثى المندوبة للتفتيش

سابعًا: الشروط الموضوعية والشكلية لإجراء تفتيش الأنثى

ثامنًا: الاستثناءات الواردة على ضمانة تفتيش الأنثى بمعرفة أنثى

تاسعًا: بطلان التفتيش والآثار المترتبة على بطلان التفتيش

عاشرًا: حال إصرار رجال الضبط على تفتيش الأنثى في الحالات التي تستدعي انتداب انثى

الحادي عشر: السوابق القضائية المتعلقة بضمانات تفتيش الأنثى في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني

وسوف نقدم شرح تفصيلي لكل عنصر من العناصر الرئيسية السابقة فيما يلي:

أولًا: مفهوم التفتيش والغاية منه

يُمكن تعريف التفتيش بأنه: “البحث، والاستقصاء في محل له حرمة عن أوراق أو أشياء تُفيد التحقيق مدللة بذاتها، أو بالاشتراك مع غيرها على وقوع الجريمة، وعلى نسبتها إلى من نسبت إليه، أو توافرت عناصر تساعد على إظهار الحقيقة، أو على توجيه القاضي الوجهة الصحيحة”([1]).

فإن التفتيش يُعد إجراءً من إجراءات التحقيق التي تساعد في البحث عن الأدلة، والأشياء المتعلقة بوقوع الجريمة في محل له حرمة، كمسكن المشتكى عليه، أو البحث عنها في ملابسه، أو الأشياء التي يرتديها، أو الادوات التي يستعملها، وأن التفتيش خاص بجنحة، أو جناية وقعت بالفعل، أي ليس بجريمة ستقع مستقبلًا.

ثانيًا: ماهية ضمانات التفتيش بشكل عام

يُعد إجراء التفتيش من أخطر إجراءات التحقيق الماسة بحقوق وحريات الأشخاص؛ لذلك أحاط المشرع الأردني إجراء التفتيش بضمانات موضوعية، وأخرى شكلية، وذلك على النحو الآتي:

١. الضمانات الموضوعية للتفتيش:

تتمثل الضمانات الموضوعية التي أقرها المشرع الأردني لإجراء التفتيش في الآتي:

أ‌-      سبب التفتيش:

لقد نصت (المادة ٨١) من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنه: “لا يجوز دخول المنازل وتفتيشها إلا إذا كان الشخص الذي يراد دخول منزله وتفتيشه مشتبهًا فيه بأنه فاعل جرم أو شريك، أو متدخل فيه، أو حائز أشياء تتعلق بالجرم، أو مخفِ شخصًا مشتكى عليه”.

ويتضح من خلال نص المادة سالفة الذكر أن سبب التفتيش هو المبرر القانوني لإجراء التفتيش، والمتمثل في وقوع جريمة، أي أنه لا يجوز إصدار أمر بالتفتيش إلا بعد وقوع فعل يُعد في نظر القانون جريمةً، واشتباه الشخص المراد تفتيشه أو تفتيش منزله في ارتكابها، وهذا أمر بديهي؛ نظرًا لأن التفتيش هو إجراء من إجراءات التحقيق، ومن غير الممكن القيام بأي إجراء من إجراءات التحقيق قبل وقوع جريمة بالفعل، وبناءً على ذلك لا يجوز الأمر بالتفتيش بالنسبة للجريمة التي سوف تقع مستقبلًا، وحتى لو دلت التحريات على أنها ستقع حتمًا.

ب‌-   أن يكون هناك فائدة وغاية من التفتيش:

يجب أن يستهدف المحقق من إصدار أمر التفتيش فائدة للتحقيق، ذلك أن الغاية من إجراء التفتيش تتمثل في ضبط الأشياء التي تتعلق بالجريمة، أو تفيد في كشف الحقيقة، وذلك من خلال وجود قرائن تشير إلى إمكان ضبط ما يفيد التحقيق لدى الشخص المراد تفتيشه أو بداخل مسكنه، أي سواء كانت تلك الأشياء في حيازة المتهم، أو في المكان المراد تفتيشه، وسواء كانت في صالح المتهم أو ضده، فإذا انعدمت هذه الفائدة وقع أمر التفتيش باطلًا، وأن يكون هناك غاية من التفتيش يجب التقييد بها؛ وبالتالي لا يجوز إصدار أمر تفتيش بدني بحجة البحث عن سلاح موجود داخل حقيبة يحملها الشخص المراد تفتيشه، في حين تكون الغاية الحقيقة للتفتيش هو الاطلاع على أوراق خاصة موجودة داخل ذات الحقيبة.

ت‌-   أن يتم التفتيش بواسطة الجهة المختصة:

يُشترَّط لصحة إجراء التفتيش أن يتم بواسطة الجهة المختصة بالتفتيش، وهي النيابة العامة، ويمثلها المدعي العام، وذلك وفقًا لما نصت عليه (المادة ٨٢) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني: “يحق للمدعي العام أن يقوم بالتحريات في جميع الأمكنة التي يحتمل وجود أشياء، أو أشخاص فيها يساعد اكتشافها أو اكتشافهم على ظهور الحقيقة”، كما نصت (المادة ٨٦) من القانون ذاته على أنه: “للمدعي العام أن يُفتش المشتكى عليه وله أن يُفتش غيره إذا اتضح من إمارات قوية أنه يخفي أشياء تفيد في كشف الحقيقة”.

٢. الضمانات الشكلية للتفتيش:

تتمثل الضمانات الشكلية لإجراء التفتيش في الآتي:

أ‌-      حضور التفتيش:

إن المشرع الأردني قرر ضمانة حضور المشتكى عليه بنفسه عند إجراء تفتيش مسكنه من قِبَل القائمين على التفتيش، وإذا كان المشتكى عليه موقوفًا فيتعين إحضاره عند إجراء تفتيش مسكنه، إذ نصت الفقرة الأولى من (المادة ٨٣) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني على أنه: “١-يجري التفتيش بحضور المشتكى عليه إذا كان موقوفًا”.

أما في حال كان المشتكى عليه غير موقوف أو هارب وامتنع عن حضور إجراء التفتيش، فقد عالج المشرع هذه الحالة بما نص عليه في الفقرة الثانية من (المادة 83) سالفة الذكر: “٢- فإن لم يكن موقوفًا وأبى الحضور، أو تعذر عليه ذلك، أو كان موقوفًا خارج المنطقة التي يجب أن يحصل التفتيش فيها، أو كان غائبًا يجرى التفتيش بحضور مختار محلته، أو من يقوم مقامه، أو بحضور اثنين من أقاربه، أو شاهدين يستدعيهما المدعي العام”.

وكذلك قرر المشرع الأردني هذه الضمانة عند إجراء التفتيش في منزل شخص غير المشتكي عليه، حيث نصت (المادة ٨٥) من ذات القانون على أنه: “١- إذا وجب إجراء التفتيش في منزل شخص غير المشتكى عليه يدعى هذا الشخص لحضور التفتيش. 2- فإن كان غائبًا، أو تعذر عليه الحضور يجري التفتيش بحضور مختار محلته، أو من يقوم مقامه، أو أمام اثنين من أقاربه أو شاهدين يستدعيهما المدعي العام”

ب‌-   كتابة محضر التفتيش بواسطة كاتب التحقيق:

من ضمن الضمانات الشكلية التي قررها المشرع الأردني للتفتيش، هي ضرورة توثيق إجراء التفتيش كتابًة في محضر، وأن يتم تدوينها بواسطة كاتب التحقيق، ولا بد أن يُذكر في محضر التفتيش ساعة وتاريخ التفتيش، والأشخاص الحاضرين للتفتيش، والأشخاص الذين لم يحضروا، مع ذكر السبب في عدم الحضور، والأشياء التي تم ضبطها، ومواصفات هذه الأشياء، وذلك وفقًا لما نصت عليه (المادة ٣٨) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني: “1- يوقع المدعي العام، والكاتب، والأشخاص المذكورين في (المادة 36) على كل صفحة من أوراق الضبط التي ينظمها بمقتضى الأحكام السابقة. 2- وإذا تعذر وجود هؤلاء الأشخاص فيسوغ للمدعي العام تنظيم المحاضر بمعزل عنهم ويصرح بذلك في المحضر”.

كما نصت (المادة ٨٦) على أنه: “يصطحب المدعي العام كاتبه ويضبط، أو يأمر بضبط جميع الأشياء التي يراها ضرورية لإظهار الحقيقة وينظم بها محضرًا ويعنى بحفظها”

ثالثًا: المقصود بضمانات تفتيش الأنثى في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني

“لقد أشارت أغلب التشريعات إلى وجود ضمانات خاصة عند القيام بتفتيش أنثى يجب على مأموري الضبط مراعاتها عند قيامهم بتفتيش الأنثى، وذلك لضمان سلامة الإجراءات الجزائية التي تقع على الأنثى، واحترامًا لحيائها العرضي”([2]).

وفيما يتعلق بضمانات تفتيش الأنثى في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني، فقد نصت (المادة ٨٦) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني على أنه: “٢- وإذا كان المفتش أنثى يجب أن يكون التفتيش بمعرفة أنثى تُنتدَّب لذلك”.

ويتضح من خلال نص المادة سالفة الذكر أن المشرع الأردني أعطى الحق للمدعي العام في تفتيش المشتكى عليه وتفتيش غيره في حال اتضح من إمارات قوية أنه يخفي أشياء تفيد في كشف الحقيقة، والأصل أنه يشترط لصحة التفتيش أن يُباشره مأمور الضبط القضائي بنفسه، غير أن المشرع الأردني قد خرج عن هذا الأصل بصدد تفتيش الأنثى، فحظر على مأمور الضبط القضائي أن يفتشهم بنفسه، وأوجب عليه أن يعهد بهذه المهمة إلى أنثى تُنتدَّب لهذا الغرض، وذلك مراعاة للآداب العامة والقيم الأخلاقية، ولأن جسد المرأة له حرمة خاصة.

ومن الجدير بالذكر أن بعض الضمانات التي أقرها المشرع الأردني عند القيام بتفتيش الأنثى من النظام العام التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها، وبعضها ضمانات خاصة عند الانتهاء من تفتيش الأنثى.

رابعًا: التأصيل الشرعي لضمانة تفتيش الأنثى بمعرفة أنثى

يُمكن القول إن التأصيل الشرعي لضمانة تفتيش الأنثى بمعرفة أنثى ينبع مصدره من الشريعة الإسلامية الغراء، وذلك من خلال بيان الأحكام الخاصة بعلاقة الأنثى بالذكر، وحرمة إطلاع أحدهم على عورات الآخر، فالشريعة الإسلامية حرمت لمس المرأة، والكشف عن جسدها، وحث الإسلام على الاحتشام في اللباس والزينة، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾.

أما عن السنة النبوية الشريفة فقد وردَّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: “إِذَا كَانَ عِنْدَ مُكَاتَبِ إِحْدَاكُنَّ مَا يُؤَدِّي فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ”؛ وهو ما يؤكد على حرمة اطلاع الرجال على حرمة النساء عند تفتيشهم، ومن هنا اتجه المشرع الأردني إلى إعمال ما وردَّ في كتاب الله عز وجل وما وردَّ في سنة رسوله -عليه أفضل الصلاة والسلام، ومنع تفتيش الأنثى من قِبَل المفتش القضائي إن استعدت الحاجة لذلك، وألزم الأخير بانتداب أنثى لتفتيش الأنثى المراد تفتيشها.

ونظرًا للأهمية القصوى لوجوب أن يكون القائم على تفتيش الأنثى في أماكن هتك العرض أنثى مثلها، فلم يقتصر قانون أصول المحاكمات الجزائية على النص على ذلك فقط، بل ورد النص على ذلك في أكثر من تشريع منها على سبيل المثال لا الحصر الآتي:

  1. (المادة 10) من قانون مركز الإصلاح والتأهيل، بما نصها: “ب. لا يجوز إدخال النزيل، أو نقله، أو إخراجه، أو الإفراج عنه من المركز إلا بعد تفتيشه، ولا يجوز تفتيش النزيل الانثى إلا من أحد افراد الشرطة النسائية”.
  2. المادة (179) من قانون الجمارك، بما نصها: “ب. إذا كان الشخص المراد تفتيشه أنثى فلا يجوز تفتيشها إلا من قِبَل أنثى”.
  3. (المادة 4) من عليمات اجراءات عمل الضابطة العدلية، بما نصها: “يجوز للضابطة العدلية وفقًا لأحكام القانون والنظام القيام بما يلي في المنطقة: أ. فيما يتعلق بالأشخاص: 2. تفتيش المسافر وأمتعته والمركبة التي يقودها في الحالات التي يشتبه فيها بوجود مخالفة لأحكام القانون أو النظام، على أنه إذا كان الشخص المراد تفتيشه أنثى فلا يجوز تفتيشها إلا من قِبَل موظفة أنثى من المديرية”.

خامسًا: خصائص ضمانة تفتيش الأنثى بمعرفة أنثى في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني

تتميز ضمانة تفتيش الأنثى بمعرفة أنثى، بعدة خصائص تتمثل في الآتي:

1-     ضمانة تفتيش الأنثى بمعرفة أنثى تنتدب لذلك من النظام العام:

من المتفق عليه فقهًا أن تفتيش الأنثى بمعرفة أنثى من النظام العام، أي يترتب على مخالفة ذلك بطلان إجراء التفتيش بطلانًا مطلقًا، ويجوز التمسك بهذا البطلان في أي حالة تكون عليها الدعوى وتقضي به المحكمة من تلقاء نفسها.

ونظرًا لأن تفتيش الأنثى بمعرفة أنثى، مقرر لمصلحة عامة متعلقة بالنظام العام؛ فلا يجوز الاتفاق على مخالفتها أو التنازل عنها، أي أن رضا الأنثى بمخالفة ذلك وموافقتها على أن يقوم بتفتيشها ذكر في المواضع التي تُعد عورةً من جسمها؛ فإن ذلك لا يُصحح البطلان، وذلك وفقًا لنص (المادة ٧) من قانون أصول الإجراءات الجزائية الأردني التي نصت على أنه: “يزول البطلان إذا تنازل عنه من شرع لمصلحته صراحةً أو ضمنًا، وذلك باستثناء الحالات التي يتعلق فيها البطلان بالنظام العام”.

ويترتب على بطلان التفتيش لمخالفة ضمانة تفتيش الأنثى بمعرفة أنثى بطلان الضبط، فلا يعتد بما تم ضبطه من أشياء وكذلك الأدلة المستمدة منه، وبطلان جميع الإجراءات اللاحقة للتفتيش، والمبنية عليه، دون أن يؤثر البطلان على الإجراءات السابقة، وفقًا للبند (رقم ٤) من نص (المادة ٧) من قانون أصول الإجراءات الجزائية الأردني.

2-     ضمانة تفتيش الأنثى بمعرفة أنثى تنتدب لذلك ضمانة عامة من حيث الأشخاص الخاضعون لها:

تُعد ضمانة تفتيش الأنثى بمعرفة أنثى ضمانة عامة من حيث الأشخاص بمعنى أنها تشمل جميع الإناث، فيجب مراعاة هذه الضمانة إذا ثبتت صفة الأنثى للشخص المراد تفتيشه، وينبغي أيضًا مراعاة هذه الضمانة سواء أكان التفتيش تجاه طفلة أو شابة أو امرأة عجوزة، وبغض النظر عن جنسية الأنثى المراد تفتيشها وطنية أو أجنبية، كما ينبغي مراعاة ضمانة تفتيش الأنثى بمعرفة أنثى سواء أكانت الأنثى المراد تفتيشها مشتكى عليها أم من الغير، وذلك وفقًا (للمادة ٨٦) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني التي نصت على أنه: “للمدعي العام أن يفتش المشتكى عليه، وله أن يفتش غيره إذا اتضح من إمارات قوية أنه يخفي أشياء تفيد في كشف الحقيقة. ٢- وإذا كان المفتش أنثى يجب أن يكون التفتيش بمعرفة أنثى تنتدب لذلك”

3-     تتميز بتماثل جنس الشخص الذي يقوم بالتفتيش والشخص المراد تفتيشه:

يتضح لنا أن إجراء تفتيش الأشخاص ليس الإجراء الوحيد الذي يمس الحق في الخصوصية، ولكنه الإجراء الوحيد الذي يشترط فيه تماثل جنس الشخص الذي يقوم بالتفتيش مع الشخص المراد تفتيشه؛ فإذا كان الشخص المراد تفتيشه أنثى؛ فلا بد أن يكون الشخص الذي يقوم بالتفتيش أنثى؛ لأن هذه الضمانة تقتصر على المساس بالحياء العرضي عن طريق المساس بجزء من الجسم يُعد عورة، وذلك بخلاف تفتيش الاماكن لا يشترط فيه تماثل جنس الشخص الذي يقوم بالتفتيش به مع الشخص الذي يُباشر حياله التفتيش.

سادسًا: الشروط الواجب توافرها في الأنثى المندوبة للتفتيش

في حال اقتضى تفتيش الأنثى ندب أنثى لتفتيشها، فليس من الضروري أن تكون تلك الأنثى المندوبة للتفتيش من رجال الضبط، بل يمكن أن تكون من عامة الشعب، ولكن لا بد أن يتوافر فيها شروطًا معينةً على النحو الآتي:

1-     أن تكون معروفة الهوية:

يجب أن تكون الأنثى المندوبة للتفتيش معروفة الهوية، فيتعين على مُصدِّر أمر الندب أن يتأكد من هوية الأنثى التي تم ندبها لتفتيش الأنثى المشتكي عليها، وأن يثبت هويتها في المحضر، ويسجل عنوانها حتى يُستدَّل عليها عند استدعائها للشهادة؛ وبالتالي لا يمكن أن تكون الأنثى المندوبة للتفتيش مجهولة الهوية.

2-     أن تتصف بالحياد:

يجب أن تكون الأنثى المندوبة للتفتيش تتصف بالحياد، حيث يتعين على مُصدر أمر الندب أن يتأكد من حياد الأنثى المندوبة، وعدم انحيازها للأنثى المراد تفتيشها، وألا تربطها بالأنثى التي ستقوم بتفتيشها أي قرابة أو صداقة، كما يتأكد من عدم وجود أي عداوة بينهما، وألا يكون لها أي مصلحة سواء في براءة الأنثى محل التفتيش أو إدانتها.

3-     توافر أهلية الشهادة في الأنثى المندوبة للتفتيش:

يتعين على مصدر أمر الندب أن يتأكد من توافر أهلية الشهادة في الأنثى المندوبة للتفتيش، بأن تكون سليمة العقل، وبلغت السن المطلوب للشهادة، وفي التشريع الأردني؛ فإن السن المعتبرة لاستماع الشهادة أمام المحكمة بعد أداء اليمين القانونية خمسة عشرة سنة، أما الأشخاص الذين لم يبلغوا هذا السن فيجوز سماع شهادته دون حلف اليمني على سبيل الاستدلال إذا تبنين أنهم لا يدركون اليمين، ولكن الشهادة التي تؤخذ على سبيل الاستدلال لا تكفي وحدها للإدانة ما لم تكن مؤيدة ببينة أخرى، وذلك وفقًا لنص (المادة ١٥٨) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني.

سابعًا: الشروط الموضوعية والشكلية لإجراء تفتيش الأنثى

يخضع تفتيش الأنثى لمجموعة من الشروط الموضوعية والشكلية، وتتمثل هذه الشروط في الآتي:

1-     الشروط الموضوعية:

إن الشروط الموضوعية لتفتيش الأنثى تتمثل في وقوع جريمة تستدعي التفتيش، إذ لا يجوز مباشرة التفتيش في جريمة لم تقع، ومن الشروط الموضوعية للتفتيش أيضًا أن يكون الغرض من التفتيش هو معرفة ما يُفيد في ظهور الحقيقة، فالتفتيش القضائي إجراء يهدف إلى ضبط ما يفيد في كشف الحقيقة، وذلك في حالة إذا قدرت سلطة التحقيق حيازة الشخص المراد تفتيشه لأشياء مدار بحث تم استخدامها في ارتكاب الجريمة.

ولقد اشترط المشرع الأردني في تفتيش الأشخاص توافر إمارات قوية وليس مجرد شبهات، أي وجود دلائل ملموسة على أن الشخص المراد تفتيشه يخفي أشياء تُفيد في كشف الحقيقة، ومن الشروط الموضوعية كذلك أن يتم إجراء التفتيش بواسطة السلطة المختصة، حيث إن التفتيش من إجراءات التحقيق الابتدائي وهو يدخل في اختصاص سلطة التحقيق الابتدائي ممثلة بالمدعي العام في التشريع الأردني على أنه يجوز للمدعي العام أن يُنيب أفراد الضابطة العدلية للتفتيش.

2-     الشروط الشكلية:

إلى جانب الشروط الموضوعية لتفتيش الأنثى يوجد شروط شكلية ينبغي مراعاتها عند إجراء التفتيش، وتتمثل في البيانات التي يجب أن يتضمنها أمر التفتيش، فيتم عمل محضر للتفتيش ويتم تدوينه بواسطة كاتب التحقيق، باعتبار أن التفتيش إجراء من إجراءات التحقيق، وينبغي أن يُذكر في محضر التفتيش اسم الشخص الذي تم تفتيشه، وتاريخ وساعة التفتيش، كما ينبغي أن يُذكر اسم الأنثى التي تم انتدابها للتفتيش، وحصر الأشياء التي تم ضبطها، وذكر مواصفات هذه الأشياء بالتفصيل.

ثامنًا: الاستثناءات الواردة على ضمانة تفتيش الأنثى بمعرفة أنثى

يتضح لنا أن ضمانة تفتيش الأنثى بمعرفة أنثى تُنتدَّب لذلك ليست ضمانة مطلقة من كل قيد، بمعنى أنه هناك حالات لا يشترط فيها تفتيش أنثى بمعرفة أنثى، أي يجوز للرجل تفتيشها، وهذه الاستثناءات لم ترد في التشريعات العربية، حيث جاء النص على هذه الضمانة مطلقًا، غير أن الفقه والقضاء قصر إعمالها على الحالات التي من شأنها المساس بعورات الأنثى، تماشيًا مع الغاية من تقرير هذه الضمانة، وتتمثل هذه الاستثناءات في الآتي:

1-     إذا كان التفتيش ليس من شأنه المساس بعورات الأنثى:

إن الغاية من تقرير ضمانة تفتيش الأنثى بمعرفة أنثى تتمثل في حماية جسد الأنثى الذي يُعد عورةً، والحفاظ على حيائها وعرضها من أن يُمس إذا قام رجل بتفتيشها؛ وبالتالي إذا كان تفتيش الأنثى ليس من شأنه المساس بجزء من جسدها يُعد عورةً؛ فلا مانع من تفتيشها بمعرفة رجل، ويتم تحديد ما من شأنه المساس بالعورة وفقًا للعرف الاجتماعي السائد وقت إجراء التفتيش.

2-     تفتيش ملحقات الأنثى:

“من المعروف أن نطاق حرمة الأنثى في التفتيش الذي يتم بمعرفة ذكر مجاله المواضع من جسم الأنثى التي تعد عورة، وهذه هي حدود قاعدة تفتيش الأنثى بمعرفة أنثى، فإذا لم يكن من شأن تفتيش ملحقات الأنثى المساس بجزء من جسمها يُعد عورةً؛ جاز تفتيش هذه الملحقات بمعرفة ذكر، ولو احتوت هذه الملحقات على أشياء شخصية أو خاصة بالإناث، فالحرمة تكون لجسد الأنثى وفي نطاق ما يعد عورةً منه”([3]).

تاسعًا: بطلان التفتيش والآثار المترتبة على بطلان التفتيش

إذا لم يراعِ القائمين على التفتيش الضمانات المقررة قانونًا؛ فهذا يترتب عليه بطلان إجراء التفتيش، وبيان ذلك على النحو الآتي:

1-     بطلان التفتيش:

يُعد البطلان أحد صور الجزاءات التي تلحق بالإجراء المعيب، فلا شك بأن مخالفة قواعد التفتيش فيه إهدارا لحقوق وحريات الأشخاص، المتمثلة في حرمة المسكن وحرمة الشخص؛ لذلك فالجزاء المترتب على مخالفتها يتمثل في بطلان إجراء التفتيش، وكذلك بطلان الدليل المستمد منه، أي أن كل ما يترتب على الإجراء الباطل يُعد باطلًا.

ويخضع التفتيش للقواعد العامة للبطلان، وبالرجوع إلى قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني، يتضح لنا من خلال نص الفقرة الأولى من (المادة ٧) أنه: “١-يكون الإجراء باطلًا إذا نص القانون صراحًة على بطلانه، أو شابه عيب جوهري لم تتحقق بسببه الغاية من الإجراء”.

2-     الآثار المترتبة على بطلان التفتيش:

إذا كان التفتيش باطلًا، وتمسك بالدفع ببطلانه صاحب الحق فيه وجب الحكم به، ويترتب على بطلان التفتيش بطلان جميع الآثار التي تترتب عليه، فقيام رجل الضبط القضائي بدخول منزل أحد الأشخاص، وتفتيشه دون إذن من السلطة المختصة، أو القيام بإجراء التفتيش من قبل جهة غير مختصة، فالتفتيش هنا يكون باطلًا قانونًا، ويترتب عليه إهدار كل دليل تم الحصول عليه من خلال التفتيش الذي وقع بالخالفة للقانون، ولا يمكن للمحكمة الاعتماد على تلك الأدلة؛ لذلك فإن الحكم الذي يؤسس على التفتيش الباطل يكون باطلًا.

وقد تضمنت (المادة 7) من قانون أصول المحاكم الجزائية ما يتعلق بأثار بطلان التفتيش فيما يلي: “2- إذا كان البطلان راجعًا لعدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بتشكيل المحكمة، أو ولايتها للحكم في الدعوى، أو باختصاصها النوعي، أو بغير ذلك مما هو متعلق بالنظام العام جاز التمسك به في أي حالة كانت عليها الدعوى وتقضي به المحكمة ولو بغير طلب”. وبطلان إجراءات التفتيش من النظام العام، ولا يُصحح إجراء التفتيش الباطل موافقة الأنثى التي تم تفتيشها من قِبَل رجل دون أن تعترض على ذلك.

كما أنه من الجدير بالذكر أنه لا يترتب على بطلان تفتيش الأنثى بطلان الإجراءات السابقة على التفتيش، بحيث إذا ضبط رجل الشرطة الأنثى متلبسة بشرب المخدرات وشرع في تفتيشها بنفسه دون انتداب أنثى في مناطق حساسة ونتج عن تفتيشها ضبط حبوب مُخدرة؛ فيكون ما ضبط معها من مخدرات دليل باطل على حيازتها لمخدرات؛ نظرًا لبطلان إجراء التفتيش أما جريمة تعاطي المخدرات فتكون قائمة بحقها إذ لا علاقة بهذه الجريمة بإجراء التفتيش الباطل، وهذا وفقًا لما وردَّ في الفقرة الرابعة من (المادة 7) من قانون أصول المحاكم الجزائية: “4- لا يترتب على بطلان الإجراءات بطلان الإجراءات السابقة له، أما الإجراءات اللاحقة به؛ فلا تكون باطلة إلا إذا كانت مبنية على الإجراء الباطل”.

وبناءً على الفقرة الرابعة المذكورة، واستكمالًا للمثال سالف الذكر فإذا ضبط رجل الشرطة في مركبة الفتاة حبوب مخدرة موضوعة في سيارتها؛ فيكون إجراء التفتيش صحيحًا ومنتجًا لأثاره؛ كون هذا الإجراء غير مبني على تفتيش رجل الشرطة للفتاة بنفسه دون انتداب أنثى في أماكن حساسة لا يجوز له تفتيشها.

وفي الأخير يُمكن القول أن “بطلان التفتيش لا يترتب عليه براءة المتهم؛ بل يقتضي استبعاد الأدلة المستمدة من ذلك التفتيش، وعدم الاعتداد بها في الإثبات، وكذلك الاعترافات الناتجة عنه، أما فيما يتعلق بالأدلة الأخرى التي لا شأن للتفتيش بها، كشهادة غير من أجرى التفتيش، أو المعاينة، أو القرائن غير المستمدة منه، أو المتصلة به، أو كالاعتراف الذي قد يصدر من المتهم حرًا غير متأثر فيه بالإجراء الباطل، لحصوله بعد فترة كافية منه، وأمام سلطة أخرى غير تلك التي تحملت مسؤولية الإجراء الباطل فللمحكمة أن تأخذ به ما دام يصلح أن يكون من عناصر الإثبات، وترى من وقائع الدعوى وظروفها أنه قائم بذاته”([4]).

عاشرًا: حال إصرار رجال الضبط على تفتيش الأنثى في الحالات التي تستدعي انتداب انثى

هناك حالات يُصر فيها رجال الضبط على تفتيش الأنثى رغم أن التفتيش يكون في المناطق التي تُعد عورةً وتستدعي انتداب أنثى، وفي مثل هذه الحالات يُعد رجال الضبط متجاوزًا لسلطته ومخالفًا لما نصت عليه (المادة ٨٦) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني؛ الأمر الذي يقتضي معه محاكمته على مخالفته للقانون وتجاوزه للسلطة المقررة له.

الحادي عشر: السوابق القضائية المتعلقة بضمانات تفتيش الأنثى في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني

لقد جاء في الحكم رقم (2347) لسنة 2018م الصادر من صلح جزاء عمان بتاريخ 30/4/2019م: “أما عن الدفع بعدم وجود شرطة نسائية في مركز امن الحسين وفقاً لما تقتضيه تعليمات وتقسيمات مديرية الأمن العام ، فإنّ ذلك لا ينفي ارتكاب المشتكى عليها للجرم المسند إليها ، إذ أنه وإن كان يستلزم وجود عناصر من الشرطة النسائية في المراكز الأمنية ، وخصوصاً فيما بتعلق بإجراء تفتيش الأنثى والقاء القبض عليها ، فإن مخالفة ذلك وعدم وجود شرطة نسائية لا يعني عدم ارتكاب المشتكى عليها للجرم المسند إليها بحق منظمي الضبط ، الأمر الذي يقتضي الالتفات عما أثاره وكيل المشتكى عليها حول ذلك”.

كما وردَّ في الحكم رقم (3665) لسنة 2019م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الجزائية بتاريخ ٢٣/١/٢٠٢٠م، بما نصه: “أثناء قيام المتهم بالوظيفة الرسمية دورية نجدة في منطقة مدخل بلدة وادي موسى وبرفقته كل من (الشرطي …………..والشرطي ………….) قام الشرطي (……..) بإيقاف مركبة المدعوة (……………) من الجنسية الإسبانية وبرفقتها صديقتها المدعوة (……….) وبعد تفتيش المركبة من قبل المتهم، وطاقم الدورية قام المتهم متذرعًا بأنه وجد طلقة مسدس في صندوق المركبة الخلفي، وبالاستفسار منها عن سبب وجود الطلقة أخبرته أنها لا تعلم عنها أي شيء عندها قام بوضع الرصاصة في يدها رغمًا عنها، وعاد المتهم وأخبرها أنه وجد رصاصة أخرى في مكان وجود الإطار الاحتياطي، وقام بالطلب من المدعوة (……….) الترجل من المركبة لتفتيشها جسديًا، وأن تبقى صديقتها المدعوة (……..) داخل المركبة عندها قامت بالترجل من المركبة، والوقوف أمام الباب الذي بجانب السائق، وأخبرته أنه يجب التفتيش من قبل شرطية أنثى عندها أخبرها المتهم بقوله (أنا السلطة) وقام بتفتيشها بواسطة يديه ولمس جسدها ووضع يديه على يديها، وعلى بطنها وظهرها، وبعدها طلب منها المتهم الركوب في المركبة وطلب من المدعوة (…….) الترجل من المركبة من أجل تفتيشها جسديًا، وطلب منها الوقوف خلف المركبة وقام بتفتيشها، بالاستطالة إلى مواقع العفة لديها، والثابت للمحكمة أن المتهم قام بهتك عرض المدعوة (…….) بعد أن أوهمها أنها تحوز رصاصة في مركبتها، وأنه يجب أن تخضع للتفتيش وأثناء قيامه بتفتيشها قام المتهم بالاستطالة إلى مواقع العفة لديها، وبتطبيق المحكمة للقانون على الواقعة التي قنعت بها قضت بما يلي: بتجريم المتهم بالتهمة المسندة إليه وهي هتك العرض بالخداع، وتأسيسًا على قرار التجريم قررت المحكمة بالإجماع الحكم على المجرم العريف (……………) من مرتب قيادة أمن ……… سابقًا بالوضع بالأشغال المؤقتة لمدة ثلاث سنوات”.

إعداد/ محمد محمود

[1] أحمد محمد فهد الطويلة، بطلان إجراءات التفتيش في القانونين الأردني والكويتي، رسالة ماجستير، (ص١٥).

[2] د. طايل محمود العارف، ضمانات تفتيش الأنثى في قانون الإجراءات الجزائية في الإمارات، وفي القانون الأردني، (ص٩٣).

[3] د. عبد الله محمد النوايسة، أحكام تفتيش الإناث والذكور، (ص١٨١).

[4] د. محمد صبحي نجم، أصول الإجراءات الجزائية، (ص١١٤).

Scroll to Top