الحماية المدنية للمستهلك من الإعلان التجاري المضلل

الحماية المدنية للمستهلك من الإعلان التجاري المضلل

أضحى الإعلان التجاري وسيلةً من أهم وسائل تسويق المنتجات، يستطيع من خلالها المستهلكون الحصول على بيانات ومعلومات عن السلع والخدمات المطروحة في الأسواق، غير أن ما يُؤخذ على الإعلان كوسيلة دعائية يتمثل في كونه يمثل طعمًا لفريسة سهلة من قِبل مروجي الإعلانات التجارية المضللة أو الكاذبة، ولا يخفى على الجميع ما يُشكله هذا من خطر على أمن وسلامة المستهلك من جهة ورضاء العميل من جهة أخرى، حيث يُصبح رضاء الأخير بالإقبال على التعاقد معيبًا. ونظرًا لكل هذه الأضرار التي تترتب على الإعلانات المضللة، فقد قامت التشريعات في العديد من الدول بتنظيم حماية مدنية من الإعلان التجاري المضلل. وسوف نتناول جميع ما يتعلق بالحماية المدنية للمستهلك من الإعلان التجاري المضلل من خلال العناصر الرئيسية التالية:

أولًا: تعريفات هامة

ثانيًا: عناصر التضليل في الإعلان التجاري

ثالثًا: معيار تقدير التضليل في الإعلان التجاري

رابعًا: الجزاءات المترتبة على المسؤولية المدنية وتطبيقاتها في مجال الإعلانات التجارية المضللة

خامسًا: جزاء جريمة الإعلان التجاري المضلل في ظل قانون حماية المستهلك الأردني

سادسًا: السوابق القضائية الخاصة بالحماية المدنية للمستهلك من الإعلان التجاري المضلل

ونُقدم شرح تفصيلي لكل عنصر من العناصر الرئيسية السابقة فيما يلي:

أولًا: تعريفات هامة

هناك العديد من التعريفات الهامة المتعلقة بالمقال يُمكن بيانها في الآتي:

  1. المستهلك:

لقد عرفت (المادة 2) من قانون حماية المستهلك الأردني لسنة 2017م المستهلك على أنه: “الشخص الطبيعي أو الاعتباري الذي يحصل على سلعة أو خدمة بمقابل أو دون مقابل إشباعًا لحاجاته الشخصية أو لحاجات الآخرين ولا يشمل ذلك من يشتري السلعة أو الخدمة لإعادة بيعها أو تأجيرها”.

  1. المعلِّن

وردَّ تعريف المعلِّن في (المادة16/2) من قانون حماية المستهلك الأردني على أنه “المزود الذي يعلن عن السلعة أو الخدمة أو يروج لها بنفسه أو بوساطة غيره أو باستخدام أي وسيلة من وسائل الدعاية أو الإعلان”.

  1. الإعلان التجاري المضلل:

لم يُبين المشرع الأردني تعريفًا محددًا للإعلان المضلل مكتفيًا في هذا الصدد بالإشارة إلى الحالات التي تعد من قبيل التضليل في الإعلان التجاري، وذلك من خلال (المادة 8/ب) من قانون حماية المستهلك التي اعتبرت أن الإعلان يُعد مضللًا إذا كان متعلقًا بـ:

  • طبيعة السلعة، أو تركيبها، أو صفاتها الجوهرية، أو العناصر التي تتكون منها وكمية هذه العناصر.
  • مصدر السلعة، أو وزنها، أو حجمها، أو طريقة صنعها، أو تاريخ انتهاء صلاحيتها، أو شروط استعمالها، أو محاذير هذا الاستعمال.
  • نوع الخدمة أو المكان المتفق عليه لتقديمها أو محاذير تلقيها أو صفاتها الجوهرية.
  • شروط التعاقد ومقدار الثمن الإجمالي وطريقة تسديده.
  • التزامات المعلن.
  • هوية مزود الخدمة ومؤهلاته إذا كانت محل اعتبار عند التعاقد.

ونرى من جانبنا أنه كان حريًا بالمشرع الأردني وضع تعريف للإعلان التجاري محددًا، كما أن المشرع لم يحصر وسائل الإعلان على نحو يتسع معه تطبيق هذا القانون ليشمل جميع وسائل الإعلان.

ثانيًا: عناصر التضليل في الإعلان التجاري

يستلزم توافر الركنين المادي والمعنوي لقيام جريمة الإعلان المضلل، وذلك على النحو التالي:

1.     الركن المادي

يتمثل الركن المادي في السلوك أو الفعل الذي يأتيه الفاعل ليخرج به الجريمة إلى حيز الوجود بحيث تتحقق النتيجة المعاقب عليها؛ لوجود علاقة سببية بينها وبين الفعل، ويتمثل هذا السلوك بقيام المعلن بنشر إعلان يضلل المستهلك أو يوقعه في الخطأ بخصوص السلعة أو الخدمة، ويعتبر الإعلان مضللًا إذا اشتمل على بيانات أو معلومات خاطئة أو غير صحيحة.

“ويُمكن أن يتحقق التضليل إيجابًا كما يكمن أن يتحقق سلبًا، وذلك باتخاذ المعلن موقفًا يتعمد فيه الامتناع عن ذكر بيان ما عن السلعة أو الخدمة محل الإعلان، بحيث يكون هذا البيان مؤثر في اتخاذ قرار التعاقد، فقد يغفل المعلن عمدًا أو سهوًا عن الإشارة إلى بعض البيانات الجوهرية بطريقة ما تجعل العميل ينتظر ما لن يقدمه المعلن ويعتبر ذلك كذب، ولكنه كذب سلبي على خلاف الكذب الإيجابي المتمثل في ذكر بيانات، أو معلومات، أو خصائص، أو أوصاف، أو وقائع غير صحيحة، والأثر واحد في كلتا الحالتين”([1]).

ويتسم الإعلان الذي يتحرى فيه المعلن الحقيقة التامة عادةً بالبرود، لذلك فقد استقر الفقه والقضاء على جواز المبالغة في الإعلان؛ وهذا ما أكدته محكمة باريس حيث قضت بأن مبالغة التاجر بامتداح السلع أو الخدمات التي يقدمها ليس محظورًا.

2.     الركن المعنوي

لم يعتبر القانون الفرنسي في البداية وبمقتضى القانون الصارد في 2 يوليو 1963م سوء النية شرطًا لقيام مسؤولية المعلن عن الإعلان المضلل على اعتبار أن جريمة الإعلان المضلل هي جريمة عمدية في الشق الجزائي منها، فلا يكفي لثبوت مسؤولية المعلن القول بإهمال المعلن أو تقصيره، بل لا بد من إثبات سوء نيته إذ اعتُبر الأصل هو حسن نية المعلن بحيث يتعين إثبات عكس ذلك وهذا لم يكن بالأمر الهين.

غير أن المشرع الفرنسي لم يتبع نفس النهج في القانون الصادر في 27 ديسمبر 1973م، حيث اعتبر جريمة الإعلان المضلل من الجرائم غير العمدية، بحيث لا يشترط توافر القصد الجنائي لدى المعلن لإدانته، غير أن القضاء الفرنسي رغم ذلك ظل مترددًا من حيث ضرورة توافر سوء نية المعلن من عدمها؛ مما آثار نقاشَا عميقًا حول الموضوع لم تحسمه إلا محكمة النقض الفرنسية بقرارها الصادر في تاريخ 5/1/1994م معتبرةً أن جريمة الإعلان المضلل تقوم حتى دون توافر سوء النية في جانب المعلن، كما ذكرت أنه لا يصح التذرع بالإهمال وعدم الاكتراث للتخلص من المسؤولية، ذلك أن المعلن ملتزم بالتثبت من صدق الإعلان والإحاطة بكل ما يحتويه قبل نشره.

ولم يُشير المشرع الأردني إلى عنصر اشتراط سوء نية المعلن ولا إلى استبعادها، ومع ذلك فقد اتجه القضاء الأردني إلى اشتراط سوء النية لقيام مسؤولية المعلن عن الإعلانات المضللة وهو ما يُستفاد من الحكم رقم (19791) لسنة 2021م الصادر عن محكمة صلح جزاء عمان بما نصه: “وفيما يتعلق بالركن المعنوي فيتمثل بالقصد الجرمي الذي يتكون من عنصري العلم والإرادة بحيث تتجه إرادة الفاعل لارتكاب الفعل على الرغم من معرفته بأن هذا الفعل معاقب عليه بموجب القانون وأن من شأن ارتكابه تحقق الجريمة بتحقق نتيجتها وعلى الرغم من ذلك تتجه إرادته إلى ارتكاب الفعل وتحقيق النتيجة، ويتمثل القصد الجرمي في هذه الجريمة بعلم المشتكى عليها أن الإعلان الذي نشرته يحتوي على معلومات خاطئة وغير صحيحة بالإضافة الى اتجاه إرادتها الى ذلك”.

ثالثًا: معيار تقدير التضليل في الإعلان التجاري

يمكن في هذا الصدد التمييز بين اتجاهين أحدهما موضوعي والآخر شخصي، وذلك على النحو التالي:

1.     المعيار الموضوعي:

“وفيه يُنظر إلى مدى تأثير الإعلان المضلل على المستهلك العادي، وهو معيار موضوعي لا يُنظر فيه إلى ظروف كل شخص أو قدراته، وإنما يُقاس بردة فعل المستهلك العادي أو المتوسط على الإعلان، وهذا المستهلك يُمثل أي مستهلك من جمهور المستهلكين، فلا هو خارق الذكاء أو شديد الفطنة، ولا هو بالمستهلك البليد أو ضعيف الفطنة (vulnerable) والذي قد يحتاج إلى حماية قانونية خاصة، وهو معيار مجرد يُعفى فيه القاضي من البحث عما هو كامن في النفس ولا يختلف تطبيقه من شخص إلى آخر، ذلك أن أثر التضليل أو الخداع عمومًا هو نفسه بالنسبة لجميع الناس، يستوي في ذلك أن يكون ضحية الإشهار الكاذب أو المضلل شخصًا ذكيًا أو بليدًا، ولقد تبنت أغلب أحكام القضاء في فرنسا هذا المعيار المجرد، حيث يضع القاضي نفسه مكان المستهلك العادي عند تحديد الطبيعة المضللة للإشهار”([2]).

2.     المعيار الشخصي:

وفقًا لهذا المعيار فإن الطابع المضلل أو غير المضلل في الإعلان يتم تقديره بالنظر إلى أثر هذا الإعلان منسوبًا إلى نوعية الجمهور الذي يُوَّجه إليه، ويؤكد الفقه في هذا الصدد أن اللجوء إلى هذه الطريقة يسمح بالصرامة في مواجهة الإعلانات التي توجه بصفة خاصة إلى الأطفال، فضلًا على أن التقدير وفقًا لها يقود إلى نتائج أقل صرامة من التقدير بطريقة مطلقة عندما يكون الإعلان موجهًا إلى حرفيين أو مهنيين.

ونؤيد من جانبنا الاعتماد على المعيار الموضوعي تأسيسًا على واقع عملي مفاده أن الإعلان التجاري كأصل عام وبوصفه ذو طبيعة جماهيرية يوَّجه إلى الجمهور دونما تمييز ودن الاعتداد بدرجة ذكاء المستهلكين أو مستوى قدراتهم، ذلك أن شخصية المستهلك صاحب الظروف الخاصة تتلاشى بين جمهور المستهلكين المخاطبين بالإعلان التجاري.

رابعًا: الجزاءات المترتبة على المسؤولية المدنية وتطبيقاتها في مجال الإعلانات التجارية المضللة

كما يبسط القانون المدني الأردني حمايته للمستهلك في مجال الدعاية والإعلانات الكاذبة والمضللة في المرحلة السابقة على التعاقد من خلاله حظره نشر أي إعلان يضلل المستهلك أو يوقعه في الخطأ بخصوص السلعة أو الخدمة، وكلها وسائل هدفها الأساسي مد المستهلك بالمعلومات والبيانات المرتبطة بالسلعة أو الخدمة المطروحتين، بحيث تساهم في تكوين رضا المستهلك دون عبث ودون مراوغة، أضف إلى ذلك دور المسؤولية التقصيرية وما تشتمل عليه من أحكام.

“أما عن مرحلة ما بعد انعقاد العقد فإن الحماية تتمثل في التزام المُعلن بما ورد في إعلانه من عهود والتزامات، وإلا إعادة الحال لما كان عليه قبل التعاقد أو التعويض، وبذلك يقف المستهلك في هذه المرحلة أمام ثلاث خيارات، أو حلول تتمثل في تمسكه بتنفيذ العقد من قبل المعلن، أو طلب إبطاله للعقد مع طلب إعادة الحال لسابقه، وكذلك حقه في اقتضاء تعويض نظير ما لحق به من ضرر”([3])، وذلك على النحو التالي:

1.     طلب تنفيذ العقد والتعويض

يمكن للمستهلك أن يقوم بإجبار المعلن على تنفيذ التزامه تنفيذًا عينيًا من خلال رفع دعوى التنفيذ العيني على المعلن مطالبًا إياه بتسليم سلعة أو خدمة من نفس ما تضمنه الإعلان التجاري، شريطة أن يكون هذا التنفيذ ممكنًا ودون أن يُشكِّل ذلك إرهاقًا للمدين.

“فإذا لم يقم المدين بتنفيذ التزامه جاز للدائن أن يحصل على شيء من النوع ذاته على نفقة المدين بعد استئذان القاضي، أو دون استئذانه في حالة الاستعجال، كما يجوز له أن يطالب بقيمة الشيء من غير إخلال في الحالتين بحقه في التعويض”([4]).

وقد عالجت (المادة 355) من القانون المدني الأردني الحالة الخاصة بعدم قيام المدين بتنفيذ التزاماته، حيث نصت أنه: “1. يجبر المدين بعد إعذاره على تنفيذ ما التزم به تنفيذًا عينيًا متى كان ذلك ممكنًا. 2. على أنه إذا كان في التنفيذ العيني إرهاق للمدين جاز للمحكمة بناءً على طلب المدين أن تقصر حق الدائن على اقتضاء عوض نقدي إذا كان لا يلحق به ضررًا جسيمًا”.

“وبالتطبيق على الإعلان التجاري، يتحقق ذلك من خلال رفع المستهلك دعوى التنفيذ العيني بهدف جبر المعلن على تنفيذ التزامه الوارد في رسالته الإعلانية تنفيذًا عينيًا متى كانت ظروف الحال تسمح بذلك، وإلا فإنه يجوز للمستهلك الحصول على شيء من النوع المعلن عنه أو التعويض إذا كان له مقتضى، فالقاضي في الدعوى المدنية يُمكنه إلزام المدين بتنفيذ ماورد في الإعلان التجاري من بيانات محددة عن المنتج أو السلعة باعتبار الإعلان التجاري إيجابًا ملزمًا للمعلن بتوافر مستلزماته فإذا استحال التنفيذ العيني حكم على المعلن بالتعويض وفقًا لما تقتضيه القواعد العامة”([5]).

2.     طلب إبطال العقد (الفسخ) مع التعويض

قد يلجأ المستهلك الذي حصل على سلعة أو خدمة لا تتفق والإعلان إلى التمسك بطلب إبطال (أو فسخ) العقد مستندًا على الغلط أو التدليس مع ثبوت الحق في طلب التعويض.

ويترتب على إثبات الغلط أو التدليس إمكانية إبطال العقد أو فسخه متى توافرت شروطه، بيد أن اللجوء إلى الغلط يظل وسيلةً محدودةً لتحقيق الحماية للمستهلك بالنظر إلى القيود والشروط التي تحكم المستهلك عند تمسكه بحقه في إبطال العقد لوقوعه في غلط.

ولإمكان التمسك بالتدليس فإن ذلك يجعله وسيلةً أفضل من التمسك بالغلط بالنسبة للمستهلك الذي يقع في غلط. ومع ذلك نجد أن إثبات التدليس قد يكتنفه بعض الصعوبات، فبالرغم من التوسع في نطاق التدليس (خصوصًا في اعتبار الكتمان من أنواعه)، وسهولة إثباته عندما يكون المتعاقد الذي صدر عنه التدليس محترفًا، فإن المستهلك يظل ملزمًا بإثبات أن التدليس كان هو الدافع للتعاقد بحيث إنه بدون التدليس ما كان ليقدم على التعاقد، أو لأقدم عليه في ظل ظروف تعاقدية مختلفة.

وبرغم أن التدليس قد وُضع بهدف حماية رضا المتعاقد فإنه لا يلتقى دائمًا مع الهدف من حظر الإعلانات المضللة، المتمثل في حق المستهلك في الحصول على معلومات صحيحة عن السلعة التي يرغب في اقتنائها، وحتى في الحالات التي يلتقي فيها الهدف من التدليس مع الهدف من تجريم الإعلانات التجارية المضللة، فإن المستهلك غالبًا ما ينصرف عن طلب إبطال العقد استنادًا لوقوعه في غلط تلقائي أو غلط ناجم عن التدليس، فمن جهة تثور مشاكل الإثبات في حالة الاستناد إلى الغلط والتدليس، ومن جهة أخرى فإن جزاء البطلان المترتب على هذا الأساس لا يتناسب ورغبات المستهلك واحتياجاته، فما من شك في أن البطلان ليس هو أحد هذه الاحتياجات.

فضلًا عن أن اللجوء إلى هذه الوسائل عندما يكون محل التعاقد أحد السلع الاستهلاكية الرخيصة الثمن لا يعد بمثابة الحل الأمثل، بالنظر إلى صعوبة التقاضي وطول أمد الفصل في الدعاوى والتكلفة المرتفعة بشكل كبير إذا ما قورنت بثمن السلعة التي تضرر منها المستهلك.

وبرغم نص (المادة 156) من القانون المدني الأردني على أنه: “1. ليس لمن وقع في غلط أن يتمسك به على وجه يتعارض مع ما يقضي به حسن النية. 2. ويبقى ملزمًا بالعقد الذي قصد إبرامه إذا أظهر الطرف الآخر استعداده لتنفيذ هذا العقد.”، وهو ما يستفاد منه سقوط دعوى الإبطال (الفسخ) للغلط متى أظهر المحترف استعداده لتنفيذ العقد أو التصحيح، فإنه نادرًا ما يظهر المحترف حسن النية مما يدفع المستهلك إلى اللجوء إلى القضاء برغم ما يترتب على ذلك من تكاليف ووقت بالنظر إلى طول إجراءات التقاضي، والتي لا تتناسب على الإطلاق مع طبيعة قضايا المستهلكين، والمنفعة التي يمكن للمستهلك أن يجنيها من وراء ذلك.

3.     الحق في طلب التعويض

يؤدي اتسام الإعلان التجاري بالتضليل إلى أن يتضمن في جوهره وجود خطأ ما في جانب المعلن، يتمثل في سعيه من خلال هذا الإعلان إلى خداع المستهلك، وذلك بإقدامه على إبراز صفة أو أكثر في السلعة أو الخدمة محل الإعلان التجاري غالبًا ما تكون جوهرية بالنسبة للمستهلك بصورة غير التي هي عليها في الحقيقة، فيُقبِل هذا المستهلك على التعاقد معتقدًا أن هذه السلعة أو الخدمة المعلن عنها من شأنها إشباع حاجته التي يرمي إليها على خلاف ما هي عليه الحقيقة.

وقد يؤدي هذا الاختلاف -كليًا كان أو جزئيًا- إلى حدوث ضرر للمستهلك؛ بحيث تتكامل عندئذ شروط قيام مسؤولية المعلن التقصيرية أو العقدية بالنسبة للمستهلك الذي يكون له في هذه الحالة الحق في طلب التعويض.

ويتم طلب التعويض على هذا النحو بصورة مستقلة ودون وجود ثمة تداخل في مجالي دعوى تنفيذ الالتزام التعاقدي أو دعوى الفسخ أو الإبطال، فهو آلية خولها المشرع للمستهلك يستطيع بمقتضاها جبر الأضرار الواقعة عليه نتيجة لدخوله في علاقة مع المعلن اتسمت بالتضليل منذ بدايتها. فبالنسبة لدعوى تنفيذ الالتزام التعاقدي فالمشرع لم يحرم المستهلك من حقه في التعويض متى كان له مقتضى سندًا لنص (المادة 355) من القانون المدني الأردني سالفة الذكر.

ويشمل التعويض الضرر المتحقق والكسب الفائت سندًا لنص (المادة266) من القانون المدني بنصها على أنه: “يقدر الضمان في جميع الأحوال بقدر ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب بشرط أن يكون ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار”.

“والواقع ان استجابة القضاء لطلب المستهلك بالتعويض متى توافرت شروطه، إنما هو أمر تتكامل به جوانب حمايته القانونية من أضرار الإعلان التجاري المضلل، فبينما تمنحه دعوى تنفيذ الالتزام التعاقدي الحق في جبر المعلن على تنفيذ التزامه عينًا أو بمقابل وتمنحه دعوى التدليس الحق في طلب إبطال أو فسخ العقد نجد كذلك أن من شأن دعوى التعويض العمل على جبر الأضرار الواقعة عليه من جراء الإعلان التجاري، ويستطيع المستهلك إقامة دعوى التعويض عن الإضرار التي لحقت به من الإعلان التجاري المضلل أمام القضاء المدني حيث يعمل على إثبات توافر عناصر المسؤولية ضد المعلن وذلك من خلال ادعائه عليه بالخطأ الذي أدى إلى إصابته بضرر”([6]).

ويمكننا القول إن المسؤولية عن الضرر قد تكون عقدية وقد تكون تقصيرية، فمتى تمثل الضرر في عدم التنفيذ كأن يدلي المتعاقد ببيانات خاطئة تثبت في العقد وينعقد في ضوئها على نحو لم يتمكن معه من تنفيذ التزامه فإن حق المتضرر في المطالبة بالتعويض في هذه الحالة يقوم على أساس المسؤولية نظرًا لاستبقاء العقد.

أما إذا كان الضرر ناشئًا عن الخطأ الذي كان من شأنه أن يترتب عليه بطلان العقد إذا تمسك المتعاقد بالبطلان، فإن المسؤولية المترتبة في هذه الحالة تكون تقصيرية نظرًا لأن المتعاقد المضرور يتسمك بالتعويض عن ضرر نشأ قبل انعقاد العقد.

خامسًا: جزاء جريمة الإعلان التجاري المضلل في ظل قانون حماية المستهلك الأردني

عالجت (المادة 8) من قانون حماية المستهلك الأردني الإعلان المضلل وحددت حالاته، كما حددت (المادة 25) من القانون سالف الذكر العقوبات التي تفرض على المخالف لأحكامه حيث نصت على أنه: “أ. ما لم يرد نص على عقوبة أشد في تشريع آخر نافذ، يُعاقب كل من يخالف أي حكم من أحكام هذا القانون أو الأنظمة الصادرة بمقتضاه بغرامة لا تقل عن (250) مائتين وخمسين دينارًا ولا تزيد عن (10000) عشرة آلاف دينار أو بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر أو بكلتا هاتين العقوبتين. ب. في حال تكرار المخالفة للمحكمة منع المزود من ممارسة النشاط موضوع المخالفة بشكل دائم أو مؤقت”.

ومما سبق، فقد حصر المشرع عقوبة الترويج إلى إعلانات مضللة في الغرامة بحيث لا تقل مطلقًا عن مبلغ قدره (250) دينار، ولا تزيد مطلقًا عن مبلغ قدره (10.000) ريال، أو الحكم بحبس المتهم مدة لا تزيد عن ستة أشهر كحد أقصى.

وراعى المشرع في العقوبة حالة العود، إذا ما كرر المتهم الجريمة ذاتها أكثر من مرة فأضاف المشرع في هذه الحالة عقوبة أخرى إلى العقوبات الأصلية تمثلت في منع المزود من ممارسة النشاط موضوع المخالفة بشكل دائم أو مؤقت.

وعلى الرغم مما يفرضه القانون من حبس وغرامة، فإننا نرى أن هذه العقوبات لا تكفل الحماية للازمة للمستهلكين نظرًا لندرة أحكام الحبس في الواقع العملي وحتى بفرض صدورها فإنها غالبًا تكون مع وقف التنفيذ، فضلًا عن عدم فعالية الغرامة كجزاء فنجد أنها ضئيلةٌ إذا ما قورنت بالأرباح التي يحققها المعلن جراء الإعلانات المضللة؛ لذلك لا يتحقق الردع والزجر للمعلنين؛ وعليه فإنه من الأجدر وتحقيقًا لحماية المستهلك أن يتم الأمر بوقف الإعلان كمرحلة أولى، فيما يتم نشر إعلان تصحيحي بعد ذلك مع فرض غرامات كبيرة بالإضافة إلى تفعيل عقوبة الحبس.

والملاحظ أن المشرع الأردني وإن اهتم بالإعلانات التجارية المضللة إلا أن هذا الاهتمام لا يزال غير كافٍ خصوصًا وأنه جرى من خلال بعض النصوص المتناثرة كما لم يُحدد الأساليب المناسبة لمراقبة الإعلانات مراقبة فعالة، وسرعة التحرك في مواجهة من يقوم بالترويج إلى إعلانات مضللة.

سادسًا: السوابق القضائية الخاصة بالحماية المدنية للمستهلك من الإعلان التجاري المضلل

لقد ورد في الحكم رقم (19791) لسنة 2021م الصادر من محكمة صلح جزاء عمان بتاريخ 24/03/2022م بما نصه: “وعليه ومن خلال البحث بتلك الأركان والعناصر المكونة للجرم المسند للمشتكى عليها الأولى تجد المحكمة أنه من الثابت لها قيام المشتكى عليها الاولى ريم بنشر إعلانات دعائية للترويج لبيع العدسات اللاصقة الموجودة في محل المشتكى عليه الثالث حسين على صفحة موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك باسم (الهدايا سنتر) وأن هذه الإعلانات تتضمن معلومات غير صحيحة حول حصول محل المشتكى عليه الثالث على اعتماد من نقابة البصريات بشكل قانوني حيث أفاد المشتكي بصفته مفوضًا عن النقابة العامة لمهن البصريات الاردنية بأن النقابة ليست جهة حكومية ولا تمنح هذا الاعتماد وأن هذه المعلومة الواردة في الاعلان غير صحيحة، مما ينبني عليه قيام مسؤوليتها الجزائية عن هذا الجرم وإدانتها به”.

كما وردَّ أيضًا في الحكم رقم (169) لسنة 2022 الصادر من محكمة صلح جزاء العقبة بتاريخ 27/02/2022م بما نصه: ” وفي القانون تجد المحكمة أن: تنص المادة (8) من قانون حماية المستهلك على ما يلي: أ – يحظر نشر أي اعلان يضلل المستهلك أو يوقعه في الخطأ بخصوص السلعة أو الخدمة، ويعتبر الإعلان مضللًا إذا اشتمل على بيانات، أو معلومات خاطئة، أو غير صحيحة، أو غير كامله تتعلق بما يلي: 1. طبيعة السلعة، أو جودتها، أو تركيبها، أو صفاتها الجوهرية، أو العناصر التي تتكون منها وكميتها. 2. مصدر السلعة، أو وزنها، أو حجمها، أو طريقه صنعها، أو تاريخ انتهاء صلاحيتها، أو شروط استعمالها، أو محاذير هذا الاستعمال.

وبتطبيق القانون على الوقائع الثابتة تجد المحكمة: أن الافعال التي أقدمت على ارتكابها المشتكى عليها والمتمثلة في مخالفة أحكام المادة (8/أ) بفقرتيها (1و2) من قانون حماية المستهلك لسنة 2017) فإن مجمل هذه الافعال من جانب المشتكى عليها تشكل بالتطبيق القانوني السليم سائر أركان وعناصر الجرم المسند إليها والتي هي ملزمة بعدم مخالفه القوانين والأنظمة الصادرة والمتعلقة بحماية المستهلك مما يتطلب إدانتها عن هذا الجرم. وعليه وتأسيًا على ما تقدم تقــرر المحكمـة ما يلي: وعملًا بأحكام (المادة 177) من قانون أصول المحاكمات الجزائية وبدلالة المادة (25) من قانون حماية المستهلك إدانة المشتكى عليها بجرم مخالفة أحكام المادة (8/أ) البند (1و2) من قانون حماية المستهلك رقم (7) لسنه 2017م والحكم عليها بالغرامة خمسمائة دينار والرسوم”.

إعداد/ محمد محمود

([1]) هدى أوذاينية، الحماية المدنية للمستهلك من الإعلان التجاري المضلل: دراسو مقارنة، (ص61).

([2]) شعوة هلال، حماية المستهلك من جريمة الإعلان التجاري المضلل أو الكاذب، (ص18).

([3]) علي السيد حسين أبو دياب، د. وليد محمد بشر، الجوانب القانونية للحماية المدنية للمستهلك من الإعلانات التجارية الكاذبة أو المضللة، (ص471).

([4]) علي السيد حسين أبو دياب، د. وليد محمد بشر، الجوانب القانونية للحماية المدنية للمستهلك من الإعلانات التجارية الكاذبة أو المضللة، (ص471).

([5]) هدى أوذاينية، الحماية المدنية للمستهلك من الإعلان التجاري المضلل: دراسة مقارنة، (ص113-114)

([6]) هدى أوذاينية، الحماية المدنية للمستهلك من الإعلان التجاري المضلل: دراسة مقارنة، (ص123).

Scroll to Top