إحالة الدعوى في قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني
نجد أن القرار الصادر بإحالة الدعوى لم يكن معروفًا في ظل قانون أصول المحاكمات المدنية القديم، الذي كان يأخذ برد الدعوى في حال أن ثبت عدم اختصاص المحكمة؛ مما يضطر المدعي إلى رفع دعوى جديدة أمام المحكمة المختصة، وما يترتب على ذلك من ضياع الكثير من الوقت، وهدر الأموال المنفقة من جانب المدعي، وظل الوضع كذلك حتى صدور قانون أصول المحاكمات المدنية الجديد، الذي أخذ فيه بإحالة الدعوى في حالة عدم اختصاص المحكمة التي تنظر الدعوى، وسنتناول جميع ما يخص إحالة الدعوى في العناصر الرئيسية الآتية:
ثانيًا: المقصود بإحالة الدعوى في قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني
ثالثًا: التمييز بين إحالة الدعوى، وغيرها من المصطلحات المشابهة لها
رابعًا: الطبيعية القانونية للإحالة
خامسًا: نطاق الإحالة في قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني
سادسًا: الآثار المترتبة على إحالة الدعوى
سابعًا: السوابق القضائية المتعلقة بإحالة الدعوى في قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني
وسوف نقدم شرح تفصيلي لكل من العناصر الرئيسية السابقة فيما يلي:
أولًا: تعريفات هامة
هناك بعض التعريفات الهامة التي لا بد من توضيحها فيما يتعلق بإحالة الدعوى في قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني، وتتمثل تلك التعريفات في الآتي:
1. الخصومة:
“مجموعة الأعمال الإجرائية التي رسمها القانون الإجرائي، والتي تتخذ للتوصل إلى هدف معين ألا وهو العمل القضائي المطلوب”([1]).
2. الاختصاص:
“هي ولاية وسلطة الهيئات القضائية بصفة خاصة في منح الحماية القضائية، وهو أيضًا نصيب الهيئات القضائية، والمحاكم من المنازعات، والمسائل التي لها ولاية وسلطة منح الحماية القضائية بشأنها”([2]).
3. المحكمة المحيلة:
هي تلك المحكمة التي طرح أمامها النزاع ثم وجدت أنها غير مختصة للفصل في النزاع، فقامت بإحالته إلى محكمة أخرى.
4. المحكمة المحال إليها:
هي تلك المحكمة المختصة في الأصل بنظر النزاع الذي صدر بشأنه قرار إحالة من المحكمة غير المختصة.
ثانيًا: المقصود بإحالة الدعوى في قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني
يُقصد بإحالة الدعوى أن المحكمة إن وجدت نفسها غير مختصة بنظر الدعوى المطروحة أمامها؛ فلا تقتصر على الحكم بعدم اختصاصها، وإنما وجب عليها إحالة الدعوى إلي المحكمة المختصة، سواء بناءً على طلب الخصوم، أو بناءً على طلب المحكمة من تلقاء نفسها، إذا تعلق الأمر بالنظام العام، وذلك رغبًة من المشرع الأردني في عدم تحمل المدعي مشقة رفع دعوى جديدة، وبإجراءات جديدة أمام المحكمة المختصة، وذلك وفقًا لنص (المادة ١١٢) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني التي نصت على أنه: “إذا قضت المحكمة بعدم اختصاصها وجب عليها إحالة الدعوى بحالتها إلى المحكمة المختصة”.
ثالثًا: التمييز بين إحالة الدعوى، وغيرها من المصطلحات المشابهة لها
هناك بعض المصطلحات القانونية المشابهة لمصطلح إحالة الدعوى، كنقل الدعوى، وإرسال الدعوى على النحو الآتي:
1. التمييز بين إحالة الدعوى ونقل الدعوى:
على الرغم من أن القرار الصادر بالإحالة يتفق مع القرار الصادر بنقل الدعوى في أن كلاهما يقوم على تخلي المحكمة التي رفعت إليها الدعوى ابتداءً عن نظرها لمحكمة أخرى، غير أنه هناك عدة أوجه اختلاف تتميز بها الإحالة عن نقل الدعوى، تتمثل في الآتي:
أ. من حيث السبب:
يتميز سبب الإحالة عن سبب نقل الدعوى في أن سبب إحالة الدعوى من محكمة إلى أخرى هو عدم الاختصاص، بينما سبب نقل الدعوى من محكمة إلى أخرى هو تعذر تشكيل المحكمة لأسباب قانونية، أو أي سبب تراه محكمة التمييز.
ب. من حيث اختصاص المحكمة:
في إجراء الإحالة تكون المحكمة المحيلة ليست صاحبة الاختصاص بنطر الدعوى، أما بالنسبة لنقل الدعوى فإن المحكمة التي تُنقَّل منها الدعوى هي صاحبة الاختصاص بنطر الدعوى.
ج. من حيث الجهة صاحبة القرار بالإحالة ونقل الدعوى:
في إحالة الدعوى تكون المحكمة التي تنظر الدعوى هي التي تقرر إحالتها سواء بناءً على دفع من الخصوم، أو من تلقاء نفسها إذا تعلق الأمر بالنظام العام، وقرارها غير ملزم للمحكمة المحال إليها، أما بالنسبة لنقل الدعوى يكون من اختصاص محكمة التمييز وقرارها يكون ملزمًا.
2. التمييز بين إحالة الدعوى وإرسال الدعوى:
تتميز إحالة الدعوى عن إرسال الدعوى من عدة أوجه تتمثل في الآتي:
أ. سبب الإحالة هو الدفع بعدم الاختصاص، بينما سبب إرسال الدعوى إلى محكمة أخرى هو لغرض التوحيد بين دعوتين لوجود ارتباط بينهما.
ب. في الإحالة نكون أمام دعوى واحدة مطروحة أمام محكمة غير مختصة، بينما في إرسال الدعوى تكون المحكمة التي تنظر الدعوى مختصة من حيث الأصل، غير أنه توجد دعوى أخرى مقامة أمام محكمة أخرى مختصة في نفس الوقت، ويوجد بينهما ارتباط لا يقبل التجزئة، بحيث لو كانت أحد المحكمتين غير مختصة؛ فلا يوجد توحيد للدعوتين.
ج. إحالة الدعوى تشكل وسيلة من وسائل الدفاع للتخلص من الخصومة مؤقتًا، بينما إرسال الدعوى لا يُعد وسيلةً من وسائل الدفاع، ولكن لتفادي صدور أحكام متناقضة في موضوع واحد من محاكم مختلفة.
٤. الإحالة وجوبية على المحكمة إذا قضت بعدم اختصاصها، بينما إرسال الدعوى يكون جوازي للمحكمة.
٥. الإحالة لعدم الاختصاص تكون بناءً على دفع من الخصوم، أو من المحكمة من تلقاء نفسها إذا تعلق الاختصاص بالنظام العام، بينما إرسال الدعوى يكون بناءً على طلب من الخصوم، ولا يجوز للمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها.
رابعًا: الطبيعية القانونية للإحالة
“إن الإحالة ذات وظيفتين، فهي ابتداءً تُعد وسيلةً للوقاية من تبديد الإجراءات التي تتم أمام المحكمة، والتي تبدأ من تاريخ قيد الدعوى في الميعاد لذلك وحتى تاريخ صدور حكم نهائي فيها، فهذه الوظيفة على درجة عالية من الأهمية، حيث إنها توفر الوقت والمال على المتداعين، وتختصر الإجراءات في حالة ثبوت عدم الاختصاص، وإعادة قيد الدعوى من جديد لدى المحكمة المختصة، وكذلك فهي توفر الطاقة البشرية المبذولة من قبل كادر المحكمة، والتي تكلف أيضًا جهدًا إضافيًا للجهاز القضائي، ونفقات هو في غنى عنها، وكذلك فهي وسيلةٌ لإحالة الدعوى، وهذه هي وظيفتها الثانية، حيث تقوم وبشكل تلقائي مبني على قرار المحكمة بعدم الاختصاص بإحالة هذه الدعوى من المحكمة الحالية إلى المحكمة المختصة، بحيث تبدأ الخصومة أمام المحكمة المُحال إليها الدعوى من الاجراء الذي تم التوقف عنده لدى المحكمة المُحيلة”([3](
من خلال هذه الوظيفتين يمكننا القول إن إحالة الدعوى وسيلة دفاع إجرائية، فالإحالة لا تتعدى كونها موقفًا سلبيًا من الخصوم، أو المحكمة من تلقاء نفسها، وذلك بهدف إحالة الدعوى من محكمة إلى محكمة أخرى أكثر دراية وخبرة؛ لإتمام ما بدأ فيه القاضي المُحيل من إجراءات، وذلك بهدف الوصول إلى قرار سليم.
خامسًا: نطاق الإحالة في قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني
يتمثل نطاق الإحالة في نطاق الإحالة لعدم الاختصاص المكاني، ونطاق الإحالة لعدم الاختصاص النوعي أو القيمي، ونطاق الإحالة لعدم الاختصاص بين المحاكم التي تتبع جهات قضائية مختلفة، وذلك على النحو الآتي:
1. نطاق إحالة الدعوى لعدم الاختصاص المكاني:
سوف نتحدث عن نطاق إحالة الدعوى لعدم الاختصاص المكاني بين محاكم الصلح، ونطاق إحالة الدعوى لعدم الاختصاص المكاني بين محاكم البداية
أ. نطاق إحالة الدعوى لعدم الاختصاص بين محاكم الصلح:
يظهر نطاق الإحالة لعدم الاختصاص بين محاكم الصلح في حالة الحكم بعدم الاختصاص المكاني، ولا يمكن تصور إحالة الدعوى بين محاكم الصلح لعدم الاختصاص نوعيًا أو ولائيًا؛ لأن محاكم الصلح تختص في ذات الاختصاص النوعي أو الولائي، بمعنى أنه يمكن إحالة الدعوى من محكمة صلح شمال عمان إلى محكمة صلح غرب عمان بطلب من المدعي عليه يدفع بموجبه بعدم اختصاص محكمة صلح شمال عمان مكانيًا، كما أنه من المستقر عليه أن الاختصاص المكاني لا يتصل بالنظام العام وفقاً لنص المادة (110) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني.
فعدم إثارة الدفع بعدم الاختصاص المكاني قبل الدخول في موضوع الدعوى يعدُّ نزولًا من صاحب المصلحة في التمسك به، ولا يتصّور أن تحيل محكمة صلح شمال عمان إلى محكمة صلح غرب عمان على أساس أنها تختص بنظر الدعوى نوعيًا، فالمعيار الفارق في توزيع الاختصاص بين محاكم الصلـح، يكمن في الاختصاص المكاني دون غيره من أنواع الاختصاص.
ب. نطاق إحالة الدعوى لعدم الاختصاص بين محاكم البداية:
وكذلك الحال بشأن نطاق إحالة الدعوى لعدم الاختصاص بين محاكم البداية، حيث تكون الإحالة في حالة الحكم بعدم الاختصاص المكاني، حيث ينحصر الاختصاص لكل محكمة بداية في إقليم معين، فإذا رفعت الدعوى أمام محكمة بداية ثم تبين أنها غير مختصة مكانيًا بنظر الدعوى؛ فيجب إحالة الدعوى بناءً على طلب الخصوم إلي محكمة البداية المختصة مكانيًا بنظرها، أما بالنسبة للاختصاص النوعي فتكون جميع محاكم البداية مختصةً نوعيًا بذات الدعاوي؛ وبالتالي ينحصر تطبيق الإحالة بين محاكم البداية في حال عدم الاختصاص المكاني دون غيره من أنواع الاختصاص .
2. نطاق إحالة الدعوى لعدم الاختصاص النوعي، أو القيمي:
يتمثل نطاق إحالة الدعوى لعدم الاختصاص النوعي أو القيمي في حال الحكم بعد الاختصاص من محاكم الصلح إلى محاكم البداية، أو من محاكم البداية إلى محاكم الصلح، فإذا ما رفعت دعوى أمام محكمة الصلح، ثم تبين عدم اختصاصها نوعيًا أو قيميًا بنظر الدعوى، وذلك نظرًا لدخولها باختصاص محكمة البداية؛ فإنها ملزمة بناءً على طلب أحد الخصوم أو من تلقاء نفسها -لتعلق الاختصاص النوعي أو القيمي بالنظام العام- أن تحكم بعدم اختصاصها، وتُحيل الدعوى إلى محكمة البداية المختصة بنظر هذه الدعوى.
وكذلك الحال إذا ما رفعت دعوى أمام محكمة البداية ثم تبين عدم اختصاصها نوعيًا أو قيميًا بنظر الدعوى؛ لدخولها باختصاص محكمة الصلح؛ فإنها ملزمةٌ بناءً على طلب أحد الخصوم أو من تلقاء نفسها بالحكم بعدم اختصاصها وإحالة الدعوى إلى محكمة الصلح.
“وبالتالي فلا تمتد سلطة قاضي الصلح أو البداية إلى إعمال الإحالة بين محاكم الصلح ومحاكم البداية، إلا في حالة عدم الاختصاص القيمي أو النوعي، دون الاختصاص المكاني الذي يكون بين محكمتين من ذات النوع، ودون الولائي الذي يكون بين محاكم تتبع جهات قضاء مختلفـة، مع بيان أن المحكمة المختصة بنظر الدعوى هي من تملك النظر في الطلبات العارضة، أو المقابلة المتعلقة بالدعـوى، وإن لم تدخل في اختصاصها النوعي، أو القيمي، أو النوعي”([4]).
غير أن إحالة الدعوى لعدم الاختصاص النوعي أو القيمي بين محاكم الصلح، ومحاكم البداية، يُثير مشكلات عديدة، فاختلاف النظام القانوني الذي يحكم الإجراءات القانونية المتبعة التطبيق أمام محاكم الصلح، ومحاكم البداية في المملكة الأردنية يثير مشكلة؛ لأن إحالة الدعوى تفترض صحة الإجراءات التي تمت أمام المحكمة غير المختصة بمواجهة المحكمة المحال إليها الدعوى، فإحالة الدعوى من محكمة الصلح إلى محكمة البداية، تفترض صحة الإجراءات التي تمت أمام محكمة الصلح المحيلة، فقد يؤدي ذلك إلى نتائج خطيرة، وذلك من ناحية إمكانية التحايل على قواعد الإجراءات من قبل المدعي أمام محاكم الصلح أو محاكم البداية من خلال الأخذ بنظام الإحالة.
ولا تُثار هذه المشكلة في القانون المصري ويرجع ذلك إلى وحدة القواعد الإجرائية أمام محكمة الصلح ومحكمة البداية؛ الأمر الذي يتطلب من المشرع الأردني التدخل بتعديل النصوص القانونية المنظمة للإجراءات أمام محاكم الصلح، ومحاكم البدايـة، من خلال توحيد الإجراءات بين المحكمتين، لتحقيق الغاية من الإحالة، وضمان عدم التحايل على القواعد الإجرائية ومنع التهرب من تطبيق النصوص القانونية المنظمة لعمل المحاكم.
3. نطاق تطبيق الإحالة لعدم الاختصاص بين المحاكم التي تتبع جهات مختلفة
يثور التساؤل حول مدى إمكانية تطبيق الإحالة لعدم الاختصاص بين المحاكم التي تتبع جهات مختلفة، ففي القانون الأردني الجهات القضائية على اختلاف أنواعهـا تُنظم أعمالها بموجب قوانين مختلفة، من ناحية الإجراءات الواجبة الاتباع للحصول على الحماية القضائية، فتتعدد القوانين الإجرائية بتعدد تلك المحاكم، وتنظم الإجراءات أمام المحاكم النظامية، من خلال قانون أصول المحاكمات المدنية، وقانون محاكم الصلح بالنسبة لمحاكم الصلـح، وينظم المحاكم الشرعية قانون أصول المحاكمات الشرعية.
في حين تنظم المحاكم الخاصة من خلال القوانين التي تنظم كل محكمة على حدة، ووفقًا لنص (المادة 112) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني، فذهب اتجاه إلى أن نص (المادة 112) جاء مطلقًا، والمطلق يجري على إطلاقه، فيشمل نص (المادة 112) حالة الحكم بعدم الاختصاص الولائي، ففي حالة الحكم بعدم الاختصاص الولائي، فإن المحكمة ملزمةٌ بإحالة الدعوى.
وقد أيدت محكمة التمييز الأردنية في قرار وحيد لها هذا الاتجاه، إذ قررت أنه يستفاد من هذا النص أي (المادة 112) بأن على المحكمة وأي محكمة إذ قضت بعدم اختصاصها أن تحيل الدعوى إلى المحكمة المختصة، وحيث إن هذا النص قد ورد مطلقًا، والمطلق يجري على إطلاقه، وحيث إن محكمة الاستئناف قد أيدت محكمة الدرجة الأولى بقرارها القاضي بعدم اختصاصها، وإحالة الدعوى إلى محكمة استئناف ضريبة الدخل، فيكون قرارها واقعًا في محله، وموافقًا للقانون، وسبب التمييز لا يرد عليه مما يتعين رده.
غير أنه يذهب الرأي الغالب لمحكمة التمييز، بعدم جواز إحالة الدعوى، إذا قررت عدم اختصاصها الولائي، فالإحالة لا تطبق إلا في نطاق المحاكم النظامية، فمثلًا لا تصلح الإحالة بين محكمة الصلح إلى محكمة الاستئناف،
وذلك بخلاف الوضع في القانون المصري “إذ أن الأساس القانوني الذي تقوم عليه فكرة الإحالة لعدم الاختصاص في القانون المصري، هو وجوب الإحالة حتى في حال عدم الاختصاص الولائي، حيث نصت المادة (110) من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري على أن: (على المحكمة إذا قضت بعدم اختصاصها أن تأمر بحالة الدعوى بحالتها إلى المحكمة المختصة، ولو كان عدم الاختصاص متعلقا بالولاية، ويجوز لها عندئًذ أن تحكم بغرامة لا تتجاوز مائتي جنيه، وتلتزم المحكمة المحال إليها الدعوى بنظرها)، وهذا ما سارت عليه محكمة النقض المصرية”([5]).
سادسًا: الآثار المترتبة على إحالة الدعوى
يترتب على الحكم بإحالة الدعوى لعدم الاختصاص أن تُحال الدعوى بحالتها التي هي عليها إلى المحكمة المختصة، بالإضافة إلى عدم اختصاص المحكمة المحيلة، واختصاص المحكمة المُحال إليها، وذلك على النحو الآتي:
1. إحالة الدعوى بحالتها إلى المحكمة المختصة:
إذا قضت المحكمة المطروح أمامها الدعوى بعدم اختصاصها، وجب عليها إحالة الدعوى بحالتها إلى المحكمة المختصة، وذلك وفقًا لنص (المادة ١١٢) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني التي نصت على أنه: ” إذا قضت المحكمة بعدم اختصاصها وجب عليها إحالة الدعوى بحالتها إلى المحكمة المختصة”؛ وبالتالي فإن الدعوى تُحال من المحكمة غير المختصة إلى المحكمة المختصة بالحالة التي تكون عليها الدعوى، بمعنى أن تستمر المحكمة المحال إليها الدعوى في السير في إجراءات الدعوى من النقطة التي انتهت منها المحكمة المحيلة، وذلك بهدف تحقيق الغاية من الإحالة في الإسهام في اختصار الإجراءات، ويترتب على ذلك الآتي:
- إن جميع الإجراءات التي تمت أمام المحكمة المطروح أمامها الدعوى، والتي قضت بإحالة الدعوى لعدم اختصاصها تبقى كما هي أمام المحكمة المحال إليها، وتستلزم الإحالة أن تحدد المحكمة التي قضت بعدم اختصاصها وإحالة الدعوى، المحكمة المختصة بنظر النزاع داخل الجهة المراد الإحالة إليها في حال تعدد المحاكم داخل الجهة المحال إليها الدعوى؛ وذلك حتى يتمكن الخصوم من التوجه لتلك المحكمة بعد الإحالة إليها.
- يتوجب على الخصوم الحضور أمام المحكمة المحال إليها، وإلا طبقت عليهم الأحكام الخاصة بالغياب عن جلسات المحاكمة.
- للخصوم الحق في التمسك أمام المحكمة المحال إليها بإبداء بكافة الدفوع، والطلبات التي لم تسقط أمام المحكمة المحيلة، أي أن الحكم الصادر بالإحالة لا يعيد للخصوم الحق في إبداء الدفوع التي سقطت أمام المحكمة المحيلة.
2. القضاء بعدم اختصاص المحكمة الحيلة وباختصاص المحكمة المحال إليها
الحكم الصادر بعدم الاختصاص، يتضمن الحكم بعدم اختصاص المحكمة المحيلة، واختصاص المحكمة المحال إليها، ولكن يثور التساؤل عن مدى التزام المحكمة المحال إليها الدعوى بنظرها؟
في القانون المقارن تلتزم المحكمة المحال إليها الدعوى بنظرها، وذلك وفقًا لنص (المادة110) من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري على أن: “على المحكمة إذا قضت بعدم اختصاصها أن تأمر بإحالة الدعوى بحالتها إلى المحكمة المختصة، ولو كان عدم الاختصاص متعلقًا بالولاية، ويجوز لها عندئذ أن تحكم بغرامة لا تتجاوز مائتي جنيه، وتلتزم المحكمة المحال إليها الدعـوى بنظرها”.
وهناك ثلاثة آراء في هذه المسألة، الرأي الأول ذهب إلى أن المحكمة المحال إليها الدعوى لا تلتزم بنظرها، ولها إذا ما رأت عدم اختصاصها أن تحيل الدعوى، والرأي الثاني ذهب إلى أن المحكمة المحال إليها الدعوى تلتزم بها، ويكون حكم المحكمة التي قررت عدم الاختصاص وأحالت الدعوى بتقرير اختصاصها مكتسب الحجية بمواجهة المحكمة المحال إليها.
أما الرأي الثالث وهو الغالب قال: “إن المحكمة المحال إليها الدعوى تلتزم بنظرها، لكن إذا رأت أنها غير مختصة في نظر الدعوى، لأسباب أخرى غير التي بنت المحكمة المحيلة أسبابها عليها، أن تقرر إحالتها من جديد إلى المحكمة المختصة، شريطة ألا تكون المحكمة التي أحالت الدعوى ابتداءً، وذلك تحقيقا للغاية من الإحالة في القضاء على التنازع السلبي بين المحاكم”([6]).
أما بالنسبة للمشرع الأردني سكت عن هذه المسألة في (المادة 112) من قانون أصول المحاكمات المدنية، ويعني ذلك أنه يجوز للمحكمة المحال إليها الدعوى أن تتمسك بعدم اختصاصها المكاني، أو القيمي، أو النوعي؛ مما يؤدي إلى التنازع السلبي للاختصاص بين محكمتين؛ فلا يكون لقرار المحكمة المحيلة فيما يتعلق بتقرير اختصاص المحكمة المحال إليها حجة بمواجهتها، حتى وإن رأت أن المحكمة التي أحالت الدعوى، وللأسباب ذاتها هي صاحبة الاختصاص في نظر الدعوى، فيبقى تنازع الاختصاص السلبي على الرغم أن من أهم غايات تطبيق نظام الإحالة لعدم الاختصاص القضاء على تنازع الاختصاص السلبي للمحاكم.
وبالتالي ففي القانون الأردني إذا قام تنازع للاختصاص السلبي بين المحاكم الذي يعود إلى إحالة كل محكمة لعدم الاختصاص على المحكمة الأخرى؛ فإن ذلك يؤدي الى إعمال قواعد الاختصاص السلبي التي نصت عليها (المادة 35) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني، حيث نصت على أنه: “١- إذا حصل تنازع على الاختصاص، إيجابيًا أو سلبيًا بين محكمتين نظاميتين، فيحقّ لأي من الفرقاء أن يُقدم طلبًا لحسم التنازع الحاصل إلى المحكمة التالية : أ- إذا كان التنازع بين محكمتي صلح أو بين محكمة بداية، ومحكمة صلح، أو بين محكمتي بداية تابعتين لمحكمة استئناف واحدة، فتعين محكمة الاستئناف المحكمة المختصة بنظر الدعوى. ب- إذا كان التنازع بين محكمتين لا تتبعان محكمة استئناف واحدة، أو بين محكمتي استئناف، فتعين محكمة التمييز المحكمة المختصة بنظر الدعوى.
2- إذا أبرز أي من الفرقاء إشعارًا يتضمن أنه قدم طلبًا لتعيين المرجع، يوقف السير في الدعوى.
٣-تنظر محكمة الاستئناف والتمييز في طلب تعيين المرجع تدقيقًا دون أن تدعو الفرقاء للمثول أمامها.
٤- تقديم طلب تعيين المرجع غير مقيد بأي ميعاد من مواعيد الاستئناف والتمييز”.
لذلك نرى أن كان يجب على المشرع الأردني أن يسلك مسلك القانون المقارن، أي إلزام المحكمة المحال إليها الدعوى بنظرها؛ لتحقيق الغاية من الإحالة في القضاء على مسألة التنازع السلبي على الاختصاص، إلا إذا كان سبب عدم الاختصاص يعود لسبب آخر غير السبب الذي قررته المحكمة المحيلة، بشرط عدم إحالة الدعوى إلى المحكمة التي قضت بعدم اختصاصها ابتداءً.
سابعًا: السوابق القضائية المتعلقة بإحالة الدعوى في قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني
لقد جاء في الحكم رقم (846) لسنة ٢٠١١م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية، بتاريخ ٢٨/٨/٢٠١١م، بما نصه: “وفي ذلك نجد أن قضاء محكمتنا قد استقر منذ صدور قرار الهيئة العامة رقم (1447/2008) على أن إحالة الدعوى لعدم الاختصاص بمقتضى (المادة 112) من قانون أصول المحاكمات المدنية على المحاكم المنصوص عليها في قانون تشكيل المحاكم النظامية رقم (17) لسنة 2001م دون الجهات القضائية الأخرى ، مما ينبني عليه أنه لا يجوز إحالة الدعوى من محكمة البداية إذا أعلنت عدم اختصاصها إلى محكمة استئناف قضايا ضريبة الدخل؛ لأن الأخيرة ليست من المحاكم النظامية بمقتضى قانون تشكيل المحاكم النظامية؛ وإنما هي محكمة خاصة بالشؤون المتعلقة بضريبة الدخل، ولا محل لتطبيق أحكام (المادة ١١٢) سالفة الذكر في مثل هذه الحالة، وإذ خالف الحكم المميز هذا النظر فإنه يتعين نقضه لورود هذا السبب عليه؛ ولذا، وبناءً على ما تقدم نقرر نقض القرار المميز، وإعادة الأوراق إلى مصدرها لإجراء المقتضى القانوني حسب الأصول”.
كما جاء في الحكم رقم (383١) لسنة 2021م الصادر من محكمة صلح حقوق غرب عمان بتاريخ ٢٨/٣/٢٠٢٢، بما نصه: “تقرر المحكمة حيث جاء تقرير بتقدير التعويض بمبلغ 29576.25 دينارًا، وحيث إن قيمة الدعوى تتجاوز الاختصاص الصلحي، وحيث إن الاختصاص القيمي من النظام العام ويجب على المحكمة التطرق له من تلقاء نفسها، مما يستلزم إحالة هذه الدعوى عملًا بأحكام (المادة ١١٢) من قانون أصول المحاكمات المدنية إلى محكمة بداية حقوق عمان صاحبة الاختصاص بنظرها، وتحديد يوم الثلاثاء 12/4/2022م الساعة 10 موعدًا لنظرها، واعتبار الوكيلين متفهمين لهذا الموعد”
كما جاء في الحكم رقم (149) لسنة ٢٠١٩م الصادر من محكمة صلح حقوق فقوع بتاريخ ٢٠/١/٢٠٢٠م، بما نصه: “بالتدقيق تجد المحكمة أنه وقبل البت في اعتماد تقرير الخبرة، مجموع قيمة التعويض المقدرة من قبل الخبراء، وعلى فرض الثبوت تزيد على عشرة الاف دينارًا، مما يخرج اختصاص هذه المحكمة القيمي، ويدخل في اختصاص محكمة بداية حقوق الكرك؛ لذا تقرر المحكمة اعلان عدم اختصاصها، وإحالة الدعوى، وعملًا بأحكام (المادة 112) من قانون أصول المحاكمات المدنية إلى محكمة بداية حقوق الكرك حسب الاختصاص”.
إعداد/ محمد محمود
[1] د. زيد حسين العفيف، إحالة الدعوى في قانون أصول المحاكمات المدنية الاردني (ص٨).
[2] د. زيد حسين العفيف، إحالة الدعوى في قانون أصول المحاكمات المدنية الاردني (ص٨).
[3] د. زيد حسين العفيف، ومحامي الأردن. إحالة الدعوى في قانون أصول المحاكمات المدنية الاردني (ص٥٠).
[4] د. عادل اللوزي، سلطة القاضي الأردني في الحكم بالإحالة لعدم الاختصاص، (ص٢٩٦).
[5] . د. عز الدين الديناصوري وحامـد عكاز، التعليق على قانون المرافعـات، (ص ١٠٩٢).
[6] د. أحمد أبو الوفا، نظرية الدفوع في قانون المرافعات، (ص ٢٨٩).

