التعويض في النظام الأنجلوسكسوني والنظام المدني

الفرق بين النظام الأنجلوسكسوني والنظام المدني من حيث أسس تحديد التعويض

بلا شك أن جوهر الفرق بين النظام القانوني الأنجلوسكسوني والنظام المدني يكمن في كيفية وأساس تقدير التعويض، وهو ما سنتعرف عليه في هذا المقال.

جدول المحتويات

أولا: مفهوم التعويض في النظامين

ثانيا: صور الإخلال المترتب عليها التعويض وأنواعه

ثالثا: التعويض الاتفاقي في كلا النظامين

خامسا: سلطة القاضي في تقدير التعويض

أولا: مفهوم التعويض في النظامين

1- مفهوم التعويض في النظام الأنجلوسكسوني وهدفه

لقد عرف بعض الفقهاء التعويض في النظام الأنجلوسكسوني بأنه” مبلغ من النقود تعطيها المحكمة أو الحكم فيما يتعلق بالخطأ المرتكب ضد المدعي عن طريق المدعى عليه لغرض تعويض المدعي عن ذلك الضرر بعد أن يقيم الحجة على الضرر الذي لحقه”([1]).

فالتعويض وفقا لهذا لتعريف هو ليس بدين، ذلك أن الدين هو تعهد من المدعى عليه بسداد مبلغ معين للمدعي فهو ليس بديون.

  • أهداف التعويض

ويهدف التعويض في هذا النظام إلى:

أ- ويعد هدف التعويض الأساسي هو وضع المضرور، بقدر ما يتعلق الأمر بمبلغ النقود الذي سيدفع له في نفس الوضع الذي كان عليه لو لم يكن الضرر ليقع، وسيلحق به كما لو أن العقد قد نفذ ولم يحدث فيه إخلال أصلا.

ب- حماية المصالح المتوقعة

ذلك أن العقد يكون فيه التزام على طرفيه، فأحد المتعاقدين عليه التزام بتسليم بضاعة مثلا والآخر عليه التزام بدفع الثمن، فإذا أخل أي منهما بالتزامه فسوف يكون هناك عدم تنفيذ الالتزام أو تنفيذ معيب، وبالتالي فان التعويض عن الإخلال بالتزام أي من الطرفين فيه حماية للمصالح المتوقعة للدائن من تنفيذ المدين.

وتقدير التعويض عن المصالح المتوقعة يختلف باختلاف طبيعة العقد ففي التعويض عن الإخلال بالالتزام بتسليم البضاعة يكون فيه تقدير التعويض بالفرق بين الثمن المثبت في العقد وقيمة البضاعة في السوق والتعويض عن الإخلال بعقود بيع العقار يكون بالفرق ما بين الثمن المثبت في العقد وقيمته في السوق ([2]).

والتعويض عن المصالح المتوقعة يأخذ ثلاثة أنواع من التعويض من حيث المطالبة القضائية به هي:

إما أن تكون مطالبة قضائية عن خسائر وأضرار مباشرة، وهي تعني الخسائر والأضرار التي تنتج بشكل مباشر من إخلال المدين عن تنفيذ التزاماته العقدية ([3]).

أو مطالبة قضائية عن خسائر وأضرار عارضة، وهي تأخذ شكل المصاريف التي يتكبدها الدائن بشكل عرضي، كما في حالة البيع والمصاريف التي يتكبدها البائع في تخزين السلعة والمحافظة عليها.

وإما مطالبة قضائية عن أضرار وخسائر استتباعيه لاحقة، فهي تلك الخسائر التي تحدث نتيجة ارتباط الدائن بعقد مع الغير كما في حالة المشتري فقد يتكبد البائع خسائر استتباعيه نتيجة إلغاء العقود مع المجهز والذي ترتب عليه خسائر نتيجة إخلال المشتري بتنفيذ التزامه الناشئ عن العقد المبرم مع البائع.

ج- حماية المصالح المعوّل عليها

ويهدف التعويض إلى حمايتها وذلك بهدف جعل المدعي في وضع جيد كما لو أن العقد لم ينعقد أصلا، وبالتالي فان الفارق بينها وبين المصالح المتوقعة هي أن الأولى الهدف منها هو جعل المدعي في وضع كما لو أن العقد قد نفذ من جانب المدين، بينما المصالح المعوّل عليها تهدف إلى وضع المدعي في وضع كما لو كان العقد لم ينعقد أصلا.

د- حماية المصالح الإستردادية

وهي يقصد بها إرجاع أي كسب أو فائدة حصل عليها المدعى عليه من العقد وذلك بسبب إخلال المدعى عليه بالعقد مما يتحتم إرجاع أي فائدة أو كسب إلى المدعي.

والتعويض عن تلك المصالح يكون أقل من التعويض من المصالح المتوقعة أو المصالح الممول عليها، ذلك أن المصالح الإستردادية لا تتضمن الربح الفائت أي خسارة الربح بالنسبة للدائن.

2- مفهوم التعويض في النظام المدني وهدفه

لقد عرف البعض التعويض بأنه مبلغ من النقود أو ترضيه من جنس الضرر تعادل ما لحق المضرور من خسارة وما فاته من كسب كانا نتيجة للفعل الضار، وهو سيلة القضاء لجبر الضرر فحوا أو تخفيفا وهو يدور مع الضرر وجودا وعدما ولا تأثير لجسامة الخطأ فيه، كما ينبغي أنى تكافئ مع الضرر دون أن يزيد عليه أو ينقص عنه ([4]).

وعرفه البعض الآخر بانه” وسيلة القضاء إلى إزالة الضرر أو التخفيف منه وهو الجزاء العام عن قيام المسئولية المدنية وهو ليس عقابا على المسئولية عن الفعل الضار ([5]).

  • هدف التعويض

ويعد الهدف الرئيسي من التعويض هو جبر الضرر جبرا عادلا متكافئ لا يزيد عنه أو ينقص، ويشمل الضرر هنا الضرر بنوعيه المادي والأدبي، ويكون التعويض عما لحقه من خسارة وما فاته من كسب.

وهو ما نص عليه المشرع الأردني في المادة\ 256من القانون المدني على أنه” كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر”.

ثانيا: صور الإخلال المترتب عليها التعويض وأنواعه

بطبيعة الحال لا يترتب التعويض بدون أن يكون هناك إخلال، فلابد من حدوث إخلال من جانب أي من طرفي العقد أو تقصير من جانب أي من أي طرف يترتب عليه ضرر بالطرف الآخر.

1- ويمكن إجمال صور الإخلال المترتب عليها التعويض في النظام الأنجلوسكسوني في الآتي:

أ- إخلال حاضر وهو الإخلال الذي يحدث في الموعد المحدد أو المستحق.

ب- الإخلال المبتسر وهو الذي يقصد به الإخلال الذي يحصل قبل الموعد المستحق للتنفيذ وذلك بقيام المدين بإهدار العقد على نحو مطلق بإعلانه أنه لن ينفذ الالتزامات المترتبة عليه في العقد وأنه لم يعد ملتزما بها ([6]).

  • أنواع التعويض

أ- التعويضات الإسمية

وهي تلك التعويضات التي يحكم بها على المسئول عن الضرر الناشئ عن الإخلال بالعقد رغم عدم استطاعة الدائن إثبات أنه قد أصابه ضرر فعلي نتيجة لهذا الإخلال ([7]).

ب- التعويضات العامة

وهي التي يتم الحكم بها على الدائن نتيجة للخرق الحاصل من المدين على حقوق الدائن القانونية أو واجباته وهي توصف بأنها نتائج محتملة وطبيعية للإخلال وهي تتضمن التعويض عن نوعي الأضرار والخسائر النقدية وغير النقدية.

ج- التعويضات الإستتباعية أو الخاصة

وهذه التعويضات تختلف عن غيرها من التعويضات، حيث لا يمكن المطالبة بها بدعوى قضائية ما لم تكن تلك الأضرار الموجب تعويضها قد أحاط أطراف العقد بها علما في وقت انعقاد العقد.

كما يتضمن هذا النظام على تدابير قضائية حول التعويض وتشمل التنفيذ العيني والتعويض عن التنفيذ:

بالنسبة للتنفيذ العيني فيحصل عندما تصدر المحكمة حكما يقضي بإعطاء الدائن على ما تم الاتفاق عليه مع المدين بحيث يقوم المدين بإعطاء الدائن ما وعده به عينا على العقد ([8]).

أما التعويض عن التنفيذ فيتحقق عندما تحكم المحكمة بإعطاء الدائن شيئا كبديل عما وعد بتنفيذه كما لو حكمت المحكمة لمشتري البضاعة بمبلغ من التعويض كبديل عن البضاعة نفسها ([9]).

2- صور الإخلال المترتب عليه التعويض في النظام المدني

بطبيعة الحال لا يترتب التعويض إلا إذا كان هناك إخلال من أحد طرفي العقد أو تقصير في الواجبات الملقاة على عاتقه.

فالعقد عند إبرامه يحمل طرفيه بالتزامات، ويتوجب على الطرفين الالتزام بواجباته العقدية وعدم الإخلال بها، وإذا حدث فيها إخلال، كالإخلال بالتزام البائع بتسليم الشيء المبيع أو إخلال المشتري بدفع الثمن المتفق عليه في العقد.

وكذلك إخلال العامل بالتزامه بعدم المنافسة في عقد العمل الفردي أو الإخلال بالتزامه بعدم إفشاء الأسرار، أو إخلال صاحب العمل بالتزامه بدفع الأجر أو إخلال العامل بالتزامه بالقيام بالأعمال المسندة إليه.

– أنواع التعويض

يترتب على الإخلال بالتزامات أي من طرفي العقد تعويض يلتزم به الطرف المتسبب في الضرر، وهذا التعويض يتنوع ما بين تعويض بمقابل وينقسم إلى تعويض نقدي وتعويض غير نقدي ونوع ثاني وهو تعويض عيني:

أ- التعويض بمقابل وينقسم إلى تعويض نقدي وتعويض غير نقدي

التعويض النقدي وهو الأصل في المسئولية التقصيرية فإلى جانب كون النقود وسيلة للتبادل فهي أيضا تعتبر وسيلة للتقويم، والمحكمة حره في تعيين التعويض النقدي تبعا للظروف سواء على شكل دفعة واحده أو على شكل أقساط أو إيراد مرتب وهو ما نصت عليه المادة\ 269من القانون المدني على أنه” 1- يصح أن يكون الضمان مقسطا كما يصح أن يكون إيرادا مرتبا ويجوز في هاتين الحالتين الزام المدين بأن يقدم تأمينا تقدره المحكمة 2- ويقدر الضمان بالنقد على أنه يجوز للمحكمة تبعا للظروف وبناء على طلب المضرور أن تأمر بإعادة الحالة إلى ما كانت عليه أو أن تحكم بأداء أمر معين متصل بالفعل الضار وذلك على سبيل التضمين”.

ويقصد به التعويض ببدل وهو الأصل في تقدير التعويض عن العمل غير المشروع لأن النقود وظيفة لإصلاح الضرر الناتج عن الفعل الضار مهما كان نوع الضرر جسديا أم ماليا أم معنويا.

ويعتبر التعويض النقدي هو القاعدة العامة في المسئولية التقصيرية بشأن التعويض من الأضرار فالأصل أن يكون التعويض مبلغ من النقود ولا جدال في التعويض النقدي إذا كان الأمر يتعلق بأمر مادي إلا أن الصعوبة تكمن في حالة التعويض الأدبي ذلك أن هذا الضرر الأدبي لا يمكن تعويضه، إذ لا صله بين الألم النفسي الناتج عن المساس بالعاطفة والكرامة وبين المبلغ النقدي الذي تقصي به المحكمة ([10]).

أما التعويض غير النقدي وهو أن تأمر المحكمة بأداء أمر معين على سبيل التعويض، وهو ليس بتعويض عيني ولا هو تعويض نقدي إلا أنه قد يكون أنسب أنواع التعويض في وقت معين، فقد يكون من مصلحة المضرور أن يطالب بالتعويض الغير نقدي وذلك في فترات القحط، كما في حالة عندما تقضي المحكمة لصاحب الأرض التي انتزعت ملكيتها بأرض مشابهة لتلك التي انتزعت ([11]).

ب- التعويض العيني

ولقد عرفه البعض بأنه عملية إصلاح الضرر إصلاحا تاما بإعادة المتضرر إلى نفس الوضع الذي كان عليه.

وهو يعتبر أفضل من التعويض بمقابل إذ أنه يؤدي إلى محو الضرر وإزالته بدلا من بقاء الضرر على حاله وإعطاء المضرور مبلغا من النقود عوضا عنه كما هو الحال في التعويض بمقابل وهو ليس غريبا على المسئولية التقصيرية إذ أنه يتلاءم معها أكثر من المسئولية العقدية ([12]).

ثالثا: التعويض الاتفاقي في كلا النظامين

1- التعويض الاتفاقي في النظام الأنجلوسكسوني

وينقسم التعويض الاتفاقي في النظام الأنجلوسكسوني إلى نوعين:

أ- أن يكون تعويضا اتفاقيا مقررا

وفيه يتفق المتعاقدان في العقد على مبلغ محدد ينبغي سداده أو أن هناك طريقة معينة ينبغي إتباعها وتبنيها في تقدير التعويض وذلك في حالة مخالفته لنصوص العقد ([13]).

ب- التعويض الاتفاقي غير المقرر

وهو الذي لا يتفق عليه المتعاقدان في العقد وفيه تتدخل المحكمة لتعديل هذا التعويض سواء بالزيادة أو النقصان حسب ظروف كل حالة ومدى تناسب التعويض مع الضرر الذي أصاب المضرور.

2- التعويض الاتفاقي في النظام المدني

ولقد عرفه البعض بأنه” التعويض الذي يقوم بتقديره المتعاقدان مقدما بدلا من تركه للقاضي والذي يستحقه الدائن إذا لم يقم المدين بتنفيذ التزامه وهذا هو التعويض من عدم التنفيذ أو قد يتفقان على مقدار التعويض المستحق في حالة تأخر المدين بتنفيذ التزامه وهذا هو التعويض عن التأخير في التنفيذ”([14]).

ويعد هذا التعويض هو تعويض سابق على وقوع الضرر، إذ يتفق عليه المتعاقدان وقت إبرام العقد وذلك بتقريره في حالة ووقوع أضرار يتسبب فيها أحد الطرفين فيحق للآخر المطالبة بالتعويض، أي أن هذا التعويض قبل وقوع الضرر من أي من الطرفين.

ويكون محل هذا التعويض غالبا مبلغ من النقود، ولكن قد يكون غير ذلك إذ أنه يجوز للطرفين أن يتفقا أن يكون محله القيام بعمل أو الامتناع عن عمل.

وقد يتفق عليه الطرفان وقت انعقاد العقد وقد يكون الاتفاق مستقل عن العقد وفي اتفاق لاحق على العقد وهو يرتب نفس الآثار، وبطلان هذا التعويض لا يؤدي إلى بطلان الاتفاق الأصلي.

خامسا: سلطة القاضي في تقدير التعويض

1- في النظام المدني

لقد نصت المادة\ 266من القانون المدني الأردني على أنه” يقدر الضمان في جميع الأحوال بقدر ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب بشرط أن يكون ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار”.

كما تنص المادة\ 268على أنه” إذا لم يتيسر للمحكمة أن تعين مدى الضمان تعيينا نهائيا فلها أن تحتفظ للمتضرر بالحق في أن يطالب خلال مدة معينة بإعادة النظر في التقدير”.

فيتبين من هذين النصين أنه يجوز للمحكمة إعادة تقدير التعويض إذا ما كان هذا بناء على طلب من المضرور وفي هذه الحالة تقوم المحكمة بتقديره وذلك في نطاق ما لحق المضرور من خسارة وما فاته من كسب بشرط أن يكون ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار، بشرط ألا يكون قد ارتكب غشا أو خطأ جسيم، أي أن التعويض سيكون على أساس ما يتوقعه المدين وقت العقد من خسارة أو ما فاته من كسب، وهو قيد توقع الأضرار، هذا بالإضافة إلى الإخلال بالالتزامات المكلف بها الطرفين.

2- النظام الأنجلوسكسوني

وبالنظر في هذا النظام نجد أنه يتفق مع النظام المدني في أنه يترتب فيه التعويض على عدم الوفاء بالالتزام أو الإخلال بالعقد، هذا بالإضافة لقيد توقع الأضرار المعمول به في النظام الأنجلوسكسوني، أي أن يكون توقع الأطراف للأضرار القابلة للتعويض هي ذاتها ما تكون متوقعة وقت العقد.

ولكن هذا النظام لا يرتكن إلى ما لحق المضرور من خسارة وإنما يكتفي فقط بقيد توقع الأضرار بعكس النظام المدني.

كتابة دكتور \ عبد المنعم حسن الشرقاوي

دكتوراه القانون المدني

([1]) د. وليد خالد عطية، القيود الواردة على تعويض الضرر العقدي في القانون الإنجليزي” دراسة مقارنة”، بحث منشور، ص9.

([2])د. وليد خالد عطية،، مرجع سابق، ص10.

([3]) د. وليد خالد عطية، مرجع سابق، ص11.

([4]) د. عبدالمجيد الحكيم، محمد طه البشير ، عبدالباقي البكري، الوجيز في نظرية الالتزام، مصادر الالتزام، ج1، 1980.

([5]) د. منذر الفضل، النظرية العانة للالتزامات، مصادر الالتزام، ط1، 1991، ص371.

([6]) د. وليد خالد عطية، مرجع سابق, ص12. ( انظر مقال عن كيفية كتابة العقد )

([7]) د. وليد خالد عطية، مرجع سابق, ص13.

([8]) د. وليد خالد عطية، مرجع سابق، ص 13.

([9]) د. وليد خالد عطية، مرجع سابق، ص13.

([10]) د. حسن محمد كاظم، المسئولية المدنية الناشئة عن الاعتداء عن الحق في الصورة، 2006-2007، ص100.

([11]) د. سعدون العامري، تعويض الضرر في المسئولية التقصيرية، منشورات مركز البحوث، وزارة العدل، بغداد، 1980، س154.

([12]) د. سعدون العامري، مرجع سابق، ص149.

([13]) د. وليد خالد عطية، مرجع سابق، ص14. ( انظر مقال عن كيفية كتابة العقد )

([14]) د. عبدالرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، ج2، ص851

 

Scroll to Top