الثغرة القانونية

الثغرة القانونية

لا يستقيم ميزان العدالة إلا بانتصار الحق، ولكي ينتصر الحق يجب أن يسمو القانون على الجميع، إلا أنه حسب اعتقادنا لا يخلو أي قانون من الثغرات. وهنا يبحث الأشخاص الراغبون في تجاوز القانون عن ثغرات قانونية يستخدمونها في القضايا التي لا يكون لها مخرج من حيث الموضوع، فأي قضية لا تخلو من الثغرات القانونية، فأية قضية تحمل دائمًا الوجهين؛ لذلك فالمحامِ إذا أراد أن يُبرئ موكله من القضية المتهم بها؛ فإنه سيبحث عن العديد من الثغرات القانونية التي لا حصر لها، وتعتمد دائمًا على ذكاء المحامِ ومهارته في الاطلاع على النصوص القانونية واستخراج الثغرات التي يمكن أن يستغلها على موضوع الدعوى التي يعمل عليها. وسوف نتناول جميع ما يتعلق بالثغرات القانونية، وذلك من خلال العناصر الرئيسية التالية:

أولًا: تعريف الثغرة القانونية

ثانيًا: أنواع الثغرات القانونية

ثالثًا: ثغرات قانون العقوبات لجرائم القتل والتعدي على النفس

رابعًا: ثغرات قانون العقوبات الخاص بالطفل الحدث

خامسًا: ثغرات القتل عن طريق الخطأ

سادسًا: ثغرات قانونية شائعة في جميع الجرائم الجنائية والإرهابية

سابعًا: ثغرات قانون الإجراءات

ثامنًا: الثغرات القانونية المستخدمة من قِبل المحامين لمد أجل التقاضي وحماية موكليهم

تاسعًا: خطوات لكشف الثغرات القانونية في العقود يجب مراعاتها قبل التوقيع على أي عقد

ونقدم شرح تفصيلي لكل عنصر من العناصر الرئيسية السابقة فيما يلي:

أولًا: تعريف الثغرة القانونية

يمكننا تعريف الثغرة القانونية على أنها التفاف على القانون بصيغة قانونية. وإننا نتحدث هنا أمام استغلال الثغرة القانونية بطرق شرعية من دون أي مخالفة لقواعد القانون أو الأخلاق، ولكن هناك من الثغرات ما يتم فيها هدم القيم والقواعد القانونية، والعبث بسلوكيات المهنة، ومن يفعل ذلك يرفع شعار أن “الغاية تبرر الوسيلة”.

ثانيًا: أنواع الثغرات القانونية

يمكن تقسم الثغرات القانونية إلى ثغرات قانونية طبيعية وثغرات قانونية غير طبيعية، وذلك على النحو التالي:

1.     ثغرات قانونية طبيعية

وهي تلك الناتجة عن الأخطاء التي يقترفها الانسان عن غير وعي، وعن غير قصد منه، نتيجة عدم فهمه للأشياء فهمًا عميقًا وكاملًا في معالجته للظواهر الاجتماعية الاقتصادية، السياسية…إلخ، من خلال سن مجموعة من القواعد القانونية التي تنظم شؤون الناس سواء فيما بينهم، أو فيما بينهم وبين الدولة داخل المؤسسات وخارجها.

2.     ثغرات قانونية غير طبيعية (ليست عفوية)

وهي الثغرات التي يبدع المشرع أو الذي يسهر على سن القوانين (رجل القانون، السياسي، …) عن وعي، وعن قصد طمعًا في تحقيق هدف، أو أهداف بعينها، من أجل خدمة مصالحه، وقد تكون أخطاء مفتعلة يرتكبها المشرع، وقد يكون هذا المشرع فردًا (مؤسسة خاصة)، أو جماعة (أقلية)، أو مجتمعًا محليًا (نظامًا سياسيًا)، أو مجتمعًا دوليًا (الأمم المتحدة، مجلس الأمن، منظمات دولية أخرى).

ثالثًا: ثغرات قانون العقوبات لجرائم القتل والتعدي على النفس

تأتي ثغرات قانون العقوبات لجرائم القتل والتعدي على النفس في مقدمة الثغرات القانونية، والذي يكثر به الحيل والتلاعب من قبل المحامين، وعندما نتحدث عن عقوبات جرائم القتل يجب أن نذكر أركان جريمة القتل والتي تنقسم إلى ركن مادي، وركن معنوي.

ويُقصد هنا بـ “الركن المادي” الأداة المستخدمة في الجريمة، أما بالنسبة “للركن المعنوي” فيُقصد به القصد الجنائي أي “النية”. وهنا نبدأ في توضيح حيل المحامين من خلال استغلال ثغرات تلك الأركان لصالح موكليهم.

فالركن المادي تكمن فيه حيلة تناقض الدليل القولي مع الدليل الفني، أي تناقض قول المجني عليه والشهود -ومن بين هؤلاء الشهود الضباط- مع تقرير الطب الشرعي.

أما بالنسبة لحيل الركن المعنوي فتكمن في العمل على نفي القصد الجنائي لدى المتهم أو الدافع أو انعدام الوعي والإدراك من أجل تخفيف العقوبة عن المتهم أو تبرئته، وذلك بالنظر إلى ظروف حالته أثناء حدوث الواقعة، وإذا ما كان الجاني يًعانى من مرض نفسي، وهنا تختلف الأمراض النفسية وتختلف معها أيضًا العقوبات.

وتكون حيلة المحامي للتلاعب بالقانون بواسطة الطب الشرعي أيضًا، من خلال إصدار شهادة تثبت انعدام القوى العقلية للمتهم إذا كان مريض بالفعل، أو ترتيب أقوال المتهم في حالة صحة عقله وشهود النفي وهذا يكون من اختصاص المحامِ المسؤول عن الجاني والذي يقوم بسرد الكلمات التي يريد أن يقولها الجاني وشهود النفي.

رابعًا: ثغرات قانون العقوبات الخاص بالطفل الحدث

هنا نفتح المجال للحديث عن ارتكاب كافة الجرائم ممن هم دون الثامنة عشر وإدراجها تحت بند قانون “الطفل” ودون النظر لنوعية الجريمة التي ارتكبها هذا الطفل، فلو تطرقنا لقضية مثل قضية “الطفلة المصرية زينة” التي تناولتها وسائل الإعلام، سنجد هنا أن هؤلاء الطفلين -كما يطلق عليهم القانون- قد قاما باختطاف هذه الطفلة البريئة ثم محاولة اغتصابها ثم قتلها، فأي أطفال هؤلاء الذين يقومون بكل هذه الأفعال! وأي أطفال هؤلاء الذين انتزعت من قلوبهم الرحمة والخوف فيما أقدما عليه! وفي الأخير لم ينل كل واحد منهما العقاب الذي يستحقه؛ بسبب استغلالهم لثغرة من ثغرات القانون المتمثلة فيما نص عليه قانون العقوبات المصري من عقوبات خاصة للأطفال.

خامسًا: ثغرات القتل عن طريق الخطأ

تكمن ثغرة القانون هنا في عدم محاسبة المهملين ومسلوبي الضمير، فبالنظر إلى حوادث السيارات أو الحوادث الناتجة عن الإهمال نجدها تندرج تحت طائلة قانون العقوبات للقتل عن طريق الخطأ، وهنا يثور التساؤل بشأن، ماذا لو ارتكبت جريمة وأخذت تحت طائلة القتل الخطأ رغم كونها في الأساس قتل عمد؟

سادسًا: ثغرات قانونية شائعة في جميع الجرائم الجنائية والإرهابية

يمكن القول إن هناك أربع ثغرات قانونية شائعة فيما يتعلق بالقضايا الجنائية والإرهابية، تتمثل فيما يلي:

1.     فض الأحراز في غياب حضور الدفاع أو غياب المتهم

يُعد فض الأحراز إجراء من إجراءات التحقيق النهائي التي لا يجوز أن يتم في غيبة المتهم ودفاعه، خاصةً إذا كانت هذه الأحراز تشكل دليلًا سوف تُستند إليه المحكمة لإدانة المتهمين، باعتبار أنها دليلٌ مقدم من النيابة العامة ضد المتهمين، ولا يجوز الاحتجاج بدليل لم يُعرض على المتهم ودفاعه طبقًا لقانون الإجراءات الجنائية.

2.     عدم سماع شهود الإثبات الوارد أسمائهم بأمر الإحالة

فيما يتعلق باستغناء المحكمة عن سماع بعض أقوال شهود الإثبات الذي يتمسك المتهم ودفاعه بمناقشتهم، ونجد أن قانون الإجراءات الجنائية يُلزم المحكمة باستدعاء شهود الإثبات متى تمسك الدفاع بذلك، فالعبرة هنا بالتحقيق النهائي الذي تجريه المحكمة مع الشهود، ولا يمكن للمحكمة أن تكتفى بمناقشة النيابة العامة للشهود في التحقيقات الابتدائية، وفى حال مخالفة المحكمة لنصوص قانون الإجراءات الجنائية يكون حكمها باطل وهو والعدم سواء لإخلالها بحق الدفاع.

3.     انعقاد الجلسة في غياب المتهم

نظرَا لكون المحكمة تحاكم المتهم في جلسة بالأدلة المقدمة ضده من النيابة العامة، فلا يجوز انعقاد جلسة المحاكمة في غياب المتهم، ويستثنى من ذلك قيام المتهم بتعمد تعطيل إجراءات المحاكمة عن طريق إحداث الضوضاء والتشويش على المحكمة لمنع انعقاد الجلسة، ففي هذه الحالة الاستثنائية، يجب على المحكمة أن تأمر بطرد المتهمين خارج القاعة، وأن تستمر في نظر الدعوى في غياب المتهم، وفى نهاية الجلسة تقوم المحكمة باستدعاء المتهم المطرود قبل نهاية الجلسة وتخبره بما دار في الجلسة وما صدر عن المحكمة من قرارات في غيابه، فنجد أنه في جلسة محاكمة المتهمين في القضية المعروفة إعلاميًا بـ”تنظيم أجناد مصر” قام المتهمين بالتشويش على سير الجلسة؛ مما جعل قاضى القضية يأمر بطرد المتهمين.

ويجب التنويه إلى أنه توجد حالة واحدة تنعقد فيها المحاكمة في غياب المتهم، وذلك في حالة كونه هاربًا. حيث تُعقد الجلسة ويصدر ضده حكمًا غيابيًا، وبعد صدور الحكم يقوم المتهم بعمل إعادة إجراءات على الحكم في القضايا الجنائية، أو عمل معارضة في قضايا الجنح التي يصدر فيها حكمًا غيابيًا، وذلك وفقًا لأحكام القانون المصري.

أما عن القانون السعودي فقد انتهى إلى إيقاف السير في الدعاوى الجزائية عند غياب المتهم عن جلسة المحاكمة، وألا يتم النظر في الدعوى سوى بحضور المتهم.

4.     انعقاد الجلسة في غياب حضور محامي المتهم

يؤكد القانون على أحقية الدفاع في حضور جلسة محاكمة موكله، فلا يتم انعقاد جلسة في غياب المحامي الموكل عن المتهم، وحتى في حالة طرد المتهم من الجلسة أو تأخره عن الحضور لا يجوز انعقاد الجلسة بدون حضور الدفاع؛ لذا فعند إجراء المحاكمة دون حضور محامِ المتهم تكون باطلةً بكل ما جرى بها من إجراءات وما انتهت إليه المحكمة من قرارات.

سابعًا: ثغرات قانون الإجراءات

إن محامِ الدفاع يبحث دائمًا عن الثغرة في قضية الاتهام، فإذا اكتشف ثغرة إجرائية مؤثرة في القضية فقد حقق لموكله النصر المبين، وأقرب مثال على ذلك عند تفتيش منزل المتهم وضبط الممنوعات، فإذا تم التفتيش دون الحصول على إذن من النيابة، أو عدم مراعاة الضوابط القانونية الأخرى كأن لم يراعِ في تفتيش الأنثى أن تقوم بالتفتيش أنثى أخرى، فإنه يُنهي القضية ويجعلها هي والعدم سواء.

كذلك عندما يقوم المحامِ بتقديم مستنداته إلى المحكمة بلغة أجنبية، وذلك على خلاف قانون الإجراءات المدنية، وهو يدرك ذلك ظنًا منه أنه سيستطيع أن يطلب من المحكمة التأجيل لتقديم الترجمة القانونية، فإن ذلك قد يكون استغلالًا لثغرة قانونية، والشيء نفسه عندما يحضر أول جلسة ويطلب التأجيل للاطلاع على صحيفة الدعوى بينما كان في استطاعته أن يقوم بذلك سلفًا.

ثامنًا: الثغرات القانونية المستخدمة من قِبل المحامين لمد أجل التقاضي وحماية موكليهم

يمتلك المحامون ترسانة من الحيل والثغرات القانونية لمد أجل التقاضي وحماية موكليهم، تبدأ باستخدام حق الشكوى المضادة، والطعن بالتزوير، وإقامة الدعوى القضائية أمام الدوائر غير المختصة، وطلب رد المحكمة أو اللعب على إبطاء التقاضي لإطالة عمر القضية عبر طلب التأجيل لاستكمال المستندات، والتأجيل بشكل دوري لعشرات الذرائع الأخرى.

تاسعًا: خطوات لكشف الثغرات القانونية في العقود يجب مراعاتها قبل التوقيع على أي عقد

لا تقتصر الثغرات القانونية على قانون الإجراءات الجنائية فقط، بل يوجد العديد من الثغرات القانونية -التي لا حصر لها- في العقود، ويمكنك تجنب الوقوع في أي من تلك الثغرات من خلال الخطوات الآتية:

  1. وضع إطارًا عامًا للعقد، وكتابة عناوين للفصول والمواد والتأكد من أن كل عنوان يعكس مضمون البنود الموجودة تحته.
  2. مراجعة بنود العقود والتأكد من وجود بنود أركان العقد “التراضي، المحل، السبب، المقابل”، ومن أن صياغة البنود تسد أية ثغرة محتملة.
  3. مراجعة بنود التزامات الأطراف والتأكد من أن العقد يُغطيها كلها، ويُحدد المسؤوليات المترتبة على مخالفتها.
  4. مراجعة الشروط العامة للعقد بدقة وعدم الاعتماد على الصياغات الجاهزة فحسب، واستخدام الصياغة المناسبة التي تحفظ حقوق طرفي العقد.
  5. حذف التعبيرات التي تحمل أكثر من معني أو تلك التي يُمكن تأويلها أو تفسيرها إلى أكثر من قصد. ومثال ذلك، تعبير “ما لم يقتض سياق النص غير ذلك”.
  6. ترتيب التزامات كل طرف على حدة، والتأكد من أن العقد ينص على كل الالتزامات التي من المفترض أن ينفذها كل طرف.
  7. مراجعة التدابير التي ينص عليها العقد في حالة مخالفة تلك الالتزامات وما إذا كانت كافيةً لضمان التنفيذ أم لا، مع مراعاة أن الجزاءات المتفق عليها واضحةٌ ويمكن تنفيذها ببساطة دون عائق، وأنها ليست مخالفةً لأحكام الشريعة الإسلامية.
  8. قراءة كل مادة بعناية والتأكد من فهم الكلمات المستخدمة فيها، والتأكد من أن بنود العقد مفهومة بوضوح. فلا يوجد شيء في لغة القانون يصعب تفسيره بعبارات بسيطة.
  9. تحليل كل مادة من خلال طرح الأسئلة التالية: من يفعل ماذا؟ وفي ظل أي قيود أو ظروف؟ ومتى؟ وأين؟ ولماذا؟ وكيف؟ فإذا استطعت الإجابة على تلك الأسئلة بسهولة فأكد من أن هذا البند يفي بالغرض المذكور لأجله.
  10. مراجعة الإحالات في العقد، سواء إلى البنود التي وردت فيه أو إلى نصوص خارج العقد، والتأكد من أنها تناسب الغرض الذي من أجله أحيل إليها. وكذلك التأكد من عدم وجود تعارض بين بنود العقد مع بعضها البعض أو بينها وبين التزامات أخرى متعلقة بتنفيذ العقد. ومراجعة النصوص والمستندات المحال إليها في العقد وارفاقها به عند الضرورة.

إعداد/ محمد محمود

المصدر : موقع محامي الأردن 

Scroll to Top