إثبات جريمة غسل الأموال
الدعوى الجزائية تتكون من شقين شقه الادعاء وشق (الدفاع) الذي يدفع هذا الادعاء، وكما ان الأصل في الدعوة الحقوقية براءة ذمة المدعي عليه فان الأصل في الدعوة الجزائية براءة المتهم، فإلحاق الاتهام لابد ان يبنى على يقين وليس على الشك والتخمين، وفي هذا المقال سنتحدث عن الأثبات في جريمة غسل الأموال، وذلك من خلال النقاط الأتية:
أولًا: التخفيف من حدة مبدا الأصل في الأنسان البراءة
ثانيًا: النتائج المترتبة على مبدا (الأصل في الأنسان البراءة)
ثالثًا: الطبيعة الخاصة للإثبات في جريمة غسل الأموال
رابعًا: إثبات جريمة غسل الأموال في التشريع الأردني
أولًا: التخفيف من حدة مبدا الأصل في الأنسان البراءة
مع اتساع نطاق الجرائم بعض الاتجاهات ذهبت إلى التخفيف من حده مبدا الأصل في الأنسان البراءة والغرض من ذلك نقل عبء الأثبات نقل جزء الأثبات على المجرم ذاته وذلك من اجل الوصول للعدالة على حد قوله من اخذوا بهذا الرجل الرأي.
يبدي أنصار هذا الاتجاه أن أصل البراءة في الإنسان ليس سوى قرينة قانونية بسيطة وضعها المشرع. والقرينة هي استنتاج مجهول من أمر معلوم؛ والمعلوم هو أن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يتقرر بحكم قضائي وبناء على نص قانوني وقوع الجريمة واستحقاق العقاب. والمجهول المستنتج من هذا الأصل هو براءة الإنسان حتى تثب إدانته بحكم قضائي بات[1].
ونختلف مع هذا الاتجاه حيث ان البراءة كمبدأ لا يجب التقليل من شأنه باعتبارها قرينه بسيطة حيث إننا نعتبرها الأصل، فالتقليل من شأنها سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار القضائي، حيث ان الشخص سيكون أثناء تعرضه للمسائل على علم ان البراءة ليست حق أصلي له وهو ما يضرب بمبادئ العامة العدالة عرض الحائط.
يذهب أنصار هذا الاتجاه الثاني إلى أن أصل البراءة ذو طبيعة شخصية؛ فهو ليس المجتمع بوصفه إنساناً. وهذا الحق يُنسب للإنسان منذ ميلاده ويظل ملازماً له طيلة حياته؛ واتهام الفرد في حد ذاته لا يؤثر على هذا المبدأ ولا يُغيّرِ منه شيئاً سواء قبل المحاكمة أم أثناها. فالبراءة أصل في الإنسان وليست قرينة ولا سبيل إلى دحضها إلا بحكم قضائي بات بالإدانة، ومن ثم فالحكم الصادر بالبراءة ليس سوى كاشف عن الأصل المفترض وليس منشأ له[2].
وأكده ذلك الاتفاقات الدولية حيث ورد على سبيل المثال بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الأنسان 1950 بالمادة (6/2) والتي جاء بها (الحق في معاملة عادلة بأن يعد بريئا كل شخص متهم بارتكاب جريمة حتى تثبت أدانته قانونيا)
والعلة من الإصرار على هذا المبدأ لأن أثره النفسي أكبر من أثره المادي، ذلك انه من حيث الأثار المادية يمكن التقليل من حدتها، أما من حيث الأثار المعنوية فالمجرم حال وصوله للمساءلة وهو يعلم ان البراءة مجرد قرينة بسيطة قد يدفع به للاعتراف بشيء لم يفعله لتخفيف العقوبة مثلًا.
ثانيًا: النتائج المترتبة على مبدا (الأصل في الأنسان البراءة)
1- عبء الإثبات على عاتق سلطة الاتهام
يترتب على مبدأ أن الأصل في الأنسان البراءة ان يكون عبء إثبات على سلطه الاتهام، فهي التي تبحث عما يؤيد صحة إسنادها الاتهام، وهي في سبيلها لذلك لا بد ان لا تجبر المتهم على تقديم دليل يدينه.
2- تفسير الشك في مصلحه المتهم
الأدلة كثيرة ومتعددة فأما تكون الأدلة يقينية كالناتجة عن الخبرة مثلا وأما ان تكون أدله دائرة بين الشك واليقين، فأقوال الشهود فقد تتشكك المحكمة فيها بسبب تضاربها أو لأي سبب، وقواعد العدالة تحكم على المحكمة وفقا لمبدأ تفسير الشك لصالح المتهم ان ترجح البراءة على الإدانة.
3- الأحكام الجزائية لا تبنى على الشك
الحكم الجنائي كشكل من أشكال الخروج عن الأصل وهو ان الأصل في الإنسان البراءة لابد أن يبنى على اليقين، وعلة ذلك أن أثر العقوبة الجزائية ليست بالشيء الهين الذي قد تعتمد في على مجرد شك، فلابد أن يستقر في قرارة المحكمة اليقين في أن المتهم هو من قام بالفعل الإجرامي.
ويعني ذلك أن الأدلة لطالما كانت غير كافية لتكوين عقدية المحكمة نحو الإدانة؛ فالأصل أن تقضي بالبراءة، لذلك كانت هذه النتيجة بهذه المثابة هي الوجه السلبي لضرورة توافر اليقين القضائي بالإدانة[3].
4- توفير حق الدفاع للمتهم
الحق الأصيل المترتب على مبدا ان الأصل في الأنسان البراءة هو حق المتهم في أتاحه الفرصة له في دفع الاتهام عن نفسه للوصول الأصل الوثيق بشخص الأصل البراءة وعلى سلطه الاتهام ومن بعد المحكمة أتاحه الفرصة له للوصول لذلك الهدف ثالثا ماهية الأثبات وأهميته الحقيقة خاصه في النظام الجنائي تحتاج إلى الأدلة لا ثباتها من اجل الوصول للحكم العادل فسلت الاتهام تقدم الأدلة لا ثبات التهمه والمتهم يقدم الأدلة لا ثبات والمحكمة تبحث كل الأدلة كإثبات والنفي وتحكم على أساسها
ثالثًا: الطبيعة الخاصة للإثبات في جريمة غسل الأموال
إن الإثبات بوجه عام هو عملية الاقتناع بأن واقعة ما قد حدثت أو لم تحدث بناء على وجود واقعة أو وقائع مادية، التي تحققت باستعمال وسائل الإثبات المختلفة أي إنتاج الدليل[4].
وعليه تصل إلى أن المقصود بالإثبات الجنائي أنه إقامة الدليل لدى السلطة المختصة بالإجراءات الجنائية على حقيقة وذلك بالطرق التي حددها القانون ووفقاً للقواعد التي أخضعها لها وصولاً إلى الحقيقة الواقعية التي ينشدها القاضي الجنائي عن جزم ويقين تحقيقاً للعدالة الجنائية[5]. ويمكن تمييز الإثبات في جرائم غسل الأموال من حيث إنه في حقيقته ينقسم إلى شقين.
1- الشق الأول: إثبات أن مصدر الأموال جريمة
ما يميز الإثبات في جريمة غسل الأموال ارتباطها بجريمة، وإن كان هذا الارتباط يقبل التجزئة، فلابد أن توجد جريمة ونتج عنها متحصلات (الأموال)، وفي ذلك جاء تعريف غسل الأموال في اتفاقية فيينا لعام 1988 مادة 3.1 كما يلي:
“تحويل الأموال أو نقلها مع العلم بأنها مستمَّدة من أيَّة جريمة أو جرائم، بهدف إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع للأموال أو قصد مساعدة أيَّ شخص متورَّط في ارتكاب مثل هذه الجريمة أو الجرائم على الإفلات من العواقب القانونية لأفعاله؛”
ومع ذلك الارتباط نجد أن جريمة غسل الأموال لها من الذاتية ما يجعل منها جريمة يمكن تحققها طالما تحققت شروطها بغض النظر عن أيلولة الجريمة الأصلية، وهنا نفرق بين انعدام الجريمة ذاتها والبراءة لسبب خاص بالإجراءات أو الشكل.
وفي هذا الاتجاه ذهب بعض الفقه إلى أن تأسيس حكم البراءة في الجريمة الأصلية علىِ ارتكاب الجاني لها لعدم توافر الأدلة على ارتكابها أو عدم كفايتها، أو على أسباب موضوعية تتعلق بانتفاء أحد أركان الجريمة، فإن ذلك ليس مؤداه عدم وقوع الجريمة الأصلية. بل وحتى في حالة وجود مانع يحول دون تحريك الدعوى العمومية في الجريمة الأصلية لعدم معرفة فاعلها أو وفاته أو لأي سبب آخر، فإن ذلك لا يؤثر على وجود جريمة غسل الأموال[6].
وارتباطا بالفكرة نفسها هناك إشكال آخر، يتعلق بمدى حجية الأحكام الصادرة في الجريمة الأولى، سواء بالإدانة أو البراءة على إثبات جريمة غسل الأموال. ونظن بالنسبة لهذه النقطة أن الحكم الصادر في الجريمة الأولية يعتبر فقط دليلا على المصدر غير المشروع للأموال المتحصلة منها، وبالتالي لا حجية له على إثبات ارتكاب أو وقوع جريمة غسل التي ينبغي إثباتها بكل الوسائل؛ لأن فعل غسل الأموال مستقل عن الجرائم الأصلية[7].
2- الشق الثاني: إثبات تحقق أركان جريمة غسل الأموال
تمر جريمة غسل الأموال بثلاث مراحل[8] تلك المراحل هي:
الإيداع (بعد الأموال عن الارتباط المباشر مع الجريمة)
التمويه (التستر على المسار لتضليل الملاحقة)
الإدماج (إتاحة الأموال للمجرم من مصدر يبدو أنه مشروع)
ولا يكفي لإثبات جريمة غسل الأموال أن يثبت أن مصدرها جريمة، فلابد أن يتم إثبات تحقق الأركان الخاصة بجريمة غسل الأموال بركنيها المادي والمعنوي، ويمثل النشاط الإجرامي للجريمة أن يكون فعل المتهم قد أنصب على أحد المراحل التي سبق ذكرها والتي تمر بها جريمة غسل الأموال، وأن يتم إثبات القصد الجنائي في حق المتهم بأن يكون عالم بحقيقة تلك الأموال ومع ذلك تتجه إرادته لإتيان أي من صور النشاط الإجرامي للجريمة.
رابعًا: إثبات جريمة غسل الأموال في التشريع الأردني
1- الطبيعة المزدوجة للإثبات في جريمة غسل الأموال
– المادة (3) قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب – رقم (20) لسنة 2021 نصت على:
أ- يعد مرتكباً لجريمة غسل الأموال: –
1- كل شخص يعلم بأن الأموال متحصلات جريمة أصلية وسواء ارتكب الجريمة الأصلية أم لا وذلك في حال قيامه عمداً بارتكاب أي من الأفعال التالية: –
أ- تحويل الأموال أو نقلها لغايات تمويه أو إخفاء مصدرها غير المشروع أو لغايات مساعدة أي شخص متورط في ارتكاب الجريمة الأصلية أو ساهم في ارتكابها.
ب- إخفاء أو تمويه الطبيعة الحقيقية للأموال، أو مصدرها، أو مكانها، أو طريقة التصرف بها أو حركتها أو ملكيتها أو أي من الحقوق المرتبطة بهذه الأموال.
ج- اكتساب الأموال، أو استخدامها، أو إدارتها، أو استثمارها، أو حيازتها.
2- كل شخص يشرع في ارتكاب أي من الأفعال المشار إليها في البند (1) من هذه الفقرة أو يساعد أو يحرض أو يسهل أو يخفي ارتكاب هذه الجريمة أو يتدخل في ارتكابها أو يعمل كشريك أو يرتبط مع أو يتآمر لمحاولة ارتكاب هذه الجريمة.
ب- عند إثبات ان الأموال هي متحصلات جريمة فلا يشترط أن يكون قد تم إدانة شخص بارتكاب الجريمة الأصلية.
ج- لغايات هذا القانون، تشمل متحصلات الجريمة ما يلي: –
أي متحصلات ناجمة عن ارتكاب فعل إجرامي خارج المملكة شريطة أن يشكل هذا الفعل جريمة في المملكة وفي الدولة التي وقع فيها.
أي متحصلات ناجمة عن أي فعل يعتبر جريمة بمقتضى اتفاقيات دولية صادقت عليها المملكة شريطة ان يكون معاقبا عليها في القانون الأردني..
بمجرد مطالعة المادة سالفة البيان نجد أن المشرع الأردني قد رسخ الطبيعة الخاصة لجريمة غسل الأموال، ونرى كذلك بالمادة الطبيعة الخاصة بالإثبات في تلك الجريمة حيث إنه يتعين على سلطة الاتهام إثبات أن الأموال متحصلات من جريمة بغض النظر عن مصير المتهم في الجريمة الأصلية من حيث الإدانة أو البراءة، وكذلك لابد من إثبات تعمد الشخص إتيان أي صور النشاط الإجرامي لجريمة غسل الأموال.
2- الخروج عن الأصل في أن الأصل هو البراءة
مادة (17) من قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم (20) لسنة 2021 نصت على
أ- تحتفظ الجهات المبلغة ووفقاً لتعليمات تصدر لهذه الغاية بسجلات تتضمن ما تجريه من عمليات محلية أو دولية وبالبيانات الكافية للتعرف على تلك العمليات لمدة لا تقل عن خمس سنوات من تاريخ إتمام العملية، كما يتعين عليها الاحتفاظ بجميع السجلات التي يتم الحصول عليها من خلال إجراءات العناية الواجبة وملفات الحسابات والمراسلات التجارية ونتائج أي تحليل تم إجراؤه لمدة خمس سنوات على الأقل من تاريخ انتهاء العلاقة أو العملية أيهما أطول وعلى أن تتيح آلية الاحتفاظ بهذه السجلات إمكانية إعادة تركيب العمليات الفردية وبما يوفر دليلاً لذلك.
ب- تلتزم الجهات المبلغة بتحديث السجلات بما فيها سجلات العناية الواجبة والوثائق والمستندات والبيانات والمعلومات ونتائج أي تحليل تم إجراؤه بما في ذلك سجلات العناية الواجبة المنصوص عليها في الفقرة (أ) من هذه المادة بصفة دورية، وإتاحتها للجهات المختصة بناء على طلبها.
وبمطالعة تلك المادة نجد أن اشتراط تلك الشروط بتشريع غسل الأموال يعد خروجًا عن أن البراءة هي الأصل، حيث إن الأصل أن يمتلك الشخص المال دون الحاجة لتبرير مصدره طالما لم يثبت ارتكابه لجرم، أما تلك المادة قد افترضت الإدانة وما يدفعها أن تلتزم بتلك الاشتراطات.
مادة (23) من قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم (20) لسنة 2021 نصت على:
أ- على كل شخص عند قدومه للمملكة أو مغادرته لها أن يقدم إقراراً لدائرة الجمارك عما بحوزته من مبالغ نقدية أو أدوات قابلة للتداول لحاملها والتي تتجاوز قيمتها المبلغ المحدد من اللجنة وفقاً للنموذج المعد لهذه الغاية ويطبق الإقرار على النقل المادي عبر الحدود بما فيه البريد أو الشحن.
ب- لدائرة الجمارك طلب أي معلومات عن مصدر النقد أو الأدوات القابلة للتداول لحاملها والغاية منها.
ج- تحتفظ دائرة الجمارك بالإقرارات والمعلومات ذات العلاقة وتلتزم بإتاحتها مباشرة للوحدة والجهات المختصة.
تعد هذه المادة أحد صور التقليل من حدة مبدأ أن الأصل في الإنسان البراءة، فالشخص في تطبيق هذا المادة ينتقل عليه عبء الإثبات فإدانته مفترضة بمجرد تجاوزه الحد، وعليه أن يدفعها بما يعيد له الأصل وهو البراءة. وعدم تقديمه هذا الإقرار يعرضه للمسؤولية الجزائية. وفي ذلك نصت المادة (24/أ) على (على دائرة الجمارك ضبط النقد والأدوات القابلة للتداول لحاملها في الحالات التالية: –
1- الاشتباه بارتباطها بغسل الأموال أو الجريمة الأصلية المرتبطة بها أو تمويل الإرهاب.
2- الإقرار الكاذب بإعطاء المعلومات.
3- عدم قيام الشخص بتقديم الإقرار.
خامسًا: تطبيقات قضائية
الحكم رقم 3610 لسنة 2020 محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 2021-03-29
أما بالنسبة لجناية غسل الأموال وفقاً لأحكام المادة (24/أ/2) من قانون غسل الأموال وتمويل الإرهاب وبدلالة المواد (3 و4 و5) من قانون الجرائم الاقتصادية المسندة للمتهم حسين فإن المحكمة وجدت أنه يشترط لقيام جرم غسل الأموال المسند للمتهم حسين تحقيق مجموعة من الأركان أهمها بأن يكون مرتكب جناية غسل الأموال وتمويه مصدر الأموال غير المشروع وذلك بأن يكون ناشئاً عن ارتكاب جرم سابق وأن تتحقق النتيجة الجرمية لذلك بإظهار هذه الأموال بمظهر غير مخالف وأنه ناشئ عن أنشطة مشروعة والعلاقة السببية القائمة ما بين الفعل والنتيجة .
ولكن هذا كله بشرط تحقق الركن المعنوي القائم على عنصر العلم بأن مصدر الأموال غير المشروع وبأنه ناشئ عن ارتكاب جرم وأن أفعاله التي يقوم بها هي لإظهار هذه الأموال بأنها نشأت عن أنشطة مشروعة.
وكذلك عنصر الإرادة وأن تتجه إرادته إلى ارتكاب هذه الأركان وهي جوهر الركن المعنوي.
ويفترض الركن المعنوي بوصفه اتجاهاً إرادياً منحرفاً أن يكون معاصراً للركن المادي متمثلاً في النشاط الإجرامي الذي أفضى إلى النتيجة فجريمة غسل الأموال هي جريمة عمدية قوامها إرادة السلوك أو النشاط المكون لركنها المادي والعلم بكافة العناصر الجوهرية التي تهب هذه الجريمة خصوصيتها القانونية التي تتجسد بالأساس في ضرورة العلم بالمصدر الجرمي للأموال غير المشروعة.
واستناداً إلى ما ذكر وجدت المحكمة بأن النيابة العامة هي التي تقوم بتسمية البينة وتقديمها على وقوع الجريمة بأركانها وعناصرها القانونية ونسبتها للمتهم وحيث إن بينة النيابة المقدمة بهذه الشكوى والتي سيقت لإثبات الجريمة المسندة للمتهم حسين هي فقط تقرير خبرة مقدم من الخبير سمير العبادي الذي تم انتخابه من قبل مدعي عام عمان لتقدير قيمة قطعة الأرض التي قام المتهم حسين ببيعها للمتهم هيثم والذي خلص إلى أن الثمن الذي بيعت فيه هذه القطعة لا يتناسب مع قيمتها الحقيقية فإن هذه البينة وحدها لا تكفي لإثبات علم المتهم حسين بالمصدر الجرمي للأموال غير المشروعة الذي اقترفه المتهم هيثم مما يؤدي إلى انهيار ركن العلم الذي تتطلبه هذه الجريمة لانتفاء عنصر العلم مما يوجب على المحكمة إعلان عدم مسؤولية المتهم حسين عن هذه الجناية .
الحكم رقم 2857 لسنة 2020 – بداية عمان بصفتها الاستئنافية الصادر بتاريخ 2021-04-07
تعتبر جريمة غسل الأموال جريمة مستقلة عن الجريمة المتحصل منها المال ولا تشترط الإدانة في الجريمة المتحصل منها المال لإثبات عدم مشروعيته
وبتطبيق القانون على الوقائع الثابتة نجد أن الحركة المالية الدائنة التي تمت على حساب المشتكى عليها فاطمة لدى البنك العربي/ فرع حي نزال تمت من قبل المشتكى عليها ناديا كما أن العمليات المدينة تمت وعلى شكل فائدة دائنة تمت بفعل المشتكى عليها ناديا وذلك بعد صدور أحكام قضائية بحق المشتكى عليها نادية بإدانتها بجرم التسول وجمع التبرعات بادعاء كاذب خلافاً لأحكام المادة 389 من قانون العقوبات قبل وخلال الفترة التي تمت معها الحركات المالية على حساب المشتكى عليهما، وبالتالي فلم ترد أية بينة تثبت ارتكاب المشتكى عليها فاطمة لأي من عناصر وأركان الجرم المسند إليها وبالتالي فهي ليست فاعلاً في الجريمة على نحو ما تقتضيه المادة 75 من قانون العقوبات، فلم تبرز لحيز الوجود العناصر التي تؤلف الجرم أو ساهمت مباشرة في تنفيذها.
كما أن الثابت من كتاب وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب المحفوظ بملف الدعوى أنه لم يرد بحق المستأنف ضدها فاطمة أي معلومة سلبية أو ارتكابها لأي جرائم مما يستوجب إعلان براءتها وهو ما خلصت إليه محكمة الدرجة الأولى بقرارها الذي جاء واقعاً في محله وأسباب الاستئناف لا ترد عليه.
الحكم رقم 2236 لسنة 2020 – بداية عمان بصفتها الاستئنافية الصادر بتاريخ 2020-09-10
وفي ذلك نجد ان الواقعة المتحصلة في هذه الدعوى بان المستأنف ضده وأخرين قد حازوا على مبلغ 2922016 دينار كويتي مع علمهم بانها متحصلة من جريمة غسل الأموال وذلك بان قاموا بتجميع تلك الأموال من المجني عليهم على أنها استثمار في المجال العقاري لدى شركة تي ماس الدولية للأنظمة المعلوماتية وستريبون هود العقارية وإيداعها في حسابات الشركات المذكورة لدى بنوك –التمويل الكويتي و الكويت الدولي والكويت الوطني والتجاري الكويتي و بنك الخليج والأهلي الكويتي, وقام المستأنف ضده وأخرون مخولون بالإدارة والتوقيع عن الشركات المذكورة باستخدام تلك الأموال في تغذية حساباتهم الشخصية وحساب المستأنف ضده وعلى اثر صدور قرار محكمة صلح جزاء عمان رقم 11564/2019 بعدم تسليم المستأنف ضده, قام مدعي عام عمان بإحالته عن الجرائم المسندة إلى محكمة الصلح دون أي بينة تثبت ارتكاب المستأنف ضده للجرائم المسندة اليه مما يتعين إعلان براءته عن الجرائم المسندة اليه,
سادسًا: خاتمة
في هذا المقال تحدثنا عن الإثبات في جريمة غسل الأموال، وبينا الطبيعة الخاصة لتلك الجريمة عامة ولعنصر الإثبات فيها بصفة خاصة، وبينا أن سبب تلك الطبيعة الخاصة كون الجريمة مترتبة على جريمة أخرى، ولا يتوقف تجريم المتهم في جريمة غسل الأموال على الحكم في الجريمة الأصلية طالما ثبت أنها حدثت بالفعل، ولابد أن تثبت الأركان العامة للجريمة في حق المتهم من حيث إتيانه أي من الأفعال التي تعد نشاطًا إجراميًا في جريمة غسل الأموال مع تعمده، وفي النهاية نود أن نقول أنه أصبح من الصعب تتبع حركات غسيل الأموال كسابق عهدها حيث أن التطور التكنولوجي ساعد على ظهور العديد من القنوات الإلكترونية الخاصة بنقل الأموال والتي يمكن أن يفقد أثر حركة النقود من خلالها، أضف إلى ذلك وجود دول ترفع يدها عن مراقبة تلك الأموال، وظهور الحسابات الوهمية، مما يلزم معه اتحاد دولي لمواجهة تلك الظاهرة الخطيرة.
كتابة: محمد السعيد عبد المولى
[1] د. أحمد فتحي سرور. الشرعية الدستورية لحقوق الإنسان في الإجراءات الجنائية. دار النهضة العربية 1995، صـ168 وما بعدها، وانظر أيضاً: د. شعبان محمود محمد الهواري، افتراض البراءة في المتهم كأساس للمحاكمة العادلة، دار الفكر والقانون، 2013، صـ19
[2] د. أحمد إدريس أحمد، افتراض البراءة في المتهم، رسالة دكتوراه. جامعة القاهرة, 1984 ص76
[3] د. محمد علي سالم الحلبي، حرية القاضي الجنائي في الإقناع الذاتي، بحث منشور بمجلة الحقوق، جامعة الكويت، العدد 3، 2007، ص 351
[4] نصرالدين مروك؛ عبء الإثبات في المواد الجنائية محاضرة تم إلقاؤها على طلبة الكفاءة المهنية للمحاماة، كلية الحقوق والعلوم الإدارية، جامعة بن عكنون، الجزائر. بتاريخ 7/3/2002 ج1 دار هومة. الجزائر.
[5] د. محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، 1988، الطبعة الثانية، ص463
[6] غنام محمد غنام: «مكافحة ظاهرة خسيل الأموال في عصر العولة». عرض ألقي في ندوة نظمتها كلية الشريعة والقانون بجامعة الإمارات العربية المتحدة بشراكة مع أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية حول موضوع: الوقاية من الجريمة في عصر العوفة» ماي 2001. الجزء الثاني ص 32
[7] البوبكرى، العربي، 2002، قواعد الإثبات في جريمة غسل الأموال وإشكالاته: قراءة في القانون رقم 43.05. مجلة المنبر القانوني، ع3,2، صـ165
[8] https://www.unodc.org/romena/ar/money-laundering.html بتاريخ 5/7/2022

