عيب الانحراف بالسلطة
الأصل في التصرفات القانونية أن تكون على قدم المساواة بين أطرافها، إلا أن هذا الأصل يدخل عليه بعض الاستثناءات والتي منها القرار الإداري، فالقرار الإداري يصدر عن الإدارة بإرادتها المنفردة، ولما كان أثر هذا القرار يسري أثره على الغير دون اشتراط موافقته، فلقد عنيت التشريعات المتباينة وضع الضوابط لمنع تعسف جهة الإدارة، ومن تلك الضوابط أن يكون غاية القرار الإداري المصلحة العامة، فمتى حاد القرار عن تلك الغاية عد القرار معيب بالانحراف بالسلطة، وسنبين ذلك وذلك من خلال النقاط الأتية:
ثالثًا: حدود سلطة جهة الإدارة في إصدار القرار
رابعًا: السند القانوني لمواجهة الانحراف بالسلطة
أولًا: تعريف القرار الإداري
قبل الشروع في الحديث عن موضوع مقالنا (عيب الانحراف بالسلطة) لابد أولًا أن نتعرف على معنى القرار الإداري، حيث إن التعرف على معنى القرار سيتيح لنا فرضة التعرف أكثر على العيب موضوع المقال.
ولقد جاء تعريف القرار الإداري بالحكم رقم 2359 لسنة 2013 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2014-04-07 حيث جاء به (إفصاح الإدارة عن إرادتها الملزمة بما لها من سلطة بمقتضى القوانين والأنظمة وذلك بقصد إحداث مركز قانوني أو تعديله متى كان ذلك ممكناً أو جائزاً قانوناً وكان الباعث ابتغاء مصلحة عامة).
ثانيًا: ماهية المصلحة العامة
لما كان الركن المعنوي في القرار الإداري هو ابتغاء المصلحة العامة كما سبق البيان بتعريف القرار الإداري فلابد لنا أن نتعرف على ماهية المصلحة، ذلك أن مناط عيب الانحراف في السلطة أن يخرج القرار عن غايته في استهداف المصلحة العامة.
لكي نتعرف على أبعاد ومعاني هذه الفكرة فإنه يجب علينا اختراق ضمير المشرع حيث يقدر وينص على تحقيق المصلحة العامة، أو الاشتراك في المداولات القضائية للتعرف على ضمير القضاة حين يقضون بوجود مصلحة عامة في نشاط إداري معين، وتحقيق كل ذلك من الصعب إن لم يكن مستحيلًا[1].
عرف الأستاذ الفرنسي ” جاك شوفي ” المصلحة العامة بأنها: ” واقع اجتماعي ومؤسساتي، وهي تشمل مختلف الأنشطة الخاضعة للتبعية المباشرة أو غير المباشرة للجماعات العمومية؛ لأنها تنتمي إلى الحقل العمومي ومصدرها هو الدولة[2].
ومن العرض السابق نجد أنه لا يوجد تعريف محدد للمصلحة العامة، ويمكن تعريفها بشكل مبسط بأنها غاية تحقيق مصلحة للغالبية العظمى من مجتمع معين، وعدم وجود تعريف محدد يعطى لرقابة القضاء الإداري السلطة التقديرية لموازنة كل حالة على حدي ومدى توافق قرار الجهة الإدارية مع هذه المصلحة.
ثالثًا: حدود سلطة جهة الإدارة في إصدار القرار
تعنـي السـلطة التقديريـة لـلإدارة الحـق الممنـوح لـلإدارة فـي ممارسـة نشـاطها في الظروف الطبيعية، وذلك أنه كلما امتنعت القوانين من إلزام الإدارة باتخاذ قرار معين إزاء حالة معينة فهذا يعني أن القوانين قد تركت لـلإدارة الحريـة فـي أن تتخـذ القرار الذي تراه ملائماً وفق تقديرها للظروف المحيطة[3].
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ما هي حدود سلطة الإدارة في إصدار قراراتها؟، وللإجابة على هذا السؤال يجب التفرقة بين نوعين من سلطات الإدارة في إصدار وهما:
1- السلطة المقيدة
في هذا النوع من السلطة لا يكون لجهة الإدارة تقدير في إصدار القرار، بل يكون تصرفها مجرد تطبيق للقانون، حيث إن التشريع لم يطلق العنان لجهة الإدارة لإصدار جميع القرارات بموجب سلطتها التقديرية، حيث إن هناك العديد من المسائل التي نظمها القانون ولا يجوز لجهة الإدارة إعمال سلطتها التقديرية فيها.
تكون سلطات الإرادة مقيدة عندما يخاطبها القانون (بمفهومه الواسع) بشكل آمر، أي عندما يحدد لها ما يجب أن يكون عليه قرارها، بحيث إنها لا تمتلك أي حرية على الإطلاق فيما يتعلق بنشاطها، ذلك أن القانون لا يمنع الإدارة سوى حل واحد مشروع فقط. على اعتبار أنه يحدد بشكل مسبق كل شروط العمل الإداري. معنى ذلك أن الإدارة لا تملك حرية تقدير نشاطها من حيث أسبابه أو دوافعه أو من حيث آثاره القانونية وبشكل قطعي ما يتلاءم مع المصلحة العامة. هذا يعني أن أي عمل تقوم به الإدارة لا يمثل احتراماً وخضوعاً لكل ذلك اعتبر غير مشروع. حتى ولو تذرعت الإدارة بأن من وراء إصداره المصلحة العامة[4].
وفي ذلك جاء بالحكم رقم 151 لسنة 2018 – المحكمة الإدارية العليا الصادر بتاريخ 2018-11-07 جاء به (ان سلطة الإدارة في قرارها إصدار جواز سفر دائم مقيدة بشروط الإقامة القانونية في المدة المحددة وليست تقديرية وبالرجوع إلى ملف والد (المطعون ضده) نجد أنه اشتمل على البينات الكافية لإثبات إقامته في الفترة من عام 1949-1954 كما أنه ثبت أن والد المستدعي كان احد أفراد القوات المسلحة الأردنية بالفترة من 1952/1/5 ولغاية 1964/9/1 فإن ذلك يعني إثبات الإقامة لوالد المطعون ضده في المملكة الأردنية عن الفترة المحددة وأن حصول والد (المطعون ضده) على الجنسية الأردنية يكون موافقاً للقانون ومن حق ابنه (المطعون ضده) الحصول على الجنسية الأردنية وأن حصوله على البطاقة الشخصية يكون متفقاً وأحكام القانون ذلك أن الاجتهاد قد استقر على أنه يشترط لصحة القرار الإداري أن يكون مستنداً إلى سبب صحيح يبرر إصداره من الواقع والقانون واذا انهار هذا الأساس الذي يستند عليه يكون صدوره مخالفاً للقانون ومستوجباً للإلغاء)
2- السلطة التقديرية
أما الشكل الثاني من أشكال سلطة جهة الإدارة في إصدار القرارات هي السلطة التقديرية، والسلطة التقديرية تعني أن جهة الإدارة لها سلطة تقديرية في إصدار القرار وفق حدود وضعها القانون، تلك السلطة لا معقب عليها من القضاء إلا في حدود مدى مناسبتها للفعل الصادر في مواجهته القرار(الملائمة).
أضف إلى ذلك كله أن المشرع أصلاً لا يستطيع الإلمام بجميع ملابسات الوظيفة الإدارية وظروفها؛ بحيث يضع لكل حالة حكمها وشروطها، ويقدم لكل مشكلة تواجهها الإدارة حلاً. ويضع لكل احتمال الموقف أو التصرف المناسب لمواجهته. ومما يسوغ السلطة التقديرية للإدارة أيضاً هو الرقابة القضائية نفسها على اعتبار أن القاضي الإداري عادة ما يواجه صعوبة برقابته لعنصر الملاءمة – الحقل الواسع للسلطة التقديرية للإدارة – نظراً لبعده من حيث المكان والزمان، عن الظروف والملابسات التي أحاطت بالإدارة في ممارستها لوظيفتها الإدارية[5].
وفي ذلك جاء بالحكم رقم 285 لسنة 2022 – المحكمة الإدارية العليا الصادر بتاريخ 2022-06-21 جاء به (ولمّا كان الطاعن محامٍ وصاحب مهنة يفترض أنه يعتشا وينفق منها على نفسه وأسرته، وحيث أن عقوبة المنع من مزاولة مهنة المحاماة بحد ذاتها ولأي مدة كانت تعتبر من العقوبات التأديبية القاسية بحق المحامي لما لها من أثر مادي ومعنوي عليه، ولذلك جعل المشرّع لمصدر القرار سلطة تقديرية بفرض هذه العقوبة بحد أعلى مدته خمس سنوات، وحيث أن مشروعية هذه السلطة التقديرية بإيقاع العقوبة التأديبية تعني الملاءمة بين الذنب الذي ارتكبه الطاعن والعقوبة المفروضة عليه وتعني أيضاً عدم الإسراف في القسوة وعدم الإسراف في الشفقة والرأفة حتى يتحقق الردع المقصود من العقوبة التأديبية.
لذلك ومع أن محكمتنا لا تبرر للطاعن ولا تقر أفعاله المخالفة لأحكام قانون نقابة المحامين النظاميين ولائحة آداب مهنة المحاماة فإنها تجد ومن اطلاعها على أحكام القانون وتفسيرها وتطبيقها لروح القانون وجوهره والمعنى المقصود بالسلطة التقديرية لسلطة التأديب تجد وفي ضوء ما بيّناه أن المطعون ضده وإن كان وبعد إلغاء قراره السابق قد خفّض العقوبة التأديبية بحق الطاعن وقرّر منعه من مزاولة مهنة المحاماة لمدة (سنتين) بموجب قراره المشكو منه أن هذه العقوبة ما زالت فيها (غلو) كون مصدر القرار المشكو منه لم يراعِ أن الطاعن ليس بحقه أحكام تأديبية سابقة وأنه قد دفع المبلغ في صندوق المحكمة وتم شمول عقوبة الحبس بقانون العفو العام مما يستوجب إلغاء القرار المشكو منه.
وحيث أن المحكمة الإدارية وبقرارها المطعون فيه قد توصلت إلى نتيجة مخالفة لما توصلنا إليه فإن ذلك يجعل أسباب الطعن واردة على الحكم المطعون فيه مما يتعين معه قبول الطعن موضوعاً ونقض الحكم المطعون فيه وإلغاء القرار الطعين (المشكو منه).
لذلك نقرر نقض الحكم المطعون فيه وبذات الوقت الحكم بإلغاء القرار الطعين (المشكو منه) وتضمين المطعون ضده الرسوم والمصاريف ومبلغ (50) دينار أتعاب محاماة.)
رابعًا: السند القانوني لمواجهة الانحراف بالسلطة
نصت المادة (7) قانون القضاء الإداري على:
أ . تقام الدعاوى على صاحب الصلاحية في إصدار القرار الطعون فيه أو من أصدره بالنيابة عنه، ويشترط أن تستند الدعوى على سبب أو أكثر من الأسباب التالية:
- عدم الاختصاص.
- مخالفة الدستور أو القوانين أو الأنظمة أو الخطأ في تطبيقها أو تأويلها.
- اقتران القرار أو إجراءات إصداره بعيب في الشكل.
- إساءة استعمال السلطة.
- عيب السبب.
ب. يعتبر في حكم القرار الإداري رفض الجهة المختصة اتخاذ القرار أو امتناعها عن اتخاذه إذا كان يترتب عليها اتخاذه بمقتضى التشريعات المعمول بها.
واختلفت الآراء حول المسمى الأكثر دقة (إساءة استعمال السلطة- الانحراف بالسلطة). والفقه الإداري في الأردن لم يخرج عن هذا السياق من حيث تحديد طبيعة كل من عيب الانحراف بالسلطة وعيب إساءة استعمال السلطة؛ ففي هذا الصدد نجد الدكتور حنا نده يؤكد أن عيب الانحراف بالسلطة يظهر عند خروج الإدارة عن الغرض الذي حدده المشرع لهاء سواء كانت نيتها حسنة أم سيئة. أما عيب إساءة استعمال السلطة فيدل على خروج الإدارة على مقتضيات المصلحة العامة لتحقيق مصالحها الذاتية أو بقصد الانتقام[6].
خامسًا: صور الانحراف بالسلطة
1- الانحراف الكلي
يقصد بالانحراف الكلي أن يكون القرار الإداري بالكلية قد صدر خاليًا من الغاية المميزة له (المصلحة العامة)، ولا يشترط أن يكون هناك سوء نية، بل يكفي لثبوت الانحراف أن يكون ذلك هناك غاية أخرى غير المصلحة العامة هي السبب في هذا القرار، ومثال على ذلك نقل موظف من مكان لأخر ليس لهدف يخدم المرفق العام ولكن لخدمة أخر لجلبة إلى الوظيفة المتاحة بعد نقل الأول، فعلى الرغم أن هذا النقل قد تم في صورة قرار إداري سليم إلا أنه قد في باطنه قد تخلف عنه الركن المعنوي (المصلحة العامة) حيث أن الهدف منه كان مصلحة شخصية.
ولا يقتصر هذا الانحراف على علاقة الإدارة بالأفراد فقد يكون هذا الانحراف متمثلًا في علاقة جهة الإدارة بسلطات الدولة الأخرى، ولا يغير هذا من وصف الفعل هذا (الانحراف بالسلطة) ذلك لأنه في النهاية لم يحقق المرجو منه من تحقيق المصلحة العامة.
وفي ذلك جاء بالقرار رقم 59/67 المجلة لسنة 15، الأعداد 10-12 صـ1071(إذا كان إجراء إعادة الموظف إلى والأصلية المنقول منها، هو تنفيذ صوري لحكم محكمة العدل العلياء القاضي بإلغاء قرار نقله. وكان قرار إحالته على التقاعد قد صدر تحاشياً للتنفيذ السليم لحكم المحكمة. التي هدف إليها المشرع في قانون التقاعد، فإن قرار الإحالة على التقاعد المطعون فيه يكون حقيقاً بالإلغاء ومعيباً.)
2- الانحراف الاختصاصي
يحدث هذا الانحراف حال تخطى جهة الإدارة للاختصاصات التي خولها لها القانون، فالمشرع عندما قسم الدولة لوحدات إدارية كان من أجل منع العشوائية وأحكام القبضة على الجهاز الإداري، ولزم ذلك أن يكون العمل الإداري وفق الاختصاص، وسواء كان ذلك بخصوص الضبط الإداري أو الوظيفة العامة فيلزم أن تلتزم جهة الإدارة مصدرة القرار بالحدود التي رسمها لها المشرع ولا تتخطاها.
3- الانحراف بالإجراءات
أي قرار إداري يلزم لصدوره مجموعة من الإجراءات السابقة لصدوره، تلك الإجراءات قد تكون هي الكاشفة لانحراف السلطة، فقد تتخذ صورة التعقيد لمنع مستحق، أو التبسيط لمصلحة غير مستحق، أو عدم إتباع الإجراءات بشكل صحيح لتحقيق مصلحة شخصية، كل ذلك يعد انحراف بالسلطة.
سادسًا: تطبيقات قضائية
الحكم رقم 6105 لسنة 2021 محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2021-12-05
- إن إقدام المدعى عليهما على إنهاء وكالة المدعي وبخلاف شروط الاتفاق سببه الوحيد والرئيس قيام المدعي بتقديم كتاب خطي إلى رئيس مجلس الإدارة يبين فيه أن مسؤول الدائرة القانونية في الشركة لا يمارس أي عمل قانوني ولا يدخل أي دعوى ولأنه ليس صاحب خبرة أو تجربة وفي الوقت ذاته يستثمر وظيفته وموقعه بالحصول على مبالغ طائلة يقدرها بنفسه لنفسه دون رقيب.
- يضاف إلى ذلك أنه يقوم بتحويل استشارات يدعيها إلى مكاتب محاميين خارجيين مع أنها من واجباته الوظيفية كونه يتقاضى راتباً شهرياً للقيام بها أن وجدت حقيقة ثم يقوم بمشاركة هذه المكاتب في الأتعاب التي يقررها هو أيضاً وبالرقم الذي يريده ويتم تحويل المبالغ إلى المكاتب الخارجية مبيناً حسب قيود الشركة المالية.
- كل ما ذكر تم وضعه بين يدي وعلم رئيس مجلس الإدارة مع التأكيد على أن مثل هذه التصرفات تعتبر استثماراً للوظيفة واعتداء على المال العام ولأن المدعى عليها الأولى مملوكة بمعظمها إلى حكومة المملكة الأردنية الهاشمية وهي في الوقت ذاته شركة مساهمة عامة ينطبق على المساس بأموالها أحكام قانون العقوبات.
- ما كتب إلى رئيس مجلس الإدارة تم كتابته إلى جميع أعضاء مجلس الإدارة ولأن الاعتداء على المال العام يعتبر جريمة تستدعي الإبلاغ عن وقوعها مهما كانت صفة الفاعل وموقعه ومن يدعمه.
- لم يتخذ مجلس الإدارة أي إجراء أو تحقيق لمعرفة الحقيقة، بل أن رئيس المجلس استشاط غضباً وتحامل وصمم على إنهاء وكالة المدعي ولم يجر أي تحقيق فيما كتب فيه بالإضافة إلى انعدام أي وقت لديه لاستغراق مشاغله الخاصة معظم وقته.
- في ضوء ما سبق وبدلاً من ملاحقة الفاعل واسترداد الأموال التي أخذت بدون وجه حق ووقف الأعمال غير المشروعة فقد قرر المجلس اتخاذ قراره بإنهاء وكالة المدعي وبطريقة مخالفة لشروط التعاقد ومخالفة أحكام النصوص القانونية.
- مما يؤكد عدم مشروعية قرار العزل وأنه لا يمت لمصلحة المدعى عليها بصلة، بل يتناقض مع المصلحة أن الموقعين على قرار الإنهاء لا يعرفون شيئاً ولم يحاولوا معرفة حجم العمل القانوني الملقى على المدعي وما حققه من إنجازات وفي الوقت ذاته لم يحاولوا معرفة ما هي الأعمال القانونية التي يقوم بها من يدير الدائرة القانونية وهذا يؤكد على عدم مشروعية القرار.
- مما سبق يتبين أن قرار إنهاء وكالة المدعي وعزله ينطبق عليه ما ينطبق على القرارات الإدارية المعيبة من أنه صدر مشوباً بإساءة استعمال السلطة والانحراف في أدائها والتحيز مع الانحراف بدلاً من محاسبة فاعله.
الحكم رقم 3349 لسنة 1996 محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 1999-08-22
ان رقابة القضاء الإداري على إعلان نتيجة الامتحان للطالب تمتد إلى مدى مشروعية هذا القرار ومطابقته للقانون واللوائح وقيامه على السبب المبرر له قانونا وهو يتمثل في أداء الطالب للامتحان وحقه في أن تصحح كافة أوراق إجاباته وأن يعطى عنها الدرجة المقررة لها وأن تكون محصلة هذه الدرجة صحيحة في رصدها و جمعها وأن يكون التقدير النهائي الحاصل عليه الطالب متفق مع ما ورد بتنظيم و لوائح الامتحانات، إلا أن هذه الرقابة القضائية لا تمتد إلى تقدير مدى صحة الإجابة في حد ذاتها أو مقدار الدرجة المستحقة عن تلك الإجابة باعتبار أن هذا التقدير الفني هو من صميم اختصاص الجهة المنوط بها أمر التصحيح مما يجعل تقديرها الفني لما تستحقه إجابة الطالب من درجات هو تقدير فنى نهائي يقدره الأستاذ المصحح بضميره العملي وهو يؤدى رسالته وهذا التقدير غير قابل للتعقيب عليه ما لم يثبت أن هذه السلطة العلمية والفنية التقديرية الواسعة المخولة للأستاذ المصحح في هذا الشأن قد فقدت الاعتبارات الأساسية التي تقوم عليها بأن شابها عيب إساءة استعمال السلطة أو الانحراف بها وهو ما يؤدى إلى سقوطها من علوها و قابليتها للإلغاء والأبطال.
الحكم رقم 179 لسنة 2022 – المحكمة الإدارية العليا الصادر بتاريخ 2022-04-20
ومن ناحية أخرى فإن القرار المشكو منه الثاني والصادر عن المطعون ضده الأول ( المستدعى ضده الأول ) والصادر بتاريخ 27/3/2020 والمتضمن تكليف المطعون ضده الثاني ( المستدعى ضده الثاني) الدكتور إياد مشهور عبد الغني بن طريف بالقيام بأعمال رئيس اختصاص جراحة العظام والمفاصل بالإضافة لوظيفته كان قد استند إلى أحكام المادتين (92/ج/2) و (181/ب) من نظام الخدمة المدنية رقم (9) لسنة 2020 وقام على سبب صحيح وضمن الصلاحيات المنصوص عليها ضمن أحكام المواد المشار إلى مضمونها أعلاه والتي أعطت المطعون ضده الأول ( المستدعى ضده الأول ) الصلاحية باتخاذ القرارات المتعلقة بالموظفين في الدائرة ونقلهم لغايات الاستغلال الأمثل للموارد البشرية، وحيث أن تلك القرارات المشكو منه والصادرة من المطعون ضده الأول ( المستدعى ضده الأول ) صدرت ضمن صلاحياته المنصوص عليها قانوناً وضمن الإجراءات القانونية الواجب اتباعها ، وصدرت بناءً على تنسيب من الأمين العام، ودون أن يقدم الطاعن ( المستدعي ) ومن خلال ما قدمه من بينات بأن تلك القرارات كانت قد صدرت وفقاً لإجراءات مخالفة لأحكام القوانين والأنظمة أو كانت قد صدرت بناءً على بواعث شخصية تخرجها عن إطار تحقيق الصالح العام وما يتطلب حسن إدارة المرفق العام، أو أنها صدرت نتيجة إساءة استعمال السلطة أو الانحراف بها الأمر الذي يجعل منها قرارات صادرة وفقاً لأحكام القانون ونظام الخدمة المدنية وهادفة إلى تحقيق المصلحة العامة.
سابعًا: خاتمة
في هذا المقال تحدثنا عن الانحراف بالسلطة، ومن خلال مطالعة التطبيقات القضائية سنجد أن القضاء الإداري الأردني قد فطن لهذه الإشكالية ووضعها موضعها، فبينا من خلال تلك التطبيقات حدود السلطة التقديرية للسلطة في إصدار القرارات وبينا قيدها في ذلك، كما بينا صور الانحراف بالسلطة والذي يكون على أحد ثلاث محاور أما أن يكون القرار مخالفة بالكلية للمصلحة العامة وأما أن يكون الانحراف بتخطي الاختصاص، وأخيرًا قد يكون لانحراف في الإجراءات.
كتابة: محمد السعيد عبد المولى
[1] راجع: د رأفت فودة، مصادر المشروعية الإدارية ومنحنياتها ، دار النهضة العربية ، طبعة ١٩٩٤ صـ181
[2] جورج فيدال، بيار دل فولفيه، القانون الإداري ، الجزء الأول ، ترجمة منصور القاضي ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، بيروت لبنان ، ٢٠٠١م ، ص ٤٣٣
[3] القانون الإداري السعودي، أ.د. السيد خليل هيكل، ص: ١١٩، الطبعة الأولى، ٢٠٠٩م، دار الزهراء، الرياض
[4] البوريني، عمر عبد الرحمن. “عيب الانحراف بالسلطة: ماهيته، أساسه، حالاته
في ضوء اجتهاد محكمة العدل العليا الأردنية.” مجلة الحقوق مج 31 ,ع 4، 2007 :(395 – 454). صـــ413
[5] د. محمود حافظ، القضاء الإداري في الأردن. الطبعة الأولى. منشورات الجامعة الأردنية. /1987؛ ص150
[6] القضاء الإداري في الأردن، دون طبعة وناشر، 1972، صـ456

