التنظيم القانوني للبتكوين

التنظيم القانوني والشرعي للعملة الافتراضية (البتكوين)

  • في مستهل حديثي عن العملة الافتراضية كإحدى أشكال العملات الرقمية والتي تكاد تكون الأكثر شهرة بين أقرانها، ينبغي أن أشير إلى أن عملة (البتكوين) هي أولى خطوات ظهور العملات الافتراضية المشفرة، ولقد ظهرت عملة البتكوين عام 2008 على يد مبرمج يدعى (ساتوشى ناكا موتو) في ورقته البحثية، التي دعا فيها إلى إنشاء عملة لا مركزية يتم تبادلها دون وسيط للتبادل، بل يقوم المعدنون باستخدام أجهزة الحاسب للتحقق من مكافأتهم بعدد محدد من قطع البتكوين.
  • وتشير التقديرات إلى أن بداية عملية إصدار عملة البتكوين كأول عملة مشفرة كان في عام 2009، عندما أنشأ (ناكا موتو) في ذلك العام ما يقرب من مليون قطعة (وحدة) من عملة البتكوين واختفى ساتوشى ناكا موتو من ذلك الحين، ولقد تم وضع حد أقصى للعدد الإجمالي الذى يمكن إنتاجه من هذه العملة منذ بداية إنطلاق عملة البتكوين وتحديده بما لا يزيد عن 21 مليون قطعة يتم الانتهاء من إنتاجهم بحلول عام٢٠٤0، ولقد تم إصدار ١٤ مليون بتكوين منذ بداية طرح العملة في بداية النصف الأول من عام 2018، وبحلول عام 2017 كان هناك ما يقارب من 15000 جهاز صراف آلي للبتكوين في جميع أنحاء العالم.
  • ولا يفوتنا أن ننوه على أن العملات الرقمية الافتراضية منذ نشأتها قد حققت أرباحاً خياليه جراء عمليات المضاربة والثقة وسرعتها في إنجاز المعاملات، ويمثل عام 2017 عام الازدهار للعملات الافتراضية المشفرة من حيث القيمة، فلقد ارتفعت قيمة البتكوين إلى (20.000) دولار أمريكي في ديسمبر من ذات العام، وتم إنشاء أول بورصة بتكوين منظمة في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2015.
  • وتأسيساً على ما تقدم يتضح لنا أن البتكوين كعملة افتراضية، يراها البعض المستقبل الجديد للنقود، والبعض الآخر يراها قنبلة اقتصادية عالمية لعدم استنادها على أساس قانوني أو مالي معتمد، ولصدورها من جهات غير رسمية، لذلك سأحاول في هذا المقال الهام تسليط الضوء على التنظيم القانوني والشرعي للعملة الافتراضية (البتكوين) من خلال العناصر الآتية: –

 

أولا: ماهية العملة الافتراضية (البتكوين) وخصائصها: –

ثانياً: – مزايا العملة الافتراضية (البتكوين) وتميزها عن غيرها من العملات الأخرى: –

ثالثاً: الإطار الشرعي للعملة الافتراضية (البتكوين): –

رابعاً: الإطار القانوني للعملة الافتراضية (البتكوين): –

خامساً: خاتمة: –

 

أولا: ماهية العملة الافتراضية (البتكوين) وخصائصها: –

1- ماهية العملة الافتراضية (البتكوين): –

  • بادئ ذي بدئ لابد أن أؤكد على أن الفقهاء قد اختلفوا فيما بينهم حول وضع تعريف جامع مانع محدد للعملات الافتراضية، وقد يرجع السبب في ذلك لاختلاف أساليب التقنيات المستخدمة في العملات الافتراضية بحكم تنوعها والآليات المتبعة في إصدارها([1])، فهناك من يرى بأنها :(قيمة نقدية مخزنة على دعامة إلكترونية، مثل البطاقة ذات الذاكرة أو على ذاكرة كمبيوتر، وتكون مقبولة كوسيلة دفع بواسطة أفراد أو مشروعات غير المؤسسة التي أصدرتها، ويتم إصدارها لكى تكون في متناول المستهلكين، وتحل إلكترونياً محل النقود الورقية والنقود المكتوبة([2]).
  • وهناك من يعرفها بأنها:(وحدات افتراضية تشفيريه لا مركزية، منتجة بواسطة برامج على الشبكة، يتم تداولها بين أعضاء مجتمع افتراضي باعتبارها عملة) ([3])، وتعرف البتكوين ضمن النقود الافتراضية بأنها :(وحدة حسابية رقمية تمثل في مجتمع ما – حقيقي أو افتراضي – عملة تشفيريه لا مركزية) ([4]).
  • ولا يفوتنا أن ننوه إلى أن البنك الدولي ينظر إلى العملة الرقمية بأنها :(تمثيلات رقمية ذات قيمة محددة في وحدة الحسابات الخاصة بها، وتختلف العملات الرقمية عن النقود الإلكترونية المماثلة للعملات القانونية والتي تستخدم كوسيلة للدفع الرقمي).
  • واستخلاصاً مما سبق فإن عملة (البتكوين) تعد عملة افتراضية قائمة على علم التشفير في إصدارها وتداولها، وهي لا مركزية، وغير مدعومة من الحكومة أو من أي كيان قانوني آخر، ولا يمكن استبدالها بالذهب أو أي وسيلة أخرى وفق تنظيم محدد، وتعتمد عملة البتكوين في تصميمها على نظام نقد إلكتروني يعمل وفقاً لمبدأ الند إلى الند، ويعود ظهورها إلى عام 2008، عندما أطلق ساتوشى ناكا موتو ورقته البحثية الذي دعا فيها إلى إنشاء عملة لا مركزية يتم تبادلها دون حاجة إلى وسيط للتبادل، ويتم إنشائها من خلال عملة التعدين. ([5])

2- خصائص العملة الافتراضية (البتكوين): _

أ- ليس لها وجود مادي ملموس في الواقع ولا ترتبط بحساب بنكي: –

  • مما لا شك فيه أن العملة الافتراضية لا يوجد لها كيان مادي ملموس في الواقع، بل هي قيمة نقدية مخزنة إلكترونياً، حيث إنها عبارة عن بيانات مشفرة توضع على وسائل إلكترونية تأخذ شكل بطاقات بلاستيكية أو على ذاكرة الكمبيوتر الشخصي، وهي غير مرتبطة بحساب بنكي ([6]).

ب – نظام الإصدار (التعدين): –

  • تجدر الإشارة إلى أن عملة إصدار عملة البتكوين تختلف تماما عن إصدار النقود القانونية (الورقية)، فالنقود القانونية التي تصدرها البنوك المركزية و تستند في إصدارها لسيادة الدولة، أما إصدار عملة البتكوين (الافتراضية) فهي عملة خاصة تتطلب قيام المعدنين سواء شركات أو أفراد باستخدام برنامج التعدين الخاص بعملة البتكوين المتوفرة للعامة عبر أجهزة الحاسب الآلي المرتبطة بشبكة الإنترنت، ويتم عملة الإصدار بحل مسائل معقدة لا يستطيع العقل البشرى حلها إلا بواسطة أجهزة الحاسب، وكلما كانت هذه الأجهزة ذات كفاءة عالية زادت عملة التعدين وحصول المعدنين على عدد من عملات البتكوين التي يتم تخزينها في محفظة إلكترونية خاصة بالمعدن.([7])
  • ويلاحظ إن مبتكري عمل البتكوين حددوا سقف إصدارها بـ(21) مليون وحدة حول العالم تفادياً لمخاطر التضخم، ولا يخفى عن الفطنة أن الحصول على عملة البتكوين لا يتم فقط من خلال عملة التعدين، بل يمكن شراءها من قبل المعدنين لها عبر المواقع أو البورصات العالمية المخصصة لبيع عملة البتكوين والعملات الافتراضية، كما أن هناك العديد من الطرق للاستثمار في البتكوين سواء الطرق قصيرة الأجل كإبرام عقود التعدين مع الشركات الكبرى المتخصصة في البرمجيات وتحقيق عائد مالي كبير في فترة وجيزة، أو الطرق الأخرى طويلة الآجل كشراء العملات والاحتفاظ بها لمدة زمنية، ومتابعة حركة ارتفاع وانخفاض العملة عبر المواقع والبورصات المالية المختصة بالعملات الافتراضية.

ج ـ- سلامة المعلومات وقوة الإبراء وإخفاء هوية المستخدمين: –

  • من الجدير بالملاحظة أن تداول العملات الرقمية الافتراضية (البتكوين) يتم بقدرة عالية من السرية مما يجذب الكثير من الأشخاص، حيث لا يتم الكشف عن هوية المستخدمين وكل ما يتم طلبه من المستخدم لكى بقوم بعمليات تداول البتكوين عنوان بريده الإلكتروني فقط، وعلى الرغم من ذلك يمكن معرفة عدد عملات البتكوين لأن جميع هذه العمليات والتي تتم بشكل يومي تسجل، كما أنه حفاظاً على نزاهة المعاملات تستطيع بعض الشركات المصدرة للعملات الافتراضية بواسطة الأجهزة التقنية المتطورة تتبع العملات المسروقة، ومعرفة المحفظة التي تم تخزين العملات المسروقة بها.([8])
  • ولابد من التأكيد على أن المعاملات المالية الخاصة بهذه العملة تعتمد على شبكة الند بالند، أي يمكن فتح حساب على الموقع الرسمي للعملة والوصول إليه من أي مكان، والتوقيع الإلكتروني والتشفير بين شخصين مباشرة دون حاجة لوسيط ينظم هذه العمليات، وتحول العملات من محفظة الدافع إلى المدفوع له بشكل فورى دون دفع رسوم تحويل أو دون تدخل من أي مصرف، وهذه العملة متوفرة في جميع دول العالم.

د- التخزين على وسيلة إلكترونية: –

  • وهذه الخصيصة تقارب بين البتكوين والنقود الإلكترونية حيث إنه في كلاهما يتم تخزين القيمة المالية على وسيط إلكتروني، وتميز بينهما وبين النقود الائتمانية والبطاقات سابقة الدفع.

هـ- الاضطراب الشديد وعدم الاستقرار النسبي: –

  • من المسلم به أن العملات الافتراضية تتأثر بشدة بالشائعات والتوقعات والمضاربات، فليس لها استقرار نسبى مما يمثل خطر على المتعاملين بها ويعود ذلك لحداثتها النسبية وعدم حوكمتها.

و- مخاطر الوقوع أخطاء بشرية وتكنولوجية: –

  • إن العملات الافتراضية معرضة لتقلب حاد وسريع في أسعارها لأنها غير مصدرة أو مضمونة من أي مصرف مركزي، مما يؤدى إلى الوقوع في مشكلات كثيرة بسبب عدم وجود كوادر مدربة، وخبرة يتوافر لديها القدرة على إدارة المخاطر المترتبة على مثل هذه التقنيات الحديثة بخلاف النقود العادية.

ثانياً: – مزايا العملة الافتراضية (البتكوين) وتميزها عن غيرها من العملات الأخرى: –

1- مزايا العملة الافتراضية (البتكوين): –

أ- انخفاض الرسوم: –

  • تتسم العملة الافتراضية بانخفاض رسومها نظراً لأن التعامل بها يكون مباشر وبسيط، لعدم وجود وسيط في عملية تحويل وتبادل البتكوين فلا توجد مصاريف أو عمولات أو وساطات أو تحمل فروق معدلات الصرف للعملات المختلفة، فالبتكوين عبارة عن شفرات أو رموز بتم نقلها من محفظة الدافع إلى محفظة المدفوع له وتسمى هذه العملية (الند بالند). ([9])، إلا أنه أحيانا قد يتم فرض رسوم قليلة جداً على مدفوعات البتكوين لسرعة إنجاز عملية الدفع، او عند تحويلها إلى العملات القانونية وإيداعها مباشرة في الحساب المصرفي الخاص بالمدفوع له.

ب- العالمية: –

  • تمتاز عملة البتكوين بأنها عملة يمكن التعامل بها في أي موقع جغرافي فهي تتجاوز حدود الدول، ولا تخضع لأي سلطة قانونية أو حتى منظمة عالمية، فلا يمكن السيطرة عليها أو حظرها، فالذي يمتلك سلطة عليها فيها هم ملاك البتكوين فقط، ومن ثم لا يجوز مصادرتها عن طريق الحكومات أو المنظمات الدولية.

جـ- المرونة والسرعة والقابلية للتطور: –

  • من المسلم به أن التعامل بالبتكوين عندما يتم بعملية الند بالند فإنه يتجنب الكثير من التعقيد والتأخير الذي يحدث عن تحويل النقود التقليدية بواسطة البنوك والوسطاء، فالتعامل بالبتكوين يتم في وقت أقصر وبطريقة مباشرة علاوة على ذلك فإنه يتسم بالمرونة، كما أن العملات الافتراضية قابلة للتطور لاستيعاب المزيد من الاعداد التي يتوقع تداولها من هذه العملات.

د- الأمان والموثوقية: –

  • جدير بالذكر أن نسبة حدوث خطأ تقني في تداول البتكوين يكاد يكون مستحيلاً، لأنها تقوم على تقنية البلوكتشين وهي تقنية يصعب معها التلاعب بالبيانات، كما توفر درجة أمن عالية من خطر القرصنة أو السرقة أو الإنكار.

2- تتميز العملة الافتراضية (البتكوين) عن غيرها من العملات الأخرى: –

أ- أوجه الاختلاف بين العملة الافتراضية (البتكوين) والنقود القانونية: –

  • إن العملات التقليدية (القانونية) لها وجود ملموس وشكل مادي معدني أو ورقى، بخلاف البتكوين والعملات الافتراضية التي ليس لها وجود مادي وإنما مخزنة بواسطة جهاز إلكتروني أو على شبكة الإنترنت، كما أن تداول العملات القانونية يحتاج نقلها أو تحويلها عن طريق البنوك وهذا يحتاج وقت وإجراءات طويلة نسبياً، أما البتكوين فإن تحويلها ونقلها يتم من خلال الكمبيوتر ولا يحتاج إلى وسطاء ولا يستغرق وقت طويل.
  • ويبدو الاختلاف بينهما في أن العملات القانونية تصدر بقانون ويطبعها البنك المركزي والجميع ملزم بقبولها، في مقابل ذلك فان العملات الافتراضية أو البتكوين ليس لها صفة الإلزام، ولا تصدر من البنوك المركزية ولا تخضع لسيطرتها.
  • كما أنه يلزم لإصدار النقود القانونية وجود غطاء نقدي، أما البتكوين فليس له غطاء نقدي، كما تمتاز النقود التقليدية بالاستقرار، بينما عملة البتكوين تتسم بانعدام الاستقرار حيث تشهد ارتفاعاً وانخفاضاً حسب العرض والطلب.

ب- أوجه الاختلاف بين النقود الإلكترونية والعملة الافتراضية: –

  • مما لا شك فيه أن أصل النقود الإلكترونية نقود تقليدية تحولت من الشكل المادي إلى الشكل الإلكتروني، بخلاف العملات الافتراضية والتي هي وحدات غير تقليدية تحظى بقبول الأفراد، ومن هذا القبول تكتسب قيمتها.
  • أما عن صور حفظ النقود الإلكترونية فهي متعددة، فقد يتم حفظها في بطاقة ذكية أو بطاقة بلاستيكية أو بطاقة ائتمان وغيرها من الصور ([10])، أما محفظة العملات الافتراضية فهي محفظة إلكترونية غير مادية.
  • ومن حيث الإصدار فالنقود الإلكترونية يصدرها البنك المركزي أو البنوك التجارية أو غيرهما من المؤسسات التي يسمح لها القانون بذلك، وترتبط بالعملة الوطنية أو الأجنبية المتداولة، أما العملة الافتراضية فهي لا ترتبط بالعملة الوطنية أو الأجنبية، وفضلاً عن ذلك فالبنوك المركزية تفرض عادة على مصدر النقود الإلكترونية الاحتفاظ باحتياطي نقدي، وهذا الأمر لا يحدث بالنسبة العملة الافتراضية (البتكوين).
  • كما أن النقود الإلكترونية تخضع لرقابة البنوك المركزية والبنوك التي تصدرها مباشرة، أما العملة الافتراضية فهي لا مركزية تخرج عن الرقابة المباشرة.

ثالثاً: الإطار الشرعي للعملة الافتراضية (البتكوين): –

  • لقد انقسم فقهاء الشريعة الإسلامية حول حكم التعامل بالنقود الافتراضية (البتكوين) إلى رأيين فقهيين:
  • الرأي الأول/ يذهب إلى حرمة التعامل والتداول بتلك العملات الافتراضية، ويسند إلى الأسباب الآتية:
  1. إن شكل النقود المتعارف عليها في النظام الإسلامي ينحصر في الذهب والفضة فقط لذكر القرآن والسنة لهما، وتعامل الرسول صلى الله عليه وسلم بهما وعدم العدول إلى سواهما لندرتهما النسبية.
  2. العملة الافتراضية في الحقيقة ليس عملة لافتقارها لخصائص العملة التقليدية، فالنقد الذي أقره النبي صلى الله عليه وسلم الدنانير والدراهم لأنهما مقياساً للسلع والخدمات، وصادرة عن سلطة معلومة، أما البتكوين فلا يتوافر فيه هذا الأمور، وقد استدل أصحاب هذا الرأي على صحة رأيهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه أي هريرة: (نهى رسوم الله عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر). ([11])، والبتكوين سلعة مجهولة المصدر لا ضامن لها، فهي مجال خصب للنصب والاحتيال وغسيل الأموال وغيرها من الجرائم.
  3. إن إصدار النقد هو وظيفة السلطان وليس غيره كما أنه يحرم التعامل في العملة المشفرة (البتكوين) من باب سد الذرائع، وقد صدرت العديد من الفتاوى من دار الإفتاء المصرية، وكذلك الفلسطينية والهيئة العامة للشئون الإسلامية في أبو ظبي تحرم العملة الافتراضية (البتكوين) لما تشمل عليه من ضرر بسبب الغرر والجهالة والغش ولآثارها السلبية على الاقتصاد، ولاستخدامها من العصابات الإجرامية للإفلات من العدالة.
  • أما الرأي الثاني فيرى أن هذه العملات يصدق عليها مسمى نقدية، لما لها من رواج وتعارف بين الناس، ومن أقوى ما استند إليه أصحاب هذا الرأي ما روى عن الإمام مالك رحمه الله بأنه يعتبر النقود نقوداً بالعرف ولو كانت جلوداً. ([12])
  • كما اختلفت الآراء الفقهية حول بعض المسائل المتعلقة بالعملة الافتراضية (البتكوين) وهذه المسألة هي: –

أ- المضاربة على العملات المشفرة (البتكوين): –

  • إن المضاربة على العملات تعنى شراء عملة يتوقع ارتفاع سعرها في المستقبل لبيعها وقت ارتفاع سعرها، ولقد انقسم علماء مجمع الفقه الإسلامي الدولي التاسع لمنظمة المؤتمر الإسلامي والمنعقد في دورته الحادية عشر سنة 1998 حول هذا الموضوع إلى فريقين: –
  • الفريق الأول/ يرى أنه لا بأس بجعل العملات محلاً للبيع والشراء بقصد المتاجرة، طالما أن المتاجرين بها ملتزمون بالضوابط الشرعية لقواعد الصرف.
  • الفريق الثاني/ يرى أنه لا يجوز جعل العملات محلاً للبيع والشراء بقصد المتاجرة لا في السوق العاجلة أو الآجلة.

ب- مشروعية الإصدار: –

  • ذهبت بعض الفتاوى إلى تحريم إصدار العملات المشفرة (البتكوين) والتعامل بها لم تحتويه من جهالة وغرر، وعدم رواجها رواج النقود وما يعتريها من غموض، ولأنها تخرج عن سيطرة الحكومات.
  • بينما يدافع الآخرون عن مشروعية إصدار البتكوين ولا يقنعون بأسباب من يرون تحريم إصدارها ([13]).

رابعاً: الإطار القانوني للعملة الافتراضية (البتكوين): –

1- الطبيعة القانونية للعملات الافتراضية (البتكوين): –

أثارت الطبيعة القانونية للعملات الافتراضية ومدى صحة وصفها بالنقود خلافاً كبيراً بين فقهاء القانون والاقتصاد، ويمكن عرض هذا الخلاف على النحو التالي: –

  • الرأي الأول/ ينفى القيمة النقدية للعملات الافتراضية: –
  • فهناك العديد من أساتذة الاقتصاد والقانون يرون أن العملات الافتراضية تخلو من القيمة النقدية، لأنها عملات غير مادية ولا يمكن تحويلها إلى نقد حقيقي بسهولة، ولا يصدر من مصدر مركزي معروف، بل قد تكون مجهولة المصدر، فضلاً عن التقلب الشديد في قيمة عملات البتكوين، وإمكان استخدامها لتسهيل المعاملات غير المشروعة.
  • الرأي الثاني/ العملات الافتراضية (البتكوين) تعد إحدى أشكال النقود القانونية: –
  • فإذا كانت طريقة الدفع في النقود التقليدية تتم بالنقود أي بشيء ملموس يقوم المشترى بتسليمه للبائع مقابل الخدمة أو السلعة، فالعملات الافتراضية تعد طريقاً آخر للدفع تتم من خلال برامج إلكترونية مختصة بها، وبشكل تلقائي عند قيام المستهلك بالدفع من خلال البطاقات المزودة بشركة إلكترونية أو ذاكرة الحاسب الآلي التابعة للمستهلك. ([14])
  • وهذا الرأي يصعب الأخذ به لاختلاف تداول النقود التقليدية والنقود الافتراضية، فلا يمكن القول بأن النقود الافتراضية تعد من أشكال النقود القانونية.
  • الرأي الثالث/ النقود الافتراضية تعد صورة غير مادية للنقود التقليدية: –
  • فالنقود الافتراضية (البتكوين) تختلف في الطبيعة الفيزيائية عن النقود التقليدية، فالعملات الافتراضية تعتبر صورة غير مادية للعملات القانونية، لذا يجوز للدائن رفض تسلم مقابل دينه بعملات افتراضية ولا يتعرض لعقوبة جنائية، وعلى العكس إذا امتنع الدائن عن قبول تسلم عملة نقدية أو ورقية يتعرض لعقوبة جنائية، علاوة على ذلك فعندما تصدر الدولة أو إحدى هيئاتها العامة عملة وطنية تحدد لها سعراً رسمياً لا يمكن الاتفاق على تعديله، على خلاف العملات الافتراضية التي لا تطبق عليها الأحكام القانونية المنظمة للسعر الرسمي للعملة الوطنية .
  • الرأي الرابع/ النقود الافتراضية أداة ائتمان: –
  • يرى أنصار هذا الرأي أن جميع صور النقود هي أشكال للائتمان وتستخدم أداة للتبادل، فالعملة الافتراضية عندهم أداة ائتمان لأنها تعد ديناً على مصدرها.
  • الرأي الخامس/ النقود الافتراضية تعد شكلاً جديداً من أشكال النقود إذا توافرت ضوابط معينة: –
  • يذهب أنصار هذا الاتجاه إلى أنه النقود الافتراضية تمثل شكلاً جديداً من النقود إذا توافرت لها ضوابط خاصة تجعلها قادرة على الاستقلال عن النقود التقليدية، وهذه الضوابط تتلخص في أن تحظى بقبول عام بين المستخدمين، وأن تصبح وسيط للتبادل التجاري، أو يتم تداولها بحرية، فضلاً عن قابليتها للانقسام والتجزئة، وأن يقوم بدورها كأداة لإبراء الذمة، فإذا ما توافرت في النقود الافتراضية كل هذه الضوابط تم اعتبارها شكلاً جديداً من أشكال النقود.

2- الوضع القانوني للعملات الافتراضية (البتكوين) على المستوى الدولي والوطني: –

أ- موقف البنك الدولي وصندوق النقد الدولي من العملات الافتراضية (البتكوين): –

  • أصدر البنك الدولي عام 2017 منشوراً تناول فيه تقنية البلوكتشين، وأكد فيه على فوائد هذه التقنية والمخاطر المترتبة من أي تكنولوجيا مالية تقوم عليها، وحث الدول على جمع المعلومات كماً ونوعاً على استخدام العملات الرقمية، وتشجيع الشركات المختصة على تطوير التكنولوجيا المالية خاصة تقنية البلوكتشين، ولم يصدر في تقرير البنك الدولي أي توصيات أخرى عملية تبين موقفه من العملات الافتراضية، ولعل تفسيرنا لذلك يكمن في انتظاره لاكتمال تقنيات التشفير ووضوح الرؤية بشأن التعامل بالعملات الافتراضية.
  • ولقد حذا صندوق النقد الدولي نفس حذو البنك الدولي، ولم يتخذ أيضاً موقفاً رسمياً من العملات الافتراضية سواء بالإيجاب أو بالسلب، وإن كان ذلك لم يمنع مدير عام صندوق النقد الدولي السيدة كريستين لا غارد من استعراض فوائد العملات الرقمية، وإبداء تأييدها المبدئي لتكنولوجيا المال، عندما وصفت ذلك بالتحول التاريخي، مع تحفظها على بعض مخاطر العملات الافتراضية (البتكوين). ([15])

ب- موقف البنك الأوروبي من العملات الافتراضية (البتكوين): –

  • أصدر البنك الأوروبي عام 2015 تقرير نظر فيه إلى العملات الرقمية ونموذجها الأكثر شيوعاً (البتكوين) على أنها ليست عملة نقدية، لأنها لا تستجيب لمفهوم العملات والنقود سواء من المنظور القانوني أو الاقتصادي، فالبتكوين لا تؤدى وظائف النقود كوسيط للتبادل ولا تتمتع بالقبول الكاف، وليست مخزن للقيمة، ويرفض التقرير وصف العملات الرقمية بالنقود.

جـ- موقف صندوق النقد العربي من العملات الافتراضية (البتكوين): –

  • أصدر صندوق النقد العربي تقريرين الأول كان عام 2019 تحت عنوان “مخاطر وتداعيات العملات المشفرة على القطاع المالي” يبين فيه تعريف العملات المشفرة، وإيجابياتها وسلبياتها، وأنه يقف على مسافة واحدة بين الاتجاه الذي يرفض هذه العملات وبيت الاتجاه الآخر الذي يشجعها.
  • ثم في عام 2020 أصدر صندوق النقد العربي تقريراً آخر بعنوان (العملات الرقمية للبنك المركزي :(إطار تحليل للبنوك المركزية العربية)، تطرق فيه الي دوافع أصدر العملة الافتراضية ونقل تجارب الدول الأخرى كالصين، والفوائد التي ستحدث للدول العربية حال إصدار عملات رقمية للبنوك المركزية ([16]).

د- موقف البنك المركزي الأردني تجاه العملات الافتراضية: –

  • لعله من المفيد أن نشير إلى أن البنك المركزي الأردني يهدف كمثيله من البنوك المركزية الأخرى لتفادى المخاطر التي تنتج عن التكنولوجيا المالية الحديثة، لذلك أصدر عام 2014 تعميمه الأول الذي حظر فيه على البنوك وكافة المؤسسات المالية الأخرى الخاضعة لإشرافه ورقابة التعامل بالعملات الافتراضية بأي شكل من الأشكال، واعتبارها عملة غير قانونية، لعدم وجود التزام على أي بنك مركزي بتبديل قيمتها مقابل نقود صادرة عن الحكومات أو مقابل سلع عالمية متداولة مثل الذهب.
  • وفى عام 2018 أصدر البنك المركزي تعميمه الثاني لكل البنوك والمؤسسات المالية الأخرى لرقابته وإشرافه، أكد فيه على استمرار سريان خطر التعامل بالعملات الافتراضية المشفرة، وأكد على تعاليمه المذكورة أعلاه في تعميمه الذي أصدره بتاريخ 24/11/2019 لانتشار ظاهرة ترويج إحدى العملات المشفرة.

خامساً: خاتمة: –

لا يفوتني أن أنوه في النهاية على أن العملات الافتراضية المشفرة تثير بشكل عام العديد من المخاطر، كغسيل الاموال وتمويل الإرهاب، وإمكانية استخدامها لأغراض غير قانونية، وعدم استقرارها، وعدم توافر الضوابط القانونية فيها وذلك لجهالة المحيطة بها، لذلك أقترح بسن قانون يحد من مخاطر تداول العملات الافتراضية ، ويتلاشى آثارها السلبية على العملة الوطنية والاقتصاد المحلى، وانشاء جهة رقابية على الأموال المحولة من الخارج، ووضع قواعد وضوابط للعملات الافتراضية لضبط تداولها فقط في التجارة الدولية، وحظر تداولها في تعاملات الأفراد والتجار داخل الدولة.

إعداد : جمال مرعي

[1]– انظر د. صفوت عبد السلام، أر استخدام النقود الإلكترونية على دور المصارف المركزية في إدارة السياسة النقدية، دار النهضة العربية 1427هـ، 2006م، ص8-9.

[2]– انظر د. شريف محمد غنام، محفظة النقود الإلكترونية (رؤية مستقبلية)، دار الجامعة الجديدة، 2007، ص32.

[3] – انظر د. إبراهيم بن أحمد بن محمد، النقد الافتراضي بتكوين أنموذجاً، ورقة بحثية بعنوان (النقد الافتراضي)، 1440، ص3.

[4]– انظر د إبراهيم بن أحمد بن محمد، النقد الافتراضي بتكوين أنموذجاً، مرجع سابق، ص5.

[5]– انظر دراسة بعنوان العملات المشفرة، صادرة من البنك المركزي الأردنى، دائرة الإشراف والرقابة على نظام المدفوعات الوطني، 2020 ص23.

[6]– انظر مدبولي، باسم محمد فاضل، التنظيم القانوني والشرعي للملة الافتراضية البتكوين أنموذجاً مجلة الأمن والقانون، مج 29،24،2021، ص393.

[7]– أنظر د. محمد ديب، تعاملات العملة الافتراضية (دراسة قانونية)، المجلة المصرية للدراسات القانونية والاقتصادية، العدد 10، يناير 2018، ص460.

[8]– انظر د. عبد الله بن سليمان بن عبد العزيز الباحوث، النقود الافتراضية (مفهوما وأنواعها وآثارها الاقتصادية)، المجلة العلمية للاقتصاد والتجارة، كلية التجارة، جامعة عين شمي، العدد (1)، 2017، ص31. و قانون الشركات.

[9]– انظر د. نادر شعبان إبراهيم، النقد الإلكترونية، الدار الجامعية بالإسكندرية، 2015، ص109.

[10]– شيماء فوزي، التنظيم القانوني للنقود الإلكترونية، مجلة الرافدين للحقوق، المجلة 14، العدد 50، 2016، ص174-176.

[11]– انظر صحصح مسلم، كتاب العتق، باب بطلان بيع الحصاة والغرر. ص531.

[12]– انظر الأصبحي، المدونة، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان، 1995، م3 ص196.

[13] – انظر باسم محمد فاضل مدبولي، التنظيم القانوني والشرعي للعملة الافتراضية البتكوين أنموذجاً، مجلة الأمن والقانون، مج29،24 (2021)، ص447.

[14]– انظر د بوعافية الرشيد، دور النقود الإلكترونية في تطوير التجارة الإلكترونية 2014، ص52.

[15] – انظر أثير صلاح إبراهيم إبراهيم، التنظيم القانوني للعملات الرقمية، قسم القانون العام كلية الحقوق، جامعة الشرق الأوسط، رسالة ماجستير 2021، ص89.

[16]– انظر أثير صلاح إبراهيم إبراهيم، نفس المرجع السابق، ص94.

Scroll to Top