شرط عدم منافسة العامل لصاحب العمل 

شرط عدم منافسة العامل لصاحب العمل 

جاءت كافة التشريعات القانونية والدساتير والمعاهدات الدولية لتؤكد على مبدأ حرية العمل، فالقاعدة العامة أن يلتزم العامل بأداء العمل المكلف به بموجب العقد فقط بما تضمنه من بنود تتعلق بكيفية تسيير علاقة العمل فيما بين العامل وصاحب العمل، ويترتب على انتهاء علاقة العمل استرداد العامل حريته في ممارسة أي عمل أخر يراه مناسبا له، ولكن لأهمية هذا النوع من العقود وخصوصيته التنظيمية أجاز المشرع لصاحب العمل أن يلزم العامل بموجب بنود العقد علي شرط خاص يلتزم بمقتضاه العامل بعدم منافسة صاحب العمل في الأعمال المكلف بها موضوع العقد استناداً لأحكام القانون المدني بالمادتين (819،818)، إلا أن هذا الاتفاق قد يشكل قيد على حرية العامل في العمل فضلاً عن تعارضه مع ما جاء بالمادة (23) من الدستور الأردني، وكذا المادة (4) من قانون العمل، وأيضاً المادة (23) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وأخيراً المادة (6) و(7) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وقد قامت شركة حماة الحق بإطلاق حاسبة الحقوق العمالية الإلكترونية لحساب مقدار حقوق العامل عن فترة عمله.

ومن ثم يجب الأخذ في الاعتبار عند تطبيق هذا الاتفاق أنه شرط استثنائي على حرية العامل، وضعه المشرع بغية حماية مصلحة مشروعه لصاحب العمل، مع وجوب تطبيقه في أضيق الحدود، وألا يحبس العامل عن العمل نتيجة وجود هذا الشرط، وألا يكون الهدف من جراء وجود هذا الشرط إجبار العامل في البقاء بالعمل رغماً عن إرادته، كما يجب في بعض الأحيان وفقاً لحالات معينة تعويض العامل مقابل ذلك تعويضاً عادلاً، وأن يكون هناك دوراً  للقضاء في تفسير هذا الاتفاق تفسيراً ضيقاً بما يتفق مع مصلحة  العامل في حالة توافر مبرراتها، ومن خلال هذا المقال سنتناول هذا الموضوع من خلال توضيح أهم عناصره بشيء من الإيجاز والتوضيح على التفصيل الآتي :

أولاً: مفهوم شرط عدم المنافسة وضوابطه القانونية

ثانياً: الأثار القانونية المنبثقة عن الاتفاق على عدم المنافسة

ثالثا: الطبيعة القانونية لشرط عدم المنافسة

رابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز فيما يتعلق بشرط عدم المنافسة

خامساً: خاتمة

 

أولاً: مفهوم شرط عدم المنافسة وضوابطه القانونية

من الالتزامات التي أوجبها القانون على العامل عدم منافسة صاحب العمل أثناء العقد وقيام علاقة العمل دون النص على ذلك ببنود عقد العمل، عملاً بمبدأ حسن النية في تنفيذ العقود، وهو التزام جوهري يترتب على الإخلال به إنهاء عقد العمل دون إخطار العامل أو تعويض.

وعلى الجانب الأخر فإن شرط عدم المنافسة على إطلاقه ودون ضوابط أو قيود، فإن ذلك يكون بمثابة قيد على حرية العامل وعلى حقه في العمل الذي ضمنه المشرع الأردني وكفله الدستور الأردني في المادة (23) مما يوجب عدم التوسع في استخدام هذا الحق وتفسيره من قبل القضاء، وأن يتم إعماله وفقا لشروط محدده حصراً بنص المادة (818) بفقرتها الأولى من القانون المدني بنصها الاتي: (إذا كان العامل يقوم بعمل يسمح له بالاطلاع على أسرار العمل ومعرفة عملاء المنشأة – جاز للطرفين أن يتفقا على ألا يجوز للعامل أن ينافس صاحب العمل أو يشترك في عمل ينافسه بعد انتهاء العقد، وكذا الفقرة الثانية من ذات المادة بنصها على أن : الاتفاق لا يكون مقبولاً إلا إذا كان مقيداً بالزمان والمكان ونوع العمل بالقدر الضروري لحماية المصالح المشروعة لصاحب العمل) .

ثم جاءت المادة (819) من ذات القانون لتؤكد على أن: (إذا اتفق الطرفان على تضمين العامل في حالة الإخلال بالامتناع عن المنافسة تضميناً مبالغاً فيه بقصد إجباره على البقاء لدى صاحب العمل كان الشرط غير صحيح).

  • ومن ثم فإن هاتين المادتين قد نظمتا التزام العامل بعدم منافسة صاحب العمل بعد انتهاء العقد، وليس خلال فترة العمل إذ لا يحتاج منافسة العامل لصاحب العمل خلال فترة عمله إلى نص قانوني، إذ أن ذلك من الالتزامات الافتراضية الملقاة على عاتق العامل للتفرغ لعمله، والمحافظة على أسرار العمل استناداً إلى مبدأ حسن النية في تنفيذ العقود الذي يفرضه العقد على أطراف العلاقة العقدية.
  • وباستقراء هاتين المادتين يتضح أن غاية المشرع من النص عليها هي أن يتم الاتفاق عند التعاقد على عدم المنافسة وفق عدة شروط متفق عليها حتى يعتد بهذا الشرط، وإلا كان هذا الشرط في الاتفاق باطلاً استناداً إلى الدستور في المادة (23) منه، والمادة (4) من قانون العمل الأردني، وأن هذا الشرط الخالي من ضوابطه فضلاً عن كونه شرطاً باطلاً [[1]] يمكن أن يوصف أيضاً بشرط إذعان يجوز أن يطعن فيه العامل بالبطلان، وتلك الضوابط التي يمكن إجمالها في التالي:

– الشرط الأول: إذا كان العامل يقوم بعمل يسمح له بالاطلاع على أسرار العمل ومعرفة عملاء المنشأة ففي تلك الحالة يجوز لصاحب العمل أن يشترط في العقد على العامل بعدم جواز منافسته في العمل أو الاشتراك في عمل ينافسه بعد انتهاء العقد سواء لحسابه أو لحساب الغير، وجاء هذا الشرط تطبيقاً لنص المادة (19/ ب) من قانون العمل الأردني حين نصت بمقالة: (على العامل المحافظة على  أسرار صاحب العمل الصناعية والتجارية، وأن ﻻ يفشيها بأي صورة من الصور ولو بعد انقضاء عقد العمل وفقاً لما يجري عليه الاتفاق أو العرف)، وتتحقق مصلحة صاحب العمل في ضوء هذا الشرط إذا كان العمل الموكول إلى العامل يسمح له بالاطلاع على أسرار صاحب العمل ومعرفة عملاء المنشأة، وعلة هذا الشرط واشتراطه تعود إلى أن صاحب العمل قد يخشى منافسة العامل له بعد انقضاء العمل عن طريق التواصل مع عملائه أو عن طريق الاستفادة من الأسرار أو الخبرات التي اطلع عليها أثناء عمله، ويقوم بعد ذلك بمنافسة صاحب العمل بإفشاء تلك الأسرار أو الاتصال بعملائه منتفعاً بتحقيق مصلحة شخصية ذاتية، أما إذا كان العمل الموكول إلى العامل لا يتضمن اطلاعاً  على أسرار، أو اتصال بعملاء العمل فتنعدم كل مصلحة لصاحب العمل في اشتراط عدم المنافسة، وإذا انعدمت المصلحة على هذا النحو بطل الشرط وصح العقد ما لم يكن الشرط هو الباعث الدافع على التعاقد فهنا يبطل الشرط والعقد معاً، لأن الشرط هنا ظهر كسبب للعقد[[2]].

الشرط الثاني: حماية المصلحة المشروعة لصاحب العمل

إن غاية المشرع وقصده من وجود شرط منع المنافسة جاء تحقيقاً لحماية المصالح المشروعة لصاحب العمل من قبل العامل بسبب قيام العامل أثناء قيام علاقة العمل بالاطلاع على أسرار صاحب العمل المهنية ومعرفة عملاؤه والتواصل معهم، وهي مصلحة مشروعة كفلها له القانون في أن يحافظ على حقوقه بموجب المادة (19/ ب) سالفة الإشارة إليها، وللقاضي في سبيل ذلك عند النظر في أي دعوى يقيمها صاحب العمل ضد العامل أن ينظر إلى هذا الشرط من حيث توافر مصلحة مشروعة لصاحب العامل من جراء هذا الشرط من عدمه ومن أهمية حماية هذه المصلحة، وأن تكون المصلحة جدية وليس مجرد مصلحة ظنية أو احتمالية، وبالتالي إن ثبت عدم قيام مصلحة تعود على صاحب العمل من تضمين العقد لشرط عدم المنافسة بطل الشرط مع نفاذ العقد في باقي بنوده.

 الشرط الثالث: أن يكون الشرط مقيداً من حيث الزمان والمكان

إعمالاً لما ورد بالفقرة (2) من المادة (818): فإن الاتفاق على هذا الشرط ﻻ يكون مقبولاً إلا إذا كان مقيداً بالزمان والمكان ونوع العمل بالقدر الضروري لحماية المصالح المشروعة لصاحب العمل.

– نسبية المنع من حيث الزمان: اشترط المشرع الأردني تحديد الشرط لأجل محدد ومعين، إذ ﻻ يجوز أن يكون المنع مطلقاً، بل يجب أن يعين بمدة زمنية محددة ومعقولة، ولا يجوز بأي حال أن يكون المنع أبدياً أو مطلقاً وإلا عد هذا الشرط باطلاً، وقيداً على حرية العامل والتجارة والاقتصاد، مع الأخذ في الاعتبار أن تقدير ما إذا كانت المدة المحددة في الاتفاق معقولة مما يتحقق معه نسبية المنع من حيث الزمان مسألة موضوعية، يفصل فيها القضاء على ضوء الظروف والملابسات المحيطة بالعمل. [[3]]

  • نسبية المنع من حيث المكان: فصاحب العمل له مصلحة مشروعة في منع العامل بالحالات الموضحة سابقاً في المكان الذي يباشر فيه صاحب العمل عمله فقط، ولا يجوز أن يمتد لأي مكان أخر لا يوجد ﻧﺸﺎط لصاحب اﻟﻌﻤﻞ فيه، كما لا يجوز أيضاً أن يمتد لكافة أﻧﺤﺎء اﻹﻗﻠﯿﻢ أو اﻟﺪوﻟﺔ، وفي حالة ورود هذا الشرط على كافة إقليم الدولة فإن هذا الشرط يقع باطلاً بقوة القانون، حيث أن منع المدعي من العمل بكامل تراب الدولة ولمدة خمس سنوات سيحرمه من حق العمل الذي كفله له الدستور والميثاق العالمي لحقوق الإنسان، وكذا الاتفاقية الدولية للتشغيل.[[4]].

– أما نسبة شرط المنافسة من حيث نوع العمل: من المسلم به فقهاً وقضاء أنه لا يتحقق شرط المنع المنافسة إذا لم يتم التحديد وقصر المنع فقط على الأعمال التي يباشرها العامل التي لها صلة بنشاط المهنة أو الحرفة التي يباشرها صاحب العمل، أو التي ترتبط بهذه المهنة أو الحرفة، وأيضا يجب أن يكون المنع محددا بالقدر الضروري لحماية مصالح صاحب العمل المشروعة، أما الأعمال التي لا تدخل في مهنة أو حرفة صاحب العمل فلا يؤدي ذلك قيام العمل بها إلى منافسة صـاحـب الـعمـل، ولا تعتبر لصاحب العمل مصلحة مشروعة في حرمان العامل من القيام بها، وإذا وقع المنع مطلقا فإنه يترتب على ذلك بطلان شرط عدم المنافسة بطلاناً مطلقاً أيضاً.

الشرط الرابع: يجب ألا يقترن الاتفاق بعدم المنافسة بشرط جزائي مبالغ فيه

وهذا الشرط جاء هدياً لما أوردته نص المادة (819) من القانون المدني بمقالة أنه: (إذا اتفق الطرفان على تضمين العامل في حالة الإخلال بالامتناع هن المنافسة تضميناً مبالغاً فيه بقصد إجباره على البقاء لدى صاحب العمل كان الشرط غير صحيح).

  • إذ أن المبالغة في هذا الشرط إذا كان غايته إجبار العامل على البقاء في العمل كان الشرط غير صحيح ولا يجوز الأخذ به قانوناً، وللقاضي أثناء بحث الموضوع النظر في هذا الشرط من حيث صحته وهل هذا الشرط جاء مقيدا لحرية العامل في العمل إذا ترك العمل، أو إجباره على البقاء في العمل لدى صاحب العمل، وليس أمام القاضي في ذلك إلا البحث فيما إذا كان الشرط الجزائي المبالغ فيه قد قصد صاحب العمل من وراءه إجبار العامل على البقاء لدى صاحب العمل رغماً عن إرادته، وفي هذه الحالة على القاضي أن يصدر قرار باعتبار هذا الشرط غير صحيح قانوناً، وإذا بطل هذا الشرط تحديداً بطلت معه كافة الشروط، لأنه لم يتم وضع هذا الشرط لحماية مصلحة مشروع لصاحب العمل.، أما إذا كان الشرط الغاية منه حماية مصلحة صاحب العمل ولم يكن مبالغا فيه، فهناك يحق للقاضي أثناء بحثه لوقائع النزاع تخفيض التعويض إلى الحد الذي يساوي قيمة الضرر الواقع على صاحب العمل إعمالاً لنص المادة (364/2) من القانون المدني بمنطوقه الجاري على أن:( للمحكمة في جميع الأحوال بناء على طلب أحد الطرفين أن تعدل في هذا الاتفاق بما يجعل التقدير مساويا للضرر، ويقع باطلا كل اتفاق يخالف ذلك).

الشرط الخامس: تراضي الطرفين على شرط عدم المنافسة

يشترط لغاية الأخذ باتفاق العامل وصاحب العمل على شرط عدم المنافسة في عقد العمل المحرر بينهما أن يكون هناك تراضي فيما بين العامل وصاحب العمل على هذا الشرط وإعمال أثاره، وذلك بعد انقضاء عقد العمل، وأن يتضمن هذا العقد اتفاقاً صريحاً على إعماله، ولكن ﻻ يشترط لهذا الاتفاق صيغه خاصة، إذ يجب أن يوضح العقد إرادة الطرفين إلى منع العامل من منافسة صاحب العمل بنفس العمل الذي مارسه العامل خلال فترة عمله، أو إلى عدم منافسة صاحب العمل عن طريق التواصل والتعامل مع عملاء صاحب العمل مع وجوب تحديد الزمان والمكان ونوع العمل، وكذا عدم منافسة صاحب العمل بأن لا يعمل لدى شركة أو جهة أخرى تعمل بذات المجال، أو أن يقوم بالعمل لحسابه بمشروع ينافس فيه صاحب العمل، وأياً كانت الصورة التي يتخذها شكل هذا الاتفاق فإن هذا الشرط ينظر إليه باعتباره قيداً على حرية العامل وحرية التجارة وحركة الاقتصاد وتعطيل عجلته الإنتاجية.

الشرط السادس: أهلية العامل للتعاقد

يشترط القانون المدني كأصل عام وقت إبرام العقد أن يكون المتعاقد بالغا سن الرشد، وذلك ليدرك العامل ماهية الشرط الذي تم الاتفاق عليه بعقد العمل وقت التعاقد، وفي هذا المقام يثار تساؤل: هل يحق للولي أو الوصي أن يوافق على هذا الشرط فيما إذا كان المتعاقد لم يبلغ سن الرشد؟؟

  • وإجابة هذا السؤال هي اعتبار الشرط باطل بطلانً مطلقاً قولاً واحداً لا يجوز الأخذ به أو التعويل عليه قانوناً، ومن ثم يجوز للعامل الذي لم يبلغ سن الرشد أو كامل الأهلية أن يتمسك ببطلان هذا الشرط في أي حالة كانت عليها الدعوى، والحكمة من تشدد المشرع بتطلب توافر الأهلية الكاملة لصحة الشرط تكمن في خطورة هذا الشرط على حرية العامل في العمل التي تعتبر متعلقة بالنظام العام، حتى يكون العامل على بينة من أمره مدركاً للنتائج المترتبة على هذا الاتفاق، وترتيباً على ذلك فإن إبرام العقد متضمناً هذا الشرط من قبل قاصر يكون العقد صحيحاً حفاظاً على حقوق العامل ومنتجاً لكافة أثاره القانونية، ولكن يبطل الشرط.

ومن نافلة القول هدياً لما سبق فإن مجرد انتهاء عقد العمل دون النص على هذا الشرط بعقد العمل فإن للعامل مطلق الحرية في العمل، ولا يوجد نص في القانون المدني أو قانون العمل أو حتى القواعد العامة يستطيع من خلالها صاحب العمل الرجوع على العامل بأي نوع من أنواع المسؤولية العقدية، أو المسؤولية التقصيرية، لاعتبار وضع العامل أقوى من صاحب العمل استناداً إلى نصوص الدستور ومواد قانون العمل والإعلان العالمي لحقوق الإنسان بشأن تقرير مبدأ حرية العمل، ويتحلل العامل من المسؤولية في ذلك بشتى مناحيها.

(ثانياً): الأثار القانونية المنبثقة عن الاتفاق على عدم المنافسة

إذا ما تم الاتفاق فيما بين صاحب العمل والعامل بعقد العمل على عدم المنافسة بضوابطه المحددة وفقا للمادة (818) والمادة (819) من القانون المدني بالشرح المتقدم بيانه أصبح هذا الاتفاق ملزما للعامل بعدم منافسة صاحب العمل، ويصبح قيداً عليه بعدم منافسة صاحب العمل مرتباً في ذلك لبعض الأثار التالية:

(أ)- أثر شرط عدم المنافسة بالنسبة للعامل: يترتب على الالتزام بعدم المنافسة التزاما على العامل بالامتناع عن عمل، وقد يكون هذا المنع عن العمل مطلقا لدى الجهة التي سيعمل لديها، كما قد يكون محصوراً بعدم العمل مع شركة معينة، أو شراكته في شركة، أو القيام بالعمل لحسابه الخاص، ومفاد ذلك أنه إذا حدد صاحب العمل قيام الشرط على الامتناع عن عمل لدى شركة منافسة فإنه لا يشمل الاتفاق حق العامل في أن يعمل لحسابه أو أن يكون شريكا في شركة، وإخلال العامل بهذا الالتزام يوجب قيام المسؤولية العقدية في حقه قبل صاحب العمل.

ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى أن هناك حالتين لا يجوز فيها صاحب العمل التمسك بإعمال شرط عدم المنافسة بالرغم من عدم النص التشريعي عليهما، ولكن تعرضت لهما الأحكام القضائية وأقرتهما مبادئ محكمة التمييز في العديد من أحكامها وهما:

1-إذا فسخ صاحب العمل العقد قبل انتهاء مدته بإرادته المنفردة، أو رفض تجديده دون مسوغ قانوني أو مبرر من العامل ما يبيح ذلك، فعندئذ لا ينبغي لصاحب العمل أن يتمسك بعد هذا الإنهاء التعسفي بالاتفاق أو الشرط، ويتحلل العامل من هذا الاتفاق وما يقوم عليه من مسؤولية قانونية في ذلك [[5]]

2-إذا وقع من صاحب العمل فعل معين يبرر للعامل فسخ العقد، فإنه في تلك الحالة يحق للعامل ترك العمل بسبب يرجع إلى صاحب العمل في فسخه نفاذاً لما ورد بنص المادة (29) من قانون العمل والتي أوردت حالات على سبيل الحصر يحق فيها للعامل ترك العمل بسبب خطأ ارتكبه صاحب العمل.

  • وبالرجوع مرة أخرى بشأن عدم التزام العامل بالاتفاق على عدم المنافسة، فإن يلتزم في ذلك بالتعويض لصاحب العمل عن الإضرار التي أصابته من جراء فعل العامل من عدم التزامه بهذا الاتفاق.

(ب)-أثر شرط عدم المنافسة بالنسبة لصاحب العمل: إذا تضمن عقد العمل شرط عدم المنافسة وفقاً لضوابطه وشروطه المقررة بنص المادتين (819،818)، فإنه يترتب على ذلك الشرط التزام العامل بذلك، وفي حالة الإخلال بهذا الالتزام يحق لصاحب العمل أن يتخذ ضد العامل بعض الإجراءات التالية:

1-التنفيذ العيني: في حالة الإخلال العقدي من قبل العامل بالاتفاق على عدم المنافسة فإنه يحق لصاحب العمل أن يطالب بالتنفيذ العيني المتمثل في المطالبة بامتناع العامل عن العمل إما لحسابه الشخصي أو لحساب شركة أخرى أو بصفته شريكاً في شركة، ويكون ذلك من خلال تقديم طلب لدى قاضي الأمور المستعجلة، وإذا ما ثبت وجود الاتفاق العقدي وكان صحيحاً منضبطاً لما أوجبته النصوص القانونية في ذلك، يصدر قرار المحكمة بالتنفيذ العيني بإلزام العامل بالامتناع عن العمل بالإجراءات اللازمة في ذلك.

2-المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت به: حيث يجوز لصاحب العمل أن يقيم الدعوى بعد ذلك مطالباً بإلزام العامل بالتعويض عن الأضرار المادية والأدبية التي أصابته من جراء فعل مخالفة الاتفاق وفقاً لقواعد المسؤولية العقدية بالقانون المدني، وإذا كان الاتفاق متضمن شرطاً جزائياً مسبقاً، وكان هذا الشرط غير مبالغ فيه فإن من حق صاحب العمل المطالبة بالشرط الجزائي المتفق عليه.

3-مطالبة صاحب العمل الجديد بالتعويض: حيث يجوز لصاحب العمل أيضاً في ذلك مطالبة صاحب العمل الجديد بالتعويض إذا تبين أن لديه العلم بوجود اتفاق مسبق بين العامل وصاحب العمل الأصيل على شرط عدم المنافسة، مع الأخذ في الاعتبار أن مسؤولية صاحب العمل الجديد مسؤولية تقصيرية.

(ج)-أثر شرط عدم المنافسة بالنسبة للغير

من الشرح السابق يتضح قيام مسؤولية صاحب العمل الجديد في تعويض صاحب العمل الأول إذا ثبت بالعلم اليقيني اتفاق العامل مع صاحب العمل الأول على عدم المنافسة، ورغم ذلك قام بالتعاقد معه، أو شاركه في مؤسسة أو شركة، أو قيام صاحب العمل الجديد في كثير من الحالات على إقناع العامل بترك العمل بالرغم من معرفته بوجود شرط عدم المنافسة وارتباط هذا العامل بعمل لدى صاحب العمل الأول، أو قيام دور لصاحب العمل الجديد في إخراج هذا العامل لمشاركته في مشروع جديد أو العمل لديه، فإن ذلك يعد بمثابة إضراراً بصاحب العمل الأول ويحق له في ذلك أن يطالب صاحب العمل الجديد بالتعويض عن الأضرار التي لحقت به هدياً بقواعد المعمول بها لقيام المسؤولية التقصيرية في القانون المدني.

(د)-أثر شرط عدم المنافسة بالنسبة للخلف الخاص

نصت المادة (207) من القانون المدني على أنه: ( إذا أنشأ العقد حقوقا شخصية تتصل بشيء انتقل بعد ذلك إلى الخلف الخاص فإن هذه الحقوق تنتقل إلى هذا الخلف في الوقت الذي ينتقل فيه الشيء إذا كانت من مستلزماته وكان الخلف الخاص يعلم بها وقت انتقال الشيء إليه).

  • ولما كان شرط عدم المنافسة هو حق يتعلق بمحل العمل وليس لصاحب العمل بشخصه، لذا قرر المشرع بنص المادة سالف الذكر انتقال هذا الحق بعد وفاة السلف إلى الخلف تطبيقاً للقواعد العامة في ذلك حيث أن الخلف الخاص يخلف السلف في كافة حقوقه والتزاماته المترتبة على أي عقد من العقود إذا كانت من مستلزمات الشيء الذي ينتقل إليه، وكان يعلم بها. [[6]]

(ثالثا): الطبيعة القانونية لشرط عدم المنافسة

من المسلم به أن طبيعة التزام العامل بالاتفاق بعدم المنافسة هي طبيعة عقدية، أوجبها القانون المدني في المادتين (818 و819)، إذا تضمن عقد العمل هذا الشرط وكان صحيحاً موجباً لالتزام العامل به، كما أن المسؤولية التي تترتب على الإخلال بهذا الاتفاق هي مسؤولية عقدية قوامها عقد العمل بما تضمنه من اتفاق على هذا الشرط، والشرط الجزائي المترتب على مخالفته.

أما إذا لم يتضمن عقد العمل قيام اتفاق بين العامل وصاحب العمل على شرط عدم المنافسة فإن العامل يكون في حل من هذا الالتزام وغير مكلف به، ذلك لأن الرابطة التي تربط العامل وصاحب العمل هي رابطة مبناها العقد وليس القانون.

  • ومن نافلة القول أن غاية المشرع من النص على شرط عدم المنافسة هو حماية مصلحة صاحب العمل المشروعة، وبالتالي يحق لصاحب العمل التنازل عن هذا الشرط أو الاتفاق في أي وقت وأي صورة من صور التنازل التي جرى عليها القانون.

أما من جهة إثبات قيام الشرط ومخالفته وكل ما يتعلق بالاتفاق من وجود التعاقد وإثبات الأضرار المادية والمعنوية فإنها تقع على صاحب العمل ويكون هو المنوط بإثباتها، مع اتجاه الفقه القضائي من تفسير هذا الاتفاق بما هو أصلح للعامل مع وجوب إعمال قواعد التضييق في التفسير هدياً لنص المادة (240/1) من القانون المدني بأنه: (يفسر الشك في مصلحة المدين).

  • ويمكن القول بأن ذلك التطبيق القضائي بسبب طبيعة شرط عدم المنافسة الخاصة الاستثنائية التي جاء بها المشرع حماية لمصلحة صاحب العمل، وقيداً على حرية العمل، فإذا قبل العامل بهذا الشرط فإن المحكمة لها دوراً بارزاً في البحث عن طبيعة هذا الاتفاق هل تم القبول به من قبول العامل رغما عن إرادته، لعدم وجود عمل آخر له، أي أن البطالة لها دور في القبول بهذا الاتفاق من عدمه، أم أن هناك مصلحة مشروعة حقيقة لصاحب العمل من وراء هذا الشرط، مما يجب معه تفسير هذا الشرط في أضيق بما يتفق مع مصلحة العامل والحفاظ على حقوقه ومستحقاته التي كلفها له القانون وأسند حمايتها للقواعد الدستورية.

رابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز فيما يتعلق بشرط عدم المنافسة

1 –  حيث قضي في الحكم رقم حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 1111لسنة 2018  بالآتي : ( إن البند الخامس من بنود قانون العمل تم إيراده استنادا لنص المادة (818) من القانون المدني، وأن هذه المادة هي قيد واستثناء ورد على نص المادة (23) من الدستور، والذي هو القانون الأعلى في المرتبة، وقد كفلت حق العمل للجميع، والمادة (4/ب) من قانون العمل، وبالتالي فإن هذا القيد والاستثناء يجب فهمه وتفسيره في أضيق الحدود، وألا يتوسع في إطلاق ما تضمنه من أحكام، كون نص المادة (818) من القانون المدني استثناء، أو قيد قصد به مصلحة رب العمل، فيجب أن يكون هذا القيد بالقدر الضروري فقط لحماية المصالح المشروعة لرب العمل ومن القيود التي قيد بها المشرع شرط عدم المنافسة في المادة (818) من القانون المدني، وأن يكون العمل الذي مارسه العامل من شأنه أن يتيح له الاطلاع على أسرار العمل، والنشاط الذي يمارسه صاحب العمل، ومن ذلك معرفة عملاء المنشأة الخاصة برب العمل، كما قيد هذا الشرط من حيث الزمان والمكان، نوع العمل بالقدر الضروري فقط لحماية المصالح المشروعة لصاحب العمل).

2-قضت محكمة التمييز الأردنية في قرارها رقم 1120/2014 بتاريخ 23/9/2014بأنه : ( إذا جاء الشرط عاماً ومطلقاً مما يخالف روح نص المادة (818) من القانون المدني وروح نص المادة (23) من الدستور والمادة (4/ب) من قانون العمل (256) وكانت على محكمة الاستئناف أن تتصدى للشروط الواردة في العقد المبرم فيما بين طرفي الدعوى، وفرض رقابتها على القرار الطعين.

خامساً: خاتمة

ختاما فإن التزام العامل بالمحافظة على الأسرار التي اطلع عليها أثناء قيام علاقة العمل؛ مبغاه عدم إفشائها، أي عدم نقلها للغير وهو التزام قانوني ولا يحتاج إلى نص، إلا أن هذا الالتزام ينقضي بانتهاء عقد العمل ، الأمر الذي يضطر معه صاحب العمل في كثير من الأحيان إلى إدراج بند في عقد العمل يتضمن الاتفاق على عدم منافسته من قبل العامل، ولكن هذا الاتفاق يصطدم مع القواعد الدستورية وبعض نصوص قانون العمل الأردني، ويضع قيداً خطيراً على حق العامل في العمل الذي عنصراً أساسياً في حياة كل فرد، لذا كان لابد من تنظيمه ووضع ضوابط ألية تنفيذه بطريقة تحمي مصالح صاحب العمل المشروعة، وفي ذات الوقت لا تلحق ضرر بالعامل في العمل، وهو الأمر الذي تم تناوله بهذا المقال من حيث الوقوف على ماهية شرط عدم المنافسة وضوابطه القانونية، وتحديد الأثار القانونية المترتبة على وجود هذا الشرط بالنسبة للعامل وصاحب العمل والغير، ومدى انتقال هذا الحق للخلف الخاص لصاحب العمل بعد وفاة الأخير باعتبار هذا الحق يتعلق بمحل العمل ومن مستلزماته، وأخيراً تم التعرض للطبيعة القانونية الذاتية التي تحكم شرط عدم المنافسة وأنواع المسؤولية المدنية التي تقوم في حالة مخالفة هذا الشرط.

كتابة: الأستاذ محمد جلال جعفر

[1] – التزام العامل بعدم منافسة صاحب العمل بين التشريع وأحكام القضاء، دكتور محمد خليل يوسف أبو بكر، جامعة الزيتون الأردنية، ص 463

[2] – د. محمد لبيب شنب، شرح قانون العمل، دار النهضة العربية، مصر، ط. بلا, 1996، ص 159.

[3] – د. حسين كيرة، أصول قانون العمل، منشأة المعارف، الإسكندرية، ط2، 1960، ص253.

[4] – خديجة زيادة، بحث في التزام العامل بعدم منافسة صاحب العمل، التزام العامل بعدم منافسة صاحب العمل، دنيا الوطن، 2013.

[5] – د. حسين كيره، مرجع سابق، ص 256.

[6] – المستشار محمد عزمي البكري، قانون العمل الجديد، دار محمود للنشر والتوزيع، مصر، ط بلا، سنة بلا، ص 480.

Scroll to Top