الضرورة الإجرائية في قانون أصول المحاكمات المدنية

الضرورة الإجرائية في قانون أصول المحاكمات المدنية

كفل القانون لجميع الأفراد الحق في اللجوء للقضاء من أجل الحصول على حقوقهم، واعتبره من الحقوق العامة التي تكفلها المجتمعات لجميع الأفراد، ويجب على الأفراد احترام القانون وعدم الخروج عليه، ومن ثم فإنه وعند ممارسة هذا الحق يجب أن تتم هذه الممارسة بشكل منظم وفق ما رسمته القواعد القانونية المنظمة لذلك، والمشرع لم يضع القواعد الإجرائية عبثاَ أو لأمر شخصي وإنما جاءت تلك القواعد لمقاصد إجرائية تفرض العديد من الحقوق والضمانات التي تهدف إلى خدمة العدالة وتحقيقها واحترام حقوق الدفاع وتسهيل الفصل في الدعاوى وحماية حقوق الأفراد الموضوعية والإجرائية بالقدر الذي يحقق المساواة بين الخصوم أمام التقاضي، وقد جاء قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني رقم 24 لسنة 1988 وتعديلاته لينظم كافة الأعمال الإجرائية، والتي في الغالب تظهر في شكلين أساسيين الأول يتمثل في ضرورة التقيد بالإجراءات المحددة والتي يلتزم بها الخصوم حال اللجوء إلى القضاء، كما تلتزم بها المحكمة عند نظر الدعاوى، والثاني هو ضرورة أن نتخذ هذه الإجراءات خلال المواعيد القانونية المحددة، إلا أن ذلك لا يحقق الغاية منها ما لم يقترن بجزاءات تكون رادعة تضمن احترامها حال مخالفتها، وتحقق اطمئنان للخصوم على حسن سير العدالة والقضاء أثناء نظر الدعوى وإصدار حكم فيها.

ـ ولما كان من بين المقاصد الإجرائية حالات الضرورة والتي قد يقوم فيها الشخص بالخروج عن المألوف إجرائياَ متي توافرت، وهو ما سوف نحاول في هذا المقال بيانه من خلال التعرف على الضرورة الإجرائية وطبيعتها، وأسبابها، وشروطها، والآثار المترتبة عليها، مع دراسة بعض الأحكام والتطبيقات القضائية الخاصة بهذا الشأن، وذلك على النحو التالي:

أولا: ماهية الضرورة الإجرائية وطبيعتها

ثانيا: أسباب الضرورة الإجرائية وشروطها

ثالثا: الآثار المترتبة على العمل بالضرورة الإجرائية

رابعا: بعض التطبيقات القضائية المتعلقة بالضرورة الإجرائية

 

أولا: ماهية الضرورة الإجرائية وطبيعتها

بداية نود أن نشير إلى أن  قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني رقم 24 لسنة 1988 وتعديلاته يتكون من مجموعة من القواعد الإجرائية التي تهدف في النهاية لحسن سير العدالة والوصول لحكم صحيح في النزاع، ويعتبر هذا القانون هو قانون الإجراءات الأصلي والأساسي لجميع الإجراءات المدنية في التشريع الأردني، ويعتبر العمل الإجرائي عمل شكلي بالدرجة الأولي ويجب أن يتم وفقا للمعيار الذي رسمه له القانون وليس وفقا للاختيار الشخصي، والقواعد الإجرائية أمر ضروري لتحقيق العدالة، إلا أنه قد تتوافر حالة الضرورة في بعض الأحوال والتي تحول دون القيام بهذه الإجراءات، ومع ذلك فإنها تعتبر شرعية كونها وقعت في ظروف معينة أدت للقيام بعمل منهي عنه أو عدم تنفيذ أمر مأمور بإتيانه، هذا وقد خلت نصوص قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني من وضع تعريف محدد لمفهوم الضرورة الإجرائية، ولم ترد الضرورة صريحة إلا في بعض مواد في هذا القانون، ومنها ما يمكن بيانه على النحو التالي:

1ـ نصت المادة الرابعة من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني على أنه: ” لا يجوز إجراء أي تبليغ أو تنفيذ قبل الساعة السابعة صباحا، ولا بعد الساعة السابعة مساء ولا في أيام العطل الرسمية إلا في حالات الضرورة وبإذن كتابي من المحكمة” .

2ـ نصت المادة (34/2) من ذات القانون على أنه: ” 2. يتبع أمام المحكمة المشار إليها في الفقرة السابقة الإجراءات المتبعة أمام محكمة البداية المنصوص عليها في هذا القانون وذلك بالقدر الذي تتطلبه الضرورة”.

3ـ نصت المادة (61) من ذات القانون على أنه: ” 1ـ ميعاد الحضور أمام محاكم الصلح والبداية والاستئناف 15 يوما ويجوز في حالة الضرورة إنقاص هذا الميعاد إلى سبعة أيام.

2ـ ميعاد الحضور في الدعاوى المستعجلة أربع وعشرون ساعة إلا إذا اقتضت الضرورة إنقاص هذا الميعاد إلى ساعة بشرط أن يحصل التبليغ للخصم نفسه “.

4ـ نصت المادة (77/1) من ذات القانون على أنه: ” 1ـ في ماعدا حالة الضرورة التي يجب إثبات أسبابها في المحضر لا يجوز للمحكمة تأجيل الدعوى لمدة تزيد على خمسة عشر يوما في كل مرة أو التأجيل أكثر من مره لسبب واحد يرجع إلى أحد الخصوم “.

5ـ نصت المادة (118) من ذات القانون على أنه: ” يجوز للمحكمة أن تسمح لأي فريق بأن يعدل في لائحته على أساس الشروط التي تتوفر فيها العدالة وتجرى جميع هذه التعديلات بمقدار ما تتطلبه الضرورة لتقرير المسائل الحقيقية المتنازع عليها”.

6ـ نصت المادة (121) من ذات القانون على أنه : ” 1ـ  لا تقبل الطلبات المشار إليها في المواد السابقة بعد ختام المحاكمة. 2ـ تحكم المحكمة في الطلبات المذكورة مع الدعوى الأصلية كلما أمكن ذلك ما لم تر ضرورة التفريق بينها”.

ـ ويمكن القول بأن الضرورة الإجرائية ما هي إلا حالة أو ظرف ترتب بموجبه القيام بأمر منهي عنه، أو ترك أمر مأمور به إجرائياَ، يثبت معه لهذه الحالة حكم استثنائي على خلاف الحكم الأصلي، وهو ما يثبت معه أن الضرورة الإجرائية أمراَ استثنائياَ على خلاف حكم الأصل نظراَ للخطر الذي يهدد المصلحة التي ابتغاها المشرع من القاعدة الإجرائية، ومن ثم يتم اللجوء إلى غير المشروع في الظروف العادية.

ـ ومن حالات الضرورة الإجرائية ما ورد في نص المادة (71/1) من قانون أصول المحاكمات المدنية والتي نصت على ” 1ـ تكون المرافعة علنية إلا إذا رأت المحكمة من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد الخصوم إجراءها سراً محافظة على النظام العام أو مراعاة للآداب أو حرمة الأسرة”، وهو ما يوضح لنا أن الأصل في المرافعة أن تكون علنية، إلا أنه واستثناء على الأصل العام متي اقتضت الضرورة يجوز للمحكمة سواء من تلقاء نفسها أو بناء على طلب الخصوم أن تتم المرافعة سراً، فالمحكمة قامت بمخالفة الأصل وهو علنية الجلسات وقامت بإجراء المرافعة سراً، حيث أنه وفي مثل هذه الحالات لو تمت المرافعة علناً لتسببت في الإخلال بالنظام العام أو خدش حرمة الأسرة.

ـ ومن هنا يمكن التفرقة بين الضرورة الإجرائية والقوة القاهرة، فكل منهما يأتي بصورة مفاجأة وغير متوقعة، ويترتب عليهما تطبيق قواعد وأحكام استثنائية على خلاف القواعد والأحكام العامة، ويتفقا كذلك في استحالة التنفيذ أو تعطيله أو تعطيل المواعيد الإجرائية.

ـ غير أن الضرورة الإجرائية تختلف عن القوة القاهرة، فالأولي تتعلق بالمواعيد والأحكام الإجرائية، ويترتب عليها تعطيل إجراء أو عمل إجراء محظور، أما الثانية فهي تتعلق في الأساس بالالتزامات المدنية والتجارية، ويترتب عليها استحالة التنفيذ.

ـ أما عن الطبيعة القانونية للضرورة الإجرائية، فقد أباح المشرع الأردني في حالات الضرورة إما إباحة الإتيان بشيء منهي عنه، أو ترك عمل مأمور به، سواء كان ذلك العمل قد وقع من المحكمة أو من الخصوم، وهو ما يعني أن الضرورة الإجرائية تعتبر مانع من موانع المسؤولية، ولا يسأل صاحبها عن مخالفة الأصل حال توافرها وفق ما جاءت به نصوص القانون.

ثانيا: أسباب الضرورة الإجرائية وشروطها

البين من فكرة الضرورة الإجرائية أن أسبابها قد تكون محددة وفق نصوص قانونية، وقد تكون مفاجأة غير متوقعة، وقد حدث ذلك في القريب بسبب تأثر العالم بوباء كورونا، وما ترتب عليه من آثار لم تكن متوقعة، إلا أنه يمكن بيان أسباب الضرورة الإجرائية على النحو التالي:

أ ـ أسباب قانونية تتعلق بالمصلحة القانونية، ومنها على سبيل المثال أحقية النيابة العامة في رفع الدعوى المدنية التي تمس المصلحة العامة، كما أن لها أن تطعن على الأحكام التي يجيز القانون لها ذلك.

ـ وكذلك عدم القضاء على النيابة العامة في حال الحكم بعدم قبول الدعوى المرفوعة منها بالغرامة الإجرائية المقررة.

ب ـ  أسباب تتعلق بالضرر المحدق، أي الضرر وشيك الوقوع قد يقع في أي وقت كنتيجة مباشرة لأسباب قائمة بالفعل.

  • وهو ما أكدت عليه المادة رقم (3) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني بالنص على ” 1. لا يقبل أي طلب أو دفع لا يكون لصاحبه فيه مصلحة قائمة يقرها القانون. 2. تكفي المصلحة المحتملة إذا كان الغرض من الطلب الاحتياط لدفع ضرر محدق أو الاستيثاق لحق يخشى زوال دليله عند النزاع فيه”.

ـ وهو ما يعني أن الأصل عدم قبول رفع الدعوى ممن ليس له مصلحة، وأن الاستثناء هو المصلحة المحتملة، بمعني أن المصلحة يجب أن تكون موجودة أو محتملة الوجود ممن يقوم برفع الدعوى.

ـ ومن الأمثلة أيضا على ذلك ما جاء به المشرع الأردني من جواز نقص المواعيد الإجرائية أمام المحاكم المختلفة في أحوال الضرورة، حيث نصت المادة (61) من ذات القانون على أنه: ” 1ـ ميعاد الحضور أمام محاكم الصلح والبداية والاستئناف 15 يوما ويجوز في حالة الضرورة إنقاص هذا الميعاد إلى سبعة أيام. 2ـ ميعاد الحضور في الدعاوى المستعجلة أربع وعشرون ساعة إلا إذا اقتضت الضرورة إنقاص هذا الميعاد إلى ساعة بشرط أن يحصل التبليغ للخصم نفسه “.

جـ ـ أسباب متعلقة بمكان رفع الدعوى، واختصاص المحاكم، حيث خرج المشرع الأردني عن المألوف وهو الاختصاص المحلى للمحاكم، وضرورة رفع الدعوى في محل إقامة المدعى عليه، وفقاَ لما نصت عليه المادة (36/1)  من ذات القانون بالنص على أنه|: ” 1ـ في دعاوى الحقوق الشخصية أو المنقولة يكون الاختصاص للمحكمة التي يقع في دائرتها موطن المدعى عليه”.

ـ حيث أقر الاختصاص في الدعاوى العينية العقارية ودعاوى الحيازة للمحكمة التي يقع في دائرتها العقار، ويكون الاختصاص في الدعاوى المتعلقة بالشركات أو الجمعيات القائمة أو التي في دور التصفية أو المؤسسات للمحكمة التي يقع في دائرتها مركز إدارتها، أما الدعاوى المتعلقة بالتركات تكون من اختصاص المحكمة التي يقع في دائرتها محل فتح التركة.

د ـ أسباب تتعلق بالعلاقات والجوانب الإنسانية: حيث نصت المادة (142) من القانون ذاته على أنه: ” تستثنى الأموال التالية من الحجز: 1. الألبسة والأسرة والفرش الضرورية للمدين وعياله. 2. بيت السكن الضروري للمدين وعياله. 3. أواني الطبخ وأدوات الأكل الضرورية للمدين وعياله. 4. الكتب والآلات والأوعية والأمتعة اللازمة لمزاولة المدين مهنته أو حرفته. 5. مقدار المؤونة التي تكفي المدين وعياله ومقدار البذور التي تكفي لبذر الأرض التي اعتاد زراعتها إذا كان زارعا. 6. الحيوانات اللازمة لزراعته ومعيشته إذا كان زارعا. 7. ما يكفي الحيوانات المستثناة من الحجز من الأعلاف مدة لا تتعدى موسم البيدر. 8. اللباس الرسمي لمأموري الحكومة ولوازمهم الرسمية الأخرى. 9. الأثواب والحلل والأدوات التي تستعمل خلال إقامة الصلاة. 10. الحصة المستحقة للحكومة من الحاصلات سواء أكانت محصودة أو مقطوفة أم لم تكن. 11. الأموال والأشياء الأميرية والمختصة بالبلديات سواء أكانت منقولة أم غير منقولة. 12. النفقة. 13. رواتب الموظفين إلا إذا كان طلب الحجز من أجل نفقة “.

ـ وكذلك مراعاة الحياة الخاصة للخصوم والحفاظ على النظام العام والآداب، وهو ما فرضه المشرع الأردني من حق المحكمة أو أحد الخصوم طلب أن تكون المحاكمة سرية.

هـ ـ أسباب تتعلق بحسن سير العدالة، إن الهدف الأول والمقصد الرئيسي للمشرع هو تحقيق العدالة، ومن أجل تحقيق ذلك وضع بعض القواعد الإجرائية المنظمة لذلك، ومن بين هذه القواعد، قاعدة الحفاظ على استقرار المراكز القانونية،  والحفاظ على النظام العام والآداب، والتي رخص فيها المشرع على سبيل المثال طلب إجراء المرافعات بشكل سري، وكذلك الحق في إبداء الدفاع والمرافعة، والحق في فتح باب المرافعة سواء قامت به المحكمة من تلقاء نفسها، أو بناء على طلب الخصوم في الدعوى، ووقف الدعوى لضرورة الارتباط الإجرائي، وهو ما نصت عليه المادة (122) من أنه: ” تأمر المحكمة بوقف الدعوى إذا رأت تعليق الحكم في موضوعها على الفصل في مسألة أخرى يتوقف عليها الحكم. وبمجرد زوال سبب الوقف يكون لأي من الخصوم طلب السير في الدعوى “.

ـ كما أجازت المادة (47) من ذات القانون أنه : “إذا لم يكن للمدعى عليه موطن ولا سكن في الأردن ولم يتيسر تعيين المحكمة المختصة بمقتضى الأحكام المتقدمة يكون الاختصاص للمحكمة التي يقع في دائرتها موطن المدعي أو محل عمله فإن لم يكن له موطن ولا محل عمل في الأردن كان الاختصاص لمحكمة عمان”.

ـ وللضرورة الإجرائية مجموعة من الشروط الواجب توافرها، ويمكن توضيح هذه الشروط بشكل موجز على النحو التالي:

1ـ أن يكون لها تأثير على المراكز القانونية للخصوم، وعلى حسن سير العدالة، حيث أنه وعلى سبيل المثال عدم علم مكان إقامة المدعى عليه، ولم يجد من يصح تسليمه، فإن ذلك يعد ضرورة ملجئه لتسليم الإعلان لمسؤول الشرطة، وذلك من أجل عدم التأثير على المراكز القانونية للخصوم، وحفاظاً على حقوقهم، كون عدم الإعلان يؤثر على ذلك، وهو ما أكدت عليه المادة التاسعة من القانون ذاته بالنص على أنه: ” 1ـ إذا لم يجد المحضر من يصح تسليم الورقة إليه طبقا للمادة السابقة أو امتنع من وجده من المذكورين فيها (غير المطلوب تبليغه) عن التوقيع على الأصل بالاستلام أو عن تسلم الصورة وجب عليه أن يسلم التبليغ في اليوم ذاته إلى مسؤول مركز الشرطة أو من يقوم مقامه الذي يقع في دائرته موطن المطلوب تبليغه أو محل عمله حسب الأحوال. وعليه أيضا خلال أربع وعشرين ساعة من تسليم صورة التبليغ لمركز الشرطة أن يوجه إلى المطلوب تبليغه في موطنه الأصلي أو المختار أو محل عمله كتابا مسجلا بالبريد يخطره فيه بأن الصورة قد سلمت إلى مركز الشرطة. 2ـ على المحضر أن يبين كل ذلك بالتفصيل في محضر التبليغ موقعا منه بواقع الحال “.

ـ وكذلك وقوع غش أو تزوير أو شهادة باطلة أو غيرها من الحالات التي تعد ضرورة ملجئه لتعطيل الأحكام التي حازت على قوة الأمر المقضي بها، حيث نصت المادة (213) من ذات القانون على أنه: ” يجوز للخصوم أن يطلبوا إعادة المحاكمة في الأحكام التي حازت قوة القضية المقضية بإحدى الحالات الآتية: 1. إذا وقع من الخصم غش أو حيلة أثناء رؤية الدعوى كان من شأنه التأثير في الحكم. 2. إذا اقر الخصم بعد الحكم بتزوير الأوراق التي بني عليها أو إذا قضي بتزويرها. 3. إذا كان الحكم قد بني على شهادة أو شهادات قضي بعد الحكم بأنها كاذبة. 4. إذا حصل طالب الإعادة بعد صدور الحكم على أوراق منتجة في الدعوى كان خصمه قد كتمها أو حمل الغير على كتمها أو حال دون تقديمها. 5. إذا قضى الحكم بشيء لم يطلبه الخصوم أو بأكثر مما طلبوه. 6. إذا كان منطوق الحكم مناقضا بعضه لبعض. 7. إذا صدر الحكم على شخص طبيعي أو اعتباري لم يكن ممثلا تمثيلا صحيحا في الدعوى وذلك فيما عدا حالة النيابة الاتفاقية. 8. إذا صدر بين الخصوم أنفسهم وبذات الصفة والموضوع حكمان متناقضان “.

يجب أن تقدر الضرورة بقدرها، إذ يجب عدم المغالاة في حالات الضرورة وتنفيذها وفق ما جاءت به النصوص القانونية، فمثلا قيام المحكمة بمقاطعة الخصوم حال خروجهم عن موضوع الدعوى لا ينبغي أن تتجاوزه بحرمان الخصوم من حقهم الأصيل في إبداء دفوعهم، ومن ثم يجب ألا يؤتي الأمر المنهي عنه إلا بالقدر الذي تندفع به حالة الضرورة ودون تجاوز لها.

3ـ يجب ألا يكون للمضطر دخل في ذلك، ومن ثم يقوم باتخاذ ذلك زريعة له من أجل التحايل على أحكام القانون والاستفادة من توافر حالة الضرورة، فليس من حق الوكيل إخفاء سند الوكالة تحايلاً على المحكمة من أجل تأجيل الدعوى، ومن ثم يجوز للمحكمة الحكم بعدم قبول الدعوى متي ثبت لها ذلك، وتحققت من عمد الوكيل فعل ذلك.

ثالثا: الآثار المترتبة على العمل بالضرورة الإجرائية

بداية نود أن نؤكد على أن الأحكام الإجرائية قد تكون موجهة للخصوم، وفي بعض الأحيان تكون موجهة للمحاكم، وقد تكون موجهة للغير، وهذه الأحكام قد تكون واجبة لا يجوز الخروج عنها، وهي ما أوردها المشرع وأكد على عدم تجاوزها، كعدم جواز الطعن في الأحكام التي تصدر أثناء سير الدعوى ولا تنتهي بها الخصومة إلا بعد صدور الحكم المنهي للخصومة كلها وذلك فيما عدا الأحكام المستعجلة والأحكام الصادرة بوقف الدعوى، ومن ضمن الأحكام الإجرائية التي لا يجوز الخروج عليها كذلك إذا توفي أحد الخصوم أو تقرر إعلان إفلاسه أو طرأ عليه ما يفقده أهلية الخصومة خلال مواعيد الطعن يبلغ الحكم إلى ورثته أو من يقوم مقامه قانونا، ويعتبر هذا التبليغ مبدأ لميعاد الطعن، وكذلك انعقاد الاختصاص لمحكمة عمان حال عدم وجود محل إقامة أو عمل للمدعى عليه أو للمدعى في الأردن، وغيرها من الأحكام الإجرائية الوجوبية الواردة في قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني تفصيلاً.

ـ وقد تكون الأحكام الإجرائية أحكام جوازية غير ملزمة وتقديرية وفقاً للحاجة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ما نصت عليه المادة (158/3) من ذات القانون على أنه:” 3. غير أنه يجوز للمحكمة أن تعيد فتح المحاكمة للتثبت من أي أمر ترى أنه ضروري للفصل في الدعوى “.

  • وكذلك ما نصت عليه المادة (71/1) من ذات القانون على أنه: ” 1ـ تكون المرافعة علنية إلا إذا رأت المحكمة من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد الخصوم إجراءها سراً محافظة على النظام العام أو مراعاة للآداب أو حرمة الأسرة”.

ـ الآثار المترتبة على العمل بالضرورة الإجرائية: يترتب على توافر حالة الضرورة الإجرائية والعمل بها أمرين أساسيين يمكن توضيحهما على النحو التالي:

أ ـ وقف أو تعليق أو تعطيل الحكم الإجرائي الأصلي: حيث يترتب على توافر حالة الضرورة وقف الحكم العام والعمل بالحكم الاستثنائي، فالمحاكمة تكون علنية إلا متي توافرت حالة الضرورة فإنها تكون سرية فهذا الحكم الأخير هو استثناء على الأصل، والتي فرضته حالة الضرورة الإجرائية، والمستفاد من ذلك أن الضرورة أباحت للمحكمة أو للخصوم أو للغير الخروج عن حكم الأصل، وهذا الخروج يوقف العمل بالحكم الأصلي ومن ثم يتم تطبيق الاستثناء، وفي حال زوال السبب وهو حالة الضرورة تعود الأمور إلى نصابها الأصلي وتطبق الأحكام الإجرائية الأصلية.

ب ـ وقف الجزاء المترتب على مخالفة الأحكام الإجرائية الأصلية: إن قيام المضطر بالخروج عن القاعدة الأصلية وتطبيق الاستثناء كان بناء على نص قانوني فلو لم يكن هناك نصوص وأحكام تبيح تطبيق الاستثناء لما تم إعفاء المضطر من الجزاء في الأحكام الإجرائية، فهو وعند قيامه بعدم تطبيق الحكم الإجرائي الأصلي لم يكن وفق هواه أو اعتقاده الشخصي وإنما جاء بناء على نصوص قانونية رخصت له القيام بذلك، فالقاضي حين يجعل المرافعة سرية لم يقم بذلك إلا بناء على نص المادة (71/1) من القانون، وغيرها من المواد التي أباحت تطبيق أحكام إجرائية استثنائية في حالات الضرورة.

رابعا: بعض التطبيقات القضائية المتعلقة بالضرورة الإجرائية:

1ـ بشأن الطعن في القرارات التي تصدر أثناء سير الدعوى فقد جاء الحكم الصادر في الدعوى رقم (1148) لسنة 2022 – بداية اربد بصفتها الاستئنافية بجلسة 232/2/2022 والذي جاء فيه: ” وحيث أن الطعن يكون للأحكام المنهية والفاصلة في موضوع النزاع وفق مفهوم المادة 169 من الأصول المدنية وأن المادة (170) من القانون ذاته أوردت استثناء على ذلك وأعطت الحق في الطعن في القرارات التي تصدر أثناء السير في الدعوى في مسائل محددة حصراً وقضت بنص آمر بعدم جواز الطعن في الأحكام التي تصدر أثناء السير بالدعوى ولا تنتهي بها الخصومة إلاّ بعد صدور الحكم المنهي للخصومة وحيث أن الحكم الصادر بالدفع بعدم الاختصاص المكاني ليس من ضمن الأحكام الجائز الطعن فيها استقلالاً قبل صدور الحكم المنهي للخصومة “.

2ـ وعن ضرورة توافر شرط المصلحة فقد جاء في حيثيات الحكم رقم (73) لسنة 2022 والصادر بجلسة 15/5/2022 من محكمة بداية عمان ـ بصفتها الاستئنافية أنه: “وحيث يستفاد من المادة الثالثة من قانون أصول المحاكمات المدنية أنه لا يقبل أي طلب أو دفع لا يكون لصاحبه فيه مصلحة قائمة يقرها القانون وحيث نجد أنه لا مصلحة للمدينة للطعن بقرار الإحالة القطعية على عقار لا يعود لها وإنما يعود للكفيل مما يجعل طعنها مستوجب الرد شكلاً لعدم وجود مصلحة “.

3ـ وعن الأموال المستثناة من توقيع الحجز عليها فقد جاءت حيثيات الحكم رقم 2536 لسنة 2022 – استئناف عمان والصادر بجلسة 7/3/2022 بالنص على: “وحيث تجد محكمتنا أن المادة (141/3) من قانون أصول المحاكمات المدنية التي لا تجيز أن يحجز من أموال المدين إلا بما يفي مقدار الدين والرسوم والنفقات، وأن على قاضي الأمور المستعجلة أن يأخذ باعتباره قيمة الأموال المنقولة وغير المنقولة ومنها العقارات محل الحجز لضمان الوفاء بالدين وتوابعه وكذلك لعدم التعسف بإلقاء الحجز على الموال المدين، وحيث نجد أن المادة (365) من القانون المدني من اعتبرت أن جميع أموال المدين ضامنة للوفاء بديونه إلا أنها مشروطه ووفقا للمادة 141/3 انه في حال الحجز على أموال المدين لضمان الوفاء بها إلا تزيد عن الدين مع توابعه من مصاريف ورسوم وأتعاب وفوائد، ولما كانت الأحكام السابقة وما بينته المادة 142 من قانون أصول المحاكمات المدنية من الأموال المستثناة من الحجز “.

4ـ وعن حسن سير العدالة وحق المحكمة في وقف الدعوى، فقد جاء في حيثيات حكم محكمة التمييز الأردنية ـ بصفتها الحقوقية في القضية رقم(1083) لسنة 2022 بجلسة 3/7/2022 على أنه ” وحيث إن المادة (122) من قانون أصول المحاكمات المدنية تعطي لمحكمة الموضوع الصلاحية بأن تأمر بوقف الدعوى إذا رأت تعليق الحكم في موضوعها على الفصل في مسألة أخرى يتوقف عليها الحكم، وأن المستفاد من ذلك أن للمحكمة كلما رأت من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب أحد الخصوم أن تقرر وقف السير في الدعوى إذا وجدت أن الحكم في موضوعها يستلزم حتماً الفصل في مسألة أخرى وما هو ما اصطلح على تسميته بالمسألة الأولية التي يكون الفصل فيها لازماً للحكم في الدعوى ومنتجاً فيه بمعنى لزوم وجود ارتباط واضح بين الدعوى الأولى والثانية التي موضوعها المسألة الأولية بحيث يكون أثر الثانية في الدعوى الأولى واضحاً ومنتجاً وأن تكون المسألة الأولية من اختصاص جهة أو محكمة أخرى غير المحكمة الناظرة في الدعوى المطلوب وقفها “.

5 ـ وعن عدم وجود موطن في الأردن، فقد جاء في حيثيات الحكم رقم (1651) لسنة 2021 – والصادر من محكمة التمييز الأردنية ـ  بصفتها الحقوقية بجلسة 29/4/2021 على أنه ” حيث إن الدعوى أقيمت وفقاً لمتطلبات المادة (47) من قانون أصول المحاكمات المدنية التي جاء فيها:-( إذا لم يكن للمدعى عليه موطن ولا سكن في الأردن ولم يتيسر تعيين المحكمة المختصة بمقتضى الأحكام المتقدمة يكون الاختصاص للمحكمة التي يقع في دائرتها موطن المدعي أو محل عمله فإن لم يكن له موطن ولا محل عمل في الأردن كان الاختصاص لمحكمة عمان).وعليه فإن الحكم الصادر عن الهيئة العادية لمحكمة التمييز برد طلب المستأنف لعدم الاختصاص مخالف وتكون أسباب الطعن واردة على الحكم المطعون فيه وتوجب نقضه “.

كتابة: د/ محمد سعيد

Scroll to Top