وسائل الإثبات الكتابية في المنازعات الضريبية
مع تطور الأنشطة التجارية والاقتصادية والمالية ظهرت المنازعات الضريبية وهي عبارة عن الخلافات الناشئة بين الدولة ومؤسساتها المالية من ناحية، ومن الناحية الأخرى الأفراد والمؤسسات من جهة أخرى، لذلك حرص المشرع على سن تشريعات ينظم بها عملية فرض الضرائب وتحديد الطرق التي يستطيع أن يلجأ بها المتضرر الى القضاء، وكيفية إثبات الضرر الحاصل له نتيجة لمخالفة مقدري الضريبة للقانون أو خطأهم في تطبيقه.
لذلك سوف نتحدث في هذا المقال عن:
أولاً: مفهوم المنازعة الضريبية
ثانياً: مفهوم الإثبات في المنازعة الضريبية
ثالثاً: وسائل الإثبات الكتابية في المنازعة الضريبية
أولاً: مفهوم المنازعة الضريبية
المنازعة في اللغة معناها (مصدر نازع) وهي الخصومة والخلاف والجدال (تنازع القوم) اختلفوا ويُقال تنازعوا في الشيء.[1]
وتُعرف المنازعة اصطلاحاً: بأنها وجود تعارض بين ادعاءات طرفين لا يمكن التوفيق بينهما ويُطلب الى القاضي التدخل للفصل في هذا التعارض، ويُعرف النزاع الإداري بأنه الخلاف الذي يدور بين الإدارة العامة والغير بمناسبة قيام هذه الأخيرة بوظائفها التي كلفها بها القانون، وتنشأ النزاعات نتيجة اختلاف مصالح طرفي هذه العلاقة حيث يسعى كل طرف الى تحقيق أهدافه من خلال كافة الطرق القانونية، وتنشأ في ذات المساق المنازعات الضريبية ولكن هذه المنازعات لها خصوصية من حيث أطراف العلاقة أو الطبيعة القانونية أو طرق حلها.[2]
- كما عرفت محكمة النقض المصرية المنازعة الضريبية بأنها ” أية منازعة ناشئة عن تطبيق أحكام قانون الضرائب.”
كما عرفت محكمة التمييز الأردنية المنازعة الضريبية في حكمها رقم (987/94) ” إن المنازعة الضريبية لها طابع فتقوم على وقائع حقيقية حسابية مما يجيز للمحكمة من الوقوف على طبيعة تلك الوقائع والحقائق والاستعانة بخبرة فنية من أجل استجلاء الغموض في الحسابات الفنية ”
يتضح لنا أن المنازعة الضريبية تنشأ من خلال أسباب معينة، وأبرز هذه الأسباب يكون عن طريق تدخل من الإدارة الضريبية في تقدير ضريبة الدخل، فالمنازعة الضريبية يمكن تعريفها بأنها خلاف بين الإدارة الضريبية والمكلف على تحديد الضريبة المفروضة على المكلف.
ثانياً: مفهوم الإثبات في المنازعة الضريبية
من الوجه الأول: معنى الإثبات:
الإثبات في اللغة:” أثبت الشيء أي عرفه حق المعرفة والثابت هو تأكيد الحق بالدليل أو الحجة وهو تأكيد حقيقة أي شيء بأي دليل والثبوت هو الدوام والاستقرار”.[3]
كما تختلف وسائل الإثبات، فهناك الإثبات العلمي الذي يكون عن طريق الوسائل العلمية مثل التجربة العلمية والمشاهدة، وأيضاً الإثبات القضائي الذي يقوم به الخصوم ولا يحق لغير الخصوم أن يشارك فيه ومن وسائل الإثبات القضائي شهادة الشهود والكتابة والقرائن ويكون الإثبات القضائي في ساحات المحاكم.
- ويعرف الإثبات في الشريعة بأنه: إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التي حددتها الشريعة على حق نتيجة واقعة معينة تترتب عليها أثارها، ” كما عرفه البعض الأخر بأنه ” إقامة الدليل الشرعي أمام القاضي في مجلس قضائي على حق أو واقعة من الوقائع”[4]
-
أما الإثبات اصطلاحاً: “هو إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التي حددها القانون على وجود واقعة قانونية ترتب أثارها”[5]
-
ويتضح جليا أن اختلاف التعريفات حول الإثبات يؤدى الى عدة نتائج وهي:
1_ أن الإثبات القانوني يختلف عن الإثبات العلمي الذي يكون عن طريق الوسائل العلمية مثل التجربة والمشاهدة، فالإثبات القانوني يكون أمام القضاء وعن طريق وسائل محددة نص عليها القانون مثل شهادة الشهود والمحررات العرفية والإقرار.
2- أن الإثبات القضائي مقيد ومحدد بالطرق التي حددها القانون، ولا بد أن نثبت الواقعة محل النزاع بالطرق التي يبيح القانون اللجوء إليها، فالقانون هو من يحدد القيمة القانونية لكل طريقة من طرق الإثبات وما ترتبه من أثار.[6]
3_ينصب الإثبات على واقعة قانونية هي مصدر الحق المتنازع عليه، وقد تكون الواقعة مادية أو تصرف قانوني، وهذا يقضي وجود أي أثر قانوني، بأن توجد واقعة وأن تكون هناك قاعدة قانونية ترتب ذلك الأثر على الواقعة، فالإثبات يكون بإقامة المدعي الدليل على ثبوت ما يدعيه قبل المدعى عليه.[7]
الإثبات في التشريع:
تنص المادة (86) من القانون المدني الأردني رقم (43) لسنة (1976) على أنه: ( يُتبع لدى المحاكم في إجراءات الإثبات واستيفاء أدلة الحق القواعد والأحكام المنصوص عليها في قوانينها الخاصة وذلك فيما لا يتعارض مع الأحكام السابقة. إذ حدد المشرع الأردني في المادة 72 من القانون المدني أدلة الإثبات وأنواعها إلا أنه لم يتطرق لتعريف الإثبات).
- والملاحظ أن المشرع الأردني لم في قانون ضريبة الدخل ولا في قانون أصول المحاكمات الضريبية الأردني تعريفاً للإثبات، لذلك قام المشرع بإحالة كل ما لم يرد به نص الى قانون أصول المحاكمات الأردني وذلك وفقاً لنص المادة (44) من قانون ضريبة الدخل الأردني على أنه يتوجب الرجوع الى القواعد العامة الواردة في القانون المدني باعتباره الشريعة العامة للقوانين الخاصة في حال عدم وجود نص بالإضافة الى قانون البينات وقانون أصول المحاكمات المدنية.
على ذلك يمكن القول أنه إذا كان الإثبات بالمعني القانوني العام هو إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التي حددها القانون، فإن الإثبات الضريبي يمكن تعريفه أنه” صلاحية الإدارة الضريبية في كيفية إثبات العبء الضريبي ضمن أحكام القانون “. وفقاً لنص المادة (38) من قانون ضريبة الدخل الأردني.
من الوجه الثاني: المبادئ العامة في الإثبات
أولا: حياد القاضي
يُعد هذا المبدأ من أهم مبادئ الإثبات ويُقصد بحياد القاضي أن يقتصر دور القاضي على تلقى ما يقدمه أطراف النزاع من أدلة في الدعوى، وتقدير قوة كل دليل وفق ما حدده القانون، وليس من عمل القاضي المساهمة في جمع الأدلة وإسنادها للوقائع المراد إثباتها وليس من عمله أن يستند لدليل تحراه بنفسه. [8]
- حيث يقتصر دور القاضي على مجرد الحكم في النزاع المعروض عليه وليس من شأنه أن يُحابي طرف على طرف أخر من أطراف النزاع، ولا أن يساهم في جمع الأدلة لحل النزاع المعروض عليه، فدوره مقتصر على مجرد الحكم دون أي شيء أخر.
ثانياً: الحق في الإثبات ومبدأ مجابهة الأدلة
“هذا المبدأ يعني أن لكل خصم الحق في تقديم ما لديه من أدلة على الواقعة التي يدعيها، أو أدلة على نفى الواقعة التي يدعيها خصمه، مع مراعاة الشروط التي يفرضها القانون وهذا الحق تقره النصوص القانونية ذلك أن فاعلية أي حق يتوقف على إمكانية إثباته”[9]
- وترتيبا على ذلك فإن للخصوم الحق في تقديم الأدلة التي تثبت صحة ادعائهم، فمن يدعى الحق عليه إقامة الدليل لإثباته، ولكل خصم الحق في مناقشة ما يقدمه خصمه من أدلة وأن يقدم ما يراه مناسباً وقانونياً في سبيل إثبات عكس ما يدعيه الخصم وليس للقاضي مناقشة أي دليل أو سماع أي شهادة إلا بحضور الطرف الأخر، حيث نصت المادة (72/3) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني رقم 9 لسنة 1961 :”للمحكمة أن تُعطى الخصوم المهل المناسبة للاطلاع على المستندات والدر عليها كلما اقتضى الحال ذلك “وهذا ما يُعرف بمبدأ المواجهة أو المجابهة بالأدلة).
فالإثبات الضريبي أمام القضاء الضريبي شأنه كشأن الأثبات في أي نزاع قضائي أخر فمن حق كل طرف في النزاع الضريبي أن يقدم ما يثبت حقيقة ما يدعيه، وأن يقدم ما يثبت عكس ما يدعيه الخصم ولكن مع مراعاة خصوصية العلاقة الضريبية.
ثالثاً: لا يجوز للخصم أن يصطنع دليلاً لنفسه
نص المبدأ الثاني على أن الخصم لا يستطيع أن يٌنشأ دليلاً لنفسه، أي يقوم بصناعة الدليل من أجل إثبات صحة أقواله، فلا يمكن لأي طرف تقديم أي دليل دون التأكد من صحنه وأنه دليل قاطع يُثبت صحة أقواله أو يقوم بنفي ما يدعيه الخصم الأخر، “فلا يجوز للقاضي أن يقضى لأحد الخصوم بناء على دليل من صنع هذا الخصم نفسه، كورقة صادرة منه أو تقرير أو ادعاء تقدم به أو يمين تطوع هو بحلفها من تلقاء نفسه “،[10] فلو أجاز القانون لمثل هذا المبدأ، لم نكن لنستطيع الوصول الى صاحب الحق في أي نزاع سواء كان نزاع ضريبي أو أي نزاع قضائي أخر كما أننا سوف نكون أمام عدد لا نهائي من القضايا، ومع ذلك فهناك استثناءات على هذا المبدأ مثل الدفاتر التجارية ولكن هذا الاستثناء قاصر على التجار وما يتم في معاملاتهم التجارية، فالمشرع الضريبي أجاز للمكلف أن يصطنع دليلاً لنفسه عندما أوجب عليه مسك الدفاتر والسجلات، وتقديمها عند التحاسب الضريبي بوصفها إيضاحاً لمصدر دخله الخاضع للضريبة ومجمل حساباته وبخاصة مقدار الدخل ومقدار النفقات التي يتحملها.[11]
رابعاً: لا يجوز إجبار الخصم على تقديم دليل ضد نفسه
طالما أن الإثبات حق للمدعى فإنه من الطبيعي ألا يُجبر المدعي عليه تقديم دليل ضد نفسه ليعزز موقف خصمه على حسابه، ولكن ذلك لا يمنع في حالة تقديم أحد الخصوم لدليل أو بينة وجد الخصم الأخر أنها قد تعزز موقفه في القضية أن يستغلها لصالحه، ولكن مع ذلك قد يُجبر الخصم على تقديم دليل ضد نفسه في حالة إذا وجد القاضي أن الدليل الذي يُخفيه الخصم هو دليل ومستند قوى في القضية، حيث نص قانون البينات الأردني في المادة( 20 ) رقم 30 لسنه 1952 على يجوز للخصم أن يطلب إلزام خصمه بتقديم الإسناد أو الأوراق المنتجة في الدعوى والتي تكون تحت يده.
ثالثاً: وسائل الإثبات الكتابية في المنازعة الضريبية
من الوجه الأول: المحررات الكتابية الصادرة عن المكلف الضريبي
نصت المادة الرابعة من قانون أصول نظام المحاكمات الضريبية الحقوقية رقم (3) لسنة 2010 على ” يقدم المدعى خلال ثلاثون يوماً من تاريخ تقديم الملف الضريبي حافظة بجميع مستنداته وقائمة بيناته الخطية الموجودة تحت يد الغير وقائمة بأسماء شهوده وعناوينهم الكاملة والوقائع التي يرغب في إثباتها بالبينة الشخصية لكل شاهد على حدى وأية بينات أخرى يجيزها القانون”
- طبقاً لنص المادة فإن المشرع أشار الى حق المكلف الضريبي في إثبات صحة ما يدعيه في ملفه الضريبي وذلك عن طريق جميع الأدلة التي يستطيع أن يثبت بها صحة أقواله سواء كانت كتابية أو متمثلة بالبينة الخطية بيده أو بيد الغير بالإضافة الى شهادة الشهود والوسائل الأخرى التي يجيزها القانون مثل الإقرار والقرائن، بينما تُعد الأدلة الكتابية هي أقوى وسيلة من وسائل الإثبات لحسم المنازعات الضريبية، فما يصدر عن المكلف الضريبي من محررات كتابية هي أقوى البينات حجية لإثبات العبء الضريبي، باعتبارها الدليل الصادر عن المكلف نفسه، فقدد تكون هذه المحررات التي دونها المكلف إنما هي محررات ألزمه بها المشرع الضريبي مثل كشف التقدير الذاتي، أو الدفاتر الحسابية أو التجارية.
أ- كشف التقدير الذاتي:
” من أهم الالتزامات التي تقع على عاتق المكلف الضريبي تقديم إقرار ضريبي للإدارة الضريبية، سواء كان يتوافر للإدارة سجلات خاصة بالمكلف أو في حال عدم وجود سجلات معلومة لديها، وبهذا الإقرار فإن المكلف يقر بما دونه في كشفه وخضوعه لتطبيق النصوص الضريبية”.[12]
- ويقصد بكشف التقدير الذاتي: قيام كل شخص يتأتى له مصدر دخل أو أكثر وخاضع للقانون الضريبي بتقديم كشف خطي يبين فيه مصادر دخله المختلفة، من حيث النوع ومقدار دخله من المصادر المختلفة بالإضافة إلى الالتزامات والمصاريف المترتبة عليه لتحقيق دخله، ثم تحديد الدخل الصافي لحساب العبء الضريبي المترتب على هذا الدخل استنادا الى القانون الضريبي.[13]
فكشف التقدير الذاتي هو عبارة عن إقرار يقدمه كل شخص يكون له مصدر دخل، حيث يقوم بتقديم كشف يُبين فيه مقدار دخله نتيجة عمله عند قدوم ميعاد تقديم الإقرار من كل عام، حيث يخضع هذا الإقرار لتدقيق مقدر الضريبة، فقد يتم اعتماد هذا الإقرار دون طلب المقدر من مُقدمه التعديل عليه، وقد يطلب منه تعديل الإقرار بناءً على أسباب معينة مبيناً سبب طلب التعديل، وبعد إجراء هذا التعديل وتقدير الضريبة يتم اعتماد هذا الكشف، ولقد اعتمد المشرع الأردني أسلوب التقدير الذاتي وهو الذي يقدمه المكلف من تلقاء نفسه وفرض الأرباح على الدخل المتحقق له، حيث نصت المادة( 26/أ ) من قانون ضريبة الدخل الأردني على : ” كل شخص له مصدر دخل أو أكثر خاضع للضريبة أن يقدم في موعد لا يتأخر عن اليوم الأخير من الشهر الرابع التالي لسنته المالية الى مكتب تقدير ضريبة الدخل المختص كشفاً يتضمن التفصيلات المتعلقة بدخله الإجمالي ودخله الخاضع للضريبة، والضريبة المستحقة عليه عن سنته المالية السابقة”.
- والإلزام هنا ينطبق على جميع الأشخاص سواء كان شخص طبيعي أو معنوي، فكلاهما ملزمين بتقديم كشف التقدير الذاتي في الميعاد الذي حدده القانون، ويتم تفسير الإقرار الضريبي على أنه” العمل الأول أو الأساس الذي بواسطته يقر الممول أو المكلف أو يسلم بالدخول في مجال تطبيق أحد النصوص الضريبية، ويتعهد بذلك بأن يجرى مع الإدارة الضريبية حواراً من شأنه أن يسمح لها بأن تحدد على أساس من الصحة والدقة مبلغ الضريبة الواجب دفعه”.[14]
كما اتفق المشرع الضريبي المصري مع المشرع الأردني على أسلوب الإقرار الضريبي الموحد، حيث أوجب على كل ممول أن يقدم إقراراً ضريبياً يتضمن جميع أنواع مصادر دخله والنفقات والإعفاءات أو التنزيلات التي منحها له القانون الضريبي سواء كان الممول بالغاً أو قاصراً أو محجوراً عليه أو غائب من خلال وصيه أو ممثله القانوني، فيبقي ملتزماً بتقديم الإقرار الضريبي عنه وعليه أن يقدم إقراره الضريبي خلال الأشهر الأربعة الأولى من كل سنة بنموذج مُعد لهذه الغاية.[15]
ب- الحسابات المالية
يُقصد بالحسابات المالية بأنها الدفاتر الحسابية أي الدفاتر التجارية التي فرض المشرع التجاري على بعض المهن الاحتفاظ بها خلال ممارستها عملها التجاري، لتثبت من خلال ما تم القيد بها من بيانات للعملية التجارية مثل دفتر اليومية أو دفتر الجرد أو دفتر الإسناد، بالإضافة الى الميزانية العمومية، فهي الدفاتر الحسابية التي فرض المشرع الضريبي الاحتفاظ بها وتقديمها للإدارة الضريبية فيما يخص بعض الفئات. [16]
على ذلك يمكن القول إن الدفاتر التجارية هي الوسيلة القانونية التي من خلالها تستطيع الإدارة القانونية تحديد قيمة الدخل والأعمال التجارية التي قام بها، كما أنها تُعتبر حماية له ولحقوق الدائنين والمدينين.
- كما نص قانون التجارة الأردني رقم 12 لسنة 1966 على أنه يجب على كل تاجر أن ينظم على الأقل الدفاتر التجارية التالية
1_دفتر اليومية
2_دفتر صور الرسائل
3_دفتر الجرد والميزانية
حيث يجب على كل تاجر أن، يكون لديه على الأقل دفتر من هذه الدفاتر حتى لا يقع تحت طائلة القانون لإلزام التجار بتنظيم أحد هذه الدفاتر.
- أما الفئات الغير ملزمة بمسك الحسابات المالية فإنه يمكن لها أن تُعبر عن نشاطها المالي بأي نوع أخر من الحسابات التي تتوافر لها، بشرط أن تُعبر بشكل واضح عن حجم نشاطها المالي على أن تقوم هذه الفئة بتعزيز هذه الحسابات والمحررات بما يدعم ويؤكد صحتها ليكون بالمقابل على الإدارة الضريبية عبء إثبات خلاف ما جاء بها.[17]
حيث نصت المادة (15) من قانون البينات الأردني رقم 300 لسنة 1952 على : “لا تكون الدفاتر التجارية حجية على غير التاجر إلا أن البينات الواردة فيها عما أورده التجار تصلح أساساً يجيز للمحكمة أن توجه اليمين المتممة لأي من الطرفين”.
من الوجه الثاني: المحررات الكتابية الصادرة عن الإدارة الضريبية
أولاً: الكشوفات الحسية (المعاينة)
“يعرف الكشف الحسي بالمعاينة والتي تُعد من أهم وسائل الإثبات الكتابية الصادرة عن الإدارة الضريبية، أي أنه إثبات أوضاع معينة لمنشأة ما، في زمن ما، عن طريق المشاهدة على الطبيعة بغرض رسم صورة فعلية عن طبيعة نشاط هذه المنشأة وحجمه”.[18]
- فالكشف الحسي هو عبارة عن معاينة المنشأة أو مكان العمل على الطبيعة حتى يتسنى للإدارة الضريبية التصديق على الإقرار الضريبي للمكلف أم لا، فالمعاينة تكون في وقت غير معلوم، كما أنها تستلزم وجود أحد أفراد الإدارة للضريبية للقيام بها. حيث يقوم المُقدر الضريبي بزيارة الى موقع نشاط المكلف ولكن دون علمه، حيث تكون هذه الزيارات في أوقات مختلفة حتي يعلم المقدر الدخل الحقيقي للمكلف، وبعد المعاينة يقوم المقدر بإعداد محضر يدون فيه المعلومات المتعلقة بالمكلف الضريبي ونشاطه، وبيانات أخري تتعلق بالمٌقدر الذى أجرى هذا الكشف، حيث تعتبر هذه الكشوفات التي يقوم المقدر بإعدادها بما تحتويه من بينات ذات حجة قاطعة بصحة ما ورد فيها، ولكن ذلك مشروط أن يكون المقدر هو الذى قام بإعداد هذا المحضر بنفسه بحضور المكلف المعنى وتوقيعه على ما تم إثباته في المحضر، كما أخذ المشرع المصري أيضاً كما المشرع الأردني بأسلوب الكشف الحسي كوسيلة من وسائل الإثبات الكتابية التي تلجأ إليها الإدارة الضريبية، ويحقق أسلوب الكشف الحسي الذي يقوم به المقدر الضريبي في القانون الضريبي الأردني أو مأمور التقدير في القانون الضريبي المصري غايتين:
أ- من خلال الكشف الحسي أو المعاينة فإن المقدر أو المأمور يستطيع أن يتأكد من المعلومات والبيانات والقيود التي يبرزها المكلف في حساباته، و مدى دقتها من خلال التدقيق للقيود والدفاتر المتوفرة لدى المكلف والتي يضبطها منظم المحضر.
ب- ما يتم جمعه من بيانات ومعلومات تُشكل قاعدة محاسبية إذ أن ما يُعتبر مبيعات لمكلف فهي تُعتبر مشتريات لمكلف أخر، عندها يستطيع المقدر أو مأمور التقدير أن يتأكد من حجم نشاط مكلف أخر والتثبت من دقة المعلومات التي تقدم بها المكلف الأخر و مدى صحتها وذلك من خلال تدقيق القيود. [19]
ثانياً: قسائم المعلومات
يمكن القول بأن قسائم المعلومات تتمثل بمحررات من خلالها تقوم الإدارة الضريبية بتقنين المعلومات التي تتوفر لدى الإدارة، وذلك فيما يتعلق بمصادر دخل المكلفين وما هو حجم مصادر دخلهم من الجهات المختلفة إن كان ذلك من القطاع الخاص أو القطاع العام أو من خلال ملفات المكلفين الأخرين أنفسهم.[20]
- و لتحديد مدى حجية القسائم فإنه لا بد من إثبات حجم الدخل ومصدر الدخل وذلك حسب حجية المصادر التي استندت لها قسائم المعلومات في الوصول الى مصدر الدخل وحجمه، فإذا استندت الإدارة الضريبية الى قسائم المعلومات في الوصول الى مصادر أو محررات رسمية، فإن هذه القسائم تأخذ ما للمحررات الرسمية من حجية في ذلك، ما يعني أن القسائم التي تستند الى محرر رسمي لها حجية مطلقة في الإثبات ولا يطعن عليها إلا بالتزوير، بينما لو كانت تستند الى محررات عرفية غير رسمية فإنها تأخذ حجية ما لهذه المحررات من حجية حيث يمكن الطعن فيها بوسائل الطعن المختلفة التي يمكن الطعن بها بالمحررات العرفية.
كتابة الأستاذ/ محمد عبدالحميد
[1] المعجم الوسيط، معجم اللغة العربية، القاهرة، الطبعة الخامسة 2011 ص 921.
[2] يحيى، بدايرية، الإطار القانوني لتسوية النزاع القانوني في ظل التشريع الجزائري، رسالة ماجستير جامعة الحاج لخضر باتنة، كلية الحقوق، 2012 ص 17
[3] الزنجاني، محمود محمد احمد، تهذيب الصحاح، ج 1 دار المعارف 1371، ص 106.
[4] ورد لدى الكساسبة، عبد الرؤوف أحمد مفلح، إثبات العبء الضريبي في قانون ضريبة الدخل الأردني، دراسة مقارنة، رسالة ماجستير جامعة مؤتة، 2004، ص 7.
[5] الكساسبة، المرجع السابق، ص 9.
[6] الكساسبة، عبد الرؤوف، إثبات العبء الضريبي في قانون ضريبة الدخل الأردني، مرجع سابق، ص 9.
[7] هجانة، الطيب الزبير، الإثبات بالقرائن الحديثة، دراسة فقهية مقارنة، رسالة دكتوراه، جامعة أم درمان الإسلامية، السودان، ص 8.
[8] ناصر، أمل جبر، قواعد المرافعات والإثبات في منازعات الضرائب المباشرة، دراسة مقارنة، رسالة ماجستير، كلية القانون، جامعة ذي قار، 2015 ص 127.
[9] كساسبة، إثبات العبء الضريبي في قانون ضريبة الدخل، مرجع سابق ص 17
[10] مرقس، سليمان، أصول الأثبات وإجراءاته في المواد المدنية في القانون المصري، عالم الكتب القاهرة، 1981 ص 25
[11] ناصر، أمل جبر، مرجع سابق ص 24.
[12] البدراني، قيس، المركز القانوني للمكلف الضريبي، دار المناهج، 2005 ص 201.
[13] الشوابكة، سالم والكساسبة، عبد الرؤوف، وسائل الإثبات أمام القضاء الضريبي، بحث منشور، مجلة جامعة دمشق، مجلد22، عدد2 ، لعام 2006 ص 300..
[14] البدرانى، مرجع سابق، ص 203.
[15] أبو كرش، شريف مصباح، إدارة المنازعات الضريبية في ربط وتحصيل الضرائب، دار المناهج، 2004 ص 285.
[16] الشوابكة، الكساسبة، مرجع سابق، ص 301.
[17] الطراونة، مؤيد سلطان نايف، الدفاتر التجارية، رسالة ماجستير، جامعة الشرق الأوسط، كلية الحقوق، عمان، 2015 ص 40.
[18] الشوابكة، الكساسبة، مرجع سابق ص 313
[19] الكساسبة، مرجع سابق ص 93.
[20] الكساسبة، مرجع سابق، ص 29.

