مدى مسؤولية المتعاقد بعد انتهاء العلاقة التعاقدية
من البديهي أن المسئولية تنشأ مع قيام العقد واستمراره بين طرفيه، ويسأل الملتزم من الطرفين عن إخلاله بالتزاماته الثابتة بموجب العقد، فالعقد شريعة المتعاقدين، وفي حالة انقضاء العقد يصبح المتعاقدان غير محملان بأية مسئولية وينقضي أي التزام ناتج عن العقد.
ولكن هناك حالات قد أوردها المشرع يظل أحد طرفي العقد أو كليهما العقد ملتزمان بها حتى بعد انقضاء العقد وفي حالة الإخلال بها تقوم المسئولية إلا أن تلك المسئولية تختلف في طبيعتها عن تلك التي تكون أثناء العقد.
أولا: مفهوم العقد الملزم والمسئولية
ثانيا: حالات التزام المتعاقد بعد انتهاء العقد
ثالثا: الطبيعة القانونية للمسئولية بعد انتهاء التعاقد
أولا: مفهوم العقد الملزم والمسئولية
1- العقد الملزم
عرفه المشرع الأردني في المادة \87من القانون المدني بأنه:” العقد هو ارتباط الإيجاب الصادر من أحد المتعاقدين بقبول الآخر وتوافقهما على وجه يثبت أثره في المعقود عليه ويترتب عليه التزام كل منهما بما وجب عليه للآخر”.
2- المسئولية العقدية
يمكن تعريفها بأنها الأثر الذي يترتب على إخلال أي من طرفي العقد بالتزاماته التعاقدية الناتجة عن العقد المبرم بينهما بشرط أن يكون العقد صحيحا منتجا لآثاره، وسواء كانت مسئولية عقدية أو تقصيرية.
ثانيا: حالات التزام المتعاقد بعد انتهاء العقد
كما ذكرنا أنه من البديهي أن تنقضي المسئولية بانقضاء العقد إلا أن هناك حالات أوردها المشرع الأردني يظل فيها أحد طرفي العقد أو كليهما محملا بالتزامات رغم انتهاء التعاقد، ويمكن أن نجمل هذه الحالات في الآتي:
1- التزام العامل بعدم منافسة صاحب العمل
عقد العمل من العقود الملزمة للجانبين وطرفاه هما العامل وهو الطرف الضعيف في العلاقة العمالية وصاحب العمل وهو الطرف القوي في هذه العلاقة ورغم ذلك فان المشرع نص على التزام يقع على العامل وهو عدم منافسة صاحب العمل في مهنته وذلك في نطاق الشروط التي نص عليها المشرع في قانون العمل في المادة \818من القانون المدني على انه” 1- إذا كان العامل يقوم بعمل يسمح له بالاطلاع على أسرار العمل ومعرفة عملاء المنشأة جاز للطرفين أن يتفقا على ألا يجوز للعامل أن ينافس صاحب العمل أو يشترك في عمل ينافسه بعد انتهاء عقد العمل.
2- على أن الاتفاق لا يكون مقبولا إلا إذا كان مقيدا بالزمان والمكان ونوع العمل بالقدر الضروري لحماية المصالح المشروعة لصاحب العمل”.
وبالتمعن في هذه المادة نجد أن المشرع الأردني قد نص على عدم جواز منافسة العامل لرب حتى ولو كان العقد منتهي، وإن كان هذا اتفاقا بين طرفي عقد العمل إلا أنه لا يكون محل قبول إلا إذا كان مستوفيا للشروط المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة السابقة وهي:
أ- إذا كان الاتفاق على عدم المنافسة مقيدا بزمان معين.
فلا يصح أن يكون عمل العامل المنافس مطلقا دون تحديد مدة معينة وإنما لابد من تحديد مدة معينة فلا يكون مطلقا وإلا كان باطلا، ولكن البطلان هنا لا ينسحب على العقد وإنما يبطل الشرط دون العقد.
ب- إذا كان الاتفاق مقيدا من حيث المكان.
فيشترط أن يكون الاتفاق مقيدا من حيث مكان العمل، فلا يجوز أن يكون فوق كامل تراب المملكة وإنما لابد أن يكون الاتفاق قاصر على منطقة معينة وليس كامل تراب المملكة.
ج- إذا كان مقيدا من حيث نوع العمل
وكذلك اشترط المشرع أن يكون العمل المنافس المملوك للعامل مقيدا من حيث نوعه وأن يكون هذا العمل المشروط بالقدر الضروري لحماية مصالح
د- إذا كانت هذه القيود المنصوص عليها بالقدر الضروري لحماية المصالح المشروعة لصاحب العمل.
فإذا ما توافرت هذه الشروط كان الاتفاق على عدم المنافسة صحيحا ومنتجا لآثاره، وإذا لم يتوافر شرط من هذه الشروط في الاتفاق على عدم المنافسة كان باطلا.
وقد يكون الاتفاق على عدم المنافسة مصدره القانون وقد يكون مصدره العقد، وفي الحالتين لا يجوز للعامل منافسة صاحب العمل حتى بعد انتهاء العقد:
- الاتفاق مصدره القانون
وفي هذه الحالة لم يتم الاتفاق على عدم المنافسة في العقد المبرم بين الطرفين، ولذلك يرجع في ذلك للقواعد العامة في القانون والتي نصت على تنفيذ العقد وفقا لمبدأ حسن النية في تنفيذ العقود وهو ما نصت عليه المادة \202من القانون المدني على أنه” 1- يجب تنفيذ العقد طبقا لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية…. “.
وما يستلزمه هذا المبدأ من بعض المظاهر التي تساعد على الالتزام بعدم المنافسة حتى ولو لم يكن منصوصا عليه في العقد، ومن هذه المظاهر التي تساعد على الالتزام بعدم المنافسة الأمانة، والثقة، والإخلاص، والنزاهة.
فالأصل هو حسن نية طرفي العقد أي أن الإثبات ينصب على سوء النية لأن المرء لا يُطلب منه إثبات ما هو أصل فيه وإنما يُطلب منه إثبات ما يناقض هذا الأصل ([1]).
أي يُقصد بإثبات حسن النية نفي نقيضه وهو سوء النية، فيفترض بحسب الأصل أن يكون العامل حسن النية تتوافر فيه جميع مظاهر ومقتضيات حسن النية من أمانة وثقة مشروعة وإخلاص ونزاهة([2])، فهي صفات بطبيعتها تدفع العامل إلى احترام وتنفيذ التزامات عقد العمل بحسب ما تقتضيه ظروف التعاقد والعرف الجاري في هذا الخصوص، وبالتالي فتوافر الأصل (حسن النية) لدى العامل يفترض فيه الالتزام بعدم منافسة صاحب العمل بعد انتهاء عقد العمل الفردي ولو لم يكن هناك شرط بعدم المنافسة، فمنافسة العامل لصاحب العمل يشكل انتهاكا خطيرا لواجب الأمانة والإخلاص في علاقة العمل.
وبالتالي فيمكن القول بأنه بتوافر مقتضيات حسن النية في تنفيذ العقود فيصعب على العامل نفى المسئولية التقصيرية عنه ([3]) وبالتالي، فلا يجوز للعامل أن ينافس صاحب العمل في ذات نشاطه ولو بعد انتهاء عقد العمل أو يعمل لحساب صاحب عمل آخر في ذات النشاط.
- الالتزام بعدم المنافسة مصدره العقد
وقد يكون هذا الالتزام منصوص قد تم الاتفاق عليه في العقد وبالتالي فيلتزم به العامل ولا يقوم بمنافسة صاحب العمل في ذات العمل الذي كان يعمل فيه لديه، وإذا حدث ذلك يكون في إطار الشروط التي سبق بيناها والمنصوص عليها في المادة \818من القانون المدني.
2- التزام العامل بعدم إفشاء أسرار صاحب العمل
ولقد نص المشرع على هذا الالتزام في المادة \818سالفة الذكر، كما نص على أنه يحق لصاحب العمل فصل العامل إذا أفشى أسرار رب عمله وهو ما نص عليه في المادة \28\ومن قانون العمل الأردني على انه” لصاحب العمل فصل العامل دون إشعار وذلك في أي من الحالات التالية:
أ- ……….. و- إذا أفشى العامل الأسرار الخاصة بالعمل”.
ويتضح من هذه النصوص على أنه يقع على عاتق العامل التزام بعدم منافسة صاحب العمل أو إفشاء أسراره حتى بعد انتهاء العقد وذلك وفقا لمقتضيات حسن النية أو إذا كان هذا منصوصا عليه في العقد كما أوضحنا.
3- التزام أصحاب المهن بعدم إفشاء الأسرار
ومن المهم التي ترتبط بها السرية ارتباطا لا يقبل التجزئة، مهنة المحاماة والطب، فكلتاهما تستلزم الحرص على عدم إفشاء أسرار الموكل أو المريض، حتى ولو كان ذلك بعد انتهاء العلاقة التعاقدية:
أ- مهنة المحاماة
تعتبر مهنة المحامي من المهن المرتبطة بالعامل مع الناس في أسرارهم الشخصية وحياتهم العائلية وأمورهم التجارية والتي ترتبط بالقطع بأسرار قد تؤثر على حياتهم.
ولقد عرف قانون المحامين النظاميين الأردني المحاميين في المادة \ 6منه بأنهم” المحامون هم من أعوان القضاء الذين اتخذوا مهنة لهم تقديم المساعدة القضائية والقانونية لمن يطلبها لقاء أجر ويشمل ذلك:
1- التوكل عن الغير للادعاء بالحقوق والدفاع عنها:
أ- لدى كافة المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها عدا المحاكم الشرعية.
ب- لدى المحكمين ودوائر النيابة العامة والحكام الإداريين والضابطة العدلية.
ج- لدى كافة الجهات الإدارية والمؤسسات العامة والخاصة.
2- تنظيم العقود والقيام بالإجراءات التي يستلزمها ذلك.
3- تقديم الاستشارات القانونية”.
وينوب المحامي عن موكله بموجب عقد يبرم بينهما يسمى عقد الوكالة، فيقوم برفع الدعاوى القانونية للمطالبة بحق أو دفاعا عنه، كما أنه يقوم بالدفاع عنه في الاستئنافات وغيرها.
فمعرفة المحامي بأسرار وكيله تجعله ف موقف صعب وخاصة بعد انتهاء العلاقة التعاقدية إذ أنه لا يستطيع الجزم ما إذا كان المحامي سيلتزم بعدم إفشاء أسرار موكله من عدمه.
فلا يجوز لمن علم من المحامين أو غيرهم ممن على شاكلتهم إفشاء أي أسرار توصلوا إليها عن طريق مهنتهم، حتى لو كان ذلك بعد انتهاء عقودهم.
ولقد نصت المادة \13 من قانون المحامين النظاميين على عدم جواز إفشاء المحامي أسرار عمله حتى ولو بعد انتهاء خدمتهم، فيقع عليهم التزام بعدم إفشاء أسرار عملهم بعد انتهاء عقودهم، على أنه” 1- لا يجوز للمحامي الذي سبق واشغل منصب وزير أن يقبل الوكالة بنفسه أو بواسطة محام آخر في أي دعوى ضد الوزارة التي كان يتولاها أو ضد أي من الدوائر والمؤسسات والمصالح المرتبطة بها أو به وذلك لمدة ثلاث سنوات تلي تركه الوزارة.
2- لا يجوز لمن يتولى وظيفة عامة أو خاصة وترك الخدمة فيها واشتغل في المحاماة أن يقبل الوكالة بنفسه أو بواسطة محام آخر في أي دعوى ضد المصلحة العامة أو الخاصة التي كان يشغل فيها تلك الوظيفة وذلك لمدة سنتين تلي انتهاء خدمته فيها.
3- لا يجوز للمحامي الذي يتولى عضوية أي من المجالس، أو اللجان، أو الهيئات العامة، أو الخاصة بما في ذلك المجالس التشريعية والبلدية والإدارية قبول الوكالة بنفسه أو بواسطة محام آخر في أي دعوى ضد أي من تلك المجالس، أو اللجان، أو الهيئات، أو ضد أي من المصالح التابعة لها وذلك خلال مدة عضويته فيها ولمدة سنتين بعد انتهائها.
4- لا يجوز للمحامي الذي كان يشغل منصب القضاء قبل ممارسة المحاماة أن يقبل الوكالة بنفسه أو بواسطة محام آخر في دعوى كانت معروضة عليه أو في أي قضية متفرعة أو ناشئة عنها.
5- لا يجوز لمن أعطى رايه في قضية كانت قد عرضت عليه بصفته موظفاً، أو حكماً، أو فيصلاً، أو خبيراً أن يقبل الوكالة في تلك القضية أو في أي قضية متفرعة أو ناشئة عنها”.
2- مهنة الطب
تعتبر مهنة الطبيب من المهن التي ترتبط ارتباطا كبيرا بأسرار المرضى والتي يجب على الطبيب عدم البوح بها لأحد سوى المريض لأن هذا من صميم عمله وحقا شخصيا للمريض في الاحتفاظ بسره وكتمانه.
ويشمل الالتزام جميع من يعمل في المهن الطبية باستثناء الممرض الخاص الذي يندبه المريض للاعتناء به بالمنزل ([4]).
ثالثا: الطبيعة القانونية للمسئولية بعد انتهاء التعاقد
من البديهي أن العلاقة التعاقدية بين العامل وصاحب العمل علاقة يحكمها عقد العمل والذي قد ينص فيه على التزام بعدم المنافسة كشرط يتم الاتفاق عليه بين طرفيه وقد لا يتفق عليه الطرفان:
1- في حالة تضمين العقد لشرط عدم المنافسة
إن القاعدة العامة أن العقد شريعة المتعاقدين تحتم تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه بين طرفيه وعدم جواز مخالفته إلا في حالات المصلحة أو الشرط الأفضل للعامل والذي نص عليه قانون العمل الأردني.
وفي هذه الحالة يقع على العامل وجوب عدم مخالفة الالتزام بعدم المنافسة تطبيقا لما جاء ببنود العقد واتفقا الطرفين عليه، وإذا أخل العامل بهذا الالتزام فان يكون قد أخل بتنفيذ العقد ويمتد هذا الالتزام إلى ما بعد انتهاء عقد العمل وطبقا لما جاء بنص المادة \818 من القانون المدني سالفة الذكر.
وعليه فان المسئولية التي تقع على عاتق العامل هنا هي المسئولية العقدية وذلك في حالة إفشائه سر رب عمله أو منافسته في عمله ومخالفته نص المادة \818سالفة الذكر.
2- في حالة عدم تضمين عقد العمل شرط عدم المنافسة أو إفشاء الأسرار
من المعروف أنه بتوافر مقتضيات حسن النية في تنفيذ العقود فيصعب على العامل نفى المسئولية التقصيرية عنه، ذلك أن عدم النص عليه في العقد تستوجب الاستناد في ذلك إلى القواعد العامة في القانون والتي تمنع العامل من الدخول في منافسة مع صاحب العمل.
أما بالنسبة لأصحاب المهن الحرة كالمحاماة والطب فنه لا شك تكون المسئولية التي تقع عليهم في حالة إخلالهم بإفشاء أسرار موكليهم أو مرضاهم هي مسئولية عقدية نابعه من عقد الوكالة المبرم بين المحامي والموكل أو العقد المبرم بين الطبيب والمريض المتعاقد معه.
كتابة دكتور \ عبد المنعم حسن الشرقاوي
دكتوراه القانون المدني
([1]) د عبد اللطيف عبد الحليم القوني، حسن النية وأثره في التصرفات في الفقه الإسلامي والقانون المدني، بدون ناشر، 2004، ص460
([2]) عبد اللطيف عبد الحليم القوني، المرجع سابق، ص452.
([3]) د. محمد على عمران، الوسيط في قانون العمل السعودي، دار النهضة العربية، 1985، ص143، 142.
([4]) د. محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات المصري، القسم الخاص، ص766.

