مسئولية المحامي المدنية عن إفشاء السر المهني

مسئولية المحامي المدنية عن إفشاء السر المهني

حث المشرع على المحافظة على أسرار المهنة وذلك حفاظا على أسرار الأفراد أو المتعاملين فيها، هذا وتتميز بعض المهن بما يترتب على التعامل فيها من الوصول إلى أسرار تتعلق بالأفراد المتعاملين فيها ومن تلك المهن مهنة المحاماة، وتمثل تلك الأسرار أهمية كبيرة لما يرتبط بها من أسرار شخصية خاصه بأشخاص الموكلين والتي تخص حياتهم أو أعمالهم سواء كانت تجارية أو مدنية.

ونظرا لحساسية تلك الأسرار وما يمكن أن يترتب على إفشائها من أضرار تلحق بأصحابها فقد رتب المشرع مسئولية مدنية على المحامي الذي يقوم بإفشاء تلك الأسرار رغبة منه في وضع عقاب رادع حتى يتم المحافظة على أسرار الموكلين.

 

أولا: مفهوم السر المهني والالتزام به والمسئولية المدنية

ثانيا: الشروط اللازم توافرها في السر المهني

ثالثا: الأساس القانوني للامتناع عن إفشاء السر المهني والاستثناءات الواردة عليه

رابعا: صور إفشاء المحامي للسر المهني

خامسا: الطبيعة القانونية لالتزام المحامي بعدم إفشاء السر المهني

سادسا: أنواع المسئولية المدنية للمحامي عن إفشاء السر المهني

سابعا: أحكام محكمة التمييز الأردنية

 

أولا: مفهوم السر المهني والالتزام به والمسئولية المدنية

1- السر المهني

عرف البعض السر المهني بأنه” الصفة التي تطبق على كل ما يتعلق أو يتصل بعلم الإنسان بحكم وظيفته أو مهنته ويقع عليه التزام بعدم إفشائه والمحافظة على أسرار المهنة ([1]).

ولقد عرف البعض السر المهني فيما يخص مهنة المحاماة بأنه ذلك الواجب القانوني الذي بمقتضاه يلتزم المحامي تجاه موكله بعدم إفشاء أسراره للغير التي اطلع عليها من خلال عمله، وعلى كل محامي قبل ممارسته لمهنة المحاماة أداء القسم بالمحافظة على الأسرار”([2]).

2- الالتزام بوجه عام

عرف البعض الالتزام بأنه” رابطة قانونية يلتزم بمقتضاها شخص معين يسمى المدين بالقيام بأداء يمكن تقويمه بالمال قصد تحقيق مصلحة مالية أو غير مالية لشخص آخر معين أو قابل للتعيين اسمه الدائن يكون له بمقتضى هذه المسلحة الحق في أن يطالب المدين بالتنفيذ وأن يضطره للتنفيذ كرها إن لم يقم به طوعا”([3]).

3- المسئولية المدنية

عرف البعض المسئولية المدنية بوجه عام بأنها” التزام الشخص بما صدر عنه قولا أو فعلا وجزائها يكون التعويض عن الضرر الذي ترتب على إخلاله بالتزامه الذي يقع عليه”([4]).

ثانيا: الشروط اللازم توافرها في السر المهني

لكي ينطبق على المعلومة وصف السر المهني لابد من توافر شروط معينه وهي:

1- وصول المحامي للمعلومة عن طريق عمله كمحامي

فلابد من أن يكون المحامي قد وصل للمعلومة الخاصة بموكله عن طريق عمله كمحامي له، إذ أنه لو كان وصوله إليها بصفته الشخصية ففي هذه الحالة لا ينطبق عليها وصف السر المهني.

فالمعرفة المكتسبة لابد وأن تكون قد تمت أثناء ممارسة المهنة أو بسببها فاذا لم يكن السر قد وصل لعلم المحامي أثناء ذلك فلا جرم في إفشائه، فالمحامي ملزم بكتمان كل ما وصل إلى علمه من معلومات سرية علم بها أثناء ممارسته المهنة أو بسببها ([5]).

ويشمل العلم المعلومات التي علم بها المحامي كونه محاميا سواء أخبره بها موكله أو علم بها هو كونه محاميا، فلا يشترط أن يكون الموكل قد أعلمه بها، بل يستوي أيضا أن يكون علمه بها عن طريق دعوى يباشرها ([6]).

 

2- أن تكون المعلومة خاصة

فلكي تكون المعلومة سرا مهنيا لابد وأن تكون معلومة خاصة بشخص معين وأن يكون العلم بها محصورا على أشخاص معينه كصاحبها ومحاميه، فالمعلومات العامة التي يعرفها كل الناس لا ينطبق عليها وصف السر المهني.

فالمعلومة المعروفة لدى الناس لا ينطبق عليها وصف السر المهني، وكذلك إذا أذاع المحامي هذه المعلومة التي عرفها عن طريق مهنته، ولكن لم يضف الإفشاء جديدا إلى علم الغير فلا تتحقق المسئولية المهنية وتبقى المعلومة محتفظة بطابع السرية وإن علمها عدد كبير من الناس ما داموا ينتمون إلى محيط عائلي واحد ([7]).

3- أن تكون للموكل مصلحة مشروعة في كتمان المعلومة

بطبيعة الحال الموكل يكون حريصا على سرية معلوماته لدى محاميه ويكون هادفا من وراء ذلك مصلحة، فان لم يكن له مصلحة في ذلك فلن يكون حريصا على سريتها، ولكن يشترط أن تكون تكون تلك المصلحة مشروعة، كما لو كانت مصلحة أدبية يخشى الموكل من علم الناس بها فيصيبه ضررا أدبيا ([8]).

فاذا كشف الموكل لمحاميه عن أخبار أو معلومات تتعلق بمكانته الاجتماعية وسمعته فلا يجوز للمحامي أن يفشيها للغير ([9]).

ثالثا: الأساس القانوني للامتناع عن إفشاء السر المهني والاستثناءات الواردة عليه

تناول المشرع الأردني السر المهني فنص عليه في المادة \ 60\4 من قانون المحاميين النظاميين رقم \51لسنة1981 على أنه” يمتنع على المحامي تحت طائلة المسئولية … 4- أن يؤدي شهادة ضد موكله بخصوص الدعوى التي وكل بها أو أن يفشي سرا ائتمن عليه أو عرفه عن طريق مهنته المتعلقة بأسرار الموكلين لدى القضاء في مختلف الظروف ولو بعد انتهاء وكالته”.

كما ينطبق هذا الحظر على العاملين بمكتب المحامي الذين تحت إشرافه، وان يتقيد المحامي بآداب المهنة وسلوكها وهو ما نصت عليه المادة \54من قانون المحامين النظاميين على أنه” على المحامي أن يتقيد في سلوكه بمبادئ الشرف والاستقامة والنزاهة وان يقوم بجميع الواجبات التي يفرضها عليه هذا القانون وتفرضها عليه أنظمة النقابة وتقاليدها”.

كما حظر المشرع الأردني على المحامي أي عمل يضعه في موطن شبهه ضد موكله، حتى لو كان ذلك في الماضي أو بعد انتهاء وكالته، أو أن يكون وكيلا لجهة سبق وأن أطلع على مسنداتها وأسرارها وقت أن كان وكيلا عنها.

وهو ما نص عليه في المادة \61 من قانون المحاميين النظاميين على أنه” لا يجوز للمحامي تحت طائلة المسؤولية أن يقبل الوكالة:

1- عن طرفين متخاصمين في دعوى واحدة.

2- ضد موكله بوكالة عامة إذا كان يتقاضى عن هذه الوكالة أتعاب شهرية أو سنوية.

3- ضد شخص كان وكيلا عنه، في نفس الدعوى أو الدعاوي المتفرغة عنها ولو بعد انتهاء وكالته.

4- ضد جهة سبق أن أطلعته على مستنداتها الثبوتية ووجهة دفاعها مقابل أتعاب استوفاها منها سلفا”.

رابعا: صور إفشاء المحامي للسر المهني

ولو تمعنا في المادة \61 سالفة الذكر لوجدنا أن المحامي من الممكن أن يفشي سر موكله عن طريق عدة صور وهي:

1- إذا ما قبل الوكالة ضد موكله بوكالة عامة.

إذ أنه إذا ما قبل تلك الوكالة فانه سيقوم بإفشاء أسرار موكله، لأنه بطبيعة الحال لديه معلومات وأسرار موكله وسيقوم باستعمالها وبالتصرف على أساسها في مصلحة الوكالة الأخيرة، وهو ما يتسبب في ضرر لموكله الأول ويعد إفشاء لسره يستحق التعويض.

2- إذ ما قبل الوكالة عن شخص كان قد وكله في دعوى سابقة أو نفس الدعوى.

إذ أنه في هذه الحالة سيقوم باستغلال ما لديه من معلومات وأسرار لموكله السابق واستعمالها لمصلحة الأخير.

3- حالة قبوله الوكالة ضد جهة سبق وأن اطلع على أسرارها.

إذ أنه باطلاعه على أسرارها يكون في مقدوره أن يستعمل تلك الأسرار لمصلحة الوكيل الموكل الجديد، وهو ما نصت عليه المادة \61 \4 على أنه” لا يجوز للمحامي تحت طائلة المسئولية أن يقبل الوكالة:

4- ضد جهة سبق أن أطلعته على مستنداتها الثبوتية ووجهة دفاعها مقابل أتعاب استوفاها منها سلفاً”.

4- إفشاء الأسرار لشخص واحد أو عدة أشخاص.

5- الإفشاء من قبل المحامي أو شخص يعمل بمكتبه.

فقد يقوم المحامي بالإفشاء بنفسه وقد يكون عن طريق أحد مساعديه في المكتب.

6- أن يقوم المحامي بإفشاء أسرار موكله بشكل صريح أو ضمني.

ويكون الإفشاء صريح متى قام المحامي بإفشاء السر الذي أؤتمن عليه بشكل واضح لا لبس فيه ولا غموض ([10]).

7- قيام المحامي بالإدلاء بشهادة ضد من كان وكيلا عنه في السابق في جريمة سبق وأن اطلع على مستنداتها بحكم أنه كان وكيلا فيها.

وهو ما نص عليه المشرع الأردني في المادة \60\4 على أنه” ………… 4- أن يؤدي شهادة ضد موكله بخصوص الدعوى التي وكل بها أو أن يفشي سراً أؤتمن عليه أو عرفه عن طريق مهنته المتعلقة بأسرار الموكلين لدى القضاء في مختلف الظروف ولو بعد انتهاء وكالته.

خامسا: الطبيعة القانونية لالتزام المحامي بعدم إفشاء السر المهني

 

إن المحامي في دفاعه عن موكله يبذل قصارى جهده في الدفاع عنه وذلك في إطار القانون وما يدفعه ضميره نحو اقتناعه بأنه بريء أو أنه صاحب حق، وهو في مسئوليته هذه لا يكون مسئولا سوى ببذل عنايه وليس تحقيق نتيجة، وقد يكون في بعض الأحيان مسئولا عن تحقيق نتيجة:

1- الالتزام ببذل عناية.

فأصل الالتزام بالنسبة للمحامي هو التزامه ببذل عناية وهي أن يبذل العناية اللازمة لكسب قضية معينة لموكلة، بأن يبحث في النصوص القانونية ويدرس القضية بشكل واف ويتخذ من الأمور والحيطة اللازمين لكسب تلك القضية.

فقد استقر القضاء الأردني على أنه التزام المحامي هو في الغالب التزام ببذل عناية إلا في حالات نادرة يكون فيها الالتزام بتحقيق نتيجة، فقد قضت محكمة التمييز في حكم لها بأن” الأخطاء التي ترتب المسئولية على المهندس- شأنه في ذلك شأن باقي المهن- لا تنحصر في الأخطاء التي تصدر عن نية سيئة، بل تتعدى في كل سلوك يعد خروجا عن المألوف من أهل الصنعه في بذل العناية التي تقضيها أصول وقواعد المهنة”([11]).

ويتخذ المحامي في ذلك عناية الرجل المعتاد الذي يبذل قصارى جهده في سبيل كسبه القضية، وطالما بذل واعتنى بالأمر عناية الرجل العادي فانه يكون قد وفى بالالتزام حتى ولو لم يكن قد تحقق الغرض المقصود.

وهو ما نص عليه المشرع الأردني في المادة \358\1 من القانون المدني على أنه” إذا كان المطلوب من المدين المحافظة على الشيء أو القيام بإرادته أو توخي الحيطة تنفيذا لالتزامه فانه يكون قد وفى بالالتزام إذا بذل في تنفيذه من العناية كل ما يبذله الشخص العادي ولو لم يتحقق الغرض المقصود هذا ما لم ينص القانون أو الاتفاق على غير ذلك”.

ويكون التزامه ببذل العناية واحدا في المسئوليتين التقصيرية والعقدية والانحراف عن هذا المعيار يعرضه للخطأ الذي يستوجب المسئولية، وللرجوع على المحامي لابد من إثبات خطئه من حيث إثبات تقصيره في بذل العناية المطلوبة ([12]).

كما نصت المادة \ 841من القانون المدني الأردني على أنه” 1- على الوكيل أن يبذل في تنفيذ ما وكل به العناية التي يبذلها في أعماله الخاصة إذا كانت الوكالة بلا أجر.2- وعليه أن يبذل في العناية بها عناية الرجل المعتاد إذا كانت بأجر”.

2- الالتزام بتحقيق نتيجة.

وليس الحال على وتيرة واحده فإذا كانت مسئولية المحامي ببذل عناية إلا أنها في بعض الأحيان تكون مسئوليته بالالتزام بتحقيق نتيجة.

ومسئولية المحامي تتحقق عندما يفشل المحامي في تحقيق النتيجة المرجوة ويكفي أن يثبت موكله أن تلك النتيجة لم تتحقق.

ويمكن حصر الحالات التي يلتزم فيها المحامي بتحقيق نتيجة:

1- أن يحافظ المحامي على أموال وأوراق الموكل

فيقع التزام لابد من تحقيقه من جانب المحامي ولا تساهل فيه وهو المحافظة على أموال الموكل أز مستنداته وأوراقه، إذ أن فقدانها يترتب عليه إفشاء ما بها من أسرار عن طريق الاطلاع الغير عليها.

وهو ما نص عليه المشرع الأردني في قانون المحامين الأردنيين في المادة\ 50 \1 على أنه” على المحامي أن يسلم موكله كل ما تسلمه من النقود والأوراق الأصلية التي في حوزته عندما يطلب الموكل ذلك”.

2- المحافظة على أسرار الموكل.

إذا كان يخشى ضياع أوراق ومستندات الموكل من المحامي ويصبح مسئولا عنها إلا أنه أيضا تقوم المسئولية في حالة إذا أفشى أسرار موكل.

وهو ما نصت عليه المادة \ 60\4 على أنه” أن يؤدي شهادة ضد موكله بخصوص الدعوى التي وكل بها أو أن يفشي سراً أؤتمن عليه أو عرفه عن طريق مهنته المتعلقة بأسرار الموكلين لدى القضاء في مختلف الظروف ولو بعد انتهاء وكالته”.

وكذلك نص المشرع الأردني في المادة \ 54 من ذات القانون على مبادئ الشرف والنزاهة، على أنه” على المحامي أن يتقيد في سلوكه بمبادئ الشرف والاستقامة والنزاهة وان يقوم بجميع الواجبات التي يفرضها عليه هذا القانون وتفرضها عليه أنظمة النقابة وتقاليدها”.

3- حالة قيام المحامي بالتوكيل عن عميله وخصمه.

وتأتي هذه الحالة في أن يكون المحامي وكيلا عن شخص وفي ذات الوقت وكيلا عن خصمه في الدعوى وهي من أسوء الحالات التي يتعامل فيه المحامي مع موكله وهو ما جسدها قانون المحاميين النظاميين في المادة \ 60\5 على أنه” يمتنع على المحامي تحت طائلة المسئولية:

5- أن يعطي رأيا أو مشورة لخصم موكله في دعوى سبق له أن قبل الوكالة فيها أو في دعوى ذات علاقة بها، ولو بعد انتهاء وكالته”.

وهو ما قضت به محكمة العدل العليا في حكم لها بأن” قيام المحامي بالتعامل مع خصم موكله على نحو يجاب له الكسب مستغلا وكالته وصلاحيته الممنوحة له وتوسطه بين خصوم موكله على نحو يجلب له الكسب يخالف لائحة أدب المهنة وتكون العقوبة المفروضة عليه بمنعه من مزاولة المهنة لمدة ستة أشهر متفقا مع القانون”([13]).

وفي هذه الحالات يكون المحامي مسئولا عن الالتزام ببذل عناية أما في غيرها فيكون مسئولا عن تحقيق نتيجة وهي عن إفشاء الأسرار وتتحقق مسئوليته في هذا الشأن.

سادسا: أنواع المسئولية المدنية للمحامي عن إفشاء السر المهني

وقد تكون مسئولية المحامي عن إفشاء السر المهني أساها العقد وفي هذه الحالة تكون المسئولية العقدية وقد تكون المسئولية أساسها مخالفة التزام قانوني وفي هذه الحالة يكون الالتزام قانوني:

1- مسئولية المحامي مسئولية عقدية.

فطبيعة الحال فان عمل المحامي مع موكله يكون عن طريق عقد يتم إبرامه بينهما بالشروط المتفق عليها بينهما، وفي هذا العقد تكون مسئولية المحامي عن خطئه الشخصي الثابت بموجب هذا العقد وذلك بإفشائه أسرار موكله، أو إفشاء مساعديه لذلك السر:

أ- مسئوليته عن الخطأ الشخصي

فالعقد المبرم بين الطرفين (المحامي والموكل) يكون هو الأساس الذي تحمل عليه الالتزامات التي تقع على عاتق المحامي وهي أجلها التزامه بعدم إفشاء أسرار موكله وإخلاله بهذا الالتزام يحقق مسئوليته المدنية كما هو الحال في مسئولية الطبيب ([14]).

ويتعين لكي تقوم هذه المسئولية أن يكون العقد المبرم بين المحامي والموكل صحيحا تتوافر فيه كافة شروط العقد القانونية.

ولقد عرف المشرع الأردني العقد الصحيح في المادة \ 167 من القانون المدني بأنه” العقد المشروع في أصله ووصفه بأن يكون صادرا من أهله مضافا إلى محل قابل لحكمه وله غرض قائم وصحيح ومشروع وأوصافه صحيحة ولم يقترن به شرط مفسد له”.

فلا مسئولية مع العقد الباطل، وإنما لابد وان يكون العقد صحيحا كي تقوم المسئولية ويستحق التعويض، وهو ما قضت به محكمة التمييز في حكم لها بأن” لا يصلح العقد الباطل سبباً للضمان لأن المسؤولية العقدية من آثار العقد الصحيح وأما العقد الباطل فلا يترتب عليه أثر عملاً بالمادة 168 من القانون المدني، مما يبرر عدم الحكم للمميزين المدعيان بالتقابل بقيمة الإصلاحات المدعى عليها في حال ثبوتها”([15]).

ولكي تتحقق مسئولية المحامي في هذه الحالة لابد وأن يصدر خطأ منه وذلك بإحدى الصور التي يقوم بها بإفشائه أسرار موكله كما سبق أن أوضحنا في صدر هذا المقال وبينا تلك الصور.

ولقد أكد المشرع الأردني في المادة \55 من قانون المحاميين النظاميين على مسئولية المحامي في حالة ثبوت خطئه الجسيم أثناء دفاعه عن موكله على أنه” على المحامي أن يدافع عن موكله بكل أمانة وإخلاص وهو مسؤول في حالة تجاوزه حدود الوكالة أو خطئه الجسيم”.

ولا يكفي لقيام تلك المسئولية أن يكون هناك خطأ من المحامي وإنما لابد وأن يترتب على هذا الخطأ ضرر، فهو يعتبر ركنا أساسيا من أركان المسئولية العقدية والذي على أساسه يتم تقدير التعويض المدني، وقد يكون هذا الضرر مادي أو معنوي.

كما يجب أن تتوافر علاقة سببية بين الخطأ والضرر وذلك بأن يكون الضرر الذي أصاب الموكل نتيجة منطقية مترتبة على الخطأ الذي ارتكبه المحامي بإفشاء أسرار موكله، فإذا لم يكن هناك علاقة سببية بينهما فلا تعويض.

ب- مسئولية المحامي عن خطأ مساعديه

فقد يستخدم المحامي في تنفيذ وكالته عن موكله أحد المحامين أو أكثر للقيام بتلك المهمة، وهو في تلك الوكالة يكون مسئولا عن أخطاء هؤلاء المساعدين، ولكن يشترط لتحمله تلك المسئولية أن يكون العقد المبرم صحيحا وأن يقوم أحد مساعديه بممارسة حق الوكالة بالإنابة عن المحامي الأصلي ويكون ذلك بتفويض من المحامي إلا إذا كانت الوكالة الصادرة من الموكل لا تبيح استخدام مساعدين وإنما هو بشخصه فقط ، وهو ما نصت عليه المادة \ 843 من القانون المدني على أنه” 1- ليس للوكيل أن يوكل غيره فيما وكل به كله أو بعضه إلا إذا كان مأذونا من قبل الموكل أو مصرحا بالعمل برأيه ويعتبر الوكيل الثاني وكيلا عن الموكل الأصلي.

2- فاذا كان الوكيل مخولا حق توكيل الغير دون تحديد فانه يكون مسئولا عن خطئه في توكيل غيره أو فيما أصدره له من توجيهات”.

ويتضح من هذه المادة أن مسئولية المحامي في هذا الشأن تكون في الخطأ الذي حدث فيما أصدره من تعليمات أو توجيهات لمساعديه في الدفاع عن موكله.

2- مسئولية المحامي مسئولية تقصيرية

وقد تكون مسئولية المحامي تجاه موكله مسئولية تقصيرية ناشئة عن خطأ قانوني وقع فيه المحامي أثناء دفاعه عن موكله، وهي المسئولية عن الإخلال بواجب من الواجبات المهنية التي حدده القانون تجاه موكله ([16]).

وتكون مسئولية المحامي التقصيرية نابعه من خلال مسئوليته ببذل عناية وليس بتحقيق نتيجة، ذلك أنه مسئول ببذل عناية في دفاعه عن موكله وليس بتحقيق نتيجة فإذا أثبت الموكل أنه لم يبذل العناية اللازمة في دفاعه عنه فانه يكون قد أخل بالتزام قانوني عليه وبالتالي فتقوم مسئوليته التقصيرية وهنا يتوافر الخطأ الموجب للمسئولية.

ولكن لا يكفي لقيامها توافر الخطأ فقط وإنما لابد من توافر الضرر المترتب عليه وعلاقة السببية التي تربط بين الخطأ والضرر.

وكذلك الحال يكون المحامي مسئولا عن أعمال تابعيه أو مساعديه من المحامين طالما أن الوكالة تبيح الاستعانة بغيره في الدفاع وليست مقصورة عليه فقط.

وفي هذه الحالة يكون مسئولا عن التوجيهات التي يقدمها لمساعديه في الدفاع عن موكله وما بذلوه من عنايه في هذا الشأن.

وهو ما نصت عليه المادة \288\ب من القانون المدني على أنه” ب- من كانت له على من وقع منه الإضرار سلطة فعليه في رقابته وتوجيهه ولو لم يكن حرا في اختياره إذا كان الفعل الضار صدر من التابع في حال تأدية وظيفته أو بسببها”.

سابعا: أحكام محكمة التمييز الأردنية

1- قضت محكمة العدل العليا الأردنية في حكم محكمة العدل العليا الأردنية، رقم \201لسنة2004( هيئة خماسية)، جلسة 29\6\2004، منشورات مركز العدالة بأن” يستفاد من قانون المحاميين النظاميين رقم \11لسنة1972 وتعديلاته أن المادة\ 60\5 قد منعت المحامي وتحت طائلة المسئولية من أن يعطي رأيا أو مشورة لخصم موكله ولو بعد انتهاء وكالته كما منعت المادة \61منه قبول الوكالة عن طريق متخاصمين وحيث ما قام به المستدعي يشكل مخالفة لأحكام المادتين المشار إليهما ويعد إخلالا بواجبات وشرف المهنة فان ما توصل إليه مجلس النقابة المستدعي ضده يكون في محله من حيث الإدانة فقط”.

2- لقد قضت محكمة التمييز الأردني في حكم لها برقم \768لسنة1982، مجلة نقابة المحاميين لسنة1982، ص832 بمسئولية المحامي بالتعويض عن خطئه، بأنه” إن المحامي الذي يفوت على الموكل المدد القانونية المقررة في إجراءات الخصومة القضائية وإجراءات التنفيذ يعتبر مقصرا في بذل العناية اللازمة في تنفيذ ما وكل به إعمالا لحكم المادة \841\2 متن القانون المدني وأن تقصيريا كهذا يرتب على المحامي مسئولية الضمان بما يساوي الضرر الواقع فعلا حين وقوعه بمفهوم المادة \363من القانون المدني”.

كتابة دكتور \ عبد المنعم حسن الشرقاوي

دكتوراه القانون المدني

([1]) فائق سليم هوير خميس الجنابي، مسئولية المحامي المدنية الناشئة عن إفشاء السر المهني، رسالة ماجستير، جامعة الشرق الأوسط، 2020، ص25.

([2]) د. حسين عبداللطيف الحمدان، محاضرة العنصر الأخلاقي في مسئولية المحامي عن أخطائه المهنية، ص47.

([3]) د. محمد وحيد الدين سوار، شرح القانون المدني النظرية العامة للالتزام، ج1، مصادر الالتزام، ط7، مشورات الحلبي الحقوقية، جامعة دمشق، ص18.

([4]) فائق سليم هوير حميس الجنابي، مرجع سابق، ص 53.

([5]) د. عادل جبري محمد الحبيب، مدى المسئولية المدنية عن الإخلال بالالتزام بالسر المهني أو الوظيفي، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، ص83.

([6])فائق سليم هوير خميس الجنابي، مرجع سابق، ص28.

([7]) عادل جبري محمد الحبيب، مرجع سابق، ص26.

([8])فائق سليم هوير خميس الجنابي، مرجع سابق، ص30.

([9]) منتظر محمد المهدي، عقد المشورة المهنية، رسالة دكتوراه، جامعة النهرين، 2004، ص90.

([10]) خلف محي عدنان، جريمة إفشاء السر المهني في القانون العراقي، رسالة ماجستير، كلية القانون، جامعة بغداد، ص99.

([11]) حكم تمييز أردني حقوقي، طعن رقم \487لسنة1878، منشورات مركز العدالة.

([12]) د. محمد مشعل النيابي، المسئولية المدنية للمحامي، 2014، ص30.

([13]) حكم محكمة العدل العليا رقم\ 376لسنة1997، المبادئ القانونية ، المجلد عدد 10، 11من مجلة نقابة المحامين بسنة1998، ص1474.

([14]) د. عبدالرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، دار إحياء التراث العربي، بيروت ، لبنان، ج7، ص771.

([15]) حكم تمييز حقوقي، طعن رقم \2231لسنة2001، جلسة 23\9\2001.

([16]) د. مصطفي أحمد عبدالجواد حجازي، التزام المحامي بالحفاظ على أسرار العميل، دار النهضة العربية، القاهرة، 2005، مصر، ص171.

Scroll to Top