الحماية العقدية للأسرار التجارية

الحماية العقدية للأسرار التجارية

أدى التطور الكبير في وسائل الاتصال إلى انتشار نظام التجارة الدولية، ومن المعروف أن هذا النظام التجاري الدولي يزخر بالأسرار التجارية التي تنحصر فيمن يملكها وله الحق في التحكم فيها وهو الطرف الذي يقدم العروض التجارية أو المعلومات التي تتعلق بصفقات التجارة.

ونظرا لاحتمالية قيام الطرف المطلع على الأسرار التجارية بالاطلاع على تلك الأسرار عند الإفصاح عنها بشأن صفقة تجارية أو خلافه، وما يترتب على ذلك من احتمال تعرض الطرف المقدم للصفقات لخسارة مالية أو لذيوع أسراره التجارية واستخدامها ضده من الخصوم، فانه يحق له إبرام عقود مع تلك الجهات للحفاظ على الأسرار التجارية وعدم ذيوعها.

أولا: مفهوم الأسرار التجارية والحماية العقدية

ثانيا: شروط منح حماية الأسرار التجارية

ثالثا: الأساس القانوني لحماية الأسرار التجارية

رابعا: صور إفشاء سرية الأسرار التجارية

خامسا: أحكام عقد المحافظة على السرية وموقف المشرع الأردني

 

أولا: مفهوم الأسرار التجارية والحماية العقدية

1- الأسرار التجارية

عرفتها المنظمة العالمية للملكية الفكرية بأنها” كل المعلومات التجارية السرية التي تعطي للشركة ميزه تنافسية”.

بينما عرفها المشرع الأردني في المادة \4 من قانون المنافسة غير المشروعة والأسرار التجارية الأردني رقم \15لسنة2000بأنها” أ- لمقاصد هذا القانون تعتبر أي معلومات سرا تجاريا إذا اتسمت بما يلي:

1- أنها سرية لكونها غير معروفة عادة في صورتها النهائية أو في مكوناتها الدقيقة أو أنه ليس من السهل الحصول عليها في وسط المتعاملين عادة بهذا النوع من المعلومات.

2- وأنها ذات قيمة تجارية نظرا لكونها سرية.

3- وأن صاحب الحق أخضعها لتدابير معقولة للمحافظة على سريتها في ظل ظروفها الراهنة.

ب- لا تنطبق أحكام هذا القانون على الأسرار التجارية التي تتعارض مع النظام العام أو الآداب العامة”.

وعرفها البعض الآخر بأنها” المعلومات السرية المتعلقة بسلعة ما أو بمنتجات معينة بما تشمله من ابتكارات، أو تركيبات، أو مكنونات، أو عناصر، أو أساليب، أو طرق، أو وسائل صناعية وبصفة إجمالية هي مجموعة المعارف الفنية والتكنولوجية والأسرار المتعلقة بالسلع والمنتجات التي يحتفظ بها المنتج أو الصانع ولم يفصح عنها”([1]).

2- الحماية العقدية

ويقصد به العقد الذي تقوم الجهة صاحبة الحق في السر بالاتفاق على إبرامه مع الجهة المنوط بها الاطلاع عليه وذلك بهف الحفاظ على سرية المعلومات التجارية والعمل على عدم ذيوعها.

ثانيا: شروط منح حماية الأسرار التجارية

لقد نص المشرع الأردني على شروط منح الحماية للأسرار التجارية في المادة \4 من قانون المنافسة غير المشروعة والأسرار التجارية رقم \15لسنة 2000 سالفة الذكر وهي:

1- أن تكون معلومات سرية أو غير معروفة في صورتها النهائية أو لصعوبة الحصول عليها

لقد حددت اتفاقية تريبس معنى السرية في المادة \39\2 بأنها ألا تكون المعلومات سواء في مجموعها أم في الشكل أم التجميع الدقيق لمكوناتها معروفة عادة أو سهلة الحصول عليها من قبل الأشخاص الذين يتعاملون عادة في نوع تلك المعلومات.

وبطبيعة الحال فان المعلومات التي تحظى بالحماية يجب أن تكون سرية لدى الكافة لا يعلمها سوى من له حق الاحتفاظ بها، أما المعلومات غير المعلومة للكافة أو غالبية الناس فإنها لا تستلزم الحماية إذ أنها بعلمها الكافة، فما هو معلوم للناس فلا حاجه لحمايته من الذيوع والانتشار لأنه بطبيعته معلوم للكافة، فهي لا تدخل ضمن مفهوم الأسرار التجارية التي يحميها القانون ([2]).

ولكن لا يعني ذلك أن تكون السرية مطلقة، ولا يعني أن يعلمها عدد قليل من الناس أن تكون عامة، فإذا كان هناك عددا محدود من الناس يعلمها فان هذا لا يفقدها سريتها ولا ينفي عنها وصف السرية، فلو قام صاحب السر التجاري بإفشائها لعدد قليل من الناس فان ذلك لا ينفي عنها وصف السرية طالما أنهم محملين بعبء الالتزام بكتمان السر.

كما أن وصول بعض الناس لتلك المعلومات عن طريق الخبرة أو البحث في وسائل الاتصال الحديثة لا ينفي عنها وصف السرية، وتظل موصوفة بوصف السرية طالما أنه لم يتم الإفصاح عنها أو أنها لا تزال غير معلومة لدى الغير من الأشخاص أو المشاريع في مجال التخصص ([3]).

2- قيمتها التجارية العالية

ولا يكفي أن تكون المعلومات سرية فحسب، بل يجب أن تكون لتلك السرية قيمة عالية من الناحية التجارية بحيث يؤدي الوصول إليه إلى تحقيق أكبر نفع لمن توصل إليها من الناحية التجارية، كما لو كانت ذات دور كبير في الحصول على استثمارات أو تؤدي إلى تحسين الأداء التجاري أو الاقتصادي.

ولا يشترط أن تكون القيمة التجارية عالية بشكل فوري وإنما يمكن أن تكون كذلك في المستقبل، المهم أن تكون هناك قيمة تجارية سواء كانت حالية أو مستقبله.

3- أن يكون صاحب الشأن قد أخضعها لتدابير معقولة للمحافظة على السرية

وكذلك يشترط أن يكون صاحب الشأن قد اتخذ من التدابير ما يضفي على تلك المعلومات الأهمية والسرية، كما لو قام بحبسها عن الناس وعدم رؤية الناس لها حتى لا يتمكن أحد من الاطلاع عليها، أو منع دخول أي أحد بخلاف العاملين بالشركة إلى مقر يعلمهم بتلك المعلومات السرية، أو عمل تحكم عليها بالحاسب الآلي بحيث لا يمكن لأي أحد أن يسل إليها سوى المسموح لهم بذلك، أو وضع شروط معينة بالعقد تلزم العاملين بالحفاظ عليها وعدم نشرها.

4- ألا تكون متعارضة مع النظام العام والآداب العامة

من البديهي لكي تحظى المعلومات بوصف السرية أو يستطيع من يحافظ عليها أن يسن قوانين لذلك أن تكون معلومات مشروعة، بمعنى ألا تكون متعارضة مع النظام العام والآداب العامة.

فلا يمكن أن يتم الحفاظ على معلومات تتعلق بتهريب ممنوعات أو تجارة مواد مخدرة أو تجارة تتعلق بالإتجار في البشر.

فإذا ما توافرت هذه الشروط في المعلومات السرية التجارية فإنها تحظى بالحماية من الذيوع والإفشاء.

ثالثا: الأساس القانوني لحماية الأسرار التجارية

لقد تناولت الاتفاقيات الدولية حماية الأسرار التجارية، إذ أشارت اتفاقية تربس في الفقرة الثالثة من المادة (39) منها بانه (للأشخاص الطبيعيين والاعتباريين حق منع الإفصاح عن المعلومات التي تحت رقابتهم بصورة قانونية لآخرين أو حصولهم عليها أو استخدامها دون الحصول على موافقة منهم بأسلوب يخالف الممارسات التجارية النزيهة. “……

وتناول المشرع الأردني حماية الأسرار التجارية في القوانين المختلفة، فقد نص في المادة \814\5 من القانون المدني على المحافظة على أسرار صاحب العمل فنصت على أنه” يجب على العامل: ……………….. 5- أن يحتفظ بأسرار صاحب العمل الصناعية والتجارية ولو بعد انقضاء العقد وفقا لما يقتضيه الاتفاق أو العرف”.

كما نص المشرع الأردني في المادة \6 من قانون المنافسة غير المشروعة رقم \15لسنة2000على حظر الممارسات غير الشريفة للحصول على الأسرار التجارية، بل وعدد تلك الممارسات فنص على أنه “أ- يعد حصول أي شخص على سر تجاري أو استعماله له أو الإفصاح عنه بطريقة تخالف الممارسات التجارية الشريفة دون موافقة صاحب الحق إساءة لاستعمال السر التجاري.

ب- لغايات تطبيق الفقرة (أ) من هذه المادة يعتبر مخالفا للممارسات التجارية الشريفة على وجه الخصوص ما يلي:

1- الإخلال بالعقود.

2- الإخلال بسرية المعلومات المؤتمنة أو الحرص على الإخلال بها.

3- حصول شخص على الأسرار التجارية من طرف آخر إذا كان يعلم أو كان بمقدوره أن يعلم بأن حصول ذلك الطرف عليها كان نتيجة مخالفة للممارسات التجارية الشريفة.

ج- لا يعتبر مخالفا للممارسات التجارية الشريفة على وجه الخصوص التوصل إلى السر التجاري بصورة مستقلة أو عن طريق الهندسة العكسية”.

رابعا: صور إفشاء سرية الأسرار التجارية

تتعدد صور إفشاء الأسرار التجارية وذلك وفقا للمتغيرات في التكنولوجيا الحديثة والتطور التكنولوجي الكبير ومنها:

1- الكشف عن السر التجاري في مرحلة التفاوض، وتعد هذ المرحلة من أخطر المراحل التي يخشى كشف السر التجاري أثناءها دون أن يكون هناك التزام يضمن عدم قيام الجهة طالبة الترخيص بالحفاظ على السرية.

ذلك أن صاحب السر التجاري يكون مضطرا إلى الكشف عن سره التجاري أمام الجهة طالبة الترخيص وذلك ليتمكن من التسوق أمام الجهة المطالبة ([4]).

ويرى البعض أنه يمكن حماية السر التجاري خلال تلك الفترة وذلك على أساس المسئولية التقصيرية ([5]).

2- الاطلاع ممن لا يتوجب الاطلاع منهم على الأسرار التجارية عند شراء تكنولوجيا معينة خاصة بمنتج معين على سبيل المثال.

3- إفشاء الأسرار التجارية أو استخدامها دون موافقة صريحة أو ضمنية ممن يملكها إذا تم ذلك الاعتداء من شخص استخدم وسائل غير مشروعة لمعرفة السر التجاري، أو علم بالسر التجاري أو كان بمقدوره أن يعلم أن مصدر علمه بهذا السر وقت الإفشاء كان قد تم في ظروف توجب الحفاظ على السرية أو الحد من استخدام السر التجاري.

4- حالة دخول صاحب السر التجاري مع جهات معينة بعقود بهدف صيانة المعدات أو الآلات المستخدمة في المنشأة صاحبة الحق في السر التجاري، إذ أنه يمكن لتلك الجهات أن تتوصل لذلك السر من خلال صيانتها للآلات.

خامسا: أحكام عقد المحافظة على السرية وموقف المشرع الأردني

يلجأ صاحب الحق في السر إلى الجهة التي يتم كشف الأسرار أمامها والذي تلتزم بمقتضاه المحافظة على السرية حيث يتم الاتفاق على الحفاظ على سرية المعلومات وعدم إفشائها أما الغير والحفاظ عليها بشتى الطرق من الأشخاص غير المخول لهم الاطلاع عليها.

ويستمر ذلك العقد طيلة المدة التي يتفق الطرفان على الحفاظ على السر التجاري فيها، ويمكن للغير أن يقوم باستغلال السر التجاري عند انتهاء اتفاقية السرية.

وتوصف الحماية العقدية بأنها نسبية كونها لا تشمل الكافة وإنما هي قاصره على طرفي العقد فقط.

وينبغي أن يتضمن هذا العقد بندا فيه، بأن يلتزم الطرف الذي يطلع على السر التجاري بالحفاظ عليه وعدم إفشائه طوال المدة التي تبقى فيها تلك الأسرار محتفظة بسريتها وتتوافر فيها الشروط القانونية الوجب توافرها في الأسرار التجارية.

كما يمكن حماية السر التجاري لفترة غير محدودة من الزمن ما لم يكتشفه آخرون أو يحصلوا عليه بطريقة مشروعة ويكشف عنها للجمهور، أما الحماية المقررة بالبراءات فقد حددتها اتفاقية تريبس ب عشرون عاما ابتداء من تاريخ التقدم بطلب البراءة أو إيداعه.

أما المشرع الأردني فقد اتخذ موقفا مماثلا لموقف المشرع المصري من هذه الاتفاقيات، فالمشرع الأردني لم ينص صراحة على هذا النوع من الاتفاقيات وإنما جعل الإخلال بالعقود بشكل عام صورة من صور المنافسة غير المشروعة دون أن يذكر الاتفاقيات السرية.

وهو ما نص عليه المشرع في المادة \2 من قانون المنافسة غير المشروعة والأسرار التجارية

أ- يعتبر عملا من أعمال المنافسة غير المشروعة كل مناقصة تتعارض مع الممارسات الشريفة في الشئون الصناعية أو التجارية وعلى وجه الخصوص ما يلي:

1- الأعمال التي بحكم طبيعتها تسبب لبسا مع منشأة أحد المنافسين، أو منتجاته، أو نشاطه الصناعي، أو التجاري.

2- الادعاءات المغايرة للحقيقة في مزاولة التجارة والتي قد تسبب نزع الثقة عن منشاة أحد المنافسين أو منتجاته أو نشاطه الصناعي.

3- البيانات أو الادعاءات التي قد يسبب استعمالها في التجارة تضليل الجمهور فيما يتعلق بطبيعة المنتجات، أو طريقة تصنيعها، أو خصائصها، أو كمياتها، أو صلاحيتها للاستعمال.

4- أي ممارسة قد تنال من شهرة المنتج أو تحدث لبسا فيما يتعلق بمظهره الخارجي أو طريقة عرضه أو قد تضلل الجمهور عن الإعلان عن سعر المنتج أو طريقة احتسابه.

ب- إذا كانت المنافسة غير المشروعة متعلقة بعلامة تجارية مستعملة في المملكة سواء أكانت مسجلة أم غير مسجلة وتؤدي إلى تضليل الجمهور فتطبق هذه المادة.

ج- تسري الأحكام الواردة في الفقرتين (أ)، (ب) من هذه المادة على الخدمات حسب مقتضى الحال”.

وهو ذات النهج الذي سار عليه المشرع المصري فقد أورد في المادة \58\ 3 والتي تنص على أن بعض الأفعال التي تشكل منافسة غير مشروعة ومن ضمنها قيام أحد المتعاقدين في عقود سرية المعلومات بإفشاء ما وصل إلى علمه من الأسرار، إذ نصت على أنه” تعد الأفعال الآتية، على الأخص، متعارضة مع الممارسات التجارية الشريفة، وينطوي ارتكابها على منافسة غير مشروعة: ….. 3 – قيام أحد المتعاقدين في – عقود سرية المعلومات – بإفشاء ما وصل إلى علمه منها)، بذلك فإنه قد أجاز لمالك الأسرار التجارية والمطلع عليها الاتفاق على المحافظة على الأسرار التجارية وعند إخلال الأخير بهذا الالتزام تتحقق مسؤوليته، وان كان قد قصر هذا الاتفاق على عدم إفشائها ولم يشر إلى عدم الاستغلال دون موافقة من مالكها”>

هذا بالإضافة إلى أن المشرع الأردني قد تناول وجوب المحافظة على سرية أسرار صاحب العمل كما جاء في المادة \ 19\ب من قانون العمل الأردني سالفة الإشارة.

كتابة دكتور \ عبد المنعم حسن الشرقاوي

دكتوراه القانون المدني

([1]) د. مرتضى عبدالله خيري، القواعد الخاصة لحماية المعلومات غير المفصح عنها وعلاقتها بالصناعة الدوائية، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، المجلد 2، ع1، 2020، ص92.

([2]) قيس على محافظة، الآثار القانونية المترتبة على حماية الأسرار التجارية والاختراعات” دراسة مقارنة”، بحث منشور، مجلة دراسات علوم الشريعة والقانون، المجلد 38، ع1، 2011، ص95.

([3])قيس على محافظة، مرجع سابق، ص96.

([4]) د. محمود رياض عبيدات، رمزي أحمد ماضي، الحماية العقدية للأسرار التجارية: دراسة مقارنة”، مرجع سابق، ص410، نادي الأحياء، ص110.

([5]) د. محسن شفيق، نقل التكنولوجيا من الناحية القانونية، مطبعة جامعة القاهرة, القاهرة، 1984،ص61.

Scroll to Top