التقاضي الإلكتروني الجزائي

التقاضي الإلكتروني الجزائي في الأردن

يعد التقاضي الإلكتروني واحدًا من المصطلحات والمفاهيم الحديثة التي لم تظهر إلا قبيل انتشار مصطلح “الحكومة الإلكترونية”، فالتقاضي الالكتروني عبارة عن تنظيم تقني معلوماتي بين شبكة الربط الدولية في تكنولوجيا الاتصالات وبين مبنى الجهاز القضائي، بهدف تحقيق انعكاس إيجابي على عملية التقاضي، والنهوض بقطاع قضائي حديث ومتطور ومواكب للعصر الحالي، وسوف نتناول جميع ما يتعلق بالتقاضي الإلكتروني من خلال العناصر الرئيسية التالية:

أولًا: مفهوم التقاضي الإلكتروني

ثانيًا: التمييز بين التقاضي التقليدي والتقاضي الإلكتروني

ثالثًا: خصائص التقاضي الإلكتروني

رابعًا: مردود تطبيق نظام التقاضي الإلكتروني على تحقيق العدالة الإجرائية

سادسًا: عيوب تطبيق نظام التقاضي الإلكتروني

سابعًا: متطلبات تطبيق التقاضي الإلكتروني

سابعًا: تجارب بعض الدول في التوجه نحو التقاضي عن بعد

ثامنًا: جهود المملكة الأردنية الهاشمية في تطوير التشريعات الإجرائية في المواد الجنائية

ونقدم شرح تفصيلي لكل عنصر من العناصر الرئيسية السابقة فيما يلي:

أولًا: مفهوم التقاضي الإلكتروني

عّرف الفقه التقاضي الإلكتروني على أنه “عملية نقل مستندات التقاضي إلكترونيًا إلى المحكمة عبر البريد الإلكتروني حيث يتم فحص المستندات بواسطة الموظف المختص وإصدار قرار بشأنها بالقبول أو الرفض وإرسال إشعار إلى المتقاضي يفيده علمًا بما تم بشأن هذه المستندات”([1]).

وقد انتقد البعض هذا التعريف تأسيسًا على أنه تعريف غير شامل وقاصر على عملية نقل مستندات التقاضي إلكترونيًا إلى المحكمة المختصة فقط، دون مراعاة إجراءات التقاضي الأخرى.

وأورد بعض الفقهاء تعريفًا أخر للتقاضي الإلكتروني بأنه: “سلطة لمجموعة متخصصة من القضاة النظاميين بنظر الدعوى ومباشرة الإجراءات القضائية بوسائل إلكترونية مستحدثة ضمن نظام أو أنظمة قضائية معلوماتية متكاملة الأطراف والوسائل تعتمد منهج تقنية شبكة الربط الدولية (الإنترنت) وبرامج الحاسوبية الإلكترونية بنظر الدعاوى والفصل فيها، وتنفيذ الأحكام بغية الوصول لفصل سريع في الدعاوى والتسهيل على المتقاضين”([2]).

وقد انتقد البعض هذا التعريف تأسيسًا على أنه أسهب في بيان مفهوم التقاضي الإلكتروني وإجراءاته، وأنه كان من الأفضل لو أنه اختصر بالتعريف ليكون التعريف أشمل لمفهوم التقاضي الإلكتروني وأوضح لمعناه، وبناءً على ذلك فقد عرفوا التقاضي الإلكتروني بأنه: “سلطة المحكمة القضائية المتخصصة للفصل إلكترونيًا بالنزاع المعروف أمامها من خلال شبكة الربط الدولية (الإنترنت) وبالاعتماد على أنظمة إلكترونية وآليات تقنية فائقة الحداثة بهدف سرعة الفصل بالخصومات والتسهيل على المتخاصمين”([3]).

ثانيًا: التمييز بين التقاضي التقليدي والتقاضي الإلكتروني

“يتفق التقاضي التقليدي مع التقاضي الإلكتروني في الموضوع وكذا أطراف الدعوى فكلاهما يهدف إلى تمكين الشخص من رفع دعواه أمام المحكمة المختصة قضائيًا التي تنظر في النزاع وتصدر أحكام بشأنه ولكنهما يختلفان في طريقة التنفيذ، ففي إطار التقاضي الإلكتروني يتم التنفيذ عن طريق الوسيط الإلكتروني الأمر الذي يجعله يتميز بالعديد من الخصائص”([4]).

ثالثًا: خصائص التقاضي الإلكتروني 

يعتمد التقاضي عن بُعد على شبكة الاتصال والمعلوماتية المعروفة بـ “شبكة الإنترنت” ومقارنةً مع التقاضي التقليدي الذي يعتمد على العمل اليدوي أكثر منه الإلكتروني، فإن التقاضي الإلكتروني يتميز بالعديد من الخصائص، وهي كالتالي:

1.     حلول الوثائق الإلكترونية محل الوثائق الورقية

إن أهم ما يميز إجراءات نظام التقاضي عن بعد هو عدم استعمال الوثائق الورقية في جميع الإجراءات والمراسلات التي تتم بين طرفي التقاضي، إذ تتم بينهما إلكترونيًا وهو ما يتفق مع الغرض من إنشاء الوسائط بمعنى خلق ما يُعرف بـ “المعاملات اللاورقية”.

لذلك نجد بأن الدعائم الإلكترونية سوف تحل محل الدعائم الورقية بصفة نهائية، بحيث تصبح الرسالة الإلكترونية هي السند القانوني الذي يمكن لطرفي النزاع اعتماده ودليل من أدلة الإثبات الإلكترونية. ففي التقاضي الإلكتروني تتم كافة المراسلات بطريقة إلكترونية وتصبح هي السند القانوني الوحيد المتاح لأطراف النزاع ويترتب على هذا الإحلال تخفيض التداول الورقي للدعاوى في المحاكم، وأيضًا تجنب فقدانها وارتفاع مستوى أمن السجلات وسريتها في المحكمة.

2.     تسليم المستندات والعرائض إلكترونيًا عبر شبكة الاتصال

يطلق على تسليم الوثائق إلكترونيًا عبر الإنترنت بـ “التنزيل عن بعد أو التسليم المعنوي” والمقصود منه استقبال أو نقل أو تنزيل أحد البرامج أو البيانات عبر الإنترنت الخاص للمستخدم، إذ يمكن نقل المستندات والملفات على الخط دون اللجوء إلى العالم الخارجي.

3.     سرعة تنفيذ إجراءات التقاضي

تساهم عملية التقاضي الإلكتروني بشكل فعال في إتمام إجراءات التقاضي بين طرفي النزاع على وجه السرعة، إذ إن عملية إرسال واستلام المستندات والمذكرات تتم دون الحاجة لانتقال أطراف الدعوى مرات متعددة لمقر المحكمة وفي ذلك توفير للوقت والجهد والمال وتقليل الازدحام واكتظاظ المحاكم والجلسات.

4.     إعادة هيكلة قطاع العدالة عن طريق عصرنته قصد تحسين الأداء وتقليل الإجراءات

يعتبر التقاضي عن بُعد انطلاقة نوعية في مجال العدالة القضائية؛ لما له من أهمية في تبسيط وسرعة في إجراءات التقاضي وتسهيل الاطلاع على المعلومات وحسن النظر والفصل في الدعوى، ومما لا شك فيه أن كل هذا ينعكس على إتقان وعمل المحاكم، كما أنه يساهم في القضاء على مشاكل العدالة التقليدية التي تتسم ببطء الإجراءات وبالتالي إثقال كاهل المتقاضي في الحصول على كامل حقوقه.

5.     تبسيط الإجراءات على شركاء العدالة خاصةً المحامين

فقد كان التقاضي التقليدي يستلزم بذل جهد من قِبل المحامين في تسجيل القضايا، لذلك فقد ساعدت شبكة الإنترنت من خلال التقاضي الإلكتروني في تبسيط وتسهيل الإجراءات عليهم.

6.     إثبات إجراءات التقاضي الإلكتروني

لا تعد الكتابة دليلًا كاملًا للإثبات في المعاملات التقليدية إلا إذا كانت موقعة يدويًا، أما في التقاضي الإلكتروني فيتم الإثبات عبر المستند الإلكتروني والتوقيع الإلكتروني.

فالمستند الإلكتروني هو المرجع للوقوف على ما اتفق عليه طرفا النزاع وتحديد التزاماتهم، ويضفي التوقيع الإلكتروني حجية على هذا المستند.

إن تطبيق العمل بالتقاضي الإلكتروني له أهمية كبيرة جدًا وخاصةً بعصرنا الراهن لاختصار الوقت والجهد لإيصال كل صاحب حق لحقه بأبسط وأسرع الطرق كوننا نعيش في عالم يشهد ثورة علمية فاقت كل التصورات، وخاصةً بمجال الاتصالات عبر وسيلة الإنترنت.

فعندما يقوم أطراف الدعوى بالاطلاع على الدعاوى الخاصة بهم، عبر الإنترنت وهم في مكاتبهم وأيضًا يقوم القاضي بالاعتماد على أحدث البرامج القانونية التي تحتوي على آلاف النصوص والاجتهادات القضائية بأبسط وأسرع الطرق، لإصدار حكمه، نكون بذلك قد هيئنا المناخ الملائم لتحقيق العدالة.

7.     الاعتماد على الوسيط الإلكتروني

“حتى يتحقق نظام التقاضي الإلكتروني لا بد من وجود وسيط إلكتروني ويتمثل في جهاز كمبيوتر متصل بشبكة الاتصالات الدولية (الإنترنت) أو شبكة اتصال خارجي خاصة (الإلكسترانيت) التي تقوم بنقل التعبير عن الإرادة الإلكترونية في نفس اللحظة رغم البعد المكاني لأطراف النزاع”([5]).

رابعًا: مردود تطبيق نظام التقاضي الإلكتروني على تحقيق العدالة الإجرائية

يسمح تطبيق نظام التقاضي الإلكتروني بتحقيق العديد من المزايا والفوائد، أهمها تبسيط إجراءات التقاضي وسرعة الفصل في القضايا، والحد من مظاهر الفساد في مرفق القضاء، وسوف نقوم بتوضيح ذلك على النحو الآتي:

1.     تبسيط الإجراءات وسرعة الفصل في الدعوى

تتمثل أهم المزايا التي يحققها تطبيق نظام التقاضي الإلكتروني في تبسيط إجراءات التقاضي وسرعة الفصل في القضايا، وهو ما يتضح من خلال النقاط الآتية([6]):

  • يجعل نظام المحكمة الإلكترونية سجلات المحكمة والوثائق والمستندات أكثر أمانًا، لأن الوثائق والمستندات الإلكترونية أكثر مصداقية من المستندات الورقية، ويسهل اكتشاف أي تغيير أو تحوير فيها بالإضافة إلى سهولة الاطلاع عليها.
  • يغلق التقاضي عن بُعد أبواب التخلف عن حضور جلسات المحاكمة ويقطع الطريق على أساليب المماطلة وافتعال الخصم الأعذار لكسب الوقت، ويقلل تكدس الدعاوى القضائية ويحد من بطء التقاضي.
  • يساعد نظام التقاضي الإلكتروني على التخلص من الأرشيف القضائي الورقي الضخم واستبداله بأرشفة إلكترونية بسيطة باستخدام أقراص مدمجة تتسع للمعلومات جميعًا ولا تشغل إلا حيزًا مكانيًا بسيطًا بدلًا من المستودعات الضخمة التي تشغل أماكن واسعة، وعمل نسخ احتياطية منه.
  • تسمح آلية عمل المحاكم الإلكترونية بالتدوين الإلكتروني في تسجيل الدعاوى القضائية وتوثيق ادعاءات الخصوم ودفوعهم بعبارات الخصوم أنفسهم دون أي تدخل من القاضي أو الكتبة في صياغة تلك المذكرات بالاختزال أو الحذف أو التعديل بما بكون له الأثر الفاعل في صحة تصور الدعوى القضائية والوصول إلى حكم سريع فيها.
  • يؤدي تطبيق نظام المحاكم الإلكترونية إلى توفير نفقات إنشاء المحاكم وتشغيلها، والاستفادة من الاعتمادات المالية التي كانت تُخصص لهذا الغرض في تدبير نفقات مرفق القضاء الأخرى على نحو يمكن معه إعفاء المتقاضين من رسوم التقاضي.
  • يحقق نظام المحكمة الإلكترونية حُسن إدارة وقت القضاة وترشيد جهدهم ورفع كفاءتهم الإنتاجية. فهذا النظام يمكّن القاضي من النظر في أضعاف عدد القضايا التي ينظرها في ظل المحاكم التقليدية، فلا ضرورة لحضور القاضي يوميًا لمقر التقاضي، كما أنه بإمكانه النظر في القضية، ومناقشة الخصوم من أي مكان في العالم.
  • من شأن تطبيق نظام التقاضي الإلكتروني أن يقلل هدر وقت القاضي، الناتج عن تخلف أحد الخصمين عن الحضور لمقر التقاضي.
  • تكاد تنعدم التجاوزات التي تحدث عادةً أثناء التقاضي في ظل نظام التقاضي الإلكتروني، سواء أكانت تلك التجاوزات من الخصوم أو من القضاة أثناء إجراءات التقاضي.

2.     القضاء على مظاهر الفساد في مرفق القضاء

يؤدي تطبيق نظام التقاضي الإلكتروني إلى القضاء على صور ومظاهر الفساد المختلفة في مرفق القضاء، وهو ما يتضح من خلال الآتي:

  • في ظل العمل بنظام التقاضي الإلكتروني تحل الدعائم الإلكترونية محل المستندات الورقية، بحيث تصبح الرسالة الإلكترونية هي السند القانوني الذي يمكّن طرفي النزاع من اعتماده في حالة نشوئه.
  • يساهم تطبيق المعاملة الإجرائية الإلكترونية كبديل عن المعاملة التقليدية -التي يضطر فيها المتقاضي إلى التعامل مع البشر- في تحقيق المساواة بين المتقاضين وعدم التفرقة بينهم، كما يساهم في تجنب كافة صور المجاملة أو المحاباة.
  • من شأن تطبيق نظام التقاضي الإلكتروني أن يحقق التأمين ضد أخطار الإهمال، الذي يؤدي إلى فقد وتلف المستندات الورقية. كما يقلل من تعرض أوراق الدعاوى والمستندات للضياع أو الفقد أو الحريق، وبهذا فإن مرفق القضاء يواكب تطورات عصر تكنولوجيا المعلومات والاتصال؛ مما ينعكس على تحقيق العدالة الإجرائية.
  • من خلال ما يحققه الاتصال الإلكتروني بين المحكمة الإلكترونية ونقابة المحامين يتسنى للمحكمة معرفة ما إذا كان المحامي مُسجَّلًا بالنقابة من عدمه والدرجة التي عليها، وما إذا كان لا يزال مقيدًا أو أُلغيت عضويته من النقابة أو تم إيقافها، الأمر الذي يساهم في تعزيز الثقة بين المتقاضي ومحاميه.
  • يحد نظام التقاضي عن بُعد من فرص تلاعب الموظفين في مستندات الدعوى والإعلانات وتنفيذ الأحكام والتحكم في مواعيد نظر الدعوى وتحديد الدوائر التي تنظرها.
  • يحقق نظام التقاضي الإلكتروني الشفافية الكاملة، فجميع المعلومات المتعلقة بالدعوى تكون متاحة للمتقاضين، وبإمكانهم الوصول إليها، مما يساعد على تقليص فرص تلاعب المحامين وتواطؤهم مع الخصم والإهمال في تقديم المذكرات والمستندات.
  • يقضي نظام التقاضي الإلكتروني على احتمالات التعطيل المتعمَّد للدعوى من جانب الموظفين بالتواطؤ مع الخصم.
  • يوفر التقاضي عن بُعد السرية التامة في تداول ملفات الدعوى القضائية والمحافظة على المعلومات والأسرار التي يخشى أطراف الدعوى من إفشائها على العامة.

سادسًا: عيوب تطبيق نظام التقاضي الإلكتروني

على الرغم من الميزات التي يحققها تطبيق فكرة التقاضي الإلكتروني في تحقيق العدالة الإجرائية وتطوير مرفق القضاء، فإن البعض يرى أنها خطوة محفوفة بالمخاطر وتتضمن مساسًا بمبادئ التقاضي وركائزه الأساسية، ويمكن توضيح ذلك من خلال النقاط التالية:

  • يفتح تطبيق نظام التقاضي الإلكتروني المجال لانتشار ظاهرة التعدي المعلوماتي، التي قد تؤدي إلى تمكين بعض الخصوم من الحصول على الأدلة والتلاعب بها عبر اختراق الموقع الإلكتروني، وهو ما يشكل خطرًا على مرفق العدالة الإجرائية، وإن كان هذا الأمر ليس من السهل حدوثه.
  • قد يؤدي تطبيق التقاضي الإلكتروني إلى استهانة بعض القضاة النظر في موضوع الدعوى والتحقق من الأدلة على الوجه الشرعي؛ كون الجلسة تكون مغلقةً بين أطراف الدعوى والقاضي فقط.

سابعًا: متطلبات تطبيق التقاضي الإلكتروني

إن تطبيق المحاكم الإلكترونية والاستفادة من تكنولوجيا المعلومات ونظم الاتصال الحديثة يستلزم توافر متطلبات أساسية سواء من حيث التشريعات أو من حيث الإمكانات البشرية والفنية لتمكين الأشخاص من القيام بكافة إجراءات التقاضي دون حاجة للانتقال إلى مقر المحكمة لرفع الدعوى وسداد رسومها وحضور جلساتها بأنفسهم أو بواسطة وكلائهم وتقديم الطلبات بأنواعها المختلفة وإبداء أوجه دفاعهم ودفوعهم والترافع، وتدوين كافة إجراءات الدعوى، والطعن في الأحكام، كل ذلك يتطلب إيجاد وسائل مختلفة تمامًا عن الوسائل التقليدية، يمكن تقسيمها على النحو الآتي:

1.     متطلبات تشريعية

على الرغم من أهمية الجوانب الفنية والتنظيمية لتقنية التقاضي الإلكتروني، فإن الجوانب التشريعية لا تقل أهمية عنها. فوجود تشريعات تُقر وتنظم التقاضي الإلكتروني أمر هام وضروري لصحة وسلامة الإجراءات. لذلك فقد قامت العديد من الدول بالفعل بإجراء التعديلات اللازمة على التشريعات الإجرائية؛ لتنظيم استخدام الوسائل الإلكترونية في التقاضي.

2.     متطلبات بشرية وفنية

إلى جانب ضرورة وجود تشريعات تقر وتنظم نظام التقاضي عن بُعد، فإن تطبيق هذا النظام يستلزم وجود من قضاة وكتبة ومحضرين ومحامين مؤهلين للتعامل بالوسائط الإلكترونية وشبكة الإنترنت، فضلًا عن وجود فنيين متخصصين في مجال إدارة المواقع والبرمجة وصيانة شبكات الحاسب الآلي.

كما يتطلب تطبيق نظام التقاضي الإلكتروني إعداد البنية التحتية المناسبة من الأجهزة والمعدات الإلكترونية والوسائل والشبكات، ومن ناحية أخرى يتعين أن تكون منظومة المحكمة الإلكترونية مشمولةً بأنظمة الحماية التقنية التي تقي من أخطار التعطيل والإتلاف والاختراق، ونوضح فيما يلي مكونات البنية التحتية الإلكترونية الواجب توافرها في المحاكم الإلكترونية، والحماية التقنية للمنظومة الإلكترونية:

  • مكونات البنية التحتية للمحاكم الإلكترونية :
  • أجهزة الحاسب الآلي.
  • إنشاء شبكة داخلية.
  • إنشاء قاعدة بيانات.
  • إنشاء موقع للمحكمة على شبكة الإنترنت
  • الحماية التقنية للمنظومة الإلكترونية

“تعتمد المحكمة الإلكترونية على حسابات مرتبطة ببعضها عن طريق شبكات داخلية، وترتبط هذه الشبكات بالشبكة العنكبوتية عن طريق وسائل الاتصال الحديثة، ومن خلال هذه الشبكات يجري تداول بيانات المحكمة ومعلوماتها وهي على درجة كبيرة من الخصوصية والسرية. لذلك ينبغي أن تتضمن المنظومة التقنية للمحكمة الإلكترونية توفير الضمانات التي تمكن من مواجهة الخروقات التي يمكن أن تقتحم آلية عمل المحكمة، وتتمثل أهم الضمانات التقنية لحماية نظام المحكمة الإلكترونية فيما يلي”([7]):

  • تشفير معلومات المحكمة الإلكترونية على الإنترنت.
  • تأمين سرية البيانات.
  • توفير الحماية الأمنية للموقع الإلكتروني للمحكمة
  • اتخاذ التدابير اللازمة لتحقيق الأمن السيبراني لشبكة المحكمة الإلكترونية.

سابعًا: تجارب بعض الدول في التوجه نحو التقاضي عن بعد

نتناول فيما يلي تجارب بعض الدول نحو تطبيق نظام التقاضي الإلكتروني، وذلك على النحو الآتي:

1.     الولايات المتحدة الأمريكية

تشير الإحصائيات التي أجراها المركز القضائي الفيدرالي الأمريكي إلى أن حوالي (25%) من المحاكم في الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت تمتلك تكنولوجيا عالية تجعل نظام المحكمة الإلكترونية واقعًا ملموسًا، والمسؤول عن التقنية التكنولوجية في قاعة المحكمة هو عضو من هيئة المحكمة، تُسند إليه المحكمة مهمة تشغيل قاعة المحكمة من الناحية التكنولوجية، والإشراف والصيانة، حيث يتم رفع الدعوى بالطريق الإلكتروني في الولايات المتحدة الأمريكية عبر موقع خاص مملوك لشركة خاصة مقرها الرئيسي يقع في مدينة بولاية كاليفورنيا، بدأت في تشغيله في سبتمبر 1999م.

2.     الصين

أنشأت الصين في مدينة زيبو في إقليم شاندونج محكمة إلكترونية يرتكز نظامها على برنامج حاسوبي متطور يقوم بحفظ التشريعات النافذة كافة بالإضافة إلى حفظ السوابق القضائية. وتبدأ الدعوى أمام المحكمة الإلكترونية بإعداد كل من الدفاع والادعاء لمعطياتهما ومطالبهما على قرصين مدمجين، ويتم إدخال بيانات هذين القرصين إلى البرنامج الحاسوبي للاحتكام للقاضي الإلكتروني. ويمكن لهذا القاضي الإلكتروني أن يطلب رأي القاضي البشري بخصوص بعض التفاصيل الخاصة أو المتعلقة بالنواحي الإنسانية قبل أن يقوم بإصدار الحكم والعقوبات المفروضة.

3.     المملكة العربية السعودية

اتخذت المملكة العربية السعودية بعض الخطوات الجادة في سبيل تطبيق نظام التقاضي الإلكتروني، وتعتبر محكمة جدة أول محكمة في المملكة العربية السعودية تعمل بنظام التقاضي الإلكتروني باستخدام النظام الشامل ابتداءً من التسجيل الإلكتروني للدعوى القضائية وإجراء الإعلان الإلكتروني وانتهاءً بإصدار الحكم القضائي. حيث تقوم المحكمة باستلام عريضة الدعوى من خلال المدعي إلى موقع المحكمة لتسجيلها إلكترونيًا ثم تتابع سير إجراءات التقاضي في المحكمة إلكترونيًا وتنتهي بإصدار الحكم في آخر الجلسة.

أما في مجال القضاء الإداري فقد تم إطلاق البوابة الإلكترونية لديوان المظالم التي يقدم مجموعة من الخدمات الإلكترونية، منها (نافذة المعرفة) وهي عبارة عن قاعدة بيانات تحتوي على الأنظمة واللوائح والقرارات وغيرها مما يحتاج إليه القاضي والمحامي والخصوم للاستناد إليها في الدعاوى المنظورة أو الاستفادة منها أثناء الترافع الإلكتروني وربطها بالسوابق القضائية والمبادئ المستقرة في قضاء الديوان.

ثامنًا: جهود المملكة الأردنية الهاشمية في تطوير التشريعات الإجرائية في المواد الجنائية

يُثير التقاضي الإلكتروني واستخدام تقنيات الاتصال عن بعد في المواد الجنائية العديد من الإشكاليات القانونية، مثل مشروعية إجراء المحاكمة المرئية دون حضور المتهم بشخصه، والضمانات القانونية والإجرائية لتطبيقها في مراحل الدعوى الجزائية المختلفة، وكفالة حقوق الدفاع عند استخدام هذه التقنيات، لذلك فإن وجود تنظيم تشريعي لاستخدام وسائل الاتصال عن بعد في القيام بإجراءات الدعوى الجنائية المختلفة يحتل أهمية بالغة.

وقد قامت العديد من الدول بوضع تشريعات تنص على جواز استخدام وسائل الاتصال عن بعد في القيام بإجراءات الاستدلال والتحقيق والمحاكمة في المواد الجنائية، مع بيان الضوابط والشروط الواجب مراعاتها عند استخدام هذه الوسائل على هذا النحو الذي يؤدي إلى الوصول إلى الحقيقة وتطبيق مبدأ سيادة القانون دون المساس بحقوق الدفاع.

أصدر المشرع الأردني نظام استخدام وسائل التقنية الحديثة في الإجراءات الجزائية رقم (96) لسنة 2018 لتمكين المحكمة والمدعي العام من استخدام الوسائل التقنية الحديثة في إجراءات التحقيق المحاكمة بما في ذلك محاكمة السجناء عن بعد من مركز الإصلاح والتأهيل المودع به، ويتيح النظام للمحكمة والمدعي العام الاستماع لشهادات الشهود المقيمين في مناطق بعيدة تخرج عن اختصاص المحكمة المعنية مما يجنبهم مشقة الانتقال. كما وضع النظام ضوابط خاصة بتحديد الأماكن التي يجوز فيها استخدام الوسائل التقنية الحديثة، والحالات التي يجوز فيها استخدام هذه الوسائل خاصةً مع النساء والأشخاص ذوي الإعاقة.

حيث تنص (المادة 3) من النظام على أنه: “لغايات تنفيذ أحكام هذا النظام تستخدم وسائل التقنية الحديثة:

  • في المحاكم ودوائر النيابة العامة ومراكز الإصلاح والتأهيل وفي أي مكان آخر يخصص لحفظ الأشخاص الموقوفين أو المحكومين.
  • مع المشتكي والمشتكى عليه والمجني عليه والشاهد والمحامي والخبير والمترجم والمدعي بالحق الشخصي والمسؤول بالمال”.

ونصت (المادة 6/ ب) للمدعي العام والمحكمة استخدام وسائل التقنية الحديثة في إجراءات التحقيق والمحاكمة بما في ذلك الحالات التالية:

  1. الاستماع إلى شهادة شاهد يقيم خارج نطاق اختصاص المحكمة أو خارج اختصاص دائرة المدعي العام.
  2. الاستماع إلى شهادة شاهد نزيل في أحد مراكز الإصلاح والتأهيل أو في أي مكان مخصص لحفظ الموقوفين أو المحكومين.
  3. إجراءات التحقيق والمواجهة والاستجواب مع المشتكى عليه إذا كان هناك عائق يحول دون حضوره أو أن حضوره قد يشكل خطرًا أو إخلالًا بنظام الجلسات.
  4. إجراءات التحقيق والمحاكمة مع الأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة حماية لهم أو مع النساء متى وجدت مسوغات لذلك.
  5. حماية للشهود.

واهتم النظام بضرورة كفالة ضمانات المحاكمة العادلة وحماية حقوق الدفاع والعلانية والحضور لمن يُحاكم باستخدام وسائل التقنية الحديثة، كما قرر النظام وجوب اعتماد وزارة العدل هذه الوسائل في إجراءات التحقيق والمحاكمة وإخضاع الأدوات والأجهزة المستخدمة في هذه الوسائل للحماية؛ حفاظًا على سريتها.

حيث تنص (المادة 10/ ب) من النظام على أنه: “تخضع الأدوات المستخدمة في وسائل التقنية الحديثة بما في ذلك الأشرطة والأقراص المدمجة لإجراءات الحماية المقررة للحفاظ على سريتها وخصوصية الشاهد أو النزيل”.

وقد تم عقد أولى جلسات محاكمة النزلاء عن بعد باستخدام الوسائل التقنية الحديثة في قاعة محكمة جنايات عمان من خلال ربط تليفزيوني بين قاعة محكمة بداية عمان ومركز إصلاح وتأهيل الجودة.

وفي المملكة أصدر وزير العدل رئيس المجلس الأعلى للقضاء قرارًا باعتماد خدمة التقاضي المرئي عن بُعد، وفي يونيو 2014 تم ربط جميع المحاكم مع إدارات السجون في جميع المناطق، عبر اتصال حي صوتًا وصورة بواسطة أجهزة تواصل حديثة تجعل التواصل مباشرًا بين أطراف الدعوى، ولا يقتصر مشروع تقنية الاتصال عن بُعد فقط على قضايا السجناء، بل يشمل التزكيات والترجمات والشهادات والإنابات القضائية المعروفة بالاستخلاف.

وتم إضافة نصوص تُجرم أي صورة من صور التعدي على بيانات المحكمة إلكترونيًا وأموالها، متى كان هذا التعدي يشكل جريمة في ذاته.

إعداد/ محمد محمود

 

([1]) د. أشرف جودة محمد محمود، المحاكم الإلكترونية في ضوء الواقع الإجرائي المعاصر، (ص28).

([2]) فريدة لرقط وعلاوة هوام، التقاضي الإلكتروني، (ص185).

([3]) د. أشرف جودة محمد محمود، المحاكم الإلكترونية في ضوء الواقع الإجرائي المعاصر، (ص29-30).

([4]) يوسفي مباركة وحنان عكوش، التقاضي الإلكتروني في الجزائر، (ص 595).

([5]) يوسفي مباركة وحنان عكوش، التقاضي الإلكتروني في الجزائر، (ص548).

([6]) د. أشرف جودة محمد محمود، المحاكم الإلكترونية في ضوء الواقع الإجرائي المعاصر، (ص29-30).

([7]) د. أشرف جودة محمد محمود، المحاكم الإلكترونية في ضوء الواقع الإجرائي المعاصر، (ص88).

Scroll to Top