انتقال الضرر المعنوي إلي الورثة
يعد الهدف الأساس لقيام المسؤولية المدنية بنوعيها العقدية والتقصيرية إنما يكمن في محاولة إصلاح الضرر الواقع سواء عن طريق تعويض المضرور عما أصابه من ضرر أو القيام بإزالة هذا الضرر كلياُ أو جزئياُ وما قد ترتب عليه من آثار، ومن ثم يمكننا القول أن الضرر هو العنصر الأساسي في ترتيب المسؤولية المدنية، ومن ثم يحق للمضرور مطالبة المخطئ بالتعويض عما قد لحق به من ضرر سواء كان هذا الضرر نتيجة إخلال بالتزام تعاقدي أو إخلال بالتزام قانوني، والضرر في مجملة إما ضرر مادي يمس جسم الإنسان أو ماله، وإما ضرر معنوي يمس مشاعره وأحاسيسه وإحساسه بالحسرة والحزن والألم، ولعل هذا الأخير هو ما يهمنا في هذا المقال، وبمطالبة المضرور بالتعويض يحصل عليه طالما توافرت مبرراته القانونية سواء بالاتفاق مع المسؤول عنه أو عن طريق القضاء، ولكن قد يحدث في بعض الأحيان أن يتوفى شخص المضرور دون حصوله على حقه في حياته، وقد يكون الموت نتيجة لهذا الخطأ وهو ما يسبب آلام نفسيه ومشاعر بالحزن والأسي للورثة، فهل ينتقل الضرر المعنوي من المضرور إلى ورثته وبالتالي يترتب لهم ما كان يتوافر له من حقوق، وهو ما سوف نحاول توضيحه في هذا المقال من خلال التعرف على ماهية الضرر المعنوي، والشروط اللازمة لانتقال هذا الضرر إلى الورثة، وما هي الآثار المترتبة حال انتقاله إلى الورثة، وأخيراً بيان بعض التطبيقات القضائية بهذا الشأن، وذلك على النحو التالي:
ثانيا: شروط انتقال الضرر المعنوي إلى الورثة
ثالثا: الآثار المترتبة على انتقال الضرر المعنوي للورثة
رابعا: بعض التطبيقات القضائية بهذا الشأن
أولا: التعريف بالضرر المعنوي
أـ المقصود بالأضرار المعنوية: لم يقم المشرع الأردني بإفراد تعريف محدد ودقيق للضرر المعنوي، وكل ما أقره من بيان عن الضرر ما جاء في نص المادة (256) من القانون المدني الأردني رقم 43 لسنة 1976 وتعديلاته والتي نصت على: ” كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر “، والبين من نص هذه المادة أنها جاءت عامة وغير موضحه للأضرار الموجبة للمسؤولية، غير أن هذه المادة جاءت مبينه ومؤكده على أن الضرر هو أساس المسؤولية دون النظر إلى غيره من الأعمال كالفعل غير المشروع والمخالف للقانون أو الذي يحرمه القانون.
ـ غير أن المشرع وفي محاولة لتوضيح ما يعد ضرر معنوي نص في المادة (267/1) من ذات القانون ” 1ـ يتناول حق الضمان الضرر الأدبي كذلك. فكل تعد على الغير في حريته أو في عرضه أو في شرفه أو في سمعته أو في مركزه الاجتماعي أو في اعتباره المالي يجعل المتعدي مسؤولا عن الضمان “.
ـ والمشرع بذلك لم يقم بوضع تعريف محدد للضرر المعنوي وإنما حدد صورة الموجبة للضمان، وهو ما دفع الفقه لمحاوله وضع تعريف محدد للضرر المعنوي أو الضرر الأدبي وقد انقسم الفقه إلى اتجاهين الأول ربط الضرر المعنوي بطبيعة هذا الضرر وهل هو واقع على حقوق مالية أم غير مالية باعتبار الأخيرة من الأضرار المعنوية، حيث عرف أنصار هذا الاتجاه الضرر المعنوي على أنه ” الضرر الذي يصيب الفرد في حق من حقوقه غير المالية، فهو ضرر يصيب شعور هذا الفرد وأحاسيسه أو شرفه وكرامته وسمعته أو مركزه الاجتماعي “. [1]
ـ أما الاتجاه الثاني فقد تبني تعريف الضرر المعنوي وفقا للصور والأثار المترتبة على الضرر، وقد عرف انصار هذا الاتجاه الضرر المعنوي على أنه: “كل ضرر يصيب الشخص في شرفه وسمعته واعتباره “. [2]
ب ـ شروط قيام المسؤولية عن الضرر المعنوي: يشترط لتحقق الضرر المعنوي وقيام المسؤولية في حق مرتكب هذا الضرر أن تتوافر الشروط الآتية:
1ـ أن يقع الضرر المعنوي على الشخص المطالب بالتعويض: الأصل العام أن الضرر سواء كان مادي أو معنوي إنما يقع على شخص المضرور ومن ثم فهو الشخص الذي له الحق في المطالبة بالتعويض وحال تنازله عن ذلك لا يجوز لغيره أن يطالب به، فالضرر المعنوي هو ضرر شخصي بحت، وللمضرور وحده الحق في المطالبة بالتعويض أو الامتناع عن ذلك، وفي حالة وقوع الضرر على مجموعة لها الشخصية المعنوية فيجب هنا أن نفرق بين أمرين الأول وقوع الضرر على شخص منفرد في هذه المجموعة وهنا لا توجد مشكلة وتكون كما سبق أن بينا فإن لشخص المضرور وحده الحق في المطالبة بالتعويض أو الامتناع عن ذلك، أما إذا وقع الضرر المعنوي على المجموعة كلل كشركة مثلاً فإن هذا الشخص أو الكيان الاعتباري ( الشركة ) يكون لها الحق في المطالبة بالتعويض عن كافة الأضرار المعنوية التي لحقت بجميع الشركاء.
2ـ أن يقع الضرر المعنوي بشكل مباشر: يجب أن يكون الضرر المعنوي الواقع على شخص المصاب نتيجة مباشرة للخطأ المرتكب دون وجود عوامل أخرى متسببة في هذا الضرر، وهو ما أكدت عليه المادة (266) من القانون المدني الأردني بالنص على :” يقدر الضمان في جميع الأحوال بقدر ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب بشرط أن يكون ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار”.
3ـ أن يكون الضرر المعنوي محقق الوجود غير احتمالي: يجب أن يكون الضرر موجود وثابت حالاً وبشكل مؤكد، حيث لا يجوز التعويض أو المطالبة بالتعويض عن ضرر غير محقق وإلا اختلت المسؤولية المدنية، غير أن الضرر المستقبلي في بعض الأحيان يعد من الأضرار المحققة حال كان هذا الضرر من التابعة أو متفرعة من الضرر الأصلي ولكن تراخت آثاره للمستقبل، وهو ما أكد عليه المشرع الأردني في المادة (268) من القانون المدني بالنص على :” إذا لم يتيسر للمحكمة أن تعين مدى الضمان تعيينا نهائيا فلها أن تحتفظ للمتضرر بالحق في أن يطالب خلال مدة معينة بإعادة النظر في التقدير “.
4ـ أن يقع الضرر على حق أو مصلحة مشروعة: الضرر الموجب للتعويض أو الضمان هو الضرر المعترف به والذي يحميه القانون، وليس معني ذلك أن الحقوق التي لا يوجد لها نص قانوني خاص لا يمكن المطالبة بالتعويض عنها طالما أنها كانت مشروعة وغير مخالفة للنظام والآداب العامة، فالضرر قد يقع على مصلحة مشروعة وقد يقع على حق محمي قانوناً وليس في مصلحة. [3]
ج ـ صور الأضرار المعنوية: باعتبار الضرر المعنوي ضرر يصيب مصلحة مشروعة، فقد يتخذ هذا الضرر عدد من الصور، فهناك أضرار معنوية متصلة بأضرار مادية، وذلك كما في الاعتداء على شرف الشخص وسمعته وما يترتب على ذلك من فقده لعمله، أو تعرض الشخص لحادث أدي إلى بتر أحد قدميه فهنا يتعرض الشخص لأضرار مادية تتمثل في تكاليف العلاج وعجزه عن الكسب بسبب هذا البتر، كما أن ذلك يسبب للشخص أضرار معنوية متمثلة في الآلام النفسية من ألم وحزن وأسي من جراء هذا الضرر، وقد يكون الضرر المعنوي ضرر مجرد كالآلام التي تصيب الأب والأم نتيجة فقدهما للابن نتيجة تعرضه لحادث ترتب عليه فقد حياته، وتشمل الأضرار المعنوية كذلك ما يشعر به المصاب من آلام الحرمان من متع الحياة وما قد يتعرض له من أذي، وقد أخذ المشرع الأردني بهذا النوع من الضرر الأدبي، حيث نصت المادة (267/2) من القانون المدني الأردني على :” 2ـ ويجوز أن يقضى بالضمان للأزواج وللأقربين من الأسرة عما يصيبهم من ضرر أدبي بسبب موت المصاب “. [4]
ـ ويعتبر هذا النوع من الأضرار المعنوية ذات الصفة العاطفية والتي تصيب الشخص في مشاعرة وأحاسيسه هي أشهر صور الضرر المعنوي نتيجة فقد شخص عزيز لدي المضرور مما ترتب عليه ألم وضرر في مشاعرة وأحاسيسه، كما قد يكون الضرر المعنوي ناشئ عن الاعتداء على عرض الشخص أو الطعن في شرفه أو سمعته وأمانته مما يترتب عليه خسائر وأضرار معنوية جسيمة كالطعن وتشويه سمعه تاجر ترتب عليها فقدانه لعملائه واختلال مركزه المالي، كما أن مركزه الاجتماعي قد يتأثر من جراء ذلك.
ـ كما أن هناك صورة أخرى من صور الأضرار المعنوية تتمثل في ضرر الحرمان من التمتع بالحياة والتي قد تحدث نتيجة إصابة المضرور جسدياً، بالإضافة للألم الجسدي والنفسي وألم فقدانه التمتع بممارسة الأنشطة المهنية والثقافية والاجتماعية والفنية والترفيه، وجميعها أضرار معنوية كونها لا تمس الذمة المالية للمضرور ولكنها تتعلق بحقه في سلامه جسده وهو حق معنوي. [5]
ثانيا: شروط انتقال الضرر المعنوي إلى الورثة
الأصل والمبدأ العام أن الضرر المعنوي ضرر شخصي يقع على شخص المضرور، إلا أن الحادث قد يؤدي إلي وفاة المضرور مباشرة، أو فقدانه الحياة بعد فترة من الوقت، والتي يترتب عليها بالإضافة للأضرار المادية أضرار أخرى معنوية، والتي يقوم معها المضرور بالمطالبة بالتعويض عن طريق رفع دعوى للمطالبة بالتعويض عما لحقه من أضرار معنوية من جراء فعل المسؤول عن هذا الضرر، وهذا الضرر جزء من التركة التي تنقل للورثة ويتم تقسيمها كل حسب نصيبه الشرعي، وذلك وفق الشروط التي حددها المشرع الأردني لانتقال الضرر المعنوي ومن ثم الحصول على التعويض من جراء ذلك الضرر، ويتمثل الشرط الأول في ضرورة وجود شرط اتفاق مسبق على مقدار التعويض بين شخص المضرور والمسؤول عن الضرر وهو عادة أمر يصعب تحقيقه، أما الشرط الثاني هو أن يقوم المضرور شخصياً برفع دعوى قضائية للمطالبة بهذا التعويض، وحال عدم قيام المضرور شخصياً قبل وفاته بالاتفاق أو رفع دعوى قضائية للمطالبة بالتعويض فإن هذا الحق يسقط ولا ينتقل إلى الورثة، وهو ما أكدته المادة (267/3) من القانون المدني الأردني رقم 43 لسنة 1976 وتعديلاته بالنص على : ” 3ـ ولا ينتقل الضمان عن الضرر الأدبي الى الغير إلا إذا تحددت قيمته بمقتضى اتفاق أو حكم قضائي نهائي” .
ـ كما نصت المادة (274) من ذات القانون على : ” رغما عما ورد في المادة السابقة، كل من أتى فعلا ضاراً بالنفس من قتل أو جرح أو إيذاء يلزم بالتعويض عما أحدثه من ضرر للمجني عليه أو ورثته الشرعيين أو لمن كان يعولهم، وحرموا من ذلك بسبب الفعل الضار “.
ـ كما أن المذكرة الإيضاحية للقانون المدني قد أوضحت أنه: “3ـ ورؤي في الفقرة الثالثة النص على عدم انتقال التعويض عن الضرر الأدبي إلا إذا تحددت قيمته بمقتضى اتفاق أو حكم نهائي لأنه لا يصبح قيمة مالية تضاف الى ذمة المتضرر وتنتقل الى الورثة إلا إذا اتفق عليه أو حكم به . فإذا مات من له الحق في التعويض عن الضرر الأدبي قبل الاتفاق عليه أو الحكم به فلا ينتقل حق المطالبة به الى الورثة . وهذا بعكس التعويض عن الضرر المادي الذي يعتبر قيمة مالية تضاف إلى ذمة المتضرر بمجرد حصول الضرر الموجب للتعويض ولو قبل الحكم به أو الاتفاق عليه .
ففي حال موت المضرور تبقى التفرقة في التعويض عن الضرر الأدبي بين التعويض الشخصي الواجب لأقارب المضرور وبين ما يجب للمضرور نفسه من تعويض قبل موته، ينتقل حق اقتضائه الى الورثة من طريق الميراث . فيقصد بما يؤدى الى الأقارب تعويضهم عما يستشعرون من ألم بسبب موت المضرور ولهذه العلة يجوز للقاضي أن يحكم بالتعويض، لا للأقارب فحسب، بل وكذلك للأزواج مراعيا ظروف العائلة، في تعيين احظ أفرادها نصيبا من الحزن والفجيعة ممن لا يقتصر أمرهم على رغبة الإفادة ماليا مما كانوا يكنون للمتوفى من عواطف والحب والولاء . ولكن لا يجوز للقاضي أن يحكم بعوض مالي لاحد أصدقاء المتوفي على سبيل التعويض الأدبي ، أما التعويض الأدبي الواجب للمضرور نفسه ، فلا ينتقل إلى الورثة بعد الوفاة ، إلا إذا كان قد تحدد مقداره من قبل ، بمقتضى اتفاق خاص أو بمقتضى حكم حاز قوة الشيء المقضي به ، ذلك أن ما لهذا الضرب من التعويض من صبغة أدبية يجعله شخصيا من وجه فلا ينتقل بطريق الميراث بأي حال من الأحوال : إلا إذا تأكدت صيغته المالية بعد تقديره نهائيا بالتراضي أو بحكم القاضي………. وأن القول بعدم التعويض عن الضرر الأدبي يفتح الباب على مصراعيه للمتعدين على أعراض الناس وسمعتهم وفي هذا من المفسدة الخاصة والعامة ما فيه مما يجعل من الواجب معالجته ومن أسباب العلاج تقرير التعويض “.[6]
ـ والبين من ذلك أن المشرع الأردني لم يأتي بجديد وأن هذه المواد ما هي إلا تكرار للقواعد العامة المعمول بها فلو أن المضرور اتفق مع المسؤول على التعويض عن الضرر لأصبح المسؤول مدين للورثة بما تم الاتفاق عليه مع مورثهم، كما أنه وبصدر حكم قضائي بأحقية المضرور في التعويض فإن ذلك يؤكد ترصد مبلغ معين في ذمة المسؤول لصالح المضرور والحقوق المالية تنتقل للورثة، وفقا للقانون دون الحاجة لتأكيد ذلك بنصوص أخرى.
ـ كما أن المشرع الأردني لم يحدد درجة القرابة التي معها ينتقل الحق في التعويض حيث ذكر الأزواج والأقربين دون تحديد درجة القرابة من أي درجة وهو ما يفتح الباب أمام الاجتهادات الفقهية والقضائية لتحديد هذه القرابة، وهو ما أكدت عليه المذكرة الإيضاحية للقانون المدني الأردني في مادتها (193/2) وذلك بالنص على: ” 2ـ وبعد أن تقرر مبدأ التعويض بين المشروع من يحق له المطالبة بالتعويض وهو المضرور بطبيعة الحال وكذا من يضار أدبيا بسبب موت المصاب من أزواج وأقارب .وقد رؤي عدم تحديد الأقارب بدرجة معينة كما فعل القانون المصري في المادة (222 – 2) إذ حصر هؤلاء بالأقارب إلى الدرجة الثانية وترك ذلك لتقدير القاضي حسب الأحوال “.
ـ ولعل الفرق بين الضرر المادي والضرر المعنوي يكمن في أن الأول ينتقل إلى الورثة متي ثبت وجود هذا الحق دون وجود إشكالية بخصوصه، في حين أن انتقال الضرر المعنوي للورثة كان محل خلاف واسع بين الفقهاء وكذلك أحكام القضاء واختلاف غالبية التشريعات المدنية في الدول بشأن هذا الضرر، ومن أجل الحق في حصول الورثة على التعويض عن الضرر المعنوي يجب القيام برفع دعوى مطالبة به خلفاً لمورثهم وتقتصر دعوى التعويض على أثبات صفه الوارث من أجل قيامة بمباشرة الدعوى خلفاً لمورثة ومن ثم إثبات الضرر الذي أصاب مورثه، وتلك هي غالبية صور الأضرار المعنوية والتي تتعلق بما أحس به المصاب بشخصه والتي تكون محلاً للمطالبة بالتعويض من أقاربه.[7]
ولقد بينت محمة النقض المصرية كيفية نشأة الضرر الموروث، حيث أوضحت في أحد أحكامها أنه: ” إذا ما أدت الإصابة إلى وفاة الراكب من قبل رفع دعواه فإنه يكون أهلا فيما يسبق الموت ولو للحظة لكسب الحقوق ومن بينها حقه في التعويض عن الضرر الذي لحقه، وحسبما يتطور إليه هذا الضرر ويتفاقم ومتى ثبت له هذا الحق قبل وفاته فإن ورثته يتلقون عنه تركته ويحق لهم المطالبة به تأسيساً على تحقيق المسؤولية الناشئة عن عقد النقل الذي كان المورث طرفاً فيه “.
ثالثا: الآثار المترتبة على انتقال الضرر المعنوي للورثة
البين مما سبق أنه في حالة موت المضرور قبل الحصول على حقه في التعويض عن الضرر المعنوي فإن هذا الحق ينتقل للورثة وفق القيود والشروط الواردة في القانون لانتقال هذا الحق من ضرورة وجود اتفاق بين المضرور شخصياً والمسؤول عن تحديد قيمة الضرر، أو وجود حكم قضائي نهائي محدد لقيمة الضرر، غير أن الواقع العملي يظهر استحاله قيام المضرور والمسؤول في الوصول لاتفاق في هذا الشأن في غالبية الأحوال، وهو ما يؤدي إلى عدم وجود اتفاق بينهما ومن ثم لابد من تأكيد الحق من خلال اللجوء للقضاء للمطالبة بالتعويض وفق الشروط التي تضمنها القانون، وإذا كان الأصل العام هو أن المدعي في دعوى التعويض يكون المضرور شخصياً إلا أنه حال وفاته فإن الورثة تحل محل مورثهم ويكون لهم ما له من حقوق.
ـ كما أنه وبشأن الضرر المعنوي الذي يحدث للورثة بشكل مباشر من خلال ما أصابهم شخصياً من ضرر معنوي نتيجة وفاة مورثهم أو التسبب في عجزة باعتباره العائل لهم والقائم على شؤونهم، مما قد يؤدي إلى إصابتهم بمشاعر من الحزن والأسي، وهذه تسمي دعوى شخصية للورثة فلهم الحق في رفعها للمطالبة بالتعويض عما أصابهم من ضرر معنوي، وهو ما أكد عليه المشرع الأردني في المادة ( 267/2) من القانون المدني الأردني والتي نصت على: ” 2ـ ويجوز أن يقضى بالضمان للأزواج وللأقربين من الأسرة عما يصيبهم من ضرر أدبي بسبب موت المصاب “.
ـ ويعد هذا الضرر المعنوي ضررا مباشرا للورثة و مستقل عن الضرر المعنوي الذي لحق بالمضرور شخصياً والذي يحق وبموجب القانون المدني للمضرور من الورثة رفع دعوى للمطالبة بالتعويض قبل المسؤول عن هذا الضرر المعنوي الذي أصابهم، ولقد حدد القانون بموجب المادة سالفة البيان من يحق له المطالبة بالتعويض وهم الأزواج والأقربين، ولم يبين المشرع درجة القرابة على خلاف المشرع المصري الذي حدد القرابة حتى الدرجة الثانية.
ـ كما أن أمر تقدير التعويض عن الضرر المعنوي هو أمر متروك لقاضي الموضوع دون رقابة عليه في ذلك طالما استند في حكمه إلى أسباب صحيحة من واقع الأوراق والمستندات المقدمة بالدعوى، وفي جميع الأحوال لا تسمع دعوى التعويض بعد انقضاء ثلاث سنوات من تاريخ علم المضرور بالضرر وبالمسؤول عنه، وأكدت على ذلك المادة (272) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أنه: ” 1ـ لا تسمع دعوى الضمان لناشئة عن الفعل الضار بعد انقضاء ثلاث سنوات من اليوم الذي علم فيه المضرور بحدوث الضرر وبالمسؤول عنه. 2ـ على انه إذا كانت هذه الدعوى ناشئة عن جريمة وكانت الدعوى الجزائية ما تزال مسموعة بعد انقضاء المواعيد المذكورة في الفقرة السابقة فان دعوى الضمان لا يمتنع سماعها إلا بامتناع سماع الدعوى الجزائية. 3ـ ولا تسمع دعوى الضمان في جميع الأحوال بانقضاء خمس عشرة سنة من يوم وقوع الفعل الضار “.
رابعا: بعض التطبيقات القضائية بهذا الشأن
1ـ عن تحديد المسؤولية عن الضرر والضمان عن الأضرار المعنوية فقد جاء الحكم الصادر في الدعوى رقم 900 لسنة 2023 – والصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية، وقد تضمنت حيثياته” إن الأفعال التي صدرت من المدعى عليه ألحقت الضرر البالغ بالجهة المدعية وفي سمعة الملحمة وقل عليها الطلب والشراء وعزوف التجار عن التعامل تشكل مخالفة لأحكام القانون من خلال تقصيره وإهماله وسوء إدارته وعدم بذل العناية المطلوبة منه وعدم الالتزام بالاتفاق وما صدر عنه من أضرار لحقت بالجهة المدعية وتسبب لها بخسائر مادية فادحة وفوات المنفعة والكسب الفائت عملاً بأحكام المادة (256) من القانون المدني التي تنص على أنه “كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر ” وكذلك نص المادة (267/1) من القانون ذاته على “يتناول حق الضمان الضرر الأدبي كذلك فكل تعد على الغير في حريته أو في عرضه أو في شرفه أو في سمعته أو في مركزه الاجتماعي أو في اعتباره المالي يجعل المعتدى مسؤولاً عن الضمان ” وكذلك نص المادة (300) من القانون المدني وخصوصاً الأضرار التي لحقت بها وكذلك أحكام المادة (87) التي عرفت أن العقد هو ارتباط الإيجاب الصادر من أحد المتعاقدين بقبول الآخر وتوافقهما على وجه يثبت أثره في المعقود عليه ويترتب عليه التزام كل منهما بما وجب عليه للآخر ” ومخالفة لأحكام المواد (199/ فقرة 1و2) و (المادة 202/1) والمادة (203) من القانون المدني”.
2ـ وعن من لهم حق المطالبة بالتعويض من الورثة فقد جاء الحكم الصادر في الدعوى رقم 6366 لسنة 2020 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية، والذي جاء في حيثياته أنه ” إذا تبين من حجة حصر الإرث رقم المقدمة في الدعوى بأن الورثة الشرعيين للمتوفى هما والده ووالدته (المدعية الأولى) ولا يرد النعي على القرار المميز بأن الشقيقتين القاصرتين (راما وشمس) ليستا من ضمن الورثة طالما أن الحكم المطعون فيه لم يقض لهما بأي تعويض مادي ، فإنهما تستحقان التعويض عن الضرر المعنوي سنداً لأحكام المادة 267/2 من القانون المدني والمادة 5/أ من قانون السير رقم 49 لسنة 2008 ، حيث نصت المادة 267/2 من القانون المدني على أنه (( ويجوز أن يقضى بالضمان للأزواج وللأقربين من الأسرة عما يصيبهم من ضرر أدبي بسبب موت المصاب)) في حين لا تجيز المادة 5/أ من قانون السير تسجيل أي مركبة أو ترخيصها أو تجديد ترخيصها إلا بعد تقديم عقد تأمين يغطي مدة الترخيص لدى شركة تأمين مجازة ليغطي المسؤولية المدنية عن الضرر الذي يلحق بالغير الناجم عن استعمال تلك المركبة وفقاً لأحكام قانون تنظيم أعمال التأمين ، ولما كان الأمر كذلك وأن محكمة الدرجة الأولى قد أجرت الخبرة التي اعتمدتها محكمة الاستئناف لتقدير التعويض عن الضرر المعنوي وقد جرت الخبرة بمعرفة الخبير بناءً على طلب الطرفين والذي قدر قيمة التعويض عن الضرر الأدبي بمبلغ 1000 دينار لكل واحدة من المدعيات الثلاث في حين أن المدعية الأولى وهي والدة المتوفى تستحق التعويض عن الضرر المادي بحدود نصيبها من قيمة التعويض المحدد بموجب الجدول المحلق بنظام التأمين الإلزامي وحسب حصتها في حجة حصر الإرث “.
3ـ وعن انتقال الضرر المعنوي للورثة والشروط الواجبة لأحقيتهم في الضمان فقد جاء الحكم الصادر في الدعوى رقم 6464 لسنة 2022 – الصادر من محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية، وقد جاء به أنه” وعن السبب الثاني وفيه تنعى الطاعنة على محكمة الاستئناف خطأها من حيث الحكم بالتعويض عن الضرر المعنوي مع أنه ضرر شخصي ولا تنتقل المطالبة به إلى الورثة.
وفي ذلك فإنه من المقرر قانوناً بمقتضى المادة (267) من القانون المدني أن التعويض عن الضرر المعنوي للمضرور لا ينتقل للورثة إلا إذا تحددت قيمته بموجب اتفاق أو حكم قضائي نهائي وحيث أن التعويض عن الضرر المعنوي المطالب به في هذه الدعوى لم تحدد قيمته وفقاً لما سبق بيانه فلا ينتقل التعويض عنه أو الحكم به للورثة ولما لم تراعِ محكمة الاستئناف ذلك في قرارها المطعون فيه فيكون هذا السبب وارداً عليه ويتعين نقضه “.
4ـ وعن إلزام المسؤول عن الفعل الضار على نفس المورث بالضمان عن الضرر المادي والمعنوي فقد جاء الحكم الصادر في الدعوى رقم 5938 لسنة 2020 – الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية، وجاء به ” وحيث إن المستفاد مما سبق بيانه وما جرى عليه اجتهاد محكمة التمييز أنه ميز بين المال الذي يجب بسبب الجناية وهو الدية أو الأرش وبين التعويض عن الضرر المادي والمعنوي فإن ما يستحق في الدية وما شابهها عن النفس أو دفعها هو للمجني عليه (المصاب) أو الورثة الشرعيين حسب أحكام الشريعة الإسلامية بينما التعويض عن الأضرار المادية والمعنوية فيستحق للأشخاص المتضررين من الوفاة ولو كانوا من غير الورثة مما يجعل الحكم بالدية وفقاً لذلك لا يمنع من المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي وفق الشروط الواردة في المادتين (266 و 267) من القانون المدني “.
6ـ وفي حساب مده التقادم ورد في الحكم رقم 5352 لسنة 2022 – الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية أنه ” ولما كان ذلك وحيث إن ما ينطبق على مدة التقادم بهذه الدعوى هو نص الفقرة (3) من المادة (272) من القانون المدني فتسري مدة الثلاث سنوات من اليوم التالي لاكتساب الحكم الجزائي الصادر بالدعوى (237/2016) محكمة بداية جزاء العقبة الدرجة القطعية أي من تاريخ 26/7/2016 وحيث إن المميز ضدهما أقامتا هذه الدعوى بتاريخ 15/5/2019 وبعد سنتين وتسعة أشهر و19 يوماً على اكتساب الحكم الجزائي الدرجة القطعية فتكون دعواهما مسموعة وطلب مرور الزمن المقدم من المميز مستوجب الرد “.
إعداد :د. محمد سعيد
[1] عبد العزيز اللصاصمة، نظرية الالتزام في ضوء القانون المدني المقارن ـ المسؤولية المدنية التقصيرية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2002، صـ 89.
[2] محمد أحمد عابدين، التعويض عن الضرر المادي والأدبي والمورث، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1995، صـ 137.
[3] أمجد منصور، النظرية العامة للالتزامات ـ مصادر الالتزام، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2006، صـ 284.
[4] أنور سلطان، مصادر الالتزام بالقانون المدني الأردني، الطبعة الثانية، المكتب القانوني للنشر، 1988، صـ 374.
[5] عدنان إبراهيم سرحان، نوري حمد خاطر، شرح القانون المدن ـ مصادر الحقوق الشخصية ـ الالتزامات، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2008، صـ 407.
[6] المادة (193/3) من المذكرة الإيضاحية للقانون المدني الأردني ـ المذكرة الإيضاحية للمادة 267.
[7] محمد صبري الجندي، في المسؤولية التقصيرية عن الفعل الضار، المجلد الأول في شروط المسؤولية عن الفعل الشخصي، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2015، صـ 596.

