حكم عقد التوريد وأثر الغش فيه
يعتبر عقد التوريد أحد العقود الأساسية في العلاقات التجارية، حيث يتعلق بتوريد السلع والمواد الخام من البائع إلى المشتري، ويشكل عقد التوريد جزءًا أساسيًا من عملية الإنتاج والتصنيع في العديد من الصناعات. وسيتناول هذا المقال دراسة حكم عقد التوريد وأثر الغش في هذا النوع من العقود، وسيتم التحليل من خلال النظام القانوني في، وسنتعرض لذلك من خلال النقاط الآتية:
رابعًا: أثر الغش في عقد التوريد
أولًا: تعريف عقد التوريد
عهد يتعهد بمقتضاه طرف أول بأن يسلم سلعة معلومة دورية أو مؤجلة بصفة منجزة، خلال فترة معينة لطرف آخر، مقابل مبلغ معين مؤجل كله أو بعضه[1].
وهو عقد من عقود التجارة التي تمخض عنها العصر الحديث، وما نتج عنه من تطور صناعي في النتاج الكمي والنوعي، وتطور وسائل النقل، وحفظ البضائع وتأمينها، وتطور وسائل الاتصال الهاتفي والإلكتروني، وقيام المؤسسات الاقتصادية المختلفة[2].
عقد يلزم به أحد المتعاقدين أن يورد للمتعاقد الآخر شيئاً معيناً، يتكـرر. ويدل هذا التعريف على أن موضوع عقد التوريد هو باستمرار توريد أشـياء مدة من الزمن منقولة، كالبضائع أو الفحم أو السفن أو المواد الحربية المختلفة الخ ولا يمكن أن يكـون محـل العمل في عقار بطبيعته. أو بالتخصيص والا أصبح عقد اشتغال[3].
وعرفته محكمة التمييز الأردنية في الحكم رقم 6508 لسنة 2019 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2020-01-28 والذي جاء فيه (وفي ذلك نجد أن عقود التوريد هي العقود التي يلتزم بها التاجر أو الصانع بأن يورد للمتعاقد الآخر شيئاً معيناً يتكرر مدة من الزمن كالتعهد بتقديم بعض الأرزاق والأطعمة يومياً إلى صاحب مطعم أو فندق أو مستشفى وعقد تقديم الخدمة الهاتفية للعملاء)
وعرفه مجمع الفقه الإسلامي بقوله: «عقد يتعهد بمقتضاه طرف أول بأن يسلم سلعًا معلومة مؤجلة بصفة دورية خلال فترة معينة لطرف آخر مقابل مبلغ معين مؤجل كله أو بعضه[4]»
ثانيًا: عقد التوريد عقد تجاري
نظرًا لأهمية عقد التوريد فإن المشرع الأردني قد أعطى له الصفة التجارية ليميز بما يميز به هذا النوع من العقود. وفي ذلك نصت المادة (6/1/هـ) من قانون التجارة الأردني على (تعد الأعمال التالية بحكم ماهيتها الذاتية أعمالا تجارية برية: توريد المواد.)
وتظهر أهمية التفرقة بين العمل التجاري وغيره كالعمل المدني، في متطلبات الحياة التجارية، فلما كانت الحياة التجارية لا تقوم إلا بتوفر عنصري السرعة والائتمان، كان منطقيا إخضاع الأعمال التجارية إلى قواعد تتفق مع هذين العنصرين، ولو كانت هذه القواعد غير مناسبة لتطبيقها على الأعمال المدنية التي لا تتطلب السرعة ودعم الائتمان، وتبدو آثار هذه الأهمية لعنصري السرعة والائتمان في أفراد القانون للأعمال التجارية قواعد وأحكام خاصة لا تطبق على العمل القانوني إلا إذا ثبتت له الصفة التجارية، وهذه القواعد والأحكام تشكل ما يسمى بالنظام القانوني للأعمال التجارية.[5]
ثالثًا: حكم عقد التوريد
اختلف بعض الفقه في مشروعية عقد التوريد من الناحية الشرعية، وهو في هذا الشأن كان مصدر إثارة للعديد من المسائل الفقيه.
1- مسألة الغرر
كما وضحنا من خلال التعريفات السابقة لعقد التوريد أنه عبارة عن تعهد طرف بتوريد سلعة معينة بصفة دورية أو مؤجله مقابل ثمن معين مؤجل كله أو جزء منه، وما أثير في هذا الخصوص أن محلا التعامل (السلع، الثمن) لا يكونا حاضرين في وقت التعاقد مما قد يجعل العقد فيه غرر، ولقد تناول الفقه تلك المسألة.
وتأسست مشروعية عقد التوريد على أن الغرر لا يجري في عقود التوريد بحال، بل كان من المتعاقدين حريص أن يحدد مسؤولية الآخر وبيان جنس المبيع، وموعد استلامه، وكذلك المشتري حريص كل الحرص أن يبين جنس المبيع وصفته ومقداره وموعد استلامه دون تأجيل، أو مماطلة من البائع، فمن ثم يضع للتحقق من تنفيذ كل ذلك شروطًا جزائية، وعقوبات مالية مرهقة في غالب الأحيان[6].
2- مسألة بيع ما ليس عند الإنسان
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال: (لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك)[7]. وقد جعل الفقهاء من شروط صحة عقد البيع أن يكون المبيع موجوداً حين العقد وأن يكون في ملك البائع ولم يجيزوا بيع المعدوم كبيع ما تنتجه الحيوانات وبيع ما في ملك جاره أو صديقه لأنه غير مملوك للبائع وقد استثني من هذا الأصل بيع السلم وألحق به عقد الاستصناع[8].
وبعض الفقهاء يرون أن عقد التوريد يندرج تحت ما يسمى “بيع ما ليس عند الإنسان” أو “بيع ما ليس عنده في الحال”، وذلك لأن المورد قد لا يمتلك المواد أو السلع التي سيتم توريدها في وقت إبرام العقد.
حيث يعتبر في هذه الحالة أنه يتم بيع ما ليس موجود بعد، وهذا يعتبر من بيع الأشياء المحظورة في الإسلام. فعند إبرام العقد، لا يكون المورد قد حصل بعد على المواد التي يجب توريدها، وبالتالي فإن البيع قد يكون غير صحيح وغير مشروع.
ومن هنا جاءت بعض الأقوال الفقهية التي ترى أن عقد التوريد قد يكون محرمًا بناءً على هذا الأساس. ومع ذلك، هناك آراء أخرى في الفقه الإسلامي تروج لجواز عقد التوريد، وترون أنه يمكن أن يكون صحيحًا ومشروعًا بشرط أن يتم تحديد المواصفات والكميات بشكل واضح ومحدد في العقد، وأن يكون هناك عنصر التسليم والقبول وفقًا للشروط المتفق عليها.
والنهي عن (بيع ما ليس عند البائع) ولكن عقد التوريد للسلع في الآجال المعلومة لا يدخل في بيع ما ليس عندك، لأن النهي عن بيع ما ليس عندك مخصص في صورة بيع المال الخارجي المملوك للغير للبائع بدون إذن الغير بذلك[9].
ويستدلون على مشروعية عقد التوريد بالاستناد إلى جواز بيع السلم والفضولي. هناك بعض الأدلة والمبررات التي يستندون إليها في هذا السياق.
- بيع السلم: يعتبر بيع السلم (بيع الشيء الذي لم يتولد بعد) جائزًا في الفقه الإسلامي. على سبيل المثال، بيع الثمار الناشئة على شجرة قبل أن تنضج. وبناءً على ذلك، يرون أنه يمكن تطبيق هذا المبدأ على عقد التوريد، حيث يتم بيع سلع أو خدمات تحتاج إلى وقت لتوريدها وإنتاجها.
- بيع الفضولي: يعتبر بيع الفضولي (بيع الشيء الذي لم يعرف بعد) جائزًا في الفقه الإسلامي. ويعود ذلك إلى مبدأ الاعتبار بالفائدة المترتبة على البيع والتجارة. ومن هنا، يرون أنه يمكن تطبيق هذا المبدأ على عقد التوريد، حيث يتم بيع سلع أو خدمات قد لا تكون متاحة في الوقت الحالي، ولكنها ستكون متاحة في المستقبل.
وبناءً على هذه المبررات، يرون أنه يمكن تجاوز المشكلة المحتملة لبيع ما ليس عند الإنسان في وقت إبرام العقد. ويعتبرون أن العقد صحيح ومشروع إذا تم تحديد المواصفات والكميات بوضوح وتمت ضمان توريد السلع أو الخدمات وفقًا للشروط المتفق عليها.
3- بيع الدين بالدين
وقد ورد في حديث رافع بن خديج رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ»، وفي رواية ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: «نهى عن بيع الكالئ بالكالئ، وقال هو النسيئة بالنسيئة»[10].
عبارة “بيع الدين بالدين” تشير إلى عملية بيع سلعة معينة بمثلها من نفس الجنس، مثل بيع كيلو من القمح بكيلو آخر من القمح. هذا النوع من البيع يعتبر غير جائز في الفقه الإسلامي بسبب وجود الغرر والاحتمال العالي للاحتيال.
ويتضمن عقد التوريد في صورته ظاهرا بيع الدين بالدين، إذ البائع يبيع سلعة بثمن مؤجل في ذمة المشتري، والمشتري يشتري السلعة ولا يدفع الثمن حالاً، فكل من البائع والمشتري مدين للآخر، فكأنهما باعا دينًا بدين[11].
ويرى الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان: (إن عقد التوريد ليس من قبيل بيع الدين بالدين، ذلك أن الدين شغل ذمة أحد المتبايعين للآخر بدين، وليس هذا في عقد التوريد من الدين بشيء، وإنما هو في حدود الاتفاق والوعد لا يتجاوزهما العقد، فمن ثم يظل العقد جائزا قابلا لفسخ حتى يتم تسليم المبيع، ومقتضى هذا العقد (عقد التوريد) تأجيل دفع الثمن حتى يتم تسليم البضاعة، إلا أن يكون المشتري متطوعا بتقديمه اختيارا)[12].
4- قرار مجمع الفقه الإسلامي[13]
فقد جاء رأي مجمع الفقه في عقد التوريد حيث جاء فيه (إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية عشرة بالرياض في المملكة العربية السعودية، من 25 جمادى الآخرة 1421هـ إلى 1 رجب 1421هـ الموافق 23-28 أيلول (سبتمبر) 2000م،
بعد اطلاعه على الأبحاث المقدمة إلى المجمع بخصوص موضوع (عقود التوريد والمناقصات). وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حول الموضوع بمشاركة أعضاء المجمع وخبرائه وعدد من الفقهاء،
قرر ما يلي:
1- عقد التوريد:
أولًا: عقد التوريد: عقد يتعهد بمقتضاه طرف أول بأن يسلم سلعًا معلومة، مؤجلة، بصفة دورية، خلال فترة معينة، لطرف آخر، مقابل مبلغ معين مؤجل كله أو بعضه.
ثانيًا: إذا كان محل عقد التوريد سلعة تتطلب صناعة، فالعقد استصناع تنطبق عليه أحكامه. وقد صدر بشأن الاستصناع قرار المجمع رقم 65 (7/3).
ثالثًا: إذا كان محل عقد التوريد سلعة لا تتطلب صناعة، وهي موصوفة في الذمة يلتزم بتسليمها عند الأجل، فهذا يتم بإحدى طريقتين:
أ- أن يعجل المستورد الثمن بكامله عند العقد، فهذا عقد يأخذ حكم السلم فيجوز بشروطه المعتبرة شرعًا المبينة في قرار المجمع رقم 85 (9/2).
ب- إن لم يعجل المستورد الثمن بكامله عند العقد، فإن هذا لا يجوز لأنه مبني على المواعدة الملزمة بين الطرفين. وقد صدر قرار المجمع رقم 40 و41 المتضمن أن المواعدة الملزمة تشبه العقد نفسه فيكون البيع هنا من بيع الكالىء بالكالىء. أما إذا كانت المواعدة غير ملزمة لأحد الطرفين أو لكليهما فتكون جائزة على أن يتم البيع بعقد جديد أو بالتسليم.
رابعًا: أثر الغش في عقد التوريد
صحيح، يترتب على الغش في عقد التوريد تبعات قانونية تشمل عقوبات جزائية وتعويضات مدنية. وسيتم إيضاح الأثرين الجزائي والمدني على التوالي:
1. الأثر الجزائي للغش في عقد التوريد:
في حالة وجود غش في عقد التوريد، قد يتعرض الشخص المختص بالغش (مثل البائع) لعقوبات جنائية وفقاً للقوانين المعمول بها. ونجد أن الغرض من فرض تلك العقوبة الجزائية هي منع التحايل في مجال بيع البضائع كنوع من زيادة الأمان للمتعاملين في النشاط التجاري.
أ- نص التجريم
ونجد أن المشرع الأردني قد حرص على فرض تلك الحماية حيث نصت المادة (433) من قانون العقوبات على (كل من غش العاقد عن معرفة سواء في طبيعة البضاعة أو صفاتها الجوهرية أو تركيبها أو الكمية التي تحتويها من العناصر المفيدة أو في نوعها أو مصدرها عندما يكون تعيين النوع والمصدر معتبرا بموجب الاتفاق أو العادات السبب الرئيسي للبيع يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة وبالغرامة من خمسة دنانير إلى خمسين دينارا أو بإحدى هاتين العقوبتين.)
ب- أركان الجريمة
ومن واقع المادة (433) من قانون العقوبات والتفسير يمكن تلخيص الأركان والعناصر اللازمة لجريمة الغش في البضاعة على النحو التالي:
- محل الجريمة (وجود بيع لبضاعة معينة): يتطلب وجود عملية بيع تشمل تحديد البضاعة بشكل دقيق، بما في ذلك نوعها وكميتها وصفاتها الجوهرية وغيرها من التفاصيل المهمة. يتم تحديد هذه الأمور بناءً على الاتفاق بين البائع والمشتري ويتعين على المحكمة تحديد مدى تطابق أفعال المشتكى بها مع صورة ارتكاب جريمة الغش.
- الركن المادي: يتمثل في الأفعال غير المشروعة التي يقوم بها الجاني، وتشمل فعل الغش. يتضمن الغش استخدام وسائل احتيالية لخداع الطرف الآخر وإيقاعه في خطأ جوهري بشأن صفات البضاعة، وقد يتم ذلك عن طريق التزوير أو تغيير حقيقة البضاعة بشكل يؤدي إلى إلحاق ضرر بالمشتري.
- الركن المعنوي: تعتبر جريمة الغش جريمة عمدية، حيث يتطلب وجود قصد جنائي عند المشتكى عليه. يجب أن يكون الجاني عالمًا بأركان الجريمة ومفترضاتها، وأن يكون عالمًا بأن البضاعة تختلف عن البضاعة المتفق عليها وأن فعله غير مشروع. يتطلب القانون وجود العلم بالقانون، وبالتالي لا يمكن الاعتداد بالجهل بالقانون كمبرر للتصرف الغير قانوني.
ج- المسؤولية الجنائية
الأصل أن العقوبات الجزائية تطبق على الأشخاص الطبيعية، إلا أن المشرع الأردني نجده يورد العقوبة الجزائية على الأشخاص المعنوية كما في حالتنا هذه (الغش)، لكن فيما يخص الغرامة فقط، ففي ذلك نصت المادة (74) من قانون العقوبات على:
- لا يحكم على احد بعقوبة ما لم يكن قد اقدم على الفعل عن وعي وإرادة.
- يعتبر الشخص المعنوي باستثناء الدائرة الحكومية أو المؤسسة الرسمية أو العامة مسؤولاً جزائياً عن أعمال رئيسه أو أي من أعضاء إدارته أو مديريه أو أي من ممثليه أو عماله عندما يأتون هذه الأعمال باسمه أو بإحدى وسائله بصفته شخصاً معنوياً .
- لا يحكم على الأشخاص المعنويين إلا بالغرامة والمصادرة وإذا كان القانون ينص على عقوبة أصلية غير الغرامة استعيض بالغرامة عن العقوبة المذكورة وأنزلت بالأشخاص المعنويين في الحدود المعينة في المواد من (22) إلى (24) من هذا القانون .
2. الأثر المدني للغش في عقد التوريد:
يمكن للطرف المتضرر (مثل المشتري) أن يقدم دعوى قضائية للحصول على تعويض مدني نتيجة الغش في عقد التوريد. يتم تقدير المبلغ المطلوب كتعويض بناءً على الأضرار المادية أو الخسائر التي تكبدها الطرف المتضرر نتيجة الغش. يعتمد قبول الدعوى وتحديد المسؤولية المدنية على الأدلة والقوانين المعمول بها.
ويطبق القانون المدني طبقًا لنص المادة (2) من قانون التجارة:
- اذا انتفى النص في هذا القانون فتطبق على المواد التجارية أحكام القانون المدني.
- على ان تطبيق هذه الأحكام لا يكون إلا على نسبة اتفاقها مع المبادئ المختصة بالقانون التجاري.
وهذه المسؤولية المترتبة على العقد قد تكون تعاقدية فيما بين أطراف عقد التوريد طبقًا لنصوص المواد:
المادة (202) من القانون المدني التي نصت على:
- يجب تنفيذ العقد طبقا لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية.
- ولا يقتصر العقد على الزام المتعاقد بما ورد فيه ، ولكن يتناول أيضا ما هو من مستلزماته وفقا للقانون والعرف وطبيعة التصرف.
والمادة (203) من القانون المدني التي نصت على (في العقود الملزمة للجانبين اذا كانت الالتزامات المتقابلة مستحقة الوفاء جاز لكل من المتعاقدين ان يمتنع عن تنفيذ التزامه اذا لم يقم المتعاقد الآخر بتنفيذ ما التزم به.)
وقد تكون المسؤولية تقصيرية إذا كان الغش يمثل جريمة طبقًا لنص المادة (256) من القانون المدني نصت على (كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر.)
خامسًا: تطبيقات قضائية
-الحكم رقم 2983 لسنة 2021 محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2021-07-13
(ورداً على ذلك نجد أن واقعة الدعوى تتحصل في أن المدعى عليها استجرت من المدعية بضاعة أدوية ولقاحات بيطرية في الفترة الممتدة من تاريخ 1/1/2018 إلى 31/7/2019 وترصد للمدعية بذمتها المبلغ المدعى به وبتاريخ 18/8/2019 وجهت المدعية إلى المدعى عليها خطاباً تطالبها فيه بدفع المبلغ المترصد فأثارت المدعى عليها موضوع الأدوية / اللقاحات المنتهية الصلاحية بقيمة ( 14127,5) ديناراً فأقيمت هذه الدعوى .
وحيث إن كشف الحساب المسلسل رقم ( 3) من بينات المدعية غير معترض عليه من وكيل المدعى عليها وطلب اعتباره بينة لموكلته كما أبرز صورة طبق الأصل عنه في حافظة مستنداته بينة له فيكون بينة قانونية صالحاً للاستناد إليه في الحكم .
وحيث إن مجادلة ومنازعة المدعى عليها حول قيمة اللقاحات منتهية الصلاحية الأمر الذي يتضمن ضمناً انشغال ذمتها برصيد المبلغ المتبقي .
أما بخصوص اللقاحات منتهية الصلاحية وقيمتها موضوع الدعوى المتقابلة فقد ثبت من شهادات شهود الطرفين بما فيهم شهود الجهة المدعى عليها / المميزة أن المدعية لم تورد لها أدوية / لقاحات منتهية مدة الصلاحية وإنما كانت على وشك انتهاء مدة الصلاحية وإن مدير المشروع في المدعى عليها المخول بالموافقة على استلامها أو رفضها وافق على استلامها لعدم وجود بديل لها كما هو ثابت من شهادات الشهود محمد القيسي ووائل قطام ومحمد العامودي .
وإن المدعى عليها أثارت هذه المسألة بعد مرور مدة ثلاثة إلى ستة شهور على استلامها هذه اللقاحات محسوبة من تواريخ فواتيرها دون اعتراض على ذلك منها إلا عند مطالبتها بالمبلغ من قبل المدعية .
وحيث إن المادة ( 512/1) من القانون المدني تنص على :
” 1. يعتبر البيع منعقداً على أساس خلو المبيع من العيوب إلا ما جرى العرف على التسامح فيه” والمادة ( 513/1) من القانون المدني تنص على :
” إذا ظهر في المبيع عيب قديم كان المشتري مخيراً إن شاء رده أو شاء قبله بالثمن المسمى وليس له إمساكه والمطالبة بما أنقصه العيب من الثمن ” .
والمادة ( 514 ) من القانون ذاته تنص على:
لا يكون البائع مسؤولاً عن العيب القديم في الحالات التالية :
1- …………………………….
2- إذا اشترى المبيع وهو عالم بما فيه من العيب .
- إذا رضي المشتري بالعيب بعد اطلاعه عليه أو بعد علمه به من آخر .
ولما أن المميزة استلمت اللقاحات التي على وشك انتهاء مدة صلاحيتها وهي عالمة بذلك وارتضت بها ولم تعدها في حينه فهي ملزمة بدفع ثمنها وليس لها المطالبة بإمساكها وحسم ثمنها الأمر الذي تكون معه ملزمة بدفع المبلغ المدعى به من جهة وتكون الدعوى المتقابلة غير قائمة على أساس واقعي أو قانوني صحيح ومستوجبة الرد دون حاجة لإجراء الخبرة المطلوبة..
– الحكم رقم 3252 لسنة 2011 – بداية حقوق عمان الصادر بتاريخ 2018-01-28
من حيث القانون:
إن المادة (87) من القانون المدني نصت على أنه: (العقد هو ارتباط الإيجاب الصادر من أحد المتعاقدين بقبول الآخر وتوافقهما على وجه يثبت أثره في المعقود عليه ويترتب عليه التزام كل منهما بما وجب عليه للآخر).
كما نصت المادة (465) من ذات القانون على أنه: (البيع تمليك مال أو حق مالي لقاء عوض).
كما نصت المادة (199) من ذات القانون على أنه: (2- أما حقوق العقد فيجب على كل من الطرفين الوفاء بما أوجبه العقد عليه منهما).
كما نصت المادة (202) من ذات القانون على أنه: (يجب تنفيذ القد طبقا لما اشتمل عليه وبطريقه تتفق مع ما يوجبه حسن النية).
كما ونصت المادة 363 من ذات القانون على ما يلي: (إذا لم يكن الضمان مقدرا في القانون أو في العقد فالمحكمة تقدره بما يساوي الضرر الواقع فعلا حين وقوعه).
وبتطبيق القانون على ما تقدم من وقائع ثابتة تجد المحكمة أن العلاقة بين المدعية والمدعى عليه هي علاقة تجارية تتمثل بقيام المدعية باستجرار مادة النيترك أسيد من المدعى عليه على أن تقوم المدعية بالالتزام قوامه بدفع الثمن ويقوم المدعى عليه بالالتزام قوامه تسليم المبيع المتفق عليه، وحيث ثبت للمحكمة بان المدعية قامت بتنفيذ التزامها بدفع الثمن ولم يقم المدعى عليه بتسليم المادة المتفق عليها وإنما قام بتسليم مادة أخرى حمضية نتيجة استخدامها ألحقت أضرار بالمدعية وبالتالي فانه ونتيجة هذه العلاقة العقدية فان المطالبة بالتعويض استناداً إليه يحكمها المادة 363 من القانون المدني، وحيث قدر الخبراء الضرر الفعلي وحسب البينات المقدمة في الدعوى الذي لحق بالمدعية جراء توريد مادة مختلفة عن المادة المتفق عليها من قبل المدعى عليه بمبلغ (7891) دينار فانه يقتضي الحكم للمدعية بهذا المبلغ وتكون المدعية قد أثبتت دعواها بالبينات القانونية الصالحة للحكم.
لهذا وتأسيساً على ما تقدم تقرر المحكمة ما يلي:
أولا: عملا بأحكام المادة 363 من القانون المدني والمادة 1818 من مجلة الأحكام العدلية الحكم بإلزام المدعى عليه بأن يدفع للمدعية مبلغ (7891) دينار (سبعة آلاف وثمانمائة وواحد وتسعون دينارا)
ثانياً: وعملا بالمواد (161 و166 و167) من قانون أصول المحاكمات والمادة (46/4) من قانون نقابة المحامين تضمين المدعى عليه بالرسوم والمصاريف، ومبلغ (350) دينار أتعاب محاماة والفائدة القانونية من تاريخ إقامة الدعوى وحتى السداد التام..
سادسًا: خاتمة
يعد عقد التوريد من العقود التجارية المهمة في مجال الأعمال، إذ يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعمليات الإنتاج والتصنيع في مختلف القطاعات الاقتصادية. وقد تناولنا في هذا المقال حكم عقد التوريد وفقاً للفقه الإسلامي وتوصلنا إلى أنه من المعاملات المشروعة وفق الضوابط التي تم بيانها.
كما تطرقنا إلى أثر الغش في هذا النوع من العقود، حيث يعد الغش إخلالاً بالتزامات العقد ويستوجب المساءلة القانونية. المساءلة القانونية قد تكون جزائية في حالة تعمد الغش، وقد تكون مدنية، والمسؤولية المدنية أما أن تكون تعاقدية ناشئة عن بنود العقد، وإما أن تكون تقصيرية متى تسبب هذا الغش في ضرر، وقمنا باستعراض تطبيقات قضائية لتوضيح ذلك.
كتابة: محمد السعيد عبد المولى
[1] ينظر : عهد المقاولة والتوريد في الفقه الإسلامي ، د. علي أبو البصل ص (199– 201 )
[2] أبو سليمان، الدكتور عبد الوهاب إبراهيم ، مجلة مجمع الفقه الإسلامي- عقد التوريد دراسة فقهيه تحليليه – الدورة الثانية عشر:2/337
[3] الطماوي، الدكتور سليمان محمد الطماوي- الأسس العامة للعقود الإدارية- دراسة مقارنه- ط3- دار الفكر العربي. ص116
[4] مجمع الفقه الإسلامي، العدد الثاني عشر (٢/ ٥٧١).
[5] العطير، عبد القادر، الوسيط في شرح القانون التجاري الأردني، (١٩٩٩م)، مكتبة دار الثقافة، عمان، ج١ ص51.
[6] انظر لمعرفة الشرط الجزائي: أبو سليمان، عبد الوهاب، فقه الضرورة وتطبيقاته المعاصرة، الطبعة الأولى، جدة: البنك الإسلامي للتنمية، معهد البحوث والتدريب، عام ١٤١٤ هـ – ١٩٩٤ م، ص ١٤٢. من/ ص737 – كتاب مجلة مجمع الفقه الإسلامي – عقد التوريد دراسة فقهية تحليلية إعداد الدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان – المكتبة الشاملة، الرابط:https://shamela.ws/book/8356/19375#p2
[7] رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح. سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٤/ ٣٦١.
[8] ص147 – كتاب فتاوى يسألونك – معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تبع ما ليس عندك – المكتبة الشاملة، https://shamela.ws/book/9087/1523#p5
[9] ص756 – كتاب مجلة مجمع الفقه الإسلامي – عقود التوريد والمناقصات إعداد الشيخ حسن الجواهري – المكتبة الشاملة، الرابط:https://shamela.ws/book/8356/19394#p9
[10] أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار: (٤/ ٢١)، والدار قطني: (٣/ ٧٢)، والحاكم: (٢/ ٦٥، رقم: ٣٢٤٢)، والبيهقي: (٥/ ٢٩٠). قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه)، و وافقه الذهبي. وقال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير: (٣/ ٢٦): (صححه الحاكم على شرط مسلم، فوهم، فإن راويه موسى بن عبيدة الربذي، لا موسى بن عقبة … قال أحمد بن حنبل: لا تحل عندي الرواية عنه، ولا أعرف هذا الحديث عن غيره … وليس في هذا حديث يصح، لكن إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع دين بدين، وقال الشافعي: أهل الحديث يوهنون هذا الحديث). وضعفه الألباني في إرواء الغليل: ٥/ ٢٢٠، بأن فيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف.
[11] ص265 – كتاب مجلة البحوث الإسلامية – النقطة الثالثة بيع الدين بالدين – المكتبة الشاملة، الرابط:https://shamela.ws/book/8322/42498#p3
[12] ص266 – كتاب مجلة البحوث الإسلامية – النقطة الثالثة بيع الدين بالدين – المكتبة الشاملة، الرابط:https://shamela.ws/book/8322/42499#p3
[13] قرار رقم: 107 (12/1)، مجلة المجمع (العدد الثاني عشر ج2، ص 391)
