فصل العامل دون إشعار بسبب الضرب والتحقير
في مستهل حديثي عن فصل العامل دون إشعار بسبب الضرب والتحقير، ينبغي أن أؤكد على أنه يصعب استمرار العلاقة العقدية بين العامل وصاحب العمل إذا ارتكب العامل خطأ يعكر صفو هذه العلاقة ويزعزع الثقة الواجب توافرها، لذا فقد نص المشرع الأردني في المادة (28) من قانون العمل الأردني رقم (8) لسنة 1996 وتعديلاته على حالات وردت على سبيل الحصر تجيز لصاحب العمل فصل العامل دون إشعار، وعلى خلاف ذلك إذا لم تتوافر إحدى هذه الحالات كان الفصل تعسفياً يخضع للمادة (25) من قانون العمل الأردني.
وقد قامت شركة حماة الحق بإطلاق حاسبة الحقوق العمالية الإلكترونية لحساب مقدار حقوق العامل عن فترة عمله.
ـ ولكن الأمر المثير للدهشة أنه وعلى الرغم من أن عقوبة الفصل بالنسبة للعامل هي من أقصى العقوبات تأثيراً على حياته وحياة أسرته، ومن ثم فإن معظم التشريعات العربية قد اشترطت لإنهاء عقد العامل أن يكون الخطأ المنسوب إلى العامل على درجة كبيرة من الجسامة تبرر توقيع مثل هذا الجزاء، بيد أن قانون العمل الأردني لم يسير على ركب تلك التشريعات، بل لم يأخذ بما أخذت به من اشتراط جسامة خطأ العامل لإنهاء عقده.
ـ وترتيباً على ما تقدم فإن المشرع الأردني يفرض على العامل احترام وطاعة صاحب العمل وكذلك رؤسائه، وبالتالي إذا وقع من العامل أي اعتداء بالضرب أو التحقير على أحدهم، أو على أي عامل أو شخص آخر أثناء أو بسبب العمل، يجوز لصاحب العمل إنهاء عقد العامل وفصله دون إشعار، وهذا ما سوف أحاول أن أسلط عليه الضوء، من خلال العناصر الآتية:-
أولاً/ معنى التحقير وأركانه.
ثانياً/ معني الاعتداء وصوره وأركانه.
ثالثا /فصل العامل نتيجة اعتدائه بالضرب أو التحقير على صاحب العمل أو أحد رؤسائه أو أي عامل أو شخص آخر أثناء العمل أو بسببه.
رابعا/ الأسس العامة التي يجب على صاحب العمل مراعاتها عند فصل العامل دون إشعار.
خامساً/ بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية فيما يتعلق بفصل العامل بسبب الضرب أو التحقير.
سادساً/ الخاتمة.
أولاً: معنى التحقير وأركانه
بادئ ذي بدء يجب البحث عن المقصود بالتحقير الذى يجيز لصاحب العمل فصل العامل من عمله، وفى الحقيقة فإن المشرع الأردني قد تصدى لمعنى التحقير بأن نص عليه صراحة ووضع له تعريفا في المادة (190) من قانون العقوبات الأردني، حيث عرفه بأنه : (كل تحقير أو سباب – غير الذم والقدح- يوجه إلى المعتدى عليه وجهاً لوجه بالكلام، والحركات، أو بكتابة، أو رسم، لم يتخذ طبعاً علنياً، أو بمخابرة برقية أو هاتفية، أو بمعاملة غليظة).
ـ ومن خلال استقراء هذا النص سالف البيان يتبين لنا أن التحقير في الغالب قد ينطوي على سب وهو الشتم سواء باللفظ الصريح الدال عليه، أو باستعمال المعاريض التي تومئ إليه، فالقانون يعتبر كل إلصاق لعيب أو تعبير يحط من قدر الشخص نفسه، أو يخدش سمعته لدى غيره يعد سب.([1])
وهكذا يتبين لنا وعلى الرغم من وجود علاقة واضحة بين جريمة التحقير وجريمة الذم والقدح إلا أنه يوجد بينهم العديد من الاختلافات، فالذم ورد في المادة (188/1) من قانون العقوبات الأردني بأنه :(إسناد مادة معينة إلى شخص –ولو في معرض الشك والاستفهام- من شأنها أن تنال من شرفه وكرامته أو تعرضه إلى بغض الناس واحتقارهم، سواء أكانت تلك المادة جريمة تستلزم العقاب أم لا)، أما القدح فقد عرفته المادة (188/2) من قانون العقوبات الأردني بأنه :(الاعتداء على كرامة الغير أو شرفه أو اعتباره ولو في معرض الشك والاستفهام من دون بيان مادة معينة)، والمشرع الجزائي الأردني لم يضع معيارا حاسما يفرق به بين القدح العلني وغير العلني، وإن كان يمكن اعتبار القدح غير العلني تحقيراً.([2])
ـ ولكى يتحقق التحقير فإنه يلزم توافر الركن المادي الذى يتخذ إحدى الصور التالية:-
1- التحقير الوجاهي، ويعنى أن يقع في مواجهة المعتدى عليه قولاً أو فعلاً أو بإشارة مخصوصة، كقول المعتدى للمعتدى عليه “يا حمار، يا أبله”، أو أن يكشف له عورته، أو يقلد بعض حركاته وسكناته بقصد التحقير.
2- التحقير بمكتوب خاطب به، أو قصد اطلاعه عليه، أو بمخابرة برقية أو هاتفية، كأن يكتب الجاني رسالة يرسلها إلى المجنى عليه وتشمل عبارات السب والتحقير، ويلاحظ أن إرسال الرسالة أو البرقية إلى شخص لا تعد تحقيراً إذا لم تتضمن سباب أو شتائم.
3- التحقير بمعاملة غليظة، وهذه الوسيلة تختلف عن الوسيلتين السابقتين في خلوها من التحديد، لذا فإن تحديدها يترك لقضاة الموضوع ولهم في ذلك الأمر حرية واسعة وسلطة تقديرية لتحديد ما إذا كانت وسيلة الجاني تعد معاملة غليظة وتحقر من تمت في مواجهته أم لا، ويعد معاملة غليظة “البصق في الوجه”، والدفع.([3])
ـ أما الركن المعنوي في جريمة التحقير فيتخذ صورة القصد الجرمي، الذى يتحقق بعلم المتهم بأن الألفاظ أو الحركات أو الإشارات أو الكتابة التي استخدمها هي ألفاظ شائنه من شأنها أن تمس بشرف المعتدى عليه وكرامته واعتباره، وأن يصرف إرادته الحرة إلى النطق بها، أو إتيان الحركات أو الإشارات المكونة لها، ولا يخفى عن الفطنة أنه كلما كانت عبارات التحقير مقنعة، فإن قصد الإسناد مفترض وعلى المتهم أن يثبت عكس المستفاد من تلك الألفاظ، وبخلاف ذلك إذا كانت الألفاظ غير شائنة في مدلولها الظاهر، فعلى المشتكى أن يقيم الدليل على أن المشتكى عليه قد قصد بها التحقير.([4])
ـ وبالنسبة لعقوبة جريمة التحقير، فقد بينها المشرع الجزائي الأردني في المادة (360) من قانون العقوبات الأردني “بالحبس مدة لا تزيد على شهر أو بغرامة لا تزيد على عشرة دنانير”)، أما بالنسبة لعقوبة الذم فقد بينتها المادة (358) وهي الحبس من شهرين إلى سنة، وبالنسبة لعقوبة القدح فهي الحبس من أسبوع إلى ثلاثة أشهر أو الغرامة من خمسة دنانير إلى خمسة وعشرين دينار، ولا يجوز الجمع بين العقوبتين.
ثانياً: معنى الاعتداء وصوره وأركانه
ـ من المسلم به أن الاعتداء يكون بأي فعل من الأفعال التي تمس سلامة جسم الإنسان أو صحته، وبالتالي يعد جريمة يعاقب عليه القانون ويعد الإيذاء تعدي، سواء كان بسيط أو جسيم، وسواء كان إيذاء نفسى أو إيذاء جسدي، ومحل جريمة الإيذاء هو إنسان حي، وهو ينتقص من سلامة الجسم وجق الإنسان في الحفاظ على تكامل جسده.([5])
ـ ومن صور الاعتداء التي يمكن أن تقع من العامل وتؤدى إلى فصله من العمل الضرب، وهو يتم بشكل مباشر أي يقع بأي عضو من أعضاء جسد الجاني على المجنى عليه فيسبب له ضرراً جسدياً كالركل أو الصفع، وقد يقع بواسطة أداة كالعصا أو الحجارة وهذا هو الفعل الذى يمثل جزء من الركن المادة لجريمة الضرب البسيط، أما النتيجة فهي حدوث ضرر في جسد المجنى عليه يؤدى لتعطله عن أداء أعماله اليومية المعتادة، ويجب أن يتوافر بين الفعل والنتيجة رابطة سببية أي أن يكون فعل الجاني هو السبب المباشر لحدوث الأذى الجسدي وتعطل المجنى عليه.
ـ أما الركن المعنوي في جريمة الإيذاء فيلزم أن يكون الجاني عالماً بأن فعله يقع على إنسان حي، وأن تتجه إرادته إلى ارتكاب فعل الإيذاء بجسد المجنى عليه وتحقيق النتيجة، والإيذاء قد يتم دون ضرب أو جرح كشد الشعر أو الإلقاء على الأرض أو الجذب بقوة.([6])
ـ وبالنسبة للعقوبة، فإذا كان الإيذاء بسيط وكانت مدة التعطيل عن العمل لا تزيد عن العشرين يوماً فهنا لا يلاحق الجاني إلا بناء على شكوى من المتضرر كتابة أو شفاهة، وتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على سنة أو بغرامة لا تزيد على مائة دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين، أما إذا أدى الإيذاء البسيط إلى تعطيل عن العمل مدة تزيد على عشرين يوم قابلة للشفاء يعاقب الجاني بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات استناداً لنص المادة (333) من قانون العقوبات الأردني.
ـ أما الإيذاء البليغ فإذا كان بالضرب على الوجه أو العنف باستخدام الشفرات أو المشارط أو الأمواس وغيرها من الأدوات الحادة فيعاقب الجاني بالأشغال المؤقتة مدة لا تزيد عن سبع سنوات مهما كانت مدة التعطيل، أما إذا كان بإلقاء مواد حارقة أو كاوية أو مشوهة على وجه شخص أو عنقه يعاقب بالأشغال المؤقتة مدة لا تقل عن سبع سنوات، أما إذا أدى الفعل إلى قطع أو استئصال عضو أو بتر أحد الأطراف أو إلى تعطيلها أو تعطيل إحدى الحواس عن العمل، أو تسبب في إحداث تشويه جسيم أو أية عاهة أخرى دائمة أو لها مظهر العاهة الدائمة، يعاقب الجاني بالأشغال المؤقتة.
ثالثاً: فصل العامل نتيجة اعتدائه بالضرب أو التحقير على صاحب العمل أو أحد رؤسائه أو أي عامل أو شخص آخر أثناء العمل أو بسببه
ـ خولت المادة (28/ط) من قانون العمل الأردني صاحب العمل الحق في فصل العامل وذلك دون إشعار، في حالة اعتداء العامل على صاحب العمل أو المدير المسئول أو أحد رؤسائه، أو أي عامل أو على أي شخص آخر أثناء العمل، أو بسببه بالضرب أو التحقير، ولا يفوتنا أن ننوه على أن المشرع لم يشترط الجسامة في هذا الاعتداء ولكنه اشترط فقط وقوعه أثناء أو بسبب العمل، وأن يقع بالضرب والتحقير والذى سبق أن تعرضنا لهما فيما سبق بشيء من التفصيل.
ـ وقد يثور تساؤلاً هاماً في الأذهان، وهو هل ينطبق نص المادة (28/ط) من قانون العمل الأردني في حالة وقوع الاعتداء من العامل وهو في حالة دفاع شرعي، أو بعدما تعرض لاستفزاز من صاحب العمل أو المدير المسئول أو أحد رؤسائه، أو أي عامل أو شخص آخر؟
لقد أجابت عن هذا التساؤل المادة (160/1) من قانون العقوبات الأردني والمتعلقة بالدفاع الشرعي والتي ورد فيها أنه :(يعد ممارسة للحق: كل فعل قضت به ضرورة حالية لدفع تعرض غير محقق، ولا مثار عن النفس أو المال أو نفس الغير أو ماله).
ـ وتطبيقاً لما تقدم فإن نص المادة (28/ط) من قانون العمل الأردني لا ينطبق على تعدى العامل على صاحب العمل، أو المدير المسئول، أو أحد رؤسائه، أو من أي عامل، أو أي شخص آخر، إذا وقع هذا التعدي من العامل وهو في حالة دفاع شرعي، بشرط أن يكون رد العامل على الاعتداء مناسباً.
ـ كذلك يطبق أيضاً نص المادة (89) عقوبات أردني والتي جاء نصها على النحو التالي :(لا يعاقب الفاعل على فعل ألجأته الضرورة إلى أن يدفع به في الحال عن نفسه أو غيره، أو عن ملكه أو ملك غيره خطراً جسيماً محدقاً، لم يتسبب هو فيه قصداً شرط أن يكون الفعل متناسباً والخطر، والاعتداء وفقاً لنص المادة (28/ط) من قانون العمل الأردني يكون بالضرب أو التحقير، وفى بيان المقصود بكلمة التحقير الواردة في المادة المشار إليها في قانون العمل تقول محكمة التمييز الأردنية بأنها :(هي التي تشكل تحقيراً بالمعنى المقصود بالمادة (190) من قانون العقوبات، حيث أن المصطلحات والمفردات القانونية التي أوردها وعرفها المشرع في مواد قانونية هي المستقرة والواجبة التطبيق والأخذ بها طالما أنها جاءت محددة وثابتة المعاني، ولم يرد في قانون العمل أو أي قانون آخر غير قانون العقوبات أي تعريف أو تفسير لمفهوم التحقير، وأنه من المتوجب الأخذ بتعريف وتفسير التحقير بالوارد في المادة (28/ط) من قانون العمل طالما تحمل المعنى نفسه والمفهوم ذاته لكلمة التحقير الواردة في قانون العقوبات، ولا يجوز أن تحمل معنيين ومفهومين قانونيين مختلفين …).([7])
رابعاً: الأسس العامة التي يجب على صاحب العمل مراعاتها عند فصل العمل دون إشعار:-
ـ مما لاشك فيه أن هناك أسس عامة يلزم على صاحب العمل اتباعها عند فصله للعامل دون إشعار وذلك عند ارتكابه اعتداء على صاحب العمل أو المدير المسئول أو أحد رؤسائه أو أي عامل أو على أي شخص آخر أثناء العمل أو بسببه بالضرب والتحقير، وتتركز هذه الأسس على مبدأين هامين هما:-
1- وحدة المعيار الذى يترتب عليه حرمان العامل من حقوقه الواردة في قانون العمل: إن المشرع الأردني عندما أجاز لصاحب العمل فصل العامل دون إشعار وذلك في المادة (28) من قانون العمل الأردني، فإنه لم يطلق يده في هذا الشأن بل قيده بأن يكون ذلك في الحالات التي عددتها المادة المذكورة على سبيل الحصر، بيد أن المشرع الأردني كان قاسياً على العامل عندما لم يشترط نص المادة المذكورة أن يكون خطأ العامل جسيماً، لكنه لم يكن كذلك عندما لم يحرمه من مكافأة نهاية الخدمة ومن كافة التعويضات الأخرى حتى لو ارتكب أياً من الحالات المنصوص عليها في المادة (28) من قانون العمل الأردني.
ـ وتأكيداً لما تقدم نصت المادة (32) من قانون العمل الأردني على أنه :(يحق للعامل غير الخاضع لأحكام قانون الضمان الاجتماعي، وتنتهى خدماته لأى سبب من الأسباب، الحصول على مكافأة نهاية الخدمة بمعدل أجر شهر عن كل سنة من خدمته الفعلية ويعطى من كسور السنة مكافأة نسبية، وتحتسب المكافأة على أساس آخر أجر تقاضاه خلال مدة استخدامه).
ـ وفضلاً عن مكافأة نهاية الخدمة، فقد أعطى المشرع الأردني أيضاً للعامل الخاضع لأنظمة خاصة للمؤسسة التي يعمل فيها تتعلق بصناديق الادخار، أو التوفير أو التقاعد أو أي صندوق آخر مماثل، الحصول على جميع الاستحقاقات الممنوحة له بموجب هذه الأنظمة في حالة انتهاء الخدمة وفقاً للمادة (22/أ) من قانون العمل الأردني، وكذلك حق العامل في بدل الإجازة السنوية المنصوص عليها في المادة (63) من قانون العمل الأردني، إذا انتهت خدمته لأى سبب من الأسباب قبل أن يستعمل إجازته السنوية.
وهناك تساؤلاً هاماً قد يدور في الأذهان، وهو ما المعيار الذى جعل المشرع الأردني يحرم العامل من بدل التعويض عن الفصل التعسفي، وبدل الإشعار في حالة فصله لارتكابه إحدى الحالات المنصوص عليها في المادة (28)، وفى ذات الوقت لا يحرمه من باقي حقوقه المنصوص عليها في قانون العمل كمكافأة نهاية الخدمة مثلاً، وهل يوجد اختلاف بين التكييف القانون لحق العامل في بدل الإشعار، والتكييف القانون لمكافأة نهاية الخدمة؟
ـ في الواقع فإن حق العامل في بدل الإشعار يكيف بأنه أجراً حيث يقدر بالأجر الذى يستحقه العامل مقابل قيامه بالعمل خلال مدة الإشعار، ويعتبر تعويضاً إذا كانت مخالفة قواعد الإشعار صادرة من العامل، وفى المقابل فإن مكافأة نهاية الخدمة لا تعتبر أجراً، لعدم احتسابها على أساس الأجر الفعلي الذى يتقاضاه العمال دورياً طوال مدة خدمته، وإنما يعتد بأخر أجر تقاضاه العامل عند انتهاء عقد العمل.
2- وجوب إثبات خطأ العامل ووقوعه أثناء مدة العقد: من المسلم به أن المقصود من المادة (28) من قانون العمل الأردني هو تمكين صاحب العمل من إنهاء العقد بإرادته المنفردة، عند ارتكاب العامل لإحدى الحالات التي نصت عليها المادة وحرمانه من بدل التعويض عن الفصل التعسفي من تعداد هذه الحالات نقل عبء الإثبات على عاتق العامل لأن إثبات عدم توافرها يعد واقعة سلبية تستعصى على الإثبات، بالإضافة أن صاحب العمل يعتبر مدعياً أنه يدعى بخلاف الوضع الظاهر فيتحمل هو عبء الإثبات استنادا للمادة (78) من القانون المدني الأردني رقم (43) لسنة 1976 والتي نصت على أنه :(البينة لإثبات خلاف الظاهر واليمين لإبقاء الأصل).
ـ ولكن يثور هنا التساؤل حول ما مدى إمكانية إثبات العامل للظروف التي ارتكب فيها الخطأ والتي يستطيع بها نفى الخطأ بحقه؟
في الحقيقة يمكن للعامل إثبات ذلك حتى لا يحرم من مطالبة صاحب العمل ببدل الفصل التعسفي وبدل مدة الإشعار، استنادا لنص المادة (261) من القانون المدني الأردني والتي جاء فيها أنه :(إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه، كآفة سماوية، أو حادث فجائي، أو قوة قاهرة، أو فعل الغير، أو فعل المتضرر، كان غير ملزم بالضمان ما لم يقض القانون أو الاتفاق بغير ذلك).
ولا يخفى عن الفطنة أن المادة (28) من قانون العمل الأردني والتي تجيز لصاحب العمل فصل العامل دون إشعار في أي من الحالات المنصوص عليها فيها، تفترض ارتكاب العامل لأي من تلك الحالات أثناء مدة عقد العمل، فالحق في إنهاء العقد لا يتقرر إلا بالنسبة لعقد كان موجوداً وقت الإنهاء.
خامساً/ بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية فيما يتعلق بفصل العامل بسبب الضرب والتحقير:-
1– قرار محكمة التمييز الأردنية رقم (2055) لسنة 2005، تمييز حقوق (هيئة خماسية) بتاريخ 22/11/2005، منشورات مركز عدالة والتي قضت فيه بأن :(المادة 28 من قانون العمل أجازت لصاحب العمل فصل العامل دون إشعار في حالات حددتها حصراً ومنها الفقرة (ط)، وحيث أن المشرع بالفقرة التي سبق ذكرها قد حصر الاعتداء الذى يقع من العامل أثناء العمل أو بسببه بالضرب أو التحقير، وأن يقع هذا الاعتداء على الأشخاص الذين عددتهم هذه الفقرة…).
2– قرار محكمة التمييز الأردنية (حقوق) رقم (533) لسنة 2009 (هيئة خماسية) بتاريخ 18/8/2009 منشورات مركز عدالة حيث ذهبت المحكمة في قرارها إلى أنه :(إذا كانت المشادة التي حصلت ما بين العامل (المدعى)، ومسؤوله لم تصل إلى حد الضرب أو التحقير فهذا يجعل فصله غير مبرر).
3- قرار محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم (1654) لسنة 2005، (هيئة خماسية) بتاريه 11/10/2005 منشورات مركز عدالة والتي تقول فيه المحكمة أن :(عبارة (كل واحد عنده طاقة يتحملك فيها وأنا ما بقدر أتحمل) التي تفوه بها العامل (المدعى) للمديرة، لا تنم عن التحقير ولا تشكل تحقيراً وعليه فإن الفصل مخالف للمادة (28/ط) من قانون العمل).
4– قرار محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم (3239) لسنة 1999 (هيئة ثلاثية) بتاريخ 26/4/2000 منشورات مركز عدالة وقد ذهبت فيه المحكمة إلى أن :(تشاجر العامل مع عدد من العمال دون أن يرد ما يثبت اعتداءه على أحدهم، أو ارتكابه عمل شائن أو أي جناية أو جنحة شائنة، وفصله تعسفياً ولا يصلح مبرراً قانونياً لإنهاء الخدمة).
5- قرار محكمة التمييز الأردنية (حقوق) رقم (1795) لسنة 2008 هيئة خماسية بتاريخ 8/7/2008 منشورات مركز عدالة حيث أكدت المحكمة في هذا القرار على أنه :(… بما أن الطاعنة (صاحب العمل) لم تقدم ما يثبت مخالفة المطعون ضده لأى من الحالات المنصوص عليها في المادة (28) من قانون العمل، فيكون فصلها له فصلاً تعسفياً بالمعنى المقصود بالمادة (25) من ذات القانون).
6- قرار محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم (987) لسنة 2006، (هيئة خماسية) بتاريخ 23/5/2006، منشورات مركز عدالة والذى قررت فيه أنه :(اذا قامت الجهة المدعى عليها بفصل المدعى من عمله دون مبرر، أو مسوغ قانوني، وعللت قرارها بفصل المدعى أنه قام بتزوير فاتورة صادرة عن محلات “أبو شعيب للدهانات” وقام بتهديد مدير عام الشركة، دون أن تقوم بإثبات صحة ذلك بحكم قضائي قطعي بإدانة المدعى بما نسب إليه وفقاً لأحكام المادة (28/ز) من قانون العمل، ويعتبر فصله من العمل فصلاً تعسفياً).
سادساً: الخاتمة:-
وأخيراً وفى نهاية هذا المقال، فإنه من الواضح أن نص المادة (28/ط) من قانون العمل الأردني قد ذكرت الأشخاص الذى يحق لصاحب العمل فصل العامل إذا اعتدى عليهم على سبيل المثال وليس الحصر، ويستفاد ذلك من عبارة (أو أي شخص آخر) مما يفتح المجال للتوسع في التفسير أو القياس عليه، لذا أوصى المشرع الأردني بتعديل نص المادة (28/ط) من قانون العمل الأردني وحذف عبارة (أو أي شخص آخر)، كما أنه لم ينص صراحة على انطباق النص في حالة الاعتداء على الرؤساء الذين تثبت لهم الرئاسة بصورة عرضية، لذا أقترح بإضافة عبارة (الذين تثبت لهم الرئاسة بصورة أصلية أو عرضية)، وذلك حتى يطبق هذا النص على جميع الرؤساء.
إعداد الأستاذ: جمال مرعي
[1] – أنظر الجبور، محمد، (2000)، الجرائم الواقعة على الأشخاص في قانون العقوبات الأردني – دراسة مقارنة، ط1، عمان، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ص396-398.
[2] – أنظر السعيد، د. كامل السعيد، (2000)، الجرائم الواقعة على الشرف والحرية – دراسة تحليلية مقارنة، ط1، عمان، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ص152.
[3] – أنظر إبراهيم طه الزايد، نطاق المسئولية الجزائية عن جرائم الذم والقدح والتحقير المرتكبة من خلال المواقع الإلكترونية (2011)، رسالة استكملاً لنيل درجة الماجستير، قسم القانون لعام، كلية الحقوق، جامعة الشرق الأوسط، ص60.
[4] – أنظر إبراهيم طه الزائد، نفس المرجع السابق، ص61.
[5] – أنظر د. محمود نجيب حسنى، القسم الخاص، الحق في سلامة الجسم ومدى الحماية التي يكفلها قانون العقوبات، بحث منشور في مجلة القانون والاقتصاد، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، السنة (29)، عام 1959، العدد الثالث، ص427.
[6] – أنظر الأستاذ أحمد أمين، شرح قانون العقوبات الأهلي – المجلد2، الدار العربية للموسوعات، ص496.
[7] – أنظر قرار محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 2178/2005 (هيئة خماسية) تاريخ 16/11/2005 منشورات مركز عدالة.
