مبدأ السرية المصرفية في قانون البنوك
تقوم كافة المؤسسات المصرفية العامة منها والخاصة والمشتركة بالدور الرئيسي في الحياة الاقتصادية للبلاد باعتبارها القائمة على تكوين المدخرات الوطنية وتنميتها ودعم الاستثمارات في كافة المجالات والقطاعات الاقتصادية، ويتم ذلك عن طريق التسهيلات والاعتمادات التي تتيحها والتي تعمل على تفعيل الكتل النقدية المتداولة واستغلالها في زيادة الحركة والنشاط في مختلف المجالات الإنتاجية والاستثمارية والخدمية، ومن هذا المنطلق وما لهذه المؤسسات المصرفية من أهمية بالغة في كافة المجالات الاقتصادية بالبلاد فإن تدخل الدولة في هذا المؤسسات أصبح أمر بديهي بغض النظر عن الشكل الذي تتدخل به الدولة، كون هذا القطاع العنصر الجوهري والرئيسي للادخار العام والإبقاء على التوازن العام، كما أنها بمثابة الملاز الآمن للعديد من الأفراد من أجل تأمين مدخراتهم وأنشطتهم التجارية، وتقوم هذه المؤسسات على الحفاظ على مبدأ السرية التامة والتي تعد القاعدة الأساسية في التعاملات لقيامها بالدور الأساسي في المحافظة على كافة التعاملات المصرفية، ومصدر لجزب الودائع الأجنبية والمحافظة على الودائع والمدخرات الوطنية من الذهاب إلى الدول التي تعمل بمبدأ السرية، ومن هنا فقد قام المشرع الأردني بوضع أحكام خاصة بالسرية المصرفية، وقام بتنظيمها بموجب قانون البنوك رقم 28 لسنة 2000 وتعديلاته، والذي بموجبه أخضع المؤسسات المصرفية لأحكام سرية المهنة وفرض العقوبات اللازمة لمن تسول له نفسه مخالفة هذا المبدأ، وسوف نحاول من خلال هذا المقال بيان ماهية السرية المصرفية، ونطاق تطبيق السرية المصرفية، والاستثناءات الواردة على مبدأ السرية المصرفية، وجريمة مخالفة السرية المصرفية والعقوبات المترتبة عليها، وأخيراً بعض التطبيقات القضائية المتعلقة بهذا الشأن، وذلك على النحو التالي:
ثانيا: نطاق تطبيق السرية المصرفية
ثالثا: الاستثناءات الواردة على مبدأ السرية المصرفية
رابعا: جريمة مخالفة السرية المصرفية والعقوبات المترتبة عليها
خامسا: بعض التطبيقات القضائية بشأن السرية المصرفية
أولاً: ماهية السرية المصرفية
لم يقم المشرع الأردني بوضع تعريف محدد ودقيق لمبدأ السرية المصرفية، ولكن اكتفي بتعريف الأعمال المصرفية، حيث نصت المادة الثانية من قانون البنوك الأردني رقم 28 لسنة 2000 وتعديلاته على: ” أـ يكون للكلمات والعبارات التالية حيثما وردت في ھذا القانون المعاني المخصصة لھا أدناه ما لم تدل القرينة على غير ذلك :ـ الأعمال المصرفية: قبول الودائع من الجمهور واستخدامها بصورة كلية أو جزئية لمنح الائتمان وأي أعمال أخرى یقرر البنك المركزي اعتبارها أعمالاً مصرفية بموجب أوامر يصدرها لهذه الغاية “.
ـ كما عرفت ذات المادة البنك بأنه: ” الشركة التي يرخص لها بممارسة الأعمال المصرفية وفق أحكام هذا القانون بما في ذلك فرع البنك الأجنبي المرخص له بالعمل في المملكة “.
ـ ولعل ما فعله المشرع من عدم وضع تعريف محدد للسرية المصرفية يأتي في رغبة المشرع الأردني بعدم تضييق النطاق على مبدأ السرية لعله من الممكن أن يشمل المبدأ مسائل أخري قد تطرأ في المستقبل، وهذا الشيء يحسب للمشرع الأردني وليس عليه، وقد دفع عدم وضع تعريف محدد للسرية المصرفية من قبل المشرع إلى كثرة التعريفات الفقهية، فمن الفقهاء من عرف السر المصرفي على أنه: ” كافة المعلومات أو البيانات الغير معروفة للكافة ومن شأن إفشائها التأثير على ثقة العملاء في البنك ومن ثم التأثير على الوضع المالي أو الاجتماعي بشكل عام “. [1]
ـ كما عرفها البعض الأخر على أنها : ” التزام المصارف بكافة أجهزتها وموظفيها وكل من له علاقة معها بالتكتم على الأعمال الاقتصادية والشخـصية المتعلقـة بعملائهم وبالأشخاص الآخرين الذين قد تكون آلـت إلـى علمهـم أثنـاء ممارستهم لمهنتهم “.[2]
ـ فالسرية المصرفية ما هي إلا التزام من قبل موظفي المصارف بالمحافظة على أسرار العملاء وعدم إفشائها للغير باعتبار المصرف أمين علي هذه الأسرار بحكم مهنته، كون العلاقة بينه وبين عملائه تقـوم على الثقة والمحافظة على الأسرار المالية للعملاء. [3]
ـ هذا وباعتبار البنك المركزي الأردني السلطة النقدية العليا في المملكة ويهدف إلى الاستقرار النقدي وضمان قابلية تحويل الدينار الأردني وتشجيع النمو الاقتصادي، فهو يقع على رأس الجهاز المصرفي الأردني، فقد نصت المادة ( 19/1) من قانونه رقم 23 لسنة 1971 على أنه: ” أ ـ لا يجوز للمحافظ أو نائب المحافظ أو العضو أن يفشي لأي شخص غير مفوض أية معلومات سرية يحصل عليها بحكم عمله في البنك المركزي إلا إذا تم خلال القيام بواجباته وإذا طلب إليه ذكرها في المحكمة وفق أحكام القانون “. [4]
ـ هذا وقد أوجب المشرع الأردني على البنوك التزام السرية التامة لجميع حسابات عملائهم وودائعهم وأماناتهم وخزائنهم لديه، وذلك وفق ما تضمنته المادة (72) من قانون البنوك الأردني رقم (28) لسنة 2000 وتعديلاته والتي نصت : “على البنك مراعاة السرية التامة لجميع حسابات العملاء وودائعهم وأماناتهم وخزائنهم لديه ويحظر إعطاء أي بيانات عنها بطريق مباشر أو غير مباشر إلا بموافقة خطية من صاحب الحساب أو الوديعة أو الأمانة أو الخزانة أو من احد ورثته أو بقرار من جهة قضائية مختصة في خصومة قضائية قائمة أو بسبب احدى الحالات المسموح بها بمقتضى أحكام هذا القانون ويظل الحظر قائما حتى ولو انتهت العلاقة بين العميل والبنك لأي سبب من الأسباب “.
ـ كما أن المشرع الأردني أوجب كذلك وحظر على الإداريين العامليين بالبنك سواء الحاليين أو السابقين إعطاء أيه معلومات أو بيانات خاصة بالعملاء أو حساباتهم أو تمكين الغير من الاطلاع عليها، حتي بعد انتهاء العقد بين العميل والبنك، وهو ما أكدت عليه المادة (73) من ذات القانون بالنص على: ” يحظر على أي من إداریي البنك الحاليين أو السابقين إعطاء أي معلومات أو بیانات عن العملاء أو حساباتهم أو ودائعهم أو الأمانات أو الخزائن الخاصة بهم أو أي من معاملاتهم أو كشفها أو تمكين الغير من الاطلاع عليها في غير الحالات المسموح بها بمقتضي أحكام هذا القانون، ويسري هذا الحظر على كل من يطلع بحكم مهنته أو وظيفته أو عمله بطريق مباشر أو غير مباشر على تلك البیانات والمعلومات بما في ذلك موظفي البنك المركزي ومدققي الحسابات “.
ـ ومن هذا المنطلق يمكننا القول بأن الحفاظ على السرية المصرفية هي أحد أهم الوسائل للمحافظة على حقوق العملاء ومدخراتهم وتعزز من زيادة النمو الاقتصادي وكثره المدخرات إذ أن انتشار الأمان والمحافظة على سرية العملاء يجعلهم أكثر طمأنينة في زيادة مدخراتهم في البنوك الوطنية، وليس معني السرية المصرفية إخفاء شخصية العميل أو حقيقة نشاطه، حيث أنه لا يوجد ثمة تعارض بين هذه المعلومات ومبدأ السرية المصرفية، ويعتبر مبدأ السرية المصرفية والمحافظة على أسرار العملاء هي من الحقوق والحريات الشخصية التي اهتمت بها كافة الدساتير والقوانين في كافة البلدان.[5]
ثانيا: نطاق تطبيق السرية المصرفية
يمكن تقسيم نطاق تطبيق السرية المصرفية إلى ثلاث أقسام نطاق تطبيقها من حيث الزمان، والنطاق الشخصي لتطبيق السرية المصرفية، وأخيراً نطاق تطبيقها موضوعيا، وذلك على النحو التالي:
أ ـ نطاق تطبيق السرية المصرفية زمانياً: والنطاق الزمني للسرية المصرفية يعني الوقت أو المدة التي يتم خلالها الالتزام بتطبيق مبدأ السرية المصرفية أو التي يظل خلالها هذا المبدأ قائماً، وحيث أنه ووفقا لنص المادة (72) من قانون البنوك الأردني السابق الإشارة إليها، فإن الالتزام بالسرية المصرفية يقع مع بداية تقديم المعلومات الخاصة بالعميل والاطلاع عليها من قبل المصرف حتي ولو قبل التعاقد معه، على أن يستمر العمل بالسرية المصرفية حتي بعد انتهاء العلاقة بين المصرف والعميل لأي سبب من الأسباب، وعلى الرغم من أن العقد شريعة المتعاقدين وأنه هو الأساس القانوني والمصدر للالتزام بصفه عامة وفي البنوك بصفه خاصة، حيث أن جميع عمليات المصارف تتم عن طريق إبرام عقود بشأنها مع العملاء، ومن ثم فإن العقد المبرم بين البنك والعميل هو المصدر والأساس القانوني للالتزام بالسرية المصرفية، إلا أن المشرع الأردني وحفاظاً على الحقوق والحريات والخاصة بالعملاء ورغبة في جذب مزيد من الاستثمارات والمدخرات داخل المملكة فقد أوجب الحفاظ على السرية المصرفية حتي بعد انتهاء التعاقد مع العميل سواء تم هذا الإنهاء للتعاقد عن طريق البنك أو العميل أو كليهما.
ب ـ النطاق الشخصي للسرية المصرفية: بمعني من هم الأشخاص المعنيين بالالتزام بالسرية المصرفية للعملاء، وهم وفقاً لما جاء بنص المادة(72) من قانون البنوك والتي نصت على: “علي البنك مراعاة السرية التامة لجميع حسابات العملاء….”، فالبنك باعتباره الشركة أو الجهة المرخص لها بالقيام بممارسة الأعمال المصرفية وفقاً لأحكام قانون البنوك الأردني رقم 28 لسنة 2000، فهو المعني الأول بتطبيق مبدأ السرية المصرفية والمحافظة على أسرار عملائه وعد إفشائها، كما أنه ووفقاً لنص المادة (73) من ذات القانون: ” يحظر علي أي من إداريي البنك الحاليين أو السابقين إعطاء أي معلومات أو بيانات عن العملاء………”، والإداريين هم أعضاء مجلس إدارة البنك، سواء بصفتهم الشخصية، أو بصفتهم ممثلين لشخص اعتباري، أو مدير عام البنك، أو أي موظف فيه، واستكمالاً لنص المادة والتي جاء بها “…………ويسري هذا الحظر عل كل من يطلع بحكم مهنته، أو وظيفته، أو عمله بطريق مباشر أو غير مباشر على تلك البيانات والمعلومات، بما في ذلك موظفي البنك المركزي، ومدققي الحسابات “.
- فموظفو البنك المركزي بحكم طبيعة عملهم واستطاعتهم الاطلاع ومعرفه كافة البيانات والمعلومات والحسابات الخاصة بالعملاء فمن ثم فإنه يحظر عليهم كذلك إفشاء أسرار العملاء وأوجب المشرع الزامهم بالمحافظة عليها، كما أن مدققو الحسابات بالبنوك أكثر العاملين اطلاعاً على الحسابات وأسرار العملاء ومن ثم فإن المشرع الأردني نص عليهم صراحة في قانون البنوك بالتزامهم بالمحافظة على السرية المصرفية للعملاء، كما أن من بين من يسري عليهم النطاق الشخصي للسرية المصرفية المستشارين القانونيين والمحامين بالبنك وذلك بحكم مهنتهم ووظيفتهم، ومن بين من يشملهم النطاق الشخصي للسرية المصرفية موظفو ضريبة الدخل، فهؤلاء الموظفين يمكنهم الاطلاع على كافة البيانات والمعلومات الخاصة بالعملاء، من أجل تقدير الضرائب والتأكد من صحة المعلومات والبيانات المقدمة من العميل في حدود القانون، وهو ما أكدت علية المادة ( 61) من قانون ضريبة الدخل الأردني رقم (34) لسنة 2014، والتي نصت على أن : ” أ ـ للمدير أو لأي موظف يفوضه خطيا طلب المعلومات الضرورية لتنفيذ أحكام هذا القانون من أي شخص أو جهة كانت ويشترط في ذلك أن لا يلزم موظفو الحكومة، والمؤسسات الرسمية العامة والمؤسسات العامة والبلديات بإفشاء أي تفاصيل يكونون ملزمين بحكم القانون بالمحافظة عليها وكتمانها كما يشترط عدم المساس بسرية العلميات المصرفية ويعتبر كل من يمتنع عن إعطاء هذه المعلومات انه ارتكب جرما يعاقب عليه بالعقوبات المنصوص عليها في المادة 66 من هذا القانون “، وأخيراً فإن النطاق الشخصي للسرية المصرفية يمتد ليشمل العميل ذاته، وذلك باعتباره المستفيد الأول من تطبيق مبدأ السرية المصرفية، فهو ملزم حفاظاً على مدخراته وتعاملاته مع البنك بالتزام السرية المصرفية.
ج ـ النطاق الموضوعي للسرية المصرفية: وهي الحالات أو المعلومات التي يشملها مبدأ السرية المصرفية، حيث أوجب قانون البنوك الأردني الحفاظ على سرية كافة حسابات العملاء، وودائعهم، وأماناتهم، وخزائنهم لدى المصرف، وتشمل السرية المصرفية كذلك المعلومات والبيانات الخاصة بكافة معاملات العملاء، ويطبق مبدأ السرية المصرفية على ما سبق ذكره سواء تم الاطلاع على هذه المعلومات والبيانات بحكم المهنة، أو الوظيفة، أو العمل بطريق مباشر، أو غير مباشر، وهو ما أكدت عليه المادة (72) من قانون البنوك الأردني رقم (28) لسنة 2000 وتعديلاته بالنص على: ” على البنك مراعاة السرية التامة لجميع حسابات العملاء وودائعهم وأماناتهم وخزائنهم لديه ويحظر إعطاء أي بيانات عنها بطريق مباشر أو غير مباشر.. “، كما تشمل السرية المصرفية البيانات الخاصة بالعملاء أنفسهم كبيناتهم الشخصية وأسمائهم وألقابهم، أو أي بيانات يمكن للموظف الاطلاع عليها تخص معاملات العميل.
ثالثا: الاستثناءات الواردة على مبدأ السرية المصرفية
تلجأ كافة البنوك بالتمسك بمبدأ السرية المهنة المصرفية في مواجهة طلبات الغير التي تستهدف الكشف عن أسرار العملاء المالية حتى يتجنب المسؤولية التي قد تترتب على إخلال البنك بهذا المبدأ، غير أن الالتزام بهذا المبدأ لم يرد بشكل مطلق فقد تقوم البنوك بالتحلل من هذا المبدأ حال وجود اعتبارات ومصالح عامة تفوق في أهميتها مصلحة الحفاظ على سرية العميل وذلك بنـاء على أوامر السلطات الضريبية أو الرقابية، كما قد يتعـارض ذلك المبدأ مع المصالح الخاصة، كمـصالح الدائنين، والورثة الشركاء، الأمر الذي يضع المصرف في موقف حـرج يحتاج معه إلى سند قانوني لإفشاء أسرار عملائه.
ـ هذا وقد أورد قانون البنوك الأردني عدد من الاستثناءات على الأصل العام وهو التمسك بمبدأ السرية المصرفية والعمل به، فهناك أشخاص لا يمكن أن يتمسك المصرف أو البنك تجاههم بالسرية المصرفية وهؤلاء الأشخاص هم :
1ـ العميل: فالعميل هو المستفيد الأول وصاحب المصلحة في الحفاظ على سرية معلوماته وبياناته عن الغير، وأن التزام المصرف بالمحافظة على ذلك لا يعطي للأخير الحق في حجب هذه المعلومات والبيانات عن العميل نفسه بحجه تطبيق مبدأ السرية المصرفية.
2ـ وكلاء العملاء: الأصل العام الحفاظ على السرية المصرفية، ولما العميل هو صاحب المصلحة والمستفيد الأول في ذلك وله الحق في الاطلاع على ما يرغب الاطلاع عليه من معلومات وبيانات وحسابات خاصة به وبتعاملاته، فإن ذلك يخول له الحق في توكيل الغير في ذلك، ولكن يجب أن يكون التوكيل في ذلك صريحاً سواء في وكالة عامة أو خاصة، ومن ثم فإن مبدأ السرية المصرفية لا يسري في حق وكيل العميل، إذ أن للأخير الاطلاع ومعرفه كافة البيانات والمعلومات الخاصة بعميله ولا يجوز للبنك التمسك تجاهه بمبدأ السرية المصرفية، هذا وقد جاءت فتوى ندوة البركة العشرين للاقتصاد الإسلامي رقم(20/3) بشأن السرية المصرفية مفهومها وضوابطها الشرعية بالنص على: ” ب – تتحقق مراعاة السرية المصرفية بعدم الإدلاء بأي معلومات عن حسابات العملاء لأي جهة غير أصحابها، أو المخولين قانوناً من قبلهم ”
3ـ الوصي والورثة: حال كون العميل قاصر، أو غير كامل الأهلية، أو محجوز عليه لأي سبب كان، وتم تعيين وصي عليه، فإن لهذا الوصي أو القيم الحق في الاطلاع على كافة البيانات والمعلومات الخاصة بالعميل، كما أن ورثة العميل تحل محله في تملك أمواله ومنقولاته، ومن ثم لا يجوز للبنك حجب المعلومات والبيانات الخاصة بمورثهم بحجة السرية المصرفية، وهو ما أكدت عليه الفقرة (و) من فتوى ندوة البركة العشرين للاقتصاد الإسلامي رقم (20/3) بشأن السرية المصرفية مفهومها وضوابطها الشرعية: ” و- مهما كانت درجة سرية الحسابات المصرفية فإن على البنك في حالة وفاة صاحب الحساب أن يفصح لمستحقي التركة شرعا عن موجودات الحساب؛ لأنه يتعلق بها حق الورثة، والدائنين، والموصي لهم، ونحوهم “.
4ـ الشركاء في شركات الأشخاص: وهي الشركات التي تقوم على الاعتبار الشخصي ، والتي يندمج من خلالها الذمة المالية للشركاء في الذمة المالية للشركة، ومن ثم فإنه يحق لأي من هؤلاء الشركاء الاطلاع على حسابات وبيانات الشركة لدي البنك دون اعتراض من الأخير بمبدأ السرية المصرفية، حيث أن الشريك هو صاحب المصلحة في الحفاظ على السرية المصرفية لهذه البيانات والمعلومات، ومن ثم لا يجوز أن تحجب عنه.
5ـ وكيل التفليسة: في حالة قيام التاجر بإشهار إفلاسه، وبالتالي توقف هذا التاجر عن سداد المستحقات المالية المترصدة في ذمته للغير، فإن المحكمة تقوم بتعيين وكيل لإدارة أموال هذا التاجر المفلس ويسمي هذا الوكيل بوكيل التفليسة، ولما كان هذا الوكيل معين من قبل المحكمة ويقوم بإدارة أموال المفلس وكان الأخير عميل لأحد البنك أو أكثر فإن حق هذا الوكيل بصفته القانونية كوكيل عن المفلس الاطلاع على كافه المعاملات المصرفية الخاصة بالمفلس، ولا يجوز للبنك التمسك بالسرية المصرفية تجاه هذا الوكيل.
ـ كما أن قانون البنوك الأردني قد استثني بعض الحالات التي يجوز فيها إفشاء السرية المصرفية، وقد جاءت هذه الحالات في المواد أرقام (72، 74، 93)، ويمكن بيانها على النحو التالي:
1ـ حالة موافقة العميل أو أحد ورثته على السماح للبنك بإعطاء بعض أو كل البيانات والمعلومات، ويجب أن تكون هذه الموافقة مكتوبه وصريحه، وكذلك حال صدور قرار من جهة قضائية مختصة في خصومة قضائية قائمة، وهو ما أكدت عليه المادة (72) من قانون البنوك بنصها على أن: ” على البنك مراعاة السرية التامة لجميع حسابات العملاء وودائعهم وأماناتهم وخزائنهم لديه ويحظر إعطاء أي بيانات عنها بطريق مباشر أو غير مباشر إلا بموافقة خطية من صاحب الحساب أو الوديعة أو الأمانة أو الخزانة أو من أحد ورثته أو بقرار من جهة قضائية مختصة في خصومة قضائية قائمة أو بسبب احدى الحالات المسموح بها بمقتضى أحكام هذا القانون ويظل الحظر قائما حتى ولو انتهت العلاقة بين العميل والبنك لأي سبب من الأسباب “..
2ـ حال الرقابة على أعمال المصارف من قبل مدققي الحسابات، والبنك المركزي، وهو ما أكدت عليه المادة (74/ أ، ب) من ذات القانون بالنص على: ” يستثنى من أحكام المادتين ( 72 و73) من هذا القانون أي من الحالات التالية :أ ـ الواجبات المنوط أداؤها قانونا بمدققي الحسابات الذين تعينهم الهيئة العامة للبنك أو البنك المركزي وفق أحكام هذا القانون .
ب ـ الأعمال والإجراءات التي يقوم بها البنك المركزي بموجب أحكام هذا القانون أو قانون البنك المركزي”.
3ـ حال إصدار شهادة أو بيان بأسباب رفض صرف أي شيك بناء على طلب صاحب الحق، وحال تبادل المعلومات الخاصة بالعملاء، وحال وجود نزاع قضائي بين البنك والعميل، وقد نصت على ذلك المادة (74/ ج، د، هـ ) من ذات القانون بأن: ” يستثنى من أحكام المادتين 72 و73 من هذا القانون أي من الحالات التالية : ج ـ حال إصدار شهادة أو بيان بأسباب رفض صرف أي شيك بناء على طلب صاحب الحق.
د ـ تبادل المعلومات المتعلقة بالعملاء سواء بخصوص مديونياتهم لتوفير البيانات اللازمة لسلامة منح الائتمان أو بخصوص الشيكات المرتجعة بدون تسديد أو أي أعمال أخرى يراها البنك المركزي لازمة لتعلقها بسلامة العمل المصرفي وذلك فيما بين البنوك والبنك المركزي واي شركات أو جهات أخرى يوافق عليها البنك المركزي لتسهيل تبادل هذه المعلومات .
هـ. كشف البنك عن كل أو بعض البيانات الخاصة بمعاملات العميل اللازمة لإثبات حقه في نزاع قضائي نشا بينه وبين عميله بشأن هذه المعاملات “.
4ـ حال التبليغ عن الجرائم، حيث جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم ( 83/10/ د 8) بشأن السر في المهن الطبية: “ٕ- تستثني من وجوب كتمان السر حالات يؤدي فيها كتمانه إلى ضرر يفوق ضرر إفشائه بالنسبة لصاحبه، أو يكون في إفشائه مصلحة ترجح على مضرة كتمانه. وهذه الحالات على ضربين: أ ـ إفشاء السر بناء على قاعدة ارتكاب أهون الضررين لتفويت أشدهما، وقاعدة تحقيق المصلحة العامة التي تقضي بتحمل الضرر الخاص لدرء الضرر العام إذا تعين ذلك لدرئه وهذه الحالات نوعان: ما فيه درء مفسدة عن المجتمع، وما فيه درء مفسدة عن الفرد.
ب- حالات يجوز فيها إفشاء السر لما فيه جلب مصلحة للمجتمع، أو درء مفسدة عامة”.
ـ كما أكدت على ذلك المادة (93) من قانون البنوك الأردني رقم (28) لسنة 2000 وتعديلاته، والتي نصت على ” أ ـ إذا علم البنك أن تنفيذ أي معاملة مصرفية أو أن تسلم أو دفع أي مبلغ يتعلق أو يمكن أن يتعلق بأي جريمة أو بأي عمل غير مشروع فعليه أن يقوم فوراً بإشعار البنك المركزي بذلك .
ب ـ إذا تسلم البنك المركزي الإشعار المنصوص عليه في الفقرة (أ) من هذه المادة أو إذا علم من مصدر آخر أنه قد طلب من البنك تنفيذ معاملة مصرفية أو تسلم أو دفع مبلغ يتعلق أو يمكن أن يتعلق بجريمة أو بعمل غير مشروع فعلى البنك المركزي وعلى الرغم من أحكام أي تشريع آخر إصدار أمر إلى ذلك البنك بالامتناع عن تنفيذ تلك المعاملة أو عن تسلم أو دفع ذلك المبلغ لمدة أقصاها ثلاثون يوما وعلى البنك المركزي إشعار أي جهة رسمية أو قضائية بذلك .
ج. لا يعتبر إفصاح البنك عن أي معلومات بموجب أحكام هذه المادة إخلالا بواجب الالتزام بالسرية المصرفية كما لا يتحمل البنك المركزي أو البنك أي مسؤولية نتيجة لذلك “.
رابعا: جريمة مخالفة السرية المصرفية والعقوبات المترتبة عليها
أ ـ جريمة مخالفة السرية المصرفية: تعد جريمة مخالفة السرية المصرفية كغيرها من الجرائم والتي تتكون من ركنين أساسيين هما الركن المادي، والركن المعنوي، ويمكن بيانهما على النحو التالي:
1ـ الركن المادي لجريمة مخالفة السرية المصرفية: يتمثل الركن المادي لهذه الجريمة بالقيام بإفشاء السر المصرفي، وذلك من خلال تمكين الغير من الاطلاع على الأسرار المصرفية بشكل مباشر أو غير مباشر، ولم يحدد المشرع الأردني صور أو طرق لإفشاء السر المصرفي، ولم يشترط المشرع من أجل قيام هذه الجريمة أن يتسبب هذا الفعل في إيقاع ضرر للعميل أو للغير، حيث أن الهدف الرئيسي من تطبيق هذا المبدأ كما سبق وأن بينا ليس حماية العملاء فقط ، بل تحقيق المصلحة العامة وتحقيق النمو الاقتصادي من خلال جزب رؤوس الأموال، وتقع هذه الجريمة متي تم إفشاء السر المصرفي كلياً أو جزئياً بأي طريقة.
2ـ الركن المعنوي لجريمة مخالفة السرية المصرفية: وهو التكليف أو القصد الجنائي بأن تتجه إرادة مرتكب الفعل عن قصد وإدراك لارتكاب هذه الجريمة وتحقيق الهدف وإدراكه للنتيجة المترتبة علي هذا الفعل، ومن ثم يجب أن يقوم الشخص بإفشاء السر المصرفي عن عمد، وهو ما يعني أنه حال حدوث هذه الجريمة بدون قصد أو إدراك للنتيجة المترتبة علي ذلك فإن العقوبة الجزائية لا تقع، غير أن ذلك لا يمنع من المسؤولية المدنية تجاه مرتكب الجريمة. [6]
ـ هذا حال معرفه مرتكب الجريمة، أما حال عدم التوصل للفاعل فإن البنك يسأل عن أعمال تابعية باعتباره شخص معنوي، وهو ما أكدت عليه المادة (74/2، 3) من قانون العقوبات الأردني رقم (16) لسنة 1960 والتي نصت على: ” 2ـ يعتبر الشخص المعنوي باستثناء الدوائر الحكومية، أو المؤسسة الرسمية، أو العامة مسؤولا جزائيا عن أعمال رئيسه، أو أي من أعضاء إدارته، أو مديريه، أو أيمن ممثليه، أو عماله عندما يأتون هذه الأعمال باسمه، أو بإحدى وسائله بصفته شخصا معنوياً.
3ـ لا يحكم على الأشخاص المعنويين إلا بالغرامة والمصادرة وإذا كان القانون ينص على عقوبة أصلية غير الغرامة استعيض بالغرامة عن العقوبة المذكورة وأنزلت بالأشخاص المعنويين في الحدود المعينة في المواد من (22) إلى (24) من هذا القانون “، ومن ثم فإنه وفي هذه الحالة لا يصدر الحكم إلا بالغرامة أو المصادرة.
ب ـ العقوبات المترتبة على مخالفة السرية المصرفية: يترتب على ارتكاب هذه الجريمة وإفشاء السر المصرفي انعقاد المسؤولية تجاه مرتكبها، ومن ثم إيقاع العقوبات التي حددها المشرع الأردني في المادة (75) من قانون البنوك الأردني رقم (28) لسنة 2000 وتعديلاته والتي نصت على: ” يعاقب كل من يخالف أحكام أي من المادتين( 72 و73 ) من هذا القانون بالحبس مدة لا تقل عن ستة اشهر أو بغرامة مالية لا تقل عن عشرة الآف دينار ولا تزيد على خمسين الف دينار أو بكلتا العقوبتين “.
خامسا: بعض التطبيقات القضائية بشأن السرية المصرفية
1ـ عن تعريف الأعمال المصرفية فقد جاء الحكم رقم 2157 لسنة 2023، والصادر من محكمة استئناف عمان، والذي جاء به ” …. كذلك تجد محكمتنا أن المادة الثانية من قانون البنوك قد عرفت الأعمال المصرفية بانها (قبول الودائع من الجمهور واستخدامها بصورة كليه أو جزئية لمنح الائتمان واي أعمال أخرى يقرر البنك المركزي اعتبارها أعمالا مصرفية بموجب أوامر يصدرها لهذه الغاية) ، كما عرفت ذات المادة الوديعة بانها (مبلغ من النقود يسلمه شخص باي وسيلة من وسائل الدفع الى شخص أخر الذي يلتزم برده لدى الطلب أو وفقا للشروط المتفق عليها ويكتسب المودع لديه ملكية النقود المودعة ويكون له الحق في التصرف فيها مع التزامه برد مثلها للمودع ويكون الرد بذات نوع العملة المودعة “.
2ـ وعن التزام المصارف بالسرية المصرفية وعقوبة إفشاء هذا السر، فقد جاء الحكم رقم 19540 لسنة 2021، والصادر من محكمة صلح جزاء عمان ، وجاء به “وبتطبيق حكم القانون على الوقائع الثابتة في هذه الدعوى :بداية وقبل الحديث عن أركان جريمة تمكين الغير من الاطلاع على معلومات أو بيانات أو حسابات أو ودائع أو أمانات العملاء أو أي من معاملاتهم أو كشفها في غير الحالات المسموح بها (جريمة إفشاء السر المصرفي) تجد محكمتنا وباستعراضها لنصوص المواد (72 و73 و74 ) من قانون أن السر المصرفي يعني الإفصاح بأي طريقة كانت سواء بالإعطاء أو الكشف أو تمكين الغير من الاطلاع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن وقائع لها صفة السرية وسواء حصل الاطلاع من شخص معنوي أو طبيعي مؤتمن على هذه البيانات والمعلومات لمجرد أنه اطلع على هذه البيانات أو المعلومات بحكم مهنته أو وظيفته أو عمله أو رقابته، بصورة مخالفـة للقانـون وعليه فأن فعل الإفشاء للسر المصرفي يتمثل بالإعطاء أو الكشف أو تمكين الغير من الاطلاع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة “.
3ـ وعن الاستثناءات الواردة على السرية المصرفية، وأركان جريمة إفشاء السر المصرفي، فقد جاء في حيثيات الحكم رقم 1200 لسنة 2019 – والصادر من محكمة صلح جزاء العقبة ” إن جرم إفشاء أسرار العملاء يتطلب توافر الأركان التالية:ـ أولا: الركن المادي: يتمثل الركن المادي بفعل الإفشاء(السلوك الجرمي) وهو الإفصاح بالإعطاء أو الكشف أو تمكين الغير من الاطلاع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن وقائع لها صفة السرية من شخص معنوي أو طبيعي مؤتمن عليها لمجرد انه اطلع عليها بحكم مهنته أو وظيفته أو عمله أو رقابته وبصورة مخالفة للقانون، ولا يشترط في الإفشاء أن يكون لمجموعة من الأشخاص بكفي أن يكون لشخص واحد ولا يشترط فيه العلانية ، ويستوي أن يكون الإفشاء كليا أو جزئيا وانتقال البيانات والمعلومات الى من ليس له الحق بالاطلاع عليها وكذلك يستوي في الأمر أن يتم الفعل شفاهه أو كتابة أو صراحة أو ضمنا وان يتم الإفشاء للغير والذي يقصد به كل شخص لا يقع عليه عبء الالتزام بالسر المصرفي لذا فانه لا بد من توافر هذه الصفة في فاعل الجريمة أي أن يكون قد وصل اليه السر بحكم وظيفته أو عمله. لذا فيشترط في الركن المادي لهذه الجريمة توفر شرطان الأول يتعلق بما تم إفشاؤه أن يكون سرا مصرفيا يمنع إفشاؤه إلا في الأحوال التي يجيزها القانون والتي وردت في نص المادة (74) والثاني يتعلق بصفة الفاعل بان يكون قد وصل اليه السر بحكم وظيفته أو عمله فقام بإفشائه للغير. ولا يشترط في هذه الجريمة وقوع الضرر لمن تم إفشاء سره وإنما يكفي وقوع الفع الإفشاء وبالتالي فان هذه الجريمة من جرائم الخطر.
ثانيا: الركن المعنوي: تعتبر جريمة إفشاء السر المصرفي من الجرائم القصدية التي تتطلب توافر القصد الجرمي بشقيه العلم والإرادة بان يكون الفاعل عالما بفعله الجرمي ومريدا للنتيجة التي تحققت من هذا الفعل) .
إعداد: د . محمد سعيد
[1] فادي فؤاد عبيدات، الأبعاد القانونية لسرية العمل المصرفي، رسالة دكتوراه، جامعة عمان للدراسات العليا، 2005، صـ 13.
[2] عبد الرحمن قرمان، نطاق الالتزام بالسر المصرفي، دار النهضة العربية، القاهرة، 1999، صـ 23.
[3] عبد القادر العطير، سر المهنة المصرفية في التشريع الأردني، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 1996، صـ 14.
[4] إسماعيل إبراهيم الطراد، علاقة المصارف الإسلامية في الأردن بالبنك المركزي الأردني، بحث مقدم للمؤتمر العالمي الثالث للاقتصاد الإسلامي، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القري، مكة المكرمة، السعودية، 2001، صـ 12. قانون الشركات
[5] عبد الله يوسف قاسم، المسؤولية الجزائية المترتبة على إفشاء السر المصرفي في ظل التشريعات الأردنية النافذة، دار أمجد للنشر والتوزيع، عمان، 2016، صـ 53.
[6] محمد عبد الحي سلامة، إفشاء السر المصرفي بين الحظر والإباحة ـ دراسة مقارنة، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2012، صـ 234.
