تعادل الالتزامات بين المتعاقدين في عقد البيع

تعادل الالتزامات بين المتعاقدين في عقد البيع

في مستهل حديثي عن هذا الموضوع الهام ينبغي أن أشير إلى أن تحقيق التعادل بين التزامات العاقدين في عقد البيع يتحقق بتوافر مقومات عقد البيع ذاته، وذلك بتوافق الإيجاب والقبول وصدور ما يدل عن رغبة العاقدين في إنشاء العقد، وتوافر التراضي من الجانبين علي إنشاء الالتزامات بينهما، وأن تتطابق الإرادة الظاهرة مع الإرادة الباطنة وتتفق ألفاظ الإيجاب والقبول، فينعقد العقد بمجرد ارتباط الإيجاب والقبول بين العاقدين واتفاقهما على كافة  العناصر الجوهرية لعقد البيع.

كما يجب أيضاً توافر الأهلية الكاملة في العاقدين لضمان تحقيق العدل بينهما في التزامات كل منهما تجاه الآخر، وعدم الحاق الظلم خاصة بعديم الأهلية، والذي قد يصيبه في حالة الغبن في الثمن، وكذلك عند وجود عيب من عيوب الرضا التي قد تشوب عقود المعاوضات المالية وأهمها بلا شك عقد البيع.

ويجب أيضاً أن يكون محل عقد البيع مالاً متقوماً، قابلاً للتعامل وموجود أو قابلاً للوجود، ومعيناً تعييناً نافياً للجهالة الفاحشة، وأن يكون المعقود عليه مملوكاً للعاقد حتى لا يختل ميزان التزامات العاقدين، حيث هناك عدة أسباب قد تؤثر بصورة سلبية على مبدأ تعادل الالتزامات، وتؤدى إلى الإخلال به، مما يستلزم إعادة التوازن مرة أخرى.

وترتيباً على ما تقدم سوف أحاول تسليط الضوء على تعادل الالتزامات بين العاقدين في عقد البيع من خلال العناصر الآتية:-

أولاً: مفهوم تعادل الالتزامات بين العاقدين وأهميته

ثانياً: بعض الأسباب المعاصرة لإنشاء عقد البيع والتي تؤثر على تعادل الالتزامات

ثالثاً: بعض الأسباب الطارئة على انعقاد البيع والتي تؤثر على تعادل الالتزامات

رابعاً: بعض طرق إعادة التوازن لتحقيق التعادل بين التزامات المتعاقدين

خامساً: الخاتمة

 

أولاً: مفهوم تعادل الالتزامات بين العاقدين وأهميته

  • بادئ ذي بدئ ينبغي أن أشير إلى تعريف الفقيه (بوتيه) لمصطلح الالتزام، ذلك التعريف الذى تأثرت به معظم التشريعات المدنية في الدول العربية، حيث يعرفه بأنه :(رابطة قانونية تجبرنا نحو شخص آخر على أن نعطى شيئاً أو نقوم بعمل، أو نمتنع عن عمل).([1])
  • ويتضح لنا من هذا التعريف المشار إليه أن الالتزام إما أن يكون من جهة واحدة، كالفعل الضار الذى يترتب عليه الضمان لمصلحة الغير، أو يكون من جهتين كعقود المعاوضات وأهمها عقد البيع، ويترتب على ذلك أن للالتزام أربعة عناصر في عقد البيع: الملتزم وهو المدين، والملتزم له وهو الدائن ، ويلاحظ أن البائع والمشتري في عقد البيع كلاهما ملتزما وملتزماً له، وكذلك محل الالتزام وهو الالتزام بالتسليم من جانب البائع ونقل الملكية للمشترى، أما بالنسبة للمشترى هو الثمن الذى يلتزم بدفعه للبائع، أما موضوع الالتزام وهو العنصر الأخير فيتمثل في الشيء المبيع الذي يجري بشأنه التسليم.([2])
  • وترتيباً على ما تقدم فإن تعادل الالتزامات بين المتعاقدين في عقد البيع يعنى تحقيق مقصود كل من البائع والمشترى من عقد البيع، والمتمثل في حصول كلاً منهما على العوض المساوي لما بذل من بدل، وبذلك يتحقق بينهما الموازنة العادلة فيما يعطى ويأخذ، أي التوازن بين حقوق وواجبات كل منهما.
  • ولا يخفى عن الفطنة أن تعادل الالتزامات بين العاقدين في عقد البيع يعد أمر في غاية الأهمية، نظراً لأن عقد البيع من أكثر عقود المعاوضات المالية شيوعاً بين الناس، لذا أراد المشرع إحاطته بالعديد من الضوابط لتحقيق تعادل الالتزامات بين العاقدين، ولمنع الغش أو الغبن فيه حتى يشيع  الطمأنينة في المعاملات عند كل عاقد.
  • كما أن تحقيق تعادل الالتزامات بين العاقدين في عقد البيع يزيد من حركة النشاط الاقتصادي في المجتمع، ويزيد من حجم الاستثمارات لأن أي مستثمر في أي بلد يهتم بوجود حماية قانونية وقضائية فعالة لحقوقه المترتبة على العقود التي يبرمها، كما أن التوازن بين الحقوق والواجبات في العقود أمر ضروري لتحقيق المساواة وتطبيق العدل بين المتعاقدين، ويقلل من الفوارق الطبقية، بعكس الاحتكار والغبن والغش الذي يؤدى إلى الكسب غير المشروع وظهور طبقة طفيلية تثرى على حساب باقي طبقات المجتمع.

ثانياً: بعض الأسباب المعاصرة لإنشاء عقد البيع والتي تؤثر على تعادل الالتزامات

1- الإكراه: لقد ورد النص على الإكراه في القانون الأردني في المادة (136) والتي ذهبت إلى أنه :(يكون الإكراه ملجئ إذا كان تهديداً بخطر جسيم محدق يلحق بالجسم أو المال، ويكون غير ملجئ إذا كان تهديداً بما دون ذلك)، ويستفاد من خلال استقراء هذا النص إن الإكراه ينقسم إلي نوعين :-

النوع الأول وهو الإكراه الملجئ:  وهو الذي لا يكون لدى الشخص مع وجوده   قدرة  أو اختيار ويتصور حدوث ذلك بالتهديد بالقتل أو باستئصال عضو من أعضائه، أو التهديد بالاعتداء علي العرض أو السمعة ، ويطلق علي هذا النوع من الإكراه (الإكراه الكامل).

النوع الثاني من الإكراه فهو الإكراه غير الملجئ : كالتهديد بما لا يضر النفس أو العضو، كالإكراه بالضرب الشديد أو التخويف بالحبس ، ويسمي هذا الإكراه (بالإكراه القاصر)  ولقد ورد في  المادة (138) أن :(الإكراه الملجئ يعدم الرضا ويفسد الاختيار، وغير الملجئ يعدم الرضا ولا يفسد الاختيار).

  • كما أكد المشرع المدني الأردني على أن الإكراه يرتبط بتنوع الظروف ويختلف باختلاف الأشخاص، وسنهم وضعفهم، ومناصبهم، ودرجة تأثيرهم وتألمهم من الإكراه شدة وضعفاً، وأن التهديد بإيقاع ضرر بالوالدين، أو الأولاد، أو الزوج، أو ذي رحم محرم، والتهديد بخطر يخدش الشرف يعتبر إكراها، ويكون ملجئ أو غير ملجئ بحسب الأحوال.
  • وفيما يتعلق بحكم عقد المكره فإن المشرع الأردني قد نص في المادة (141) على أنه :(من أكره بأحد نوعى الإكراه على إبرام عقد لا ينفذ عقده، ولكن لو أجازه المكره أو ورثته بعد زوال الإكراه صراحة أو دلالة ينقلب صحيحاً)، بيد أن المشرع اشترط لتحقق أثر الإكراه في عقد البيع أن يكون المكره قادرا علي إيقاع ما هدد به وأن يغلب علي ظن المكره وقوع الإكراه عاجلا إن لم يفعل ما اكره عليه.
  • وهكذا يتضح لنا مدى حرص المشرع المدني الأردني على تحقيق تعادل الالتزامات بين العاقدين، حيث لا يجوز إكراه كلاً من البائع أو المشترى أو أحدهما على إبرام عقد البيع، فالرضا هو أساس التعاقد، وإذا أبرم عقد وكان مشوباً بأحد نوعى الإكراه فإنه لا ينفذ قانوناً، بيد أنه قد ينقلب العقد صحيحاً إذا أجازه المكره قولاً أو فعلاً بقبض الثمن أو تسلم المبيع طوعاً بعد زوال الإكراه.

2- الغلط: من المسلم به أن الغلط وهو يقوم في ذهن العاقد يصور له الأمر على غير حقيقته فيدفعه إلى التعاقد، كأن يعتقد المشترى أن التحفة التي اشتراها كانت من الفضة مع أنها في الواقع من معدن آخر أقل منه قيمة بكثير، أو يعتقد البائع أن القطعة التي باعها من الهب التجاري الذى يتغير لونه مع الزمن رخيص الثمن في حين أنها من الذهب الإبريز.([3])

والغلط قد يكون في شخص المتعاقد (المشترى أو البائع ) إذا كان لشخصه محل اعتبار، وقد يكون في جنس المعقود عليه (المبيع)، أو في صفة جوهرية فيه وه أهم أنواع الغلط وأكثره شيوعاً، وقد يكون الغلط في قيمة العاقد عليه.

ومن مظاهر تعادل الالتزامات بين العاقدين في عقد البيع أنه يلزم أن يكون الرضا صحيحاً لا يشوبه شيء من الغلط، وأنه إذا شاب رضا أحد طرفي عقد البيع الغلط، فإن عقد البيع يكون باطلاً وفقاً للمادة (152) من القانون المدني الأردني، وذلك إذا وقع الغلط في ماهية العقد أو في  شرط من شروط الانعقاد أو في المحل.

أما إذا وقع الغلط في أمر مرغوب كصفة في المحل، أو ذات العاقد الآخر، أو صفة فيه فينطبق حكم المادة (153) التي أعطت للعاقد الحق في فسخ العقد.

3- الغبن: ومن مظاهر تعادل الالتزامات بين العاقدين في عقد البيع ألا يكون هناك فرق كبير بين الثمن الذى يدفعه المشترى وقيمة المبيع، فإذا كان الثمن يفوق القيمة بكثير فالمغبون هو المشتري، أما إذا كانت قيمة المبيع في الأسواق تفوق الثمن بكثير فالمغبون هو البائع، وذلك كله بما لا يحدث عادة بين الناس في التبايع، أما الغبن اليسير وهو الذى يتسامح فيه عادة فلا يؤثر في صحة عقد البيع.

  • ولمعرفة الغبن الفاحش فإنه يرجع إلى نص المادة (146) من القانون المدني الأردني والتي ذهبت إلى أن :(الغبن الفاحش في العقار وغيره هو ما لا يدخل تحت تقويم المقومين)، وإذا غرر أحد العاقدين بالآخر وتبين أن العقد تم بغبن فاحش، جاز لمن غرر به فسخ العقد وفقاً للمادة (145) من القانون المشار إليه آنفاً.
  • ويلاحظ أن العقد لا يفسخ بالغبن الفاحش بلا تغرير إلا في مال المحجوز، ومال الدولة، وهذا ما أكدته نص المادة (147) من القانون المدني الأردني فلقد ورد فيها أنه :(اذا أصاب الغبن ولو كان يسيراً مال المحجوز عليه للدين أو المريض مرض الموت وكان دينهما مستغرقاً لمالهما، كان العقد موقوفاً على رفع الغبن، أو إجازته من الدائنين وإلا بطل).

ثالثاً: بعض الأسباب الطارئة على انعقاد البيع والتي تؤثر على تعادل الالتزامات

1- الظروف الطارئة: مما لاشك فيه أن الظروف الطارئة تعد حالة عامة غير مألوفة أو غير طبيعية، أو واقعة مادية عامة لم تكن في  توقع العاقدين وقت إبرام العقد، ويترتب عليها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي يصير مرهقاً للمدين، بحيث تهدده بخسارة فادحة، والزام المدين بتنفيذ الالتزام تجاه الدائن في هذه الحالة يؤدى إلى خلل كبير في توازن الالتزامات بين الدائن والمدين، ومن الأمثلة المعاصرة لتطبيق نظرية الظروف الطارئة في البيوع عقد التوريد.([4])

  • واستخلاصاً مما سبق فإن مبدأ العدالة يقتضى إزالة الإرهاق عن المدين، وإسعاف العاقد المنكوب الذى اختل توازن عقده اقتصادياً مما قد يجره إلى الهلاك، وذلك بسبب ظرف طارئ لم يكن يتوقعه عند إبرام العقد، وإزالة الإرهاق عن المدين يكون إما بإعطائه المزيد من الوقت لتنفيذ الالتزام، أو بتخفيف الالتزامات عنه بتعديل العقد، أو فسخه عند تعذر تنفيذ الالتزام نهائياً.
  • ولقد تعرض القانون المدني الأردني لنظرية الظروف الطارئة في المادة (205) والتي نصت فيها على أنه :(اذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي وأن لم يصبح مستحيلاً، صار مرهقاً للمدين يهدده بخسارة فادحة جاز للمحكمة تبعاً للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن ترد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول إن اقتضت العدالة ذلك، ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك).
  • أما إذا طرأت قوة قاهرة في العقود الملزمة للجانبين تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً، انقضى معه الالتزام المقابل له، وانفسخ العقد من تلقاء نفسه، فإذا كانت الاستحالة جزئية انقضى ما يقابل الجزء المستحيل وذلك تطبيقاً لنص المادة (247) من القانون المدني الأردني.

2- هلاك المبيع:

أ- ضمان المبيع إذا تلف قبل القبض بآفة سماوية:  ولقد تناول هذا الأمر المشرع الأردني في المادة (500) من القانون المدني الأردني حيث ورد فيها أنه :(1- إذا هلك المبيع قبل التسليم بسبب لابد لأحد المبتاعين فيه انفسخ البيع واسترد المشترى ما أداه من الثمن، 2- فإذا تلف بعرض المبيع يخير المشترى إن شاء فسخ البيع أو أخذ المقدار الباقي بحصته من الثمن).

  • ونص في المادة (472) على أنه :(اذا هلك المبيع في يد المشترى بعد تسلمه لزمه أداء الثمن المسمى للبائع وإذا هلك قبل التسليم بسبب لا يد للمشترى فيه يكون مضموناً على البائع).

ب- تلف المبيع بفعل المشترى قبل القبض: من المسلم به أنه إذا هلك المبيع قبل التسليم أو هلك  بعضه بفعل المشترى اعتبر قابضاً للمبيع ولزمه أداء الثمن، أما إذا تلف بعضه فلقد أعطت المادة (501) من القانون المدني الأردني البائع حق الخيار في هذه الحالة، فإذا اختار الفسخ ضمن له المشترى قبل المبيع وقيمته وتملك ما بقى منه.

حـ- تلف المبيع قبل القبض بفعل أجنبي: وتجدر الإشارة إلى أنه إذا هلك المبيع قبل التسليم بفعل شخص آخر، كان للمشترى الخيارة إن شاء فسخ المبيع وإن شاء أجازه، وله حق الرجوع على المتلف لضمان مثل المبيع أو قيمته، بيد أنه إذا وقع الإتلاف على بعض المبيع كان للمشترى أن يختار بين الأمور الآتية:-

  • فسخ المبيع.
  • أخذ الباقي بحصته من الثمن وينفسخ البيع فيما تلف.
  • إمضاء العقد في المبيع كله بالثمن المسمى والرجوع على المتلف لضمان ما اتلف.

رابعاً: بعض طرق إعادة التوازن لتحقيق التعادل بين التزامات المتعاقدين

1– فسخ عقد البيع: يستلزم إعادة التوازن بين التزامات العاقدين في عقد البيع لتحقيق التعادل بينهما في الالتزامات أحياناً فسخ عقد البيع قبل أو بعد القبض، فيعود العاقدان إلى الحالة الأصلية التي كانا عليها قبل العقد، بحيث يسترد البائع المبيع والمشترى يسترد الثمن، فإن لم يكن قد سلم شيئاً سقط ما التزم به تجاه الآخر فالفسخ هو ارتفاع حكم العقد من الأصل كأن لم يكن.([5])

  • والفسخ قد يكون باتفاق العاقدين (الإقالة)، كما يجوز الاتفاق علي أن يعتبر العقد مفسوخا من تلقاء نفسه دون حاجة إلى حكم قضائي عند عدم الوفاء بالالتزامات الناشئة عنه، وهذا الاتفاق لا يعفي من الإعذار إلا إذا اتفق المتعاقدان صراحة علي الإعفاء منه ،وقد يضطر أحدهما الي اللجوء إلى القضاء عند التنازع ليطالب بفسخ العقد، ولقد جعل القانون المدني الأردني مدة رفع دعوى فسخ العقد هي مدة السنة، فإذا انقضت سنة من تاريخ تسليم المبيع فلا تسمع دعوى فسخ عقد البيع.
  • ويلاحظ أنه يجوز للمحكمة أن تلزم المدين في دعوى الفسخ بالتنفيذ الحال، أو تمهله لأجل مسمى، ولها أن تقضى بالفسخ، وبالتعويض في كل حال إن كان له مقتضى، وإذا انفسخ العقد أو فسخ يجب إعادة المتعاقدين للحالة التي كانا عليها قبل العقد وتعيين على كل من العاقدين رد ما استولى عليه، وإلا لكل منهما أن يحبس ما أخذه ما دام العاقد الآخر لم يرد إليه ما تسلمه منه، أو يقدم ضماناً لهذا الرد، وإذا استحال الرد يحكم بالتعويض.

 

2– تعديل الالتزامات في عقد البيع: من أهم الطرق القانونية لإعادة التوازن بين التزامات العاقدين في عقد البيع هو تعديل الالتزامات، وهو تغيير جزئي في عنصر من عناصر العقد، أو بند من بنوده أو شرط من شروطه، وقد ينصب على عنصر الزمن في العقد من خلال مدة أو انقاص مدته، أو وقف تنفيذه بصورة مؤقتة إلى غير ذلك من الصور.([6])

  • وجدير بالذكر أن الاختلال الذى يطرأ على التوازن العقدي بين المتبايعين، قد يكون في مرحلة تكوين العقد أو في مرحلة تنفيذه، والصورة الأولى تحدث عندما يكون أحد أطراف العقد في  حاجة ماسة لسلعة ما، فيستغل الطرف الآخر ذلك فيبرم العقد في ظل شروط مجحفة تنطوي على غبن فاحش، أو أن يكون أحد أطراف العقد محتكراً لسلعة من السلع فيملى شروطه ويذعن لها الطرف الثاني بلا مناقشة أو تعديل، أو يستغل البائع عدم خبرة المشترى فيدلس عليه أو يغرر في البيع بحيث تكون قيمة السلعة أقل بكثير من قيمتها السوقية.([7])
  • وقد يحدث الاختلال في مرحلة تنفيذ العقد، أي بعد ما ينشأ العقد بكامل رضا العاقدين خالياً من عيوب الرضا، تحدث ظروف خراجية طارئة غير متوقعة عند إبرام العقد ولا يمكن دفعها، تسبب خسارة فادحة للمدين إذا ما نفذ العقد بالشروط المتفق عليها، أو إذا تضمن العقد شرطاً جزائياً مبالغاً فيه لدرجة كبير أو فيه غبن لأحد الأطراف.
  • ولا يفوتنا أن ننوه على أن القانون المدني الأردني أكد في بعض نصوصه على مبدأ تعديل التزامات العاقدين كأحد الحلول القانونية الهامة لإعادة التوازن بين التزامات العاقدين في عقد البيع، ذكرنا منها سابقاً المادة (205) التي تطبق على حالة الظروف الطارئة، وتمنح المحكمة سلطة تقديرية في رد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول إن اقتضت العدالة ذلك.
  • ولا يمكننا أن نغفل نص المادة (204) من القانون المدني الأردني التي تعالج الاختلال في عقود الإذعان، والتي جاء فيها أنه :(إذا تم العقد بطريق الإذعان وكان قد تضمن شروطاً تعريفية جاز للمحكمة أن تعدل هذه الشروط، أو تعفى الطرف المذعن منها وفقاً لما تقضى به العدالة، ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك).
  • ومن الأمثلة على تعديل الالتزامات ما ورد في المادة (538) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أنه :(1- إذا استغل المشترى في السلم حاجة المزارع فاشترى منه محصولاً مستقبلاً بسعر أو شروط مجحفة إجحافا بيناً، كان للبائع حينما يحين الوفاء أن يطلب من المحكمة تعديل السعر أو الشروط بصورة يزول معها الإجحاف، وتأخذ المحكمة في ذلك بعين الاعتبار ظروف الزمان والمكان ومستوى الأسعار العامة وفروعها بين تاريخ العقد والتسليم طبقاً لما جرى عليه العرف.

2- وللمشترى الحق في عدم قبول التعديل الذى تراه المحكمة واسترداد الثمن الحقيقي الذى سلمه فعلاً للبائع وحينئذ يحق للبائع أن يبيع محصوله ممن يشاء.

3- وبقع باطلاً كل اتفاق أو شرط يقصد به إسقاط هذا الحق سواء أكان ذلك شرطاً في عقد السلم نفسه أو كان في صورة التزام آخر منفصل أياً ما كان نوعه).

خامساً: الخاتمة

وأخيراً وفى نهاية هذا المقال أؤكد على حرص المشرع الأردني على تحقيق تعادل الالتزامات بين العاقدين في عقد البيع، سواء أثناء إنشاء العقد عندما اشترط رضا العاقدين وأن لا يشوب الرضا  إكراه أو غبن، أو ما يؤثر على رضا أياً من المتعاقدين، وكذلك حرصه على تحقيق ذلك التعادل بعد إنشاء العقد لإنصاف المتضرر من العاقدين، فصحح عقود الإذعان بأن جعل للمحكمة سلطة تعديل السعر في حالة وقوع الغبن علي الطرف المذعن ، كما أجاز تعديل الالتزامات وفسخ عقد البيع في الحالات التي تستوجب ذلك تحقيقا لمبدأ توازن التزامات العاقدين في عقد البيع .

إعداد: الأستاذ جمال مرعي

 

 

[1] – أنظر الفضل، د. منذر الفضل، 2012، الوسيط في شرح القانون المدني (مصادر الالتزامات وأحكامها)، الطبعة الأولى، ج1، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ص18

[2] – أنظر الزقا، مصطفى، 1420هـ، المدخل في نظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي، ط1، دار القلم، دمشق، ص63.

[3] – البطوشى، على سليمان حمد، ومحمود على مصلح السرطاوي، (تعادل الالتزامات بين العاقدين في عقد البيع)، دراسة فقهية مقارنة بالقانون المدني الأردني، رسالة دكتوراه، جامعة العلوم الإسلامية العالمية، عمان، ص191.

[4] – أنظر الغنائم، د. قذافي عزت الغنائم (2008م)، العذر وأثره في عقود المعاوضات المالية في الفقه الإسلامي، ط1، ص263.

[5] – أنظر الكاسانى، أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاسانى الحنفي، (1986م)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، الطبعة الثانية، ج5، دار الكتب العلمية، ص182.

[6] – أنظر الخطيب، محمد على الخطيب، (1992)، سلطة القاضي في تعديل العقد في القانون اليمنى والمصري والفقه الإسلامي، رسالة دكتوراه، جامعة عين شمس، مصر، ص16.

[7] – أنظر البطوشى، على سليمان حمد، ومحمود على مصلح السرطاوي، (تعادل الالتزامات بين العاقدين في عقد البيع)، دراسة فقهية مقارنة بالقانون المدني الأردني، رسالة دكتوراه جامعة العلوم الإسلامية العالمية، عمان، ص243.

Scroll to Top