المضاهاة والاستكتاب

المضاهاة والاستكتاب في قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني

أثناء سير الدعوى أمام القضاء يطرح كل من طرفي الدعوى المستندات الداعمة لادعائه في طلب حق، أو في دفع ادعاء الطرف الأخر عنه، تلك المستندات قد يكون مصدرها غير الأطراف كما في المستندات الصادرة عن الدولة، وقد تكون مصدرها طرفي العقد أنفسهم.

ومحل الحديث في هذا المقال هو المستندات الممهورة بإمضاء طرفي العقد متى تم استخدامها في الإثبات، فقد يقدم أحد طرفي الدعوى مستند منسوب لخصمه لإثبات حق أو دفعه، وهنا يكون الخصم المنسوب له المستند أحد طريقين، الأول أن لا يعلق على صحة توقيعه على هذ المستند وبالتالي يكون ملتزم بكل ما فيه، والثاني أن يطعن في توقيعه على الورقة وبالتالي فإن المستند لا يكون حجه عليه إلا بعد التثبت من أن التوقيع على الورقة منسوب له، وهو ما يتم عن طريق الخبرة، وفي ذلك نصت المادة (87/1)  على  (إنكار الخط أو الإمضاء أو الختم أو بصمة الأصبع إنما يرد على الوثائق والمستندات غير الرسمية . أما ادعاء التزوير فيرد على جميع الوثائق والمستندات الرسمية وغير الرسمية) . وسنناقش ذلك بتفصيل أكثر من خلال النقاط التالية:

أولًا: ماهية المضاهاة والاستكتاب

ثانيًا: اللجوء إلى المضاهاة والاستكتاب

ثالثًا: إجراءات المضاهاة والاستكتاب

رابعًا: حجية تقرير الخبرة المعد بالمضاهاة والاستكتاب

خامسًا: تطبيقات قضائية

سادسًا: خاتمة

 

أولًا: ماهية المضاهاة والاستكتاب

المضاهاة هي عملية مقارنة، أي مقارنة خط أو إمضاء أو بصمة إبهام من نسب إليه المحرر إذا أنكره مع أمثاله من المحررات التي عينها القانون، أو التي لا يوجد فيها شك بأنها مكتوبة أو موقعة من الشخص المنسوب إليه التوقيع أو الخط[1].

أما الاستكتاب فهو العملية القائمة على جمع العينات الخطية التي تؤخذ من شخص ما (المستكتب) بناء على طلب شخص آخر (المستكتب) كأن يكون القاضي أو الخبير الفني، إذ هي ليست عينة تلقائية وإنما تأتي بناء على توجيه شخص آخر يحدد له ماذا يكتب، كما أن الشخص المستكتب يعلم أن ما يكتبه سيكون أساسا لعملية مضاهاة قد تصل به إلى الإدانة بجريمة التزوير أو غيرها”[2].

وتقف عملية الاستكتاب أو العينات الموجهة موقف الصدارة بين نماذج المقارنة والمضاهاة الأخرى ذلك لأنها إذا أجريت على أسس فنية سليمة استكملت عناصر الصلاحية لعملية المضاهاة بشقيها القانوني والفني، ولذلك فإن عملية الاستكتاب هي من اهم الخطوات اللازمة لتحقيق الكشف عن جريمة التزوير والتزييف[3].

ومن جملة تلك التعريفات نجد أن المضاهاة والاستكتاب يعدا كلا منهما عملا من أعمال الخبرة التي يلجأ إليها القاضي بناء على طلب أحد الخصوم بواسطة مختصين (خبير) للتحقق من نسبة توقيع أو بصمة لشخص المنكر (طالب الخبرة لإثبات عدم نسبة التوقيع له).

ثانيًا: اللجوء إلى المضاهاة والاستكتاب

حددت المادة (88) من قانون أصول المحاكمات المدنية حالة اللجوء إلى المضاهاة والاستكتاب حيث نصت على (اذا انكر احد الطرفين أو ورثته ما نسب اليه من خط أو إمضاء أو ختم أو بصمة اصبع في سند عادي أو أفاد الورثة بعدم العلم بما نسب للمورث وكان المستند أو الوثيقة ذا اثر في حسم النزاع فيترتب على المحكمة بناء على طلب مبرز السند أو الوثيقة ان تقرر إجراء التحقيق بالمضاهاة والاستكتاب وسماع الشهود واي عمل فني أو مخبري أو بإحدى هذه الوسائل حسبما تكون عليه الحالة.)

فمن خلال المادة سالفة الذكر نجد أن اللجوء إلى المضاهاة والاستكتاب يكون عند توافر مجموعة من الشروط وهي:

1- الإنكار  وطلب التحقيق

لابد لكي يتم اللجوء للمضاهاة والاستكتاب أن ينكر من ينسب إليه خط أو إمضاء أو ختم أو بصمة اصبع في سند عادي  حال حياته أو الإفادة بعدم العلم من ورثته بعد وفاته. كذلك لابد أن يطلب من ينكر من المحكمة أن تحقق في صحة السند المنسوب  فلا يتصور أن تتصدى المحكمة من تلقاء نفسها لصحة السند العادي دون طلب المنسوب له أو ورثته.

2- أن يكون السند سند عادي

الشرط الثاني لكي يتم اللجوء للمضاهاة وفق المادة سالفة الذكر أن يكون السند موضوع المضاهاة سندا عاديا، والسند العادي وفق المادة (١٠) من قانون البینات الأردني هو: “السـند العادي هـو الـذى یشـتمل علـى توقيع من صدر عنه أو على خاتمه أو بصمة أصبعه ولیست له صفة السند الرسمي”.

3- أن يكون السند مؤثر في حل النزاع

لابد لكي يلجأ للمضاهاة والاستكتاب للكشف على صحة نسب السند العادي المنسوب لشخص ما أن يكون هذا السند له أثر في حل النزاع المطروح أمام المحكمة، مثال ذلك أن يقدم أخد الخصوم سند يفيد سداد الدين الذي يدعي به خصمه وموقع منه، فللخصم حين إذ أن ينكر هذا السند ويحق له طلب التحقيق بالمضاهاة والاستكتاب لأن هذا السند جواهريًا في حل النزاع.

ثالثًا: إجراءات المضاهاة والاستكتاب

تجري المضاهاة بمعرفة أهل الخبرة في الخطوط و إن انتهى المطاف إلى تعارض نتيجتهما فالترجيح يكون للقاضي شريطة التسبيب[4]. وحتى لا يضل الفاحص طريقه ويقع في الخطأ عليه أن يستكمل للمحررات جميع عناصر صلاحيتها وعليه أن يتأكد من أن أوراق المضاهاة المقدمة إليه توفرت لها الشروط التي تكفل لها الصلاحية[5]. وسنتناول إجراءات المضاهاة والاستكتاب من خلال النقاط التالية:

1- الأوراق التي تصلح للمضاهاة

نظم المشرع الأردني الأوراق التي تصلح للمضاهاة، وسنتناول كلًا منها من خلال النقاط التالية:

أ- ما يتفق عليه الخصوم من أوراق

نصت المادة (91/1) من قانون أصول المحاكمات المدنية (اذا اتفق الطرفان على الأوراق التي ستتخذ أساسا ومقياسا للتحقيق والمضاهاة عمل باتفاقهما …….)، ومن خلال نص هذه الفقرة نجد أن اتفاق الخصوم في الدعوى على تحديد الأوراق التي تتم المضاهاة عليها هو الأصل فليس للمحكمة سلطة تقديرية في قبولها، أما في حالة عدم الاتفاق على أوراق فقد حدد المشرع مجموعة من المستندات  التي تصلح للمضاهاة.

ب- ما يصلح للمضاهاة حال عدم اتفاق الخصوم

– الأوراق الرسمية

المادة (91/1/أ) من قانون أصول المحاكمات المدنية نصت على  (اذا اتفق الطرفان على الأوراق التي ستتخذ أساسا ومقياسا للتحقيق والمضاهاة عمل باتفاقهما والا فتعتبر الأوراق التالية صالحة لما ذكر: الأوراق الرسمية التي كتبها المنكر أو وقعها بإمضائه أو ختمها بختمه أو بصمها بأصبعه أمام موظف عام مختص أو أمام محكمة.)، وتعريف الأوراق الرسمية جاء بنص المادة (75/1) من قانون أصول المحاكمات الشرعية والتي نصت على (المستندات الرسمية هي التي ينظمها موظفون رسميون يكون من اختصاصهم تنظيميا كوثيقة الزواج وشهادة الميلاد وسندات التسجيل والوثائق التي ينظمها الكاتب العدل أو من في حكمه وتعتبر هذه المستندات بينة قاطعة على ما نظمت لأجله ولا يقبل الطعن فيها إلا بالتزوير.).

– الأوراق المعترف بها في وقت سابق على المضاهاة

المادة (91/1/ب) من قانون أصول المحاكمات المدنية نصت على  (اذا اتفق الطرفان على الأوراق التي ستتخذ أساسا ومقياسا للتحقيق والمضاهاة عمل باتفاقهما والا فتعتبر الأوراق التالية صالحة لما ذكر: الأوراق التي كتبها أو وقع عليها أو ختمها أو وضع بصمة أصبعه عليها خارج الدوائر الحكومية واعترف أمام احدى المحاكم أو الكاتب العدل أو الدائرة الحكومية المختصة بالخط التي كتب فيها أو التوقيع أو الختم أو البصمة الموقعة به.)، في هذه الحالة جعل المشرع الأوراق التي أعترف بها صالحة للمضاهاة، ومن الملاحظ هنا أن هذه الحالة يغل يد صاحب الأوراق عن التحكم في عرض تلك الأوراق من عدمه، حيث يكون على الخصم فقط إحضار تلك الأوراق وإثبات أن خصمه قد أعترف بتلك الأوراق بأي شكل من الأشكال سالفة الذكر.

– الأوراق الموقعة بمناسبة العمل بإحدى وظائف الدولة

المادة (91/1/ج) من قانون أصول المحاكمات المدنية نصت على  (اذا اتفق الطرفان على الأوراق التي ستتخذ أساسا ومقياسا للتحقيق والمضاهاة عمل باتفاقهما والا فتعتبر الأوراق التالية صالحة لما ذكر: الأوراق الرسمية التي كتبها أو أمضاها وهو يشغل وظيفة من وظائف الدولة)، في هذه الحالة أجاز القانون أن تتخذ الأوراق التي وقع عليها الخصم بمناسبة عمله في وظائف الدولة محل للمضاهاة حال الإنكار.

– الأوراق المعترف بها في وقت التحقيق

المادة (91/1/د) من قانون أصول المحاكمات المدنية نصت على  (اذا اتفق الطرفان على الأوراق التي ستتخذ أساسا ومقياسا للتحقيق والمضاهاة عمل باتفاقهما والا فتعتبر الأوراق التالية صالحة لما ذكر: السندات العادية والوثائق الأخرى التي يعترف المنكر بحضور القاضي المنتدب والخبراء ان خطها أو التوقيع أو الختم أو بصمة الأصبع الموقعة به هو خطه أو توقيعه أو ختمه أو بصمة أصبعه)، في هذه الحالة قد يقدم الخصم أوراق يدعي أن خصمه وقع عليها ثم يقوم الخصم بالاعتراف حال التحقيق بصحة نسبها له.

2- عدم صلاحية المستندات المنكرة للمضاهاة ولو ثبت صحة نسبها

المادة (91/2) من قانون أصول المحاكمات المدنية نصت على (لا يتخذ أساسا للتحقيق والمضاهاة الإمضاء أو الختم أو بصمة الأصبع الموقع به أو المختوم به سند عادي انكره الخصم وان حكمت احدى المحاكم في دعوى سابقة بناء على تقرير الخبراء انه توقيعه أو ختمه أو بصمة أصبعه.)، نجد المشرع الأردني في هذه الفقرة قد وضع قيد لضمان نزاهة أعلى لعملية المضاهاة بحيث أخرج من نطاق المستندات الصالحة للمضاهاة تلك المستندات التي أنكرها صاحبها قبل ذلك ولو ثبت صحة نسبها له.

 

3- ضمان نزاهة عمل الخبراء

حدد المشرع الأردني مجموعة من الضوابط لضمان نزاهة الخبراء القائمين على إجراء المضاهاة والاستكتاب حيث أوجب أن يحلف الخبراء على أن يؤدوا أعمالهم بنزاهة وأمانة، وزيادة في الضبط اشترط أن يكون عملهم بحضور أطراف النزاع، وفي ذلك نصت المادة (91) من قانون أصول المحاكمات المدنية على (يجتمع الخبراء في الزمان والمكان اللذين عينتهما المحكمة أو القاضي المنتدب وبعد ان يحلفوا اليمين على ان يؤدوا عملهم بصدق وأمانة يباشروا التحقيق والمضاهاة تحت إشرافه وبحضور الطرفين ……)

واستثناء من ذلك فقد أورد المشرع حالة لا يتم فيها تحليف أو التقيد بأي من الخطوات السابقة وذلك إذا كانت الجهة القائمة بأعمال الخبرة حكومية أو تابعة لجهة حكومية، وفي ذلك نصت (91/3) من قانون أصول المحاكمات المدنية على (في جميع الحالات التي تستند فيها إجراءات التثبت من صحة المستندات على عمل مخبري وكان المختبر حكوميا أو تابعا لمؤسسة رسمية فيجوز للمحكمة ان لا تتقيد باي إجراء مما ورد في المواد السابقة بما فيها إجراءات التحليف وان تباشر من تلقاء نفسها إحالة الموضوع مع الأوراق اللازمة إلى المختبر مع بيان المهمة المطلوبة منه وفي هذه الحالة تحول أية نفقات امرت المحكمة بإيداعها كنفقات خبرة لخزينة الدولة.)

3- تقديم أوراق المضاهاة إلى الخبراء

يقدم الخصم الأوراق التي تكون صالحة وفق ما بينا سابقًا في مكان وزمان يعينهما  القاضي للبت في صلاحية تلك الأوراق للمضاهاة ولمباشرة المضاهاة حال لصلاحيتها، وفي ذلك نصت (92) من قانون أصول المحاكمات المدنية على (على الخصم ان يعين الأوراق التي يدعي أنها صالحة للتحقيق والمضاهاة ويجلبها إلى الخبراء في الزمان والمكان المعينين لاجتماعهم وللقاضي المنتدب ان يقرر ما اذا كانت صالحة لذلك . واذا كانت هذه الأوراق في يد الغير أو في دائرة رسمية واظهر عجزه عن إحضارها تولى القاضي طلبها بالطرق الرسمية.)

4- الاستكتاب حال تعذر الحصول على أوراق صالحة للمضاهاة

بينا في الأسطر السابقة الأحكام الخاصة بالمستندات التي تصلح للمضاهاة، والواقع قد يفرض في بعض الحالات تعذر توفر تلك المستندات، وهنا تدخل المشرع ووضع الاستكتاب كبديل لتلك المستندات، وهو أن يؤخذ توقيع المنكر وقت التحقيق، وفي ذلك نصت (94) من قانون أصول المحاكمات المدنية على (اذا تعذر الحصول على أوراق يمكن اتخاذها أساسا للتحقيق والمضاهاة أو تم الحصول على هكذا أوراق ولكنها لم تكن كافية لذلك يستكتب المنكر عبارات يمليها عليه الخبراء ثم يقابلون ما كتبه بخط السند وتوقيعه ليروا وجه التماثل أو الخلاف بينهما)

5- إجراء المضاهاة والاستكتاب والتحقيق

بعد توفير الأوراق الصالحة للمضاهاة أو الاستكتاب في حالة عدم توافر الأوراق الصالحة يتم مباشرة  إجراءات المضاهاة، ومن الملاحظ أن أعمال الخبير والقاضي المنتدب لا تقتصر على مجرد المضاهاة بين الأوراق فقط، حيث أجاز القانون للخبراء سماع الإفادات أثناء مباشرة المأمورية، وفي ذلك نصت المادة (95) من قانون أصول المحاكمات المدنية على (للخبراء ان يستمعوا إلى إفادات من ذكر لهم انهم راوا المنكر وهو يكتب الوثيقة أو السند المنكر أو شاهدوه وهو يضع إمضاءه عليه أو وهو يختمه بختمه أو ببصمة أصبعه والى كل من يعتقد ان له علماً بحقيقة الحال ويدونوا إفاداتهم في محضر خاص يحفظ للاستئناس به عند إبداء الراي في صحة الخط أو الختم أو التوقيع أو البصمة.)

6- تقديم التقرير والإعلان به

بعد الانتهاء من المأمورية المكلف بها الخبير يقوم بإعداد تقرير كامل بكل ما تم خلال المأمورية من مضاهاة أو سماع أقوال، وذلك وفق نص المادة (96) من قانون أصول المحاكمات المدنية والتي نصت على (بعد الانتهاء من التحقيق والمضاهاة والاستكتاب وسماع الإفادات يجب على الخبراء ان ينظموا تقريرا يوضحون فيه إجراءات التحقيق الذي قاموا به ويقررون من حيث النتيجة ما اذا كان الخط أو الإمضاء أو بصمة الأصبع هو للمنكر أم لا ، معززين رايهم بالعلل والأسباب ثم يوقعونه مع القاضي المنتدب الذي عليه ان يرفعه مع المستند المنازع فيه إلى المحكمة)، ثم بعد ذلك يقوم بإعلان الخصوم به، وذلك وفق نص المادة (97) من قانون أصول المحاكمات المدنية والتي نصت على (بعد تقديم التقرير إلى المحكمة يبلغ كل من الطرفين نسخة منه ثم يتلى علنا في الجلسة وللمحكمة من تلقاء نفسها أو بناء على طلب احد الخصوم ان تدعوا الخبير أو الخبراء للمناقشة ولها ان تقرر إعادة التقرير اليه أو اليهم لإكمال ما ترى فيه من نقص أو تعهد بالمهمة إلى خبير أو اكثر ينتخبون حسب الأصول.)

6- رسوم إجراء الخبرة بالمضاهاة والاستكتاب

نظم المشرع الأردني رسوم الخبرة في المضاهاة والاستكتاب وفق المادة (98) من قانون أصول المحاكمات المدنية والتي نصت على (على مبرز السند الذي انكر فيه الخط أو التوقيع أو الخاتم أو بصمة الأصبع ان يدفع سلفا ما تقرر المحكمة انه يكفي لنفقات التحقيق والمضاهاة.)، وكذا المادة (162) من قانون أصول المحاكمات المدنية والتي نصت على (يحكم بمصاريف تدقيق الخط والختم والإمضاء وبصمة الأصبع على منكره أو مدعي تزويره اذا ثبت في نتيجة التحقيق والمضاهاة عدم صحة إنكاره أو ادعائه التزوير.)

رابعًا: حجية تقرير الخبرة المعد بالمضاهاة والاستكتاب

نظم المشرع الأردني حجية أعمال الخبرة التي تلجأ إليها المحكمة متى كان هناك حاجة لها، إلا أن نتيجتها في النهاية لا تخرج عن السلطة التقديرية للمحكمة في الأخذ بها كليًا أو الأخذ بجزء منها أو الإعراض عنها متى وجد دليل أقوى منها، حيث نصت المادة (86/4) من قانون أصول المحاكمات المدنية على (رأي الخبير لا يقيد المحكمة.)

إلا ذلك لا يمكن إطلاقة حيث يجب على المحكمة متى خالفة تقرير الخبرة أن تكون هذه المخالفة بناء على حجج قوية، ويؤيد ذلك ما جاء  بالحكم رقم 2407 لسنة 2022 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2022-09-22 (وعنها مجتمعة والمنصبة على الطعن بتقرير الخبرة وتخطئة المحكمة باعتماده وأن المحكمة لم تسأل طرفي الدعوى عن الأوراق التي ستتخذ أساساً للمضاهاة وأن تقرير الخبرة الثلاثي قد تناقض مع تقرير الخبرة المقدم من الخبير عبد الله الدرابكة وأن المميز ضده هو المدين الأصلي في الكمبيالات.

وفي ذلك نجد أن المستقر عليه قانوناً وقضاءً أن الخبرة وفقاً لأحكام المادتين (2/6 و71) من قانون البينات تعتبر من وسائل الإثبات التي ترك المشرع أمر اعتمادها والأخذ بها لمحاكم الموضوع وهي تخضع لوزن وتقدير محكمة الموضوع كغيرها من البينات طبقاً لأحكام المادة (34/1) من قانون البينات وأنه لا سبيل لمحكمة التمييز التدخل في مسألة وزن وتقدير البينات وليس لها أن تتولى بنفسها وزن البينات وترجيح إحداها على الأخرى باعتبار ذلك من المسائل الموضوعية التي تترخص بها محكمة الموضوع ما دام أن ذلك قد تم بصورة تتفق وأحكام المادة (83) من قانون أصول المحاكمات المدنية وللمحكمة أن تأخذ بكل ما جاء بتقرير الخبرة أو بعضه لاقتناعها بصحة أسبابه التي تصبح جزءاً من أسباب حكمها ولا تلتزم بالرد استقلالاً على الطعون الموجهة إليه.)

خامسًا: تطبيقات قضائية

الحكم رقم 1979 لسنة 2023  محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2023-10-01

بالنسبة وحيث إن المدعى عليه قد ارتضى نقل عبء الإثبات عليه وهو أمر غير ممنوع قانوناً إلا أنه عاد وصرف النظر عن إجراء الخبرة التي كان قد طلبها وبالتالي تنازل عن هذه البينة وأنه لم يعد عن إنكاره لتوقيعه على الشيكين وعندها كان يتوجب على وكيل المدعية أن تطلب إجراء الخبرة بالمضاهاة والاستكتاب خاصة وأن وكيل المدعية وكما هو ثابت وبجلسة 25/2/2019 وعندما طلب وكيل المدعى عليه إجراء الخبرة وقدم قائمة بيناته ومذكرته اعترض على البينة المقدمة أي أنه لم يرتضِ بنقل عبء الإثبات وما دام أن وكيل المدعى عليه صرف النظر عن إجراء الخبرة نعود للأصل وهو على مبرز السند طلب إجراء الخبرة لإثبات التوقيع المنكر والمنصوص عليه بالمادة (88) من قانون أصول المحاكمات المدنية كما أنه لم يعترض عندما صرف المدعى عليه النظر عن الخبرة ولم يتمسك بنقل عبء الإثبات عليه وحيث لم يفعل فإن المحكمة ليست ملزمة بإجرائها لأن الفصل بالدعوى غير متوقف على إجرائها كما أن قرارها بإجراء الخبرة في مثل هذه الحالة يعتبر تدخلاً منها بالبينة وغير جائز قانوناً لها.

وبما أن المميزة لم تطلب إجراء الخبرة على الشيكين موضوع الدعوى لإثبات صحة توقيع المدعى عليه عليهما والمنكرة من قبله فإن الدعوى والحالة هذه أصبحت خالية من الدليل مما يستوجب ردها.

الحكم رقم 1017 لسنة 2023 محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2023-09-21

وعن ومن الرجوع إلى اللائحة الجوابية المقدمة من المميزين ( المدعى عليهم ) أمام المحكمة الابتدائية، فقد بادروا للتصريح فيها بأنهم لا يسلمون بأن الشيك موضوع الدعوى محرر من قبل مورثهم.. وإن الخط الوارد على الشيك لا يعود لمورث المدعى عليهم..).

وحيث إن هذا الدفع هو أوسع معنىً من الاكتفاء من قبل المدعى عليهم بعدم بيان الخط أو التوقيع … يعود لمورثهم .. كما نصت عليه المادة (11/2) المذكورة .. إذ تجاوزت أقوال المدعى عليهم في هذا الصدد حدود عدم العلم إلى حدود نفي التوقيع (الإنكار) .. وبالتالي فإن ذلك يتفق وما أوردته المادة (11/2) سالفة الذكر.

وعليه وحيث إن محكمة البداية أجرت الخبرة الفنية بالمضاهاة على التوقيع الوارد على الشيك للتحقق فيما إذا كان يعود لمورث المدعى عليهم أم لا وذلك بناءً على طلب وكيل المدعي وذلك بمعرفة خبير خطوط الذي قدم تقرير خبرة خطي خلص فيه إلى تقرير بأن التوقيع المعلق المنكر المنسوب للساحب المثبت على وجه الشيك هو توقيع صحيح محرر بخط يد المدعى عليه يوسف شعبان حسين المشني.

مما مفاده بالخلاصة أن الشيك موضوع الدعوى صادر عن مورث المدعى عليهم وهو مصدره (محرره) كساحب وإذ رفضت محكمة الموضوع توجيه اليمين الحاسمة للمدعي على أن علاقته مع مورث المدعى عليهم علاقة تجارية وليست علاقة عمل وأن سبب الشيك هو تعامل تجاري بينهما.. هو واقع في محله لأن الوقائع الواردة في هذه الصيغة غير منتجة في الإثبات كما أنه لا يجوز توجيه تلك اليمين على واقعة تثبت بالدليل الخطي باعتبار أن الشيك موضوع الدعوى وقد تضمن كافة بياناته المنصوص عليها في المادة (228) من قانون التجارة فهو يتمتع بمبدأ الكفاية الذاتية في الإثبات ويغني حامله عن إثبات سبب الدين وهو أداة وفاء يجري مجرى النقود في المعاملات كما وأن المدعي حلف يمين الاستظهار وفقاً لأحكام المادة (54/2/أ) من قانون البينات وبالصيغة المنصوص عليه في تلك المادة وبالتالي فالمدعي أثبت صحة دعواه .

مما ينبغي الحكم له بإلزام المدعى عليهم بالمبلغ المدعى به بحدود ما آل إليهم من تركة مورثهم وذلك وفقاً لأحكام المادتين (260 و263) من قانون التجارة .

الحكم رقم 8178 لسنة 2022  محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2023-07-23

وعن ورداً على ذلك نجد أن قبول البينة ووزنها وتقدير إنتاجيتها في الإثبات واعتماد تقرير الخبرة أو عدم اعتماده من المسائل الموضوعية التي تخضع للسلطة التقديرية لمحكمة الاستئناف بصفتها محكمة موضوع عملاً بأحكام المادتين (33 و 34) من قانون البينات ولا رقابة لمحكمة التمييز عليها في ذلك متى كانت النتيجة التي توصلت إليها مستخلصة بصورة سائغة ومقبولة من بينة قانونية ثابتة بأوراق الدعوى.

وفي الحالة المعروضة نجد أن المدعي (المميز ضده) استند في مطالبته بالمبلغ المدعى به على تعهد خطي (سند لأمر) موقع من المميز بصفته الشخصية بتاريخ 7/11/2016 يتعهد بموجبه بدفع مبلغ (545745) ريالاً سعودياً للمميز ضده بتاريخ الاستحقاق في 31/7/2017 وأنه وفي ضوء إنكار المميز للتوقيع المنسوب إليه على السند المذكور أجرت محكمة الدرجة الأولى خبرة فنية على السند بالمضاهاة والاستكتاب بمعرفة خبير من ذوي الدراية والاختصاص في مجال الخطوط والمستندات وبنتيجة إجراءات الخبرة قدم الخبير تقريرًا خطيًا بخبرته توصل فيه إلى أن الاسم المفتوح (أحمد محمد يونس الهيصماوي) والتوقيع المعلق المنكر الوارد على سند الأمر محرر بخط يد المدعى عليه (المميز) ويعود إليه.

وحيث جاء تقرير الخبرة واضحًا ومستندًا إلى أسس سليمة ومتفقًا وأحكام المواد (83 و 85 و 96) من قانون أصول المحاكمات المدنية ولم يرد عليه أي مطعن قانوني ينال منه فإن اعتماد محكمة الاستئناف لهذا التقرير والاستناد إليه في حكمها المطعون فيه لا يخالف القانون مما يستوجب رد هذه الأسباب.

سادسًا: خاتمة

تعد المضاهاة والاستكتاب من أهم أعمال الخبرة التي يلجأ إليها القاضي في الدعاوى المدنية والتجارية، وذلك لتحديد نسبة سند عادي إلى شخص ما، وتعتبر المضاهاة من الأعمال الفنية التي تتطلب خبرة ومعرفة عالية من الخبير، حيث يقوم الخبير بمقارنة خط أو إمضاء أو بصمة إبهام من نسب إليه المحرر إذا أنكره مع أمثاله من المحررات التي عينها القانون، أو التي لا يوجد فيها شك بأنها مكتوبة أو موقعة من الشخص المنسوب إليه التوقيع أو الخط، أما الاستكتاب فهو العملية القائمة على جمع العينات الخطية التي تؤخذ من شخص ما بناء على طلب شخص آخر (المستكتب) كأن يكون القاضي أو الخبير الفني، إذ هي ليست عينة تلقائية وإنما تأتي بناء على توجيه شخص آخر يحدد له ماذا يكتب، كما أن الشخص المستكتب يعلم أن ما يكتبه سيكون أساسا لعملية المضاهاة التي قد تصل به إلى الإدانة بجريمة التزوير أو غيرها.

وقد نظم المشرع الأردني إجراءات المضاهاة والاستكتاب في قانون أصول المحاكمات المدنية، حيث اشترط توافر مجموعة من الشروط للمضي قدمًا في المضاهاة، ومن أهم تلك الشروط هو أن يكون السند محل النزاع سندًا عاديًا، وأن ينكر من نسب إليه المحرر الخط أو التوقيع أو بصمة الإبهام، وأن يكون للسند أثر في حسم النزاع.

وبعد أن يتم تقديم الأوراق الصالحة للمضاهاة إلى الخبراء يقومون بإجراء المضاهاة والاستكتاب وسماع الإفادات، ثم يقومون بإعداد تقرير يوضحون فيه إجراءات التحقيق الذي قاموا به ويقررون من حيث النتيجة ما إذا كان الخط أو الإمضاء أو بصمة الأصبع هو للمنكر أم لا، معززين رأيهم بالعلل والأسباب.

ويعتبر تقرير الخبراء في المضاهاة والاستكتاب دليلًا من أدلة الإثبات في الدعوى، وللقاضي السلطة التقديرية في قبوله أو رفضه، ولكن يجب عليه أن يبين أسباب رفضه في حال رفضه، كما يمكن الطعن في تقرير الخبراء أمام محكمة الاستئناف.

كتابة: محمد السعيد عبد المولى

[1] Henry Solus ,Roger perrot , droit judiciaire privé, Delta ,tome 3, sirey 1991 ,p587.

[2] . غازي مبارك الذنیبات، الخبرة الفنية في إثبات التزوير في المستندات الخطیة فنا وقانونا، الطبعة الأولى ، دار الثقافة، الأردن، 2005، ص288

[3] هشام الجميلي، الوافي في الإثبات الجنائي، دار الفكر والقانون، ب، ط، س، المنصورة- مصر، صـ552

[4] محمد أحمد عابدين ، قوة الورقة الرسمية والعرفية في الإثبات وطرق الطعن عليها التزوير، الإنكار ، الجهالة

المرجع السابق ، ص92.

[5] عزت عبد القادر ، جرائم التزييف و التزوير، الطبعة الثالثة مزيدة ومنقحة ، دار أسامة للنشر والتوزيع القاهرة ،مصر ،2002 ، ص232 -233 .

Scroll to Top