المسؤولية العقدية عن فعل الغير
المسؤولية العقدية هي في الأساس مصدرها وجود عقد بين طرفين، تنشأ بإخلال أحد طرفي العقد بعدم القيام بما يفرضه عليه العقد من التزامات كلها أو بعضها، فالأصل أن مصدر هذه المسؤولية العقد، وشرطها أن يكون المتسبب في نشأة المسؤولية طرف في العقد، لكن واستثناء على تلك القاعدة في بعض الأحيان قد يؤثر فعل الغير على أحد طرفي العقد مما حتم أن يكون هناك حاكم لتلك العلاقة بين الغير وطرفي العقد، وفي هذا المقال سنتناول مدى مسؤولية أحد أطرفا العقد عن فعل الغير (غير الموجود بالعقد صراحة) في مقابل الطرف الأخر، وسنناقش ذلك بتفصيل أكثر من خلال النقاط التالية:
أولًا: تعريف المسؤولية العقدية والغير
ثانيًا: الأساس القانوني للمسؤولية عن فعل الغير
ثالثا: شروط تحقق المسؤولية العقدية عن فعل الغير
رابعا: أركان المسؤولية العقدية
خامسا: تطبيقات على المسؤولية العقدية عن فعل الغير
أولًا: تعريف المسؤولية العقدية والغير
قبل الحديث عن المسؤولية العقدية عن فعل الغير لابد لنا أن نتعرف أولًا على تعريف المسؤولية العقدية، وكذا تعريف الغير في موضوع مقالنا.
1- تعريف المسؤولية العقدية
يمكن تعريف المسؤولية العقدية على أنها المسؤولية التي تنشأ عن إخلال طرف من أطراف العقد بما عليه من التزامات، ليكون مسؤول عن تعريض الطرف الأخر كجزاء مترتب على هذا الإخلال.
فتتحقق المسؤولية العقدية عندما يخل الدائن بالتزاماته العقدية، إما بامتناعه عن التنفيذ، أو بتنفيذه لالتزاماته تنفيذا معيباً، أو في حال تأخره في التنفيذ[1].
وسند تلك المسؤولية المادة (315) من القانون المدني الأردني حيث نصت على (يجب الوفاء بالحق متى استوفى شرائط استحقاقه قانونا فان تخلف المدين فقد وجب تنفيذه جبرا عليه تنفيذا عينيا أو تعويضيا طبقا لنصوص القانون.)
2- تعريف الغير
تعريف الغير في نطاق مقالنا هذا بأنه عبارة عن كل من ليس طرف في العقد يرتب بفعله مسؤولية على طرف من أطراف العقد من خلال قيام المسؤولية العقدية.
فالغير موضوع الدراسة هو الشخص المكلف بتنفيذ التزام المدين التعاقدي بموجب اتفاق معه، أو بموجب نص في القانون، وبهدف مساعدته أو معاونته أو التنفيذ بدلا منه، فالغير هنا هو الشخص الذي يكلفه المدين في تنفيذ التزامه التعاقدي وفقا للاتفاق بينهما أو بموجب نص القانون[2].
ثانيًا: الأساس القانوني للمسؤولية عن فعل الغير
تعددت النظريات في محاولة تأصيل الأساس القانوني للمسؤولية عن فعل الغير والذي نميل إليه من الرأي واستخلاصا من كافة الآراء أن تمام التعاقد يفرض على كلا المتعاقدين التزامات تلك الالتزام لا يعفى طرف منها إلا بطرق حددها القانون حصرًا، ومنها القوة القاهرة، وفعل الأجنبي، فمتى لم يقدم الملتزم سببا مما حدده القانون يعفيه من الالتزام ظل التزامه قائما، وطالما أن الغير المرتبط بالمدين لا يقع تحت أي من الحالات الواردة في القانون فلا يعفي المدين من المسؤولية العقدية القائمة على فعله كونه يعمل برابطه معه ولا يعد أجنبي بل ينسب فعله له.
كما نصت المادة (288/1/ب) من القانون المدني الأردني على (من كانت له على من وقع منه الأضرار سلطة فعلية في رقابته وتوجيهه ولو لم يكن حرا في اختياره اذا كان الفعل الضار قد صدر من التابع في حال تأدية وظيفته أو بسببها.)، وهذا هو الأساسي القانوني.
ثالثا: شروط تحقق المسؤولية العقدية عن فعل الغير
1- وجود عقد صحيح
لا يمكن الحديث عن المسؤولية العدية إلا مع وجود عقد، بالإضافة إلى وجود هذا العقد لابد أن يكون صحيحًا، والعقد الصحيح عرفته المادة (167) من القانون المدني الأردني حيث نصت على (العقد الصحيح هو العقد المشروع بأصله ووصفه بان يكون صادرا من أهله مضافا إلى محل قابل لحكمه وله غرض قائم وصحيح ومشروع وأوصافه صحيحة ولم يقترن به شرط مفسد له.)
والقاعـدة العامـة هـي أن العقـد شـريعة المتعاقـدين، ومـن ثـم فـإن المسـؤولية العقديـة لا تقـوم قبـل إبـرام العقـد سـواء كـان ذلـك أثنـاء المفاوضـات أ م بعـد تنفيـذ الالتـزام ، والشـخص الـذي يبـرم العقد قد يقوم بـبعض الأعمـال قبـل إبـرام العقـد، أي أثنـاء مرحلـة المفاوضـات فهـو يعتقـد جديـة هذه المفاوضات[3].
وبذلك يفرق بين المسؤولية العقدية وغيرها كالمسؤولية التقصيرية التي تقوم على وجوب التعويض عن الضرر الذي سببه خطأ شخص ما.
ويجب التنويه أن شرط توافر العقد يجب أن يظل متوفر حتى وقت نشأة المسؤولية العقدية، ذلك لأن انقضاء العقد لأي سبب من الأسباب ينقضي معه أي أثر قد يترتب عليه، ومن تلك الأثار المسؤولية العقدية بين طرفي العقد، وبالتبعية لا يمكن أن توجد المسؤولية العقدية عن فعل الغير، ولا يمكن أن يكون أمام الطرف المتضرر إلا اللجوء للمطالبة بالتعويض تأسيسا على المسؤولية التقصيرية.
فعلى سبيل المثال إن كان أحد المهندسين يعمل لدى مصنع فأطلع بموجب عمله على أسرار صناعته، ثم انتهى العقد بينهما، فعمل المهندس لدى مصنع أخر منافس للمصنع الأول، فأعطى للمصنع الأخير ما تحصل عليه من معلومات من المصنع الأول، فلا يكون أمام صاحب المصنع الأول إلا بالرجوع على المهندس بموجب المسؤولية التقصيرية، وذلك لانتهاء عقد المهندس. وفي هذا المثال قد تكون المسؤولية عقدية على المهندس إذا كان صاحب المصنع قد أخذ عهدًا على المهندس فعدم الإفصاح عن تلك الإسرار، لكن مصدر تلك المسؤولية هنا يكون العقد وليس عقد العمل الأساسي.
2- وجود رابطة بين الغير والمدين
كما عرفنا في العنصر الأول الغير بأنه من ليس طرف في العقد، لكن من شروط قيام المسؤولية العقدية عن فعل الغير لابد أن يربط هذا الغير بالمدين رابطة قانونية. علة ذلك أن عدم وجود رابطة بين الغير والمدين سيجعل هذا الغير أجنبي عن التعاقد فيكون فعله وقتها راجع على نفسه لا يلتزم به أحد أطراف العقد، بل العكس قد يكون علة لعدم قدرة أحد طرفي العقد على تنفيذ التزامه.
إن مسئولية المدين تقوم على أفعال هؤلاء الأشخاص الذين استعان بهـم فـي تنفيـذ الالتـزام دون ارتكاب أي خطأ شخصي من قبله فكل ما على الـدائن إثباتـه عـدم تنفيـذ المـدين لالتزامـه سـواء أكـان قـد اسـتعان بـالغير لا أم، فالخطـأ العقـدي هنـا يتمثـل فـي عـدم التنفيـذ، ولا يسـتطيع التخلص من المسـؤولية إلا بالـدفع بالسـبب الأجنبـي والخطـأ الـذي يرتكبـه الغيـر الـذين يسـتعين بهم لا يمثل له سبب أجنبي يعفيه من المسؤولية[4].
تلك الرابطة بين المدين والغير لابد أن تظل قائمة حتى نشوء المسؤولية، فالعبرة بالارتباط هي بوقت وقوع خطأ المدين.
3- تحقق عناصر المسؤولية العقدية
لكي تطبق المسؤولية العقدية عن فعل الغير لابد أن تتحقق المسؤولية العقدية بأركانها، الخطأ، الضرر والعلاقة السببية، وهنا لا نتحدث عن خطأ طرفي العقد، بل نتحد عن الغير باعتباره تابع، ففعل التابع يلزم المتبوع ما دام تربطهم علاقة التبيعة ويرفض المتبوع سلطته على التابع فيما يخص الالتزام موضوع المسؤولية العقدية. وسنتحدث عن أركان المسؤولية العقدية
رابعا: أركان المسؤولية العقدية
جاء بالحكم رقم 2022 لسنة 2014 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2014-08-28 (لقيام مسؤولية أي من المميز ضدهما يجب توافر عناصر المسؤولية العقدية المتمثلة في:-
- الإخلال بالعقد .
- وقوع ضرر .
- رابطة السببية بأن يكون الضرر ناجم عن الإخلال بالعقد أو ساهم فيه ونسبة مساهمته .
وفي السطور القادمة سنتعرض لكل عنصر من تلك العناصر على حدا
1- الإخلال بالعقد (الخطأ)
تعريف الخطأ: هناك من يعِّـرف الخطـأ العقدي بأنه:” انحراف في سلوك المدين بالالتزام، لا يأتيه الرجل المعتاد إذا وجـد فـي نفـس ظروف المدين العادية”[5]. هذا السلوك المنحرف قد يكون بفعل إيجابي يضر بالمتعاقد الأخر، وقد يكون سلبي عن طريق الامتناع عن عمل كان من الضروري عليه القيام به للوفاء بالتزامه.
معيار الخطأ: معيار الخطأ في المسؤولية العقدية هو معيار موضوعي، ونقصد بالمعيار الموضوعي أن القاضي متى عرض عليه نزاع يخص المسؤولية العقدية لا يكون محل اعتبار أشخاص التعاقد بل إن معياره يكون تصرف الشخص العادي في الموقف الذي يتمسك به أحد أطراف العقد ليكون معيار الشخص العادي من أمثال المتعاقدين هو الفيصل في وقوع الخطأ من عدمه. وسندنا في ذلك نص المادة (358) من القانون المدني إذ نصت على:
- اذا كان المطلوب من المدين هو المحافظة على الشيء أو القيام بإدارته أو توخى الحيطة في تنفيذ التزامه فانه يكون قد وفى بالالتزام اذا بذل في تنفيذه من العناية كل ما يبذله الشخص العادي ولو لم يتحقق الغرض المقصود . هذا ما لم ينص القانون أو الاتفاق على غير ذلك
- وفي كل حال يبقى المدين مسؤولا عما يأتيه من غش أو خطا جسيم .
وهذا المعيار الموضوعي هو المعيار إذا كان الخطأ كان سبب عدم الحفاظ على شيء موكل لطرف من أطراف العقد الحفاظ عليه كعقد الحراسة مثلا.
أما إذا كان المطلوب من المتعاقد هو تحقيق نتيجة فإن الخطأ يعتبر واقع بمجرد عدم تحقق تلك النتيجة. وتعتبر القوة القاهرة والظروف الطارئة من الحالات التي قد تغير وجه النظر لإخلال أحد أطراف العقد بالتزامه.
2- الضرر
الضرر في المسؤولية العقدية ينعقد متى أخل طرف من أطراف العقد بما عليه من التزام للطرف الأخر، حيث أن هذا الأخلال يؤدي بالتبعية للأضرار بالمتعاقد الأخر لعدم تحصله على تلك الالتزامات.
3- العلاقة السببية
علاقة السببية تعني أن الضرر الذي أصاب المتعاقد هو نتيجة مباشرة لفعل المتعاقد الأخر، وفي موضوع حديثا فإن الخطأ يكون من الغير التابع للمتعاقد الأخر.
خامسا: تطبيقات على المسؤولية العقدية عن فعل الغير
1- الأصل العام للمسؤولية التعاقدية عن فعل الغير
نجد أن الأصل العام للمسؤولية التعاقدية عن فعل الغير في نص المادة (288/1/ب) من القانون المدني الأردني إذ نصت على (من كانت له على من وقع منه الأضرار سلطة فعلية في رقابته وتوجيهه ولو لم يكن حرا في اختياره اذا كان الفعل الضار قد صدر من التابع في حال تأدية وظيفته أو بسببها.)، وهذا يعتبر الأصل العام لهذه المسؤولية غير ما فصله القانون في نصوص خاصة.
فالمشرع الأردني أجاز للمحكمة أن تلزم بأداء الضمان المحكوم به على من كانت له على من وقع منه الأضرار سلطة فعلية في رقابته وتوجيهه، إذا كان الفعل الضار قد صدر من التابع في حال تأدية وظيفته أو بسببها.
ومثال على ذلك، إذا تسبب عامل في إصابة شخص آخر أثناء تأدية عمله، فإن رب العمل يمكن أن يلزم بأداء الضمان المحكوم به على العامل.
2- مسؤولية المستأجر
المادة (5/ج/6) من قانون المالكين والمستأجرين الأردني نصت على (على انه يجوز إخلاء الماجور في أي من الحالات التالية: اذا استعمل المستأجر العقار الماجور أو سمح باستعماله لغاية غير مشروعة.).
وفي حالة المادة (5/ج/6) من قانون المالكين والمستأجرين الأردني، فإن المستأجر قد عقد مع المالك عقد إيجار، ويقع تحت سلطته أو رقابته الأشخاص الذين يسمح لهم باستخدام العقار. فإذا قام أحد هؤلاء الأشخاص باستخدام العقار لغاية غير مشروعة، فإن المستأجر يكون مسؤولاً عن هذا الفعل أمام المالك. فمرجع تلك المسؤولية هي المسؤولية العقدية الناشئة عن عقد الإيجار التي لولاها كانت مسؤولية هؤلاء الأشخاص مسؤولية تقصيرية، وكما بينا فإن أساس تلك المسؤولية هي سلطة المستأجر على من يقيمون معه طالما كانت تلك الإقامة بإرادته.
3- مسؤولية الوكلاء
المادة (217) من قانون الجمارك نصت على (يكون الكفلاء مسؤولين بالصفة ذاتها التي يسال بها الملتزمون الأصليون من حيث دفع الرسوم والضرائب والغرامات وغيرها من المبالغ المتوجبة بحدود كفالاتهم.)
فالكفيل مسؤول عن أداء الالتزامات الجمركية بدلاً من الملتزم الأصلي، إذا كان الأخير غير قادر على أدائها، فمصدر المسؤولية هنا العقد ولو كان المكلف غير طرف فيه.
سادسا: تطبيقات قضائية
الحكم رقم 3294 لسنة 2013 محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2014-03-05
وبتطبيق وفي حالتنا المعروضة نجد إن البلدية (المميز ضدها) تقوم بتنفيذ التزامها عن طريق تعيين الحراس الذين يقومون بمساعدة المميز ضدها في تنفيذ التزامها بالمحافظة على المحلات التجارية الموضوعة تحت حراستها ومن هذه المحلات محل (المميز) وفق نظام الحراسة لبلدية جرش وتحت إشرافها ومسؤوليتها 0
ولما كان الأمر كذلك ، فلا بد لنا من بيان الأساس القانوني للمسؤولية العقدية عن فعل الغير ، لقد قيل بنظريات مختلفة ، نظرية الخطأ المفترض ونظرية تحمل التبعة ونظرية الضمان ونظرية النيابة أو الحلول ونظرية بيكيه ونكتفي بالإشارة إلى نظرية الخطأ المفترض ونظرية بيكيه باعتبار الأخيرة هي التي تبناها الفقه والقضاء واستقر عليها0
ذهب بعض الفقه إلى تأسيس مسؤولية المدين عن عدم قيامه بتنفيذ الالتزام نتيجة لفعل الغير الذي استعان به في التنفيذ على خطأ مفترض وهو خطأ لا يقبل إثبات العكس فما دام أن المدين لم يقم بتنفيذ الالتزام على أثر استعانته بالمساعدين فإن ذلك يعني حدوث خطأ من جانبه سواء في اختيار هؤلاء المساعدين أو في الرقابة عليهم مما يجعله مسؤولاً مسؤولية عقدية عن فعل الغير ، وقد يجد هذا الحكم أساسه في المادة 288 من القانون المدني المتعلقة بالمسؤولية عن فعل الغير 0
وقد ذهب الأستاذ الدكتور السنهوري إلى أن مسؤولية المتبوع عن أفعال التابع ليست مسؤولية ذاتيه بل هي مسؤولية عن الغير 0000 ويستوي بعد ذلك أن تقوم على فكرة الضمان أو على فكرة النيابة أو على فكرة الحلول ، فالنتيجة الرئيسية واحدة في كل الحالات (انظر د0السنهوري : الوسيط – ج1 – تحديث وتنقيح المستشار أحمد مدحت المراغي – لجنة الشريعة الإسلامية بالنقابة العامة للمحامين / القاهرة – 2007-ص894 و895 وانظر في تأييد نظرية الخطأ المفترض – د0سلمان مرقس المسؤولية المدنية في تقنينات البلاد العربية – القسم الأول (الأحكام العامة) معهد البحوث والدراسات العربية – 1971- ص87 وما بعدها ) 0
ولما لم تسلم نظرية الخطأ المفترض من النقد ، فقد ظهرت نظريات أخرى كان آخرها نظرية القوة القاهرة وهي النظرية التي نادى بها الفقيه بيكيه ، فالمدين وفقاً لهذه النظرية مسؤول عن أفعال مساعديه ، لأن أفعال هؤلاء المساعدين لا تمثل بالنسبة له قوة قاهرة أو حادثاً فجائياً يعفيه من الالتزام ، وتتطلب القوة القاهرة أو الحادث الفجائي ضرورة توافر عنصرين هما : عدم وجود خطأ من جانب المدين ، وأن تكون أمراً خارجياً عنه ، وعلى هذا يمكن القول بأن المدين مسؤول عن عدم تنفيذ الالتزام ولو لم يقع منه أي خطأ ما دام لم يتوافر في الأمر الذي منعه من التنفيذ شرط الخارجية ، ومن ثم فهو مسؤول عن أخطاء مساعديه ، لأن أعمال هؤلاء المساعدين لا تتوافر فيها شروط القوة القاهرة أو الحادث المفاجئ (انظر د0 عبد الرشيد مأمون : المسؤولية العقدية عن فعل الغير – دار النهضة العربية – 1986- ص 91 وما بعدها ) 0
وإذا كان المشرع الأردني لم يورد نصاً عن المسؤولية العقدية عن فعل الغير فلأنها تعتبر تطبيقاً مباشراً لنظرية القوة القاهرة 0
وبتطبيق الأسس السابق الإشارة إليها على حالتنا المعروضة نجد إن العقد ألقى على عاتق المميز ضدها واجب الحفاظ على المحل التجاري العائد للمميز من السرقة ، ما دامت هي المسؤولة عن حراسة هذا المحل بواسطة الحراس الذين تعينهم لهذه الغاية لقاء قيام المميز بالتزامه وهو دفع المبلغ المقرر ووفق ما يحدده نظام الحراسة الخاص لبلدية جرش ، الذي يلقي على المميز ضدها التزاماً بسلامة المحل التجاري ، وحيث إن المحل التجاري تعرض للسرقة ولم تثبت المميز ضدها السبب الأجنبي ، فإنها تغدو والحالة هذه مسؤولة عن الضرر الذي لحق بمحل المميز ، هذا من ناحية 0
ومن ناحية أخرى ، وحيث إن الثابت أن المميز ضدها تستعين بحراس لمساعدتها في تنفيذ التزامها بحراسة المحلات التجارية ، وإن محل المميز تعرض للسرقة ، فإنها تغدو والحالة هذه مسؤولة عن خطأ أو تقصير الحارس بحراسة المحل التجاري ، وحيث إنها لم تثبت قيام القوة القاهرة فإنها مسؤولة عن خطأ مساعديها (الحراس)
وحيث إن محكمة الاستئناف نهجت نهجاً مغايراً لما توصلنا إليه فإننا نرى وخلافاً للأكثرية المحترمة نقض الحكم المطعون فيه وإعادة الأوراق إلى مصدرها لإجراء المقتضى القانوني 0.
سابعا: خاتمة
في النهاية، يمكن القول أن المسؤولية العقدية عن فعل الغير هي نوع من المسؤولية العقدية ينشأ فيها التزام على أحد أطراف العقد بتعويض الطرف الأخر عن الضرر الذي لحقه نتيجة فعل الغير الذي يرتبط به برابطة قانونية. وقد يشترط القانون أو الاتفاق بين الطرفين أن يكون الغير تابعًا للمدين، أو أن يكون المدين قد تعهد بضمان فعل الغير.
وتعتبر المسؤولية العقدية عن فعل الغير استثناءً من الأصل العام في المسؤولية العقدية، وهو أن يكون المدين هو المسؤول عن تنفيذ التزاماته بنفسه. وعلى الرغم من أن هذه المسؤولية هي استثناء، إلا أنها ضرورية لضمان حسن تنفيذ العقود، ولحماية الطرف المتضرر من فعل الغير الذي يرتبط به المدين برابطة قانونية.
وهناك العديد من التطبيقات العملية لهذه المسؤولية، منها مسؤولية رب العمل عن فعل العامل، ومسؤولية المستأجر عن فعل الأشخاص الذين يسمح لهم باستخدام العقار، ومسؤولية الكفيل عن فعل الملتزم الأصلي.
كتابة: محمد السعيد عبد المولى
[1] محمد وحيد سوار، النظرية العامة للالتزام، مطبعة جامعة دمشق، دمشق، ١٩٩٦ ،ص: ٢٦٩
[2] عبد الجودا مصطفى، مصادر الالتزام (المصادر الإدارية للالتزام)، دار الكتب القانونية، مصر، 2005، ص485
[3] -حســن عــامر ، عبــد الــرحيم عــامر – المســؤولية المدنيــة التقصــيرية والعقديــة – الطبعــة الثالثة – دار المعارف .
[4] عباس حسن الصراف: المسؤولية العقدية عن فعل الغير في القانون المقارن، رسالة دكتوراه جامعة القاهرة، 1954، ص191
[5] السرحان، عدنان إبراهيم و خاطر، نوري حمد: شرح القانون المدني- مصادر الحقوق الشخصية” الالتزامات” دراسـة مقارنة، ط1 ،عمان، الدار العلمية للنشر والتوزيع ودار الثقافة للنشر والتوزيع، 2002 ،ص313 .

