مدى سلطة القاضي في الإثبات بالشهادة
تعتبر الشهادة أحد اهم وسائل الإثبات في التشريعات المختلفة، لما لها من دور كبير في تكوين قناعة القاضي بصحة الحق المدعى به من عدمه، خاصة وأن المشرع قد ربط بين الشهادة القانونية وإلزامية أداء اليمين لحمل الشاهد على قول الحقيقة مخافة العذاب والسخط من الله جل جلاله، كما أعطى المشرع سلطة تقديرية ككبير للقضاء في مجال تقيم الشهادة والأخذ بما انتهت إليه من عدمه شريطة أن يكون ذلك في تسبيب سائغ واستخلاص مقنع ويُمَكن المحكمة الأعلى من مراقبة حسن قيام المحكمة بذلك .
وفي خلال هذا المقال سوف نتناول مدى سلطة القاضي في الإثبات بالشهادة وشروط ذلك على النحو الآتي :
ثانيا: سلطة القاضي في قبول أو رفض طلب الخصوم الإثبات بالشهادة
ثالثا: مدى سلطة القاضي في الأمر من تلقاء نفسه بالإثبات بالشهادة
ثالثا: مدى سلطة القاضي في تقدير أقوال الشهود
رابعا: بعض الاجتهادات القضائية المتعلقة بسلطة القاضي في الإثبات بالشهادة
أولا: مفهوم الإثبات بالشهادة
يعرف الإثبات لغة بأنه : من الأصل ثبت الشيء يثبت ثباتا وله مرادفات لغوية منها الدليل والبينة والحجة.[1]
ويعرف الإثبات في الاصطلاح بانه : تأكيد وجود أو صحة أمر معين باي دليل أو برهان.[2]
- ومن خلال هذا المفهوم فإن تعريف الإثبات القضائي والذي يهمنا هو : أن يقيم احد اطراف الخصومة الدليل على وجود أو انتفاء الواقعة القانونية التي يترتب عليها الحق المدعى به وذلك بأحد الطرق التي عينها القانون ونظم طريق الإثبات بها وحدودها. [3]
-
أما الشهادة فتعرف بأنها : ما يدلي به الإنسان من أخبار في مجلس القضاء تقرر حقا لشخص على شخص آخر، وهي أقوال تحتمل الصدق والكذب، إلا أن اشتراط حلف الشاهد لليمن بأن يقول الحق يجعل احتمال صدقها اكبر ومع ذلك لا ينتفي احتمال الكذب فيها انتفاء تام. [4]
-
كما عرفها البعض بأنها إدلاء الشخص بالبيانات والمعلومات التي يكون ادركها بأحد حواسه الخاصة على امر متنازع فيه أمام القضاء وذلك في ظل يمين يحلفه الشاهد. [5]
-
و الشهادة إما أن تكون شهادة مباشرة أو شهادة غير مباشرة :
– فالشهادة المباشرة: هي الأقوال التي بديها الشاهد بناء على علمه الشخصي والذي تحقق إدراكه بها بأحد حواسه مثل مشاهدة لواقعة بعينيه، أو سماعه لحديث بأذنيه، أو غيرها من صور، وقد عرف البعض الشهادة المباشرة بأنها الحالة التي يدركها الشخص كحقيقة في موقف محدد وذلك عن طريق أحد حواسه الخمس، [6] كما عرفها البعض بأنها الشهادة التي يدلي بها الشاهد على واقعة قد عرفها معرفة شخصية سواء عن طريق الرؤية بالعين أو السماع بالأذن.
– أما الشهادة الغير مباشرة: وهي الشهادة الثانوية و التي لا تبنى على ادراك الشاهد للواقعة بأحد حواسه، بل يدركها عن طريق سماعه لها من الغير، فينقلها كما سمعها لا أن يسمع الواقعة بنفسه أو يشاهدها ببصره، وبالتالي فهي تختلف عن الشهادة المباشرة كونها تبنى على المعاينة للواقعة بخلاف الشهادة الثانوية المنقولة من شخص لشخص.
– وترتيبا على هذه التعريفات السابقة يمكننا القول أن الإثبات بالشهادة : هو طلب أحد الخصوم أو كلاهما إلى سماع شهادة الأطراف التي على علم بالواقعة القانونية المعروضة على القضاء، ليثبتوا من خلال أقوالهم صحة ما يدعوه من حق أو ما ينفوه من حقوق للغير في ذمتهم، ويجب أن تؤدى الشهادة بالكيفية وبالإجراءات التي رسمها القانون حتى تصلح دليلا في الإثبات.
- و الجدير بالذكر أن الشهادة هي احد وسائل الإثبات (البينات) التي نص عليها قانون الإثبات صراحة والتي يجوز إثبات أو نفي واقعة إلا بإحداها حيث نصت المادة ( 2 ) من قانون الإثبات على : ( تقسم البينات إلى :
- الأدلة الكتابية .
- الشهادة .
- القرائن .
- الإقرار .
- اليمين .
- المعاينة والخبرة (.
ثانيا: سلطة القاضي في قبول أو رفض طلب الخصوم الإثبات بالشهادة
أجاز المشرع للخصوم أن يطلبوا الإثبات في الشهادة في بعض الحالات بشكل مطلق وأجازها على سبيل الاستثناء في حالات أخرى، وإذا كان المشرع قد أجاز للخصوم طلب الإثبات بالشهادة فإنه أجب على الطالب أن يوضح في طلبه الواقعة أو الوقائع التي يريد الاستشهاد عليها، وأن تكون الوقائع تقبل بطبيعتها أن تكون محلا لأداء الشهادة وذلك بان تكون الواقعة مادية يمكن ادراك الشاهد لها بأحد حواسه ليتمكن فيما بعد من إيراد شهادته عليها، أما الوقائع القانونية فلا تصلح من حيث الأصل أن تكون محلا للشهادة، كونها من عمل القاضي الذي يخضع لسلطته التقديرية وحسن تطبيقه للنصوص القانونية، وبالتالي فلا يجوز طلب الإثبات بالشهادة في رأي قانوني أو في نص قانوني أو على حكم قضائي فهي مسائل قانونية بحته لا تخضع للإثبات بالشهادة.
- إلى جانب أن تكون الواقعة في ذاتها من الواقع التي أجاز القانون الإثبات فيها بالشهادة من حيث الأصل أو على سبيل الاستثناء فالنص في المادة ( 27 ) من قانون البينات الأردني أجاز الإثبات بالشهادة بشكل مطلق إذا كانت الواقعة المراد إثباتها ليست في التزام تعاقدي حيث نصت على : ( يجوز الإثبات بالشهادة في الالتزامات غير التعاقدية(، كما فرق المشرع في الالتزامات التعاقدية بين الالتزامات التي لا تزيد قيمتها عن مائة دينار فيجوز إثباتها بشهادة الشهود أما إذا زادت عن ذلك فلا يجوز من حيث الأصل إثباتها بشهادة الشهود حيث نصت المادة (28) من قانون الإثبات على : ( في الالتزامات التعاقدية تراعى في جواز الإثبات بالشهادة وعدم جوازه الأحكام الآتية:
- أ . اذا كان الالتزام التعاقدي في غير المواد التجارية تزيد قيمته على مائة دينار أو كان غير محدد القيمة فلا تجوز الشهادة في إثبات وجود الالتزام أو البراءة منه ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك.
ب. مع مراعاة أحكام أي قانون خاص يجوز الإثبات بالشهادة في الالتزامات التجارية مهما بلغت قيمتها وفي الالتزامات المدنية اذا لم تزد قيمتها على مائة دينار.
- ويقدر الالتزام باعتبار قيمته وقت تمام العقد لا وقت الوفاء فاذا كان اصل الالتزام في ذلك الوقت لا يزيد على مائة دينار فالشهادة لا تمتنع حتى لو زاد مجموع الالتزام على هذا القدر بعد ضم الملحقات والفوائد.
- واذا اشتملت الدعوى على طلبات متعددة يتميز كل منها عن الآخر وليس على أيها دليل كتابي، جاز الإثبات بالشهادة في كل طلب لا تزيد قيمته على مائة دينار حتى ولو كانت هذه الطلبات في مجموعها تزيد على هذه القيمة وحتى لو كان منشؤها علاقات أو عقوداً من طبيعة واحدة بين الخصوم انفسهم وكذلك الحكم في وفاء لا تزيد قيمته على مائة دينار ) .
– كما أورد المشرع في قانون البينات استثناء على الإثبات بالشهادة في الالتزامات التعاقدية حتى لو كانت قيمة الحق المطالب به لا تزيد عن مائة دينار وذلك في الحالات التي نصت عليه المادة (29 ) من قانون البينات حيث نصت على : ( لا يجوز الإثبات بالشهادة في الالتزامات التعاقدية حتى لو كان المطلوب لا تزيد قيمته على مائة دينار:
- فيما يخالف أو يجاوز ما اشتمل عليه دليل كتابي.
- فيما اذا كان المطلوب هو الباقي أو هو جزءاً من حق لا يجوز إثباته بالشهادة .
- اذا طالب احد الخصوم في الدعوى بما تزيد قيمته على مائة دينار ثم عدل طلبه الى ما لا يزيد على هذه القيمة ) .
- إلا أنه ولاعتبارات هامة قدرها المشرع فقد رأى جواز التنازل عن شروط الإثبات بالشهادة اذا توافرت احد الأسباب التي عددتها المادة (30) من قانون البينات على سبيل الحصر والتي لا يجوز القياس عليها أو الإضافة لها إلا بنص قانوني حيث جاء نصها : ( يجوز الإثبات بالشهادة في الالتزامات التعاقدية حتى لو كان المطلوب تزيد قيمته على مائة دينار:
- إذا وجد مبدا ثبوت بالكتابة.
ومبدا الثبوت بالكتابة هو كل كتابة تصدر عن الخصم ويكون من شانها أن تجعل وجود المدعى به قريب الاحتمال.
- إذا وجد مانع مادي أو ادبج يحول دون الحصول على دليل كتابي أو اذا كان العرف والعادة لا يقضيان بربطها بسند.
يعتبر مانعاً مادياً أن لا يوجد من يستطيع كتابة السند أو أن يكون طالب الإثبات شخصاً ثالثاً لم يكن طرفاً في العقد.
تعتبر مانعاً أدبيا القرابة بين الزوجين أو ما بين الأصول والفروع أو ما بين الحواشي الى الدرجة الثالثة أو ما بين احد الزوجين وأبوي الزوج الآخر. - إذا فقد الدائن سنده المكتوب لسبب لا يد له فيه.
- إذا طعن في العقد بأنه ممنوع بالقانون أو مخالف للنظام العام أو الآداب.
- لبيان الظروف التي أحاطت بتنظيم السند على أن يتم تحديدها.
- لتحديد العلاقة بين السند موضوع الدعوى وسند أخر.
- في حال الادعاء بان السند اخذ عن طريق الغش أو الاحتيال أو الإكراه على أن يتم تحديد أي من هذه الوقائع بصورة واضحة ) .
- ورغم ذلك فقد اعطى المشرع السلطة الكافية للقاضي في قبول طلب الإثبات بالشهادة أو رفضه حتى لو كان في حدود النصاب المقرر قانونا أو في حالة من الحالات التي يجوز فيها استثناءً الإثبات بالشهادة، وذلك إذا رأى القاضي أن الواقعة المراد إثباتها مستحيلة الحدوث أو من الصعب تصديق حصولها.[7]
كما قد يرفض القاضي طلب أحد الخصوم للإثبات بالشهادة إذا التمس فيه عدم الجدية، كأن يغفل الطالب أسماء الشهود المراد سماعهم، أو الواقعة المراد إثباتها، وغيرها من أمور التي قد يؤدي عدم ذكرها إلى عدم تمكن القاضي من الوقوف على جدية الطالب وبالتالي يقضي برفضه، [8] كما قد يرفض القاضي الاستجابة لطلب الإثبات الشهادة إذا رأى أن الواقعة قد مرت عليها مدة طويلة جدا يتعذر معها التثبت من صحة الواقعة أو نفيها، [9] كما يكون للقاضي الحق في رفض طلب الإثبات بالشهادة إذا ثبت له أنه لا حاجة للإثبات بالشهادة وأن هناك من الأدلة التي تكفي لتكوين قناعته ويمكنه من خلالها تسبيب حكمه تسبيا كافيا ويكفي أيضا لتسبيب رفضه لطلب الإثبات بالشهادة. [10]
- ونخلص من ذلك إلى أن للقاضي في هذه المرحلة سلطة تقديريه كبيرة في قبول طلب أحد الخصوم في الدعوى بالإثبات بالشهادة أو رفضه، حسبه في ذلك أنه إذا رفض هذا الطلب أن يتعرض لهذا الطلب في حكمه ويرد عليه ردا سائغا ومقبولا حتى يمكن المحكمة ناظرة الطعن في حكمه من رقابة سلامة حكمه برفض الإثبات بالشهادة، كما قرر المشرع أن إجازة القاضي لأحد الخصوم بإثبات أقواله بالشهادة تقتضي لزوما منح الطرف الآخر إثبات عكسها بالشهادة أيضا وفي ذلك فقد نصت (31/1) من قانون البينات على
: (1. الإجازة لاحد الخصوم بإثبات واقعة بشهادة الشهود تقتضي دائماً أن يكون للخصم الآخر الحق في دفعها بهذا الطريق( .
ثالثا: مدى سلطة القاضي في الأمر من تلقاء نفسه بالإثبات بالشهادة
قد يرى القاضي من خلال فحصه لأوراق ومستندات الدعوى أنه من الأحرى سماع شهادة أحد الأشخاص حول ثبوت الواقعة أو نفيها، ما يستدعى تدخله من تلقاء نفسه وأمره بسماع شهادة هذا الشاهد أو إحالة الدعوى للتحقق ليحضر كل خصم من الخصوم الشهود الذين يؤكدون صحة أقواله، والواقع أن المشرع الأردني لم يجز للقاضي أن يأمر بالإثبات بالشهادة من تلقاء نفسه ودون طلب من خصوم الدعوى، بخلاف العديد ممن التشريعات في الدول المقارنة كالمشرع المصري الذي أجاز للقاضي أن يأمر بالإثبات بالشهادة وفقا لما قررته المادة (7) من قانون الإثبات المصري.
- وإذا كان البعض يرى أن المشرع الأردني قد أجاز ذلك وفقا لما قررته المادة ( 81/ 4 ) من قانون أصول المحاكمات المدنية والتي نصت على : ( 4. للمحكمة في أي دور في أدوار المحاكمة أن تلقي على الشاهد ما تراه يتفق مع الدعوى من الأسئلة وعلى رئيس الجلسة بعد انتهاء الشاهد من شهادته أن يسال القضاة إذا كانوا يريدون توجيه أسئلة له ، وللمحكمة في أي وقت أن تستدعي أي شاهد سمعت شهادته من قبل لاستجوابه مرة ثانية ).
إلا أن ذلك الفهم لا يتسق مع صراحة النص والذي مكن القاضي فقط من أن يوجه للشاهد الأسئلة التي يراها هامة وتتفق مع الدعوى، كما مكنه من حقه في استجواب الشاهد مرة أخرى لاستيضاح بعض الأمور شريطة أن يكون قد تم سماع شهادته من قبل أي أن يكون أحد الخصوم قد طلب سماع شهادته وقبلت المحكمة طلبه وتم سماع شهادته فعلا، ثم رات المحكمة ضرورة استجوابه مرة أخرى أما أن يطلب القاضي سماع شهادة أحد الأشخاص دون أن يكون ذلك بناء على طلب أحد الخصوم فلم يجز المشرع ذلك ولم يعطي القاضي هذه الصلاحية.
-
- والجدير بالذكر أن المشرع قد اعطى لمحكمة الاستئناف الحق في الأمر بسماع شهادة أحد الشهود أمامها إذا رات أن شهادته قد تمكنها من الفصل في الدعوى أو يتوقف على سماعها امر جوهري، وهي بذلك فقد منحت محكمة الاستئناف الصلاحية التي لم تمنحها لمحكمة أول درجة من حيث حقها في الأمر بالإثبات بالشهادة من تلقاء نفسها، حيث نصت المادة ( 185 / 1) من قانون أصول المحاكمات المدنية على
- ( 1. لا يحق لفرقاء الاستئناف أن يقدموا بينات إضافية كان في إمكانهم إبرازها في المحكمة المستأنف حكمها ولكن : أ . إذا كانت المحكمة المستأنف حكمها قد رفضت قبول بينة كان من الواجب قبولها أو .
ب. رات المحكمة المستأنف إليها أن من اللازم إبراز مستند أو إحضار شاهد لسماع شهادته لتتمكن من الفصل في الدعوى أو لاي داع جوهري آخر . فيجوز لها أن تسمح بإبراز مثل هذا المستند لتدقيقه أو إحضار ذلك الشاهد لسماع شهادته………… ) .
- وعلى ذلك فإن سلطة القاضي في الأمر بالإثبات بالشهادة تبقى مقيدة إذا كانت المحكمة من درجة محاكم الدرجة أولى ولا يجوز لها استدعاء الشهود أو السماع لشهادتهم من تلقاء نفسها ويتوقف الأمر على طلب أحد خصوم الدعوى، وعلى النقيض من ذلك فإذا كانت المحكمة ناظرة الموضوع هي محكمة الاستئناف فقد خولها المشرع مكنة الأمر بالإثبات بالشهادة، ولها أن تطلب سماع من ترى شهادته جوهرية و يكون لها دور مهم في معرفة وجه الحق في الدعوى ومن ثم الفصل فيها.
ثالثا: مدى سلطة القاضي في تقدير أقوال الشهود
تعتبر سلطة القاضي في تقدر أقوال الشهود سلطة مطلقة فله أن يبني حكمه على شهادة الشهود، كما له أن يجتزئ منها ويأخذ بما اقتنع به من هذه الأقوال، وأن يأخذ بشهادة واحد من الشهود، إلا أن ذلك كله مشروط بأن يكون استخلاص القاضي للدليل من شهادة الشهود سائغا ويؤدي إلى النتيجة التي انتهى إليها، دون تعسف في الاستنتاج، أو فساد في الاستدلال، ولا يختلف الحكم في ذلك عما إذا كانت الشهادة لإثبات الواقعة أو في نفيها، فضلا عن ذلك فإن للمحكمة سلطتها التقديرية من حيث تقدير قيمة الشهادة في ذاتها وما إذا كان أشخاص الشهود تتوافر فيهم صلاحية الإدلاء بها من عدمه، ودون أن يتوقف ذلك على تزكية الشهود من قبل الغير، وقد نصت المادة ( 33 ) من قانون البينات على : ( 1. تقدر المحكمة قيمة شهادة الشهود من حيث عدالتهم وسلوكهم وتصرفهم وغير ذلك من ظروف القضية دون حاجة إلى التزكية .
- إذا لم توافق الشهادة الدعوى أو لم تتفق أقوال الشهود بعضها مع بعض أخذت المحكمة من الشهادة بالقدر الذي تقتنع بصحته) .
- كما أن المحكمة حين تقدر أقوال الشهود وتأخذ بما جاء فيها أو تردها أو تجزئها فيجب عليها أن تضع صوب عينيها ما ورد في أوراق الدعوى وواقعتها من ظروف خاصة بها وتتفق مع جاء فيها، و ألا تتنافر أقوال الشهود التي تساند إليها القاضي في حكمه مع دليل آخر، بل تكون مجتمعة كافية لتكوين عقيدة صحيحة ومستخلصة استخلاصا سائغا.
والجدير بالذكر والإشارة أن الأصل في الشهادة التي يجوز للقاضي الإرتكان إليها هي التي يؤديها على الأقل شاهدين و يكون مضمون شهادتهما واحد، إلا أنه استثناء من ذلك فقد أجاز المشرع للمحكمة أن تستند في حكمها إلى شهادة شخص واحد، وذلك شريطة ألا يعترض الخصم على ذلك وان تكون هناك بينات مادية تؤيد وتعضد ما أخذت به من أقوال الشاهد، وذلك وفقا لما قررته المادة ( 34 /2 ) من قانون البينات الأردني بقولها : ( 2. لا يجوز للمحكمة أن تصدر حكماً في أية قضية بالاستناد إلى شهادة شاهد فرد إلا إذا لم يعترض عليها الخصم أو تأيدت ببينة مادية أخرى ترى المحكمة أنها كافية لإثبات صحتها.)
وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه حتى يستقيم تقدير القاضي لأقوال الشهود سواء بالأخذ بما ورد فيها أو بردها أو بترجيح شهادة أحد الطرفين على الطرف الآخر، أن يظهر في أوراق الحكم ما يؤكد على إحاطة المحكمة بأقوال الشهود ومدلولها بحيث يكون تقديرها لها بالقبول أو الرفض مسببا تسبيبا كافيا يمكن المحكمة الأعلى من مراقبة حسن استدلال واستخلاص الدليل من هذه الأقوال ، كما يجب على المحكمة إذا رات طرح أقوال الشهود أن تبين الأسباب التي دعتها لذلك، وكذلك الأمر إذا رأت المحكمة ترجيح شهادة أحد الطرفين على الطرف الآخر، فيجب أن تستعرض في حكمها جميع أقوال الشهود وتتعرض لها بالبحث والتفنيد لتبين في مدونات الحكم الأسباب التي دعتها للأخذ بأقوال شهود أحد الطرفين وطرحها لشهادة الطرف الأخر وليكون الأمر كله على بساط المحكمة الأعلى تعمل فيه رقابتها على المحكمة مدرة الحكم من حيث مدى صحة تقديرها لقوال الشهود أخذا أو ردا أو ترجيحا.
و إذا كان للقاضي سلطة في الأمر بالإثبات أو النفي بالشهادة بناء على طلب أحد الخصوم فإن ذلك لا يمنعه بعد إجراء الشهادة أن يطرحها كلية وأن يستند إلى دليل آخر في الدعوى ويفصل فيها بناء عليه، بشرط أن يكون هذا الدليل مستمدا من أوراق الدعوى، وهو ما يعني أن امر المحكمة لإجراءاها الإثبات بالشهادة لا يزيل حقها في استخلاص عقيدتها من أي دليل آخر في الدعوى حتى لو كان متضادا مع ما جاءت به أقوال الشهود.
رابعا: بعض الاجتهادات القضائية المتعلقة بسلطة القاضي في الإثبات بالشهادة
1– الحكم رقم 975 لسنة 2023 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 2023-07-05 حيث جاء فيه : ( إن تقدير الأدلة ووزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التي يؤدي فيها الشاهد شهادته هي من إطلاقات محكمة الموضوع التي لها أن تكون عقيدتها من كافة عناصر الدعوى المطروحة على بساط البحث حيث يحكم القاضي بقناعته الشخصية المستمدة من هذه الأدلة عملاً بقاعدة الحكم وجدان الحاكم وطالما أن ذلك يقع ضمن الصلاحية التقديرية لمحكمة الموضوع والمستمدة من المادة (147) من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
وحيث إنه من المقرر فقهاً وقضاءً أن من حق محكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة على بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما تؤدي إليها قناعتها وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى ما دام استخلاصها سائغاً ومستنداً إلى أدلة مقبولة في العقل والمنطق ولها أصلها في الأوراق ).
2- حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 2128 / 2008 تاريخ 29\9\2008 منشورات مركز عدالة حيث جاء فيه : ( (… 3 – لمحكمة الموضوع بمقتضى المادتين (33و34) من قانون البينات صلاحية وزن البينات وتقديرها وترجيح بينه على أخرى والأخذ بما يطمئن وطرح ما سواه، دون رقابة من محكمة التمييز، مادامت البينة المعتمدة في قضائها بينة قانونية انتهت إليها لها أصلها الثابت في أوراق الدعوى ومستخلصه استخلاص سائغا ومقبولا)،
3- تمييز حقوق لدى محكمة استئناف رقم -199 1961 تاريخ 1961/5/15 مجلة نقابة المحاميين، العدد، 11 السنة 9 تشرين الثاني ،1961 ص: 292 حيث جاء فيه : (بالتدقيق تبين أن المدعي قـدم شاهد واحد لإثبات دعواه ولم يعترض عليه المستأنف ولهـذا أصبح من الجائز الحكم بشهادته وان كانت فردية وفقاً لأحكام البند الثاني من المادة (34) من قانون البينات ).
3- تمييز حقوق محكمة استئناف عمان رقم 1961-226 تاريخ 1961/10/2 مجلة نقابة المحاميين الأردنيين العدد ،11 ص 562 حيث جاء فيه : ( بعد التدقيق نجد انه وان كانت الشاهدة التي أثبتت وقوع البيع هي شهادة فردية إلا أن هذه الشهادة قد تأيدت ببينة مادية أخرى وهي استعمال المبيع من قبل المشتري مدة تقارب السن ).
4- تمييز حقوق رقم 257 / 56 ، صلح حقوق، مجلة نقابة المحامين الأردنيين، السنة ،5 العدد ،2 شباط ،1951 ص 124 حيث جاء فيه : (على القاضي أن يبين في قراره الأسباب التي دعته لعدم قبول شهادة الشهود وعليـه أن يشير إلى هؤلاء الشهود فـي قراره بتصديق شهاداتهـم أو عدم تصديقهـا إذ أن مناقشة هذه ضرورية قبل إصدار القرار النهائي ).
إعداد: محمد إسماعيل حنفي
[1] ابن منظور ، لسان العرب، ج2، دار صادر، بيروت ، ص 19
[2] محمد حسين منصور، مبادئ الإثبات وطرقه، منشاة المعارف، الإسكندرية، 2002، ص 7
[3] طلعت ديودار، احمد أبوالوفا، التعليق على قانون الاثبات، منشاة الممعارف ، الإسكندرية، الطبعة الرابعة، 1994، ص 15
[4] د.احمد إبراهيم، طرق القضاء في الشريعة الإسلامية،(القاهرة، د ون تاريخ ودار نشر)، ط،1 ص207
[5] د. سعدون العامري، موجز نظرية الإثبات، (بغداد، دون دار نشر، 1974)، ط،1 ص: 77
[6] عمادر ربيع ، حجية الشهادة في الإثبات الجزائي ، ص 98
[7] د.عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني ج،2 ص .420
[8] د. اسعد المحاسني، الوجيز في أصول المحاكمات (دمشق، بدون دار وسنة نشر) ص: .463
[9] د. ادم وهيب النداوي، دور الحاكم المدني في الإثبات، دراسة مقارنة، (عمان، الأردن، الدار العلمية للنشر والتوزيع ودار الثقافة للنشر التوزيع، 2001)، ص 317
[10].السنهوري،مرجع سابق، ص .421

