الدليل الإجرائي والقانوني الشامل لوحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية في الأردن وفق الممارسة الميدانية والقانونية الحديثة

تُعدّ وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية، التابعة لإدارة البحث الجنائي في مديرية الأمن العام، الذراع الفني والتقني المساند للقضاء الأردني لتطبيق أحكام قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023. وتتولى هذه الوحدة التحقيق جمع الأدلة الرقمية وتتبع الآثار الإلكترونية وتتولى كذلك تدعيم القضية بالتقارير الفنية الموثوقة.

الموقع، الوظائف، ونطاق الاختصاص

للوصول الى موقع وحدة الجرائم الإلكترونية الجديد :

تُعتبر وظائف وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية في الأردن العمود الفقري لعملية الإثبات الجنائي الرقمي؛ إذ لا يتوقف دورها عند مجرد تلقي الإحالة القادمة من النيابة العامة، بل يتعداه إلى ممارسة صلاحيات الضابطة العدلية ذات الطابع الفني العالي.

فيما يلي تفصيل وتوسع قانوني وتقني في المحاور الثلاثة الرئيسية لوظائف الوحدة:

  1. التحري والتتبع الرقمي (Digital Investigation & Tracking)

تُمثّل هذه الوظيفة مرحلة “البحث والتقصي الفني” عن الأثر الرقمي المعقد الذي يخلفه الجاني خلف الشاشات، وتتضمن ما يلي:

  • تتبع العناوين البروتوكولية:

تتولى الوحدة مخاطبة هيئة تنظيم قطاع الاتصالات ومزودي خدمات الإنترنت المحليين لتحديد الموقع الجغرافي والهوية الرقمية للجهاز الذي استخدم عنوان الـ  وقت ارتكاب الجرم، وتحديد اسم المكتتب ورقم شريحته، حتى في حال استخدام تقنيات التخفي أو شبكات الـ ، حيث تمتلك الوحدة أدوات تحليل متقدمة لمطابقة الطوابع الزمنية.

  • تتبع الحسابات والصفحات الإلكترونية:

العمل على تحديد الهويات الحقيقية للحسابات الوهمية أو المستعارة على منصات التواصل الاجتماعي (مثل فيسبوك، واتساب، إنستغرام، وتيك توك). يتم ذلك عبر تحليل المعرفات الفريدة ، ومخاطبة الأقسام الأمنية القانونية في الشركات العالمية المزوّدة للخدمات بموجب اتفاقيات التعاون القضائي والأمني الدولي.

  • ضبط المحررات والبيانات الرقمية:

رصد وتوثيق منشورات التشهير، رسائل الابتزاز، والروابط الخبيثة واستخلاص المادة الجرمية. تشمل هذه العملية حفظ النسخ الاحتياطية وتخزين البيانات بطريقة تضمن عدم إنكار المتهم لملكيته للبيانات .

  1. الخبرة الفنية الجنائية (Digital Forensics)

تُمثّل هذه الوظيفة الجانب المختبري المتقدم، حيث يُحال الجهاز المضبوط (هاتف، حاسوب، وحدة تخزين) إلى مختبرات الفحص الجنائي الرقمي التابعة للوحدة وفق الضوابط التالية:

  • فحص الأجهزة والوسائط الرقمية:

استخدام أجهزة وبرامج متخصصة عالمياً في أدلة الجرائم الرقمية (مثل  و) لسحب كافة البيانات الموجودة داخل الأجهزة المضبوطة، سواء كانت مخزنة في الذاكرة الداخلية أو شريحة الذاكرة.

  • استرجاع وتفريغ الأدلة وتأمينها:
    • استرجاع المحذوفات: القدرة الفنية على استعادة المحادثات، الصور، ومقاطع الفيديو التي حاول الجاني مسحها أو إخفاءها لإخفاء معالم الجريمة.
    • تفريغ الأدلة: تحويل المادة الرقمية المعقدة إلى مخرجات ورقية مرئية ومسجلة (صور محادثات، تفريغ صوتي، سجلات مكالمات).
    • سلسلة الحيازة : الالتزام الصارم بالضوابط القانونية في التعامل مع الدليل الرقمي لضمان عدم التلاعب به أو تعديله أثناء الفحص. يتم ذلك عبر أخذ “نسخة طبق الأصل”  للأجهزة والعمل على النسخة المقابلة دون مساس بالأصل، مع حساب القيمة التشفيرية الموحدة  لضمان سلامة الدليل أمام المحكمة.
  1. المساندة التقنية والتقارير القضائية

تعد هذه الوظيفة هي الجسر الواصل بين المخرجات التقنية البحتة والعمل القضائي القانوني:

  • إعداد التقرير الفني الجنائي الموثق:

صياغة تقرير خبرة تقنية متكامل يُترجم المعطيات البرمجية المعقدة إلى لغة قانونية يفهمها القاضي والمدعي العام. يشتمل التقرير على:

    • بيانات الأطراف وأرقام القضايا والإحالات القضائية.
    • التفاصيل التقنية للأجهزة والأرقام العشوائية وتحديد العناوين البروتوكولية .
    • ربط الركن المادي للجريمة (الرسالة، التدوينة، الصورة) برقم الهاتف أو الحساب المستخدم.
    • نتيجة الخبرة الفنية النهائية التي توضح مدى نسبة الفعل للجاني.
  • تزويد النيابة العامة والمحاكم بالرأي الفني القاطع:

يُعد التقرير الصادر عن وحدة الجرائم الإلكترونية مبرزاً جرمياً ووسيلة إثبات رسمية تُعتمد أمام قاضي صلح الجزاء والمدعي العام استناداً لأحكام قانون الجرائم الإلكترونية الأردني.

  • حضور الشهادة الفنية عند الطلب:

عند اقتضاء الحاجة أو بطلب من محكمة الصلح، يحضر الخبير الفني أو الضابط الجنائي الذي أعد التقرير للإدلاء بشهادته الفنية والإجابة على استفسارات المحكمة أو مناقشة وكلاء الدفاع في التفاصيل التقنية للتقرير.

مسار قضية الجريمة الإلكترونية : من تقديم الشكوى وحتى صدور الحكم

  • المرحلة الأولى: تقديم الشكوى الصريحة (شرط إذن المدعي العام)

لا تُستقبل الشكاوى الإلكترونية بصورة مباشرة لدى وحدة الجرائم الإلكترونية من المواطنين. تبدأ الإجراءات قانوناً بتقدم المتضرر لائحته ومستنداته إلى المدعي العام المختص في المحكمة. وبناءً على ذلك، يُصدر المدعي العام كتاباً رسمياً وإذناً بالتحقيق يُحيل بموجبه الملف إلى وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية للبدء بالفحص الفني.

تُعتبر المرحلة الثانية (إجراءات الوحدة والضبط الإداري والفني) هي المرحلة الأهم والأكثر تعقيداً في العمل الشرطي التقني؛ حيث تشكّل الممر الإجباري لتحويل الادعاء الشفهي أو الخطي للمشتكي إلى أدلة إثبات علمية وجنائية لا تقبل الشك أمام المحكمة.

تتم هذه المرحلة فور ورود الكتاب الرسمي والإذن القضائي المباشر من المدعي العام إلى وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية (في مقرها بالبقايلين)، وتتضمن التفصيل والتوسع التالي:

  1. أخذ إفادة المشتكي (تنظيم المحضر الأولي)

تُعدّ هذه الخطوة حجر الأساس الإجرائي؛ إذ يبدأ محققو الوحدة (من ضباط الضابطة العدلية) بتنظيم محضر استماع أقوال رسمي للمشتكي وفق الآتي:

  • التأكد من الصفة والمصلحة: مطابقة هوية المشتكي الشخصية، وإذا كان المشتكي شخصاً معنوياً (شركة أو مؤسسة)، يتم التأكد من التفويض والوكالة التفويضية الرسمية وملاءمة المصلحة القانونية.
  • تدوين التفاصيل الجرمية الدقيقة: الاستماع التفصيلي لواقعة الاعتداء الإلكتروني (التاريخ، الوقت بالساعة والدقيقة، طريقة التواصل، الرابط أو الحساب المستخدم، وسيلة التهديد أو التشهير أو الابتزاز، وعلاقة المشتكي بالمشتكى عليه إن وجدت).
  • تقديم المبرزات المبدئية: يُسلم المشتكي جهاز هاتف، أو لقطات شاشة ، أو نصوص رسائل مطبوعة مبدئياً كقرينة أولية لدعم شكواه وتضمينها في المحضر.
  • التحذير والتعهد القانوني: توقيع المشتكي على إفادته وتعهده بصحة البيانات المقدمة وتحمله المسؤولية الجزائية في حال ثبوت الافتراء أو الإخبار الكاذب.
  1. الفحص والتفريغ الفني 

هذه هي النواة الصلبة لعمل الوحدة، حيث يتم الانتقال من مجرد “المستند الورقي” إلى “الدليل الجنائي الرقمي”:

  • استلام الأجهزة وحفظ البيئة الرقمية:

في حال تقديم المشتكي جهاز هاتف أو وحدة تخزين، يُوضع الجهاز في حقائب عزلة كهرومغناطيسية لمنع استقبال أي إشارات أو مسح البيانات عن بُعد .

  • التفريغ المعملي والتتبع :
    • تفريغ المحادثات والوسائط: باستخدام أنظمة فحص جنائية متقدمة (مثل  و)، يُسحب محتوى الرسائل النصية، المحادثات (واتساب، ماسنجر، غيرها)، الصور، مقاطع الفيديو، أو تسجيلات الصوت.
    • استخراج المعرفات الرقمية : يتم استخراج الطوابع الزمنية الدقيقة للرسائل، والبيانات الوصفية للصور والأوراق والمستندات.
    • تتبع الروابط والحسابات: إذا كانت الشكوى تتعلق بحساب مستعار أو وهمي، يتم سحب الـ  الخاص بالحساب ومخاطبة الشركات المزودة ومزودي خدمات الاتصال بالإنترنت للحصول على العناوين البروتوكولية .
  • تثبيت المبرز الجرمي وإصدار تقرير التفريغ:

يتم طباعة التفريغ وتوثيقه، وتخزين “النسخة الرقمية الموحدة” على أقراص مدمجة  برقم خاص، وحساب القيمة التشفيرية الموحدة لضمان مطابقة النسخة للأصل وعدم التلاعب بها مستقبلاً.

  1. استدعاء المشتكى عليه وتنظيم كفالة الحضور

تُمارس الوحدة دورها الشرطي في التعامل مع الطرف الآخر (المشتكى عليه) بمنتهى الموازنة بين إنفاذ القانون وضمان حقوق الإنسان:

  • آلية الاستدعاء:

تتواصل الوحدة مع المشتكى عليه رسمياً (عبر الهاتف، أو من خلال إبلاغ المركز الأمني المختص مكانياً) للحضور إلى مقر وحدة الجرائم الإلكترونية للتحقيق وسماع أقواله حول ما نُسب إليه.

 

  • المواجهة وتنظيم محضر الإفادة:

عند حضور المشتكى عليه، يُسال عن وقائع الشكوى وتُسجل إفادته ورده على الاتهامات (سواء بالإقرار أو الإنكار، أو توضيح ملكية الحساب).

 

  • إجراء “كفالة الحضور” (بديل التوقيف):

    • الفلسفة الإجرائية: لما كانت هذه الجرائم لا تتطلب التوقيف الاحتياطي لدى الشرطة وفق الممارسة المستقرة، ولا تهدف الوحدة إلى تقييد الحرية في هذه المرحلة، فإنها تعتمد نظام كفالة الحضور العدلية/الأمنية.
    • مضمون الكفالة: يلتزم المشتكى عليه بتقديم “كفيل حضور” يضمن مراجعته وحضوره أمام النيابة العامة وقاضي الصلح في المواعيد المحكّمة.
    • الأثر القانوني: تضمن الكفالة عدم هروب المشتكى عليه وتضمن سهولة تبليغه واستدعائه للمحكمة دون الحاجة لإيداعه موقوفاً أو حبسه احتياطياً، وبما يتوافق مع طبيعة القضايا الصلحية.

بمجرد الانتهاء من أخذ الإفادات، وإتمام الفحص والتفريغ الفني، وتنظيم كفالة الحضور؛ تُغلق الوحدة الضبط الإداري وتصاغ النتيجة الفنية النهائية، ثم يُرسل الملف بالكامل بموجب كتاب رسمي مغلق وموثق مبرزاته إلى المدعي العام الذي أصدر كتاب الإحالة الأول، للانتقال إلى المرحلة القضائية.

 

  • المرحلة الثالثة: إحالة الملف للمدعي العام

عقب انتهاء جمع البيّنات والتتبع، تُنظّم الوحدة تقريراً فنياً متكاملاً ويُحال الملف كاملاً برقم صادر رسمي إلى النيابة العامة.

 

  • المرحلة الرابعة: دور المدعي العام والإحالة للصلح

عند ورود الملف من الوحدة، يتولى المدعي العام الاستماع إلى أقوال المشتكي فقط لتثبيت ادعائه، ودون إخضاع الأطراف للتوقيف لكون الجرائم الإلكترونية من اختصاص محاكم الصلح ولا يتطلب المجرى الإجرائي الأول لها التوقيف الاحتياطي. يقرر المدعي العام إحالة الدعوى بحالتها إلى محكمة صلح الجزاء المختصة.

 

  • المرحلة الخامسة: إجراءات المحاكمة أمام قاضي الصلح

تجري المحاكمات الصلحية وفق الصفة الإجرائية التالية:

    1. الجلسة الأولى: يستمع قاضي الصلح لأقوال المشتكي وتُثبت شهادته في ضبط الجلسة.
    2. سؤال المشتكى عليه: يُسأل المشتكى عليه عن الجرم المسند إليه قانوناً وعما إذا كان معترفاً أم منكراً.
    3. سير المحاكمة: في حال الإنكار، تبدأ المحكمة بسماع بيّنات النيابة والمدعي ثم البيّنات الدفاعية، والاستئناس بالتقرير الفني الصادر عن وحدة الجرائم الإلكترونية.
    4. الحكم والادعاء الشخصي: تنتهي المحاكمة بإصدار قاضي الصلح حكمة الفاصل في الدعوى، مع النظر في لائحة الادعاء بالحق الشخصي إن قُدمت من المشتكي للمطالبة بالتعويض عن الأضرار.

محددات قانونية وإجرائية مهمة

  • عدم التوقيف الإجرائي: تتسم قضايا الجرائم الإلكترونية في مرحلة التحقيق الابتدائي وأمام محكمة الصلح بعدم اتخاذ قرارات توقيف بحق المشتكى عليه من قبل الشرطة أو المدعي العام أو قاضي الصلح، وتُعتمد كفالة الحضور كإجراء ضماني لمتابعة المحاكمة.
  • حجية الدليل الرقمي: تُعتبر المخرجات والتقارير الفنية والعناوين البروتوكولية الصادرة عن وحدة الجرائم الإلكترونية أدلة إثبات قانونية ذات حجية أمام المحاكم بناءً على المادة (35) من قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023.

 

Scroll to Top