جريمه الإفلاس الاحتيالي

تعد جريمة الإفلاس الاحتيالي من أهم الجرائم التي عنى بها المشرع الأردني، لما لها من آثار سلبية على النشاط التجاري والأموال العامة، حيث إن الإفلاس الاحتيالي جريمة خاصة بمن يتمتع بصفة التاجر، فالتاجر سيء النية هو من يلجأ إلى الاحتيال للإضرار بدائنيه، ومحاولة الاستيلاء على أموالهم، ويقع أيضاً تحت طائلة العقاب في الجريمة المذكورة التاجر المتهور الذي يدير تجارته دون دراية منه بأصول التجارة، ومن خلال نص المقال التالي سوف نتعرف على جريمة الإفلاس الاحتيالي بشكلٍ مفصل، وذلك على النحو التالي.

أولاً: مفهوم الإفلاس:

ثانياً: مفهوم الاحتيال:

ثالثاً: الطبيعة القانونية لجريمة الإفلاس الاحتيالي:

رابعاً: أركان جريمة الإفلاس الاحتيالي:

خامساً: عقوبة جريمة الإفلاس الاحتيالي:

سادساً: النصوص القانونية المتعلقة بجريمة الإفلاس الاحتيالي:

سادساً: اجتهادات محكمة التمييز فيما يتعلق بجريمة الإفلاس الاحتيالي:

أولاً: مفهوم الإفلاس:

عرفه القانون التجاري الأردني بمادته (٣١٦) بأنه: ” يعتبر في حالة الإفلاس كل تاجر يتوقف عن دفع ديونه التجارية وكل تاجر لا يدعم الثقة المالية به إلا بوسائل يظهر بجلاء أنها غير مشروعة”.

ثانياً: مفهوم الاحتيال:

وفق ما ورد بقانون العقوبات الأردني (بمادته ٤١٧) فإن الاحتيال هو:

١. كل من حمل الغير على تسليمه مالاً منقولاً أو غير منقول أو اسناداً تتضمن تعهداً أو إبراءً فاستولى عليها احتيالاً.

أ . باستعمال طرق احتيالية من شأنها إيهام المجني عليه بوجود مشروع كاذب أو حادث أو أمر لا حقيقة له أو إحداث الأمل عند المجني عليه بحصول ربح وهمي أو بتسديد المبلغ الذي أخذ بطريق الاحتيال أو الإيهام بوجود سند دين غير صحيح أو سند مخالصة مزور.

ب. بالتصرف في مال منقول أو غير منقول وهو يعلم أنه ليس له صفة للتصرف به.

ج. باتخاذ اسم كاذب أو صفة غير صحيحة.

وقد ورد ذكر الإفلاس الاحتيالي بقانون العقوبات الأردني، فقد نصت (المادة ٤٣٨/١) على أن: “المفلسون احتيالياً على الصورة المبينة في الأحكام الخاصة بالإفلاس ومن يظهر بمقتضى الأحكام المذكورة أنهم شركاء لهم في التهمة يعاقبون بالأشغال المؤقتة”.

المعنى القانوني

هو الإفلاس الذي يقع فيه التاجر نتيجة إحتياله أو تدليسه وإخفائه ما يوجب عليه القانون إظهاره أو اختلاس جزء من ماله أو الإقرار بديون غير صحيحة.

1. ان قانون العقوبات قد احال امر تعيين اركان جريمه الافلاس الاحتيالي الى قانون التجارة ، وكان قانون التجارة العثماني في ذلك الحين هو الذي يعين شروط الافلاس الاحتيالي ، الا انه لما وضع القانون التجاري رقم (12) لسنة 1966 فانه لم يخل من نصوص تشير الى الى ان المفلس احتيالا يعاقب بمقتضى قانون العقوبات  الأردني وخلصه المادة (298) منه ، لذلك فان القول بان التشريع الاردني بوضعه الحالي لا يشتمل على نص قانوني يبين الركن المادي لما يسمى بالافلاس الاحتيالي مخالف للقانون .

2. لما كان قانون العقوبات قد افرد نصا خاصا بالمادة (438) على عقوبة التاجر المفلس المحتال ، وقد بين قانون التجارة حالات من الاحتيال ثم اطلق النص بحيث جعل جميع طرق الاحتيال سببا من اسباب الافلاس ، فعلى هذا الاساس يكون التاجر المفلس احتيالا معاقبا بمقتضى المادة (438) من قانون العقوبات .

ثالثاً: الطبيعة القانونية لجريمة الإفلاس الاحتيالي:

أدرج المشرع الأردني جرائم الإفلاس بالجرائم الاقتصادية، لما لها من خطورة على اقتصاد الدولة، لنيلها من أموال عامة كالبنوك والشركات، فنرى أن الطبيعة القانونية لجرائم الإفلاس ذات طبيعة مزدوجة، فخصها قانون العقوبات بنصوص تجرم هذا الفعل، إلى جانب بعض النصوص التي تناولها قانون الجرائم الاقتصادية، وذلك بتشديد العقوبة لأثرها البالغ على الاقتصاد الوطني.

وقد نصت (المادة ٣) من قانون الجرائم الاقتصادية على أنه: ” أ. تشمل الجريمة الاقتصادية أي جريمة يسري عليها أحكام هذا القانون أو أي جريمة نص قانون خاص على اعتبارها جريمة اقتصادية أو أي جريمة تلحق الضرر بالمركز الاقتصادي للمملكة أو بالثقة العامة بالاقتصاد الوطني أو العملة الوطنية أو الأسهم أو السندات أو الأوراق المالية المتداولة أو إذا كان محلها المال العام.

……. ج. وتعتبر الجرائم المنصوص عليها في المواد المبينة أدناه من قانون العقوبات جرائم اقتصادية إذا توافرت فيها الشروط المنصوص عليها في الفقرة (أ) من هذه المادة :……..

٦. جرائم الغش في نوع البضاعة والمضاربات غير المشروعة والإفلاس خلافاً لأحكام المواد ( 433 ) و (435) و(436) و(438) و(439) و(440).

رابعاً: أركان جريمة الإفلاس الاحتيالي:

يجب أن يتوافر كلا الركنين المادي والمعنوي في جريمة الإفلاس الاحتيالي، إضافة إلى ضرورة توافر صفة التاجر في مرتكب الجريمة، وهو ما سنتعرف عليه من خلال الأسطر التالية:

أ- الركن المادي لجريمة الإفلاس الاحتيالي:

بداية لابد أن نعرف أن الركن المادي للكثير من الجرائم ينطوي على ارتكاب فعل يجرمه القانون، أو الامتناع عن فعل يأمر به القانون، وسوف نتعرف على الحالات التي تنطوي على فعل مادي لجريمة الإفلاس الاحتيالي، وذلك على النحو التالي:

1-قيام التاجر بإخفاء دفاتره التجارية أو إعدامها:

الدفاتر التجارية هي الوسيلة لمعرفة مركز التاجر المدين ما له وما عليه، فهي المرآه الحقيقية التي تعكس حركة التاجر إذا ما تم إمساكها بطريقة صحيحة ومنظمة[[1]]، ويمكن القول بأن إخفاء الدفاتر يُشكل في حد ذاته جريمة وإن لم يصل الأمر إلى إعدامها، أو إجراء أي تغيير بها، ويفترض بهذا الفعل أن ينصب على الدفاتر التجارية سواء كانت الدفاتر الإجبارية أو الاختيارية، وسواء كانت دفاتر منظمة من الناحية المحاسبية أم غير منظمة[[2]]، وتعد الدفاتر التجارية هي الدليل المادي الذي يوضح غش التاجر، إذا ما قام بإخفائها أو التغيير فيها لعدم اطلاع دائنيه عليها، وتتمثل صور غش التاجر في إحدى الصور التالية:

فعل الإخفاء:

يتحقق فعل الإخفاء من خلال قيام التاجر بحجب الدفاتر حتى لا يتم الاطلاع عليها من قِبل السلطات المختصة، وذلك بامتناعه عن تقديمها وقت طلبها، أو قيامه بإخفائها وقت التفتيش حتى لا يمكن للسلطات الوقوف على حقيقة المركز المالي للتاجر.

وقد قضت محكمة التمييز في حكم لها “بأن قيام التاجر بتمزيق قسم من دفاتره القديمة وإحراق قسم منها وإخفاء بعضها وإصدار شيكات لا يقابلها رصيد قائم وأن بعض ديونه وهمية يجعل الإفلاس المبني على مثل هذه الأفعال الاحتيالية إفلاساً احتيالياً يستحق فاعله العقاب المنصوص عليه في المادة (٤٣٨) من قانون العقوبات[[3]].

فعل الإعدام:

وذلك بأن يقوم التاجر بالتخلص من الدفاتر نهائياً، من خلال تمزيقها أو إحراقها أو إتلاف محتواها، بأية وسيلة تجعل من وجودها أمراً مستحيلاً، وقد يمكن الإبقاء على شكلها العام مع القيام بإتلاف محتواها بحيث يستحيل معه معرفة ما فيها.

فعل التغيير:

وذلك من خلال القيام باستبدال الدفاتر القديمة بأخرى جديدة، أو قيامه بالعبث بمحتواها بأن يتم تغيير بعض البيانات بها، وأيضاً بأن يتم التغافل عن تسجيل بعضاً من القيود بهدف الاحتيال وعدم تقديم الحقيقة الكاملة لمركز التاجر المالي.

وقد جاءت (المادة ١٦) من قانون التجارة الأردني تعدد لنا الدفاتر التجارية الإلزامية بنصها على:

“يجب على كل تاجر أن ينظم على الأقل الدفاتر الثلاثة الآتي:

أ . دفتر اليومية ويجب أن يقيد فيه يوماً بيوم جميع الأعمال التي تعود بوجه من الوجوه إلى عمله التجاري وأن يقيد بالجملة شهراً فشهراً النفقات التي أنفقها على نفسه وأسرته.

ب. دفتر صور الرسائل ويجب أن تنسخ فيه الرسائل والبرقيات التي يرسلها كما يحفظ به ويرتب الرسائل أو البرقيات التي يتلقاها .

ج. دفتر الجرد والميزانية اللذان يجب تنظيمهما مرة على الأقل في كل سنة.

2-اختلاس المال أو إخفاء جزء منه:

الاختلاس في جريمة الإفلاس الاحتيالي هو تحويل الأموال المملوكة للمفلس عن المصير الذي ينتظرها أو عن الغاية التي خصصت لها كما كانت، فهذه الغاية مخصصة لدائني المفلس فكل فعل يرتكبه المفلس ويريد أن يبعد به أمواله عن متناول دائنيه إنما يعتبره القانون اختلاساً ويتحقق الاختلاس بتوافر عنصرين الأول الاستيلاء على المال والثاني عدم رضاء المجني عليه[[4][.

ونشير إلى أن لهذه الصورة من صور الركن المادي لجريمة الإفلاس الاحتيالي مفهومان على النحو التالي:

فعل الاختلاس:

من خلاله يقوم التاجر بإبعاد ماله عن عيون الدائنين، وذلك بإتلافه أو التخلي عنه أو بيعه أو هبته، الأمر الذي يجعل من الصعب على الدائنين استعمال حقهم في التنفيذ الجماعي على المال، ويتحقق الاختلاس بقيام التاجر بإيداع ماله باسم شخص آخر لخداع الدائنين، أو أن يضع الأختام على المتجر ثم يختلس جزءاً من السلع ثم يحل محلها سلعاً أخرى أقل قيمة عن قيمتها الحقيقية، وكأنه يقوم ببيع جزء من أمواله التي وُضعت تحت التصفية القضائية.

ونود أن نوضح أنه ليس من الضروري أن يتحقق نفع للتاجر من وراء فعل الاختلاس، ولكن يكفي تحقق الضرر للدائنين من جراء فعل الاختلاس.

فعل الإخفاء:

ينصرف فعل الإخفاء إلى حجب مال الجاني أو جزء من ماله عن نظر صاحب المصلحة بحيث لا يستطيع الاستدلال عليه، وهذا يفترض علم الشخص المعني سواء كان الدائن أو غيره بوجود المال، ويتحقق واقعة الإخفاء فإنه لا يستطيع ممارسة الحقوق القانونية التي يرتبها له القانون أو حكم القضاء، كما ينصرف مفهوم الإخفاء إلى تقديم معلومات من الجاني إلى صاحب المصلحة عن أمواله يغفل فيها جزءاً من هذه الأموال سواء كانت أمواله منقولة أو عقارية[[5]].

ومن الجدير بالذكر أن الإخفاء إذا وقع على مال لا ينتمي إلى أموال التفليسة، فلا تتحقق جريمة الإفلاس الاحتيالي، كما لو كان المال يخص زوجة التاجر المفلس أو أولاده وقام بإخفائه عن أحد أقاربه، كما أن جريمة الإفلاس الاحتيالي لا تتحقق في حالة حصوله على أموال بطريقة غير مشروعة، كأن يقوم بسرقة المال أو غيرها من الطرق الغير مشروعة في الحصول على المال، حيث أن هذا المال ليس ملكاً له وإنما ملكاً لصاحبه الأصلي، ولكي نكون أمام جريمة الإفلاس الاحتيالي فلابد أن يكون فعل الاختلاس واقعاً بعد التوقف عن الدفع، أو بعد إقفال التفليسة لعدم كفاية الموجودات، ومن الممكن أن يقع الفعل بعد الحكم بإشهار إفلاس التاجر أو قبله.

٢.الركن المعنوي لجريمة الإفلاس الاحتيالي:

يتمثل الركن المعنوي للجريمة في القصد الجرمي، وهذا يعني أن الجريمة ليست ركناً مادياً فحسب، ولكن لابد من توافر نية ارتكاب الجريمة.

ويعرف القصد الجرمي بأنه علم بعناصر الجريمة وإرادة متجهة إلى تحقيق هذه العناصر أو إلى قبولها[[6]]

ونلاحظ أن جريمة الإفلاس الاحتيالي من الجرائم القصدية، فلا يمكن أن تتحقق هذه الجريمة دون تَعَمُّد التاجر إحداث الفعل الجرمي، وتتطلب تلك الجريمة قصداً عاماً وقصداً خاصاً، حيث أن للقصد الخاص أهمية بالغة في تحقيق الركن المعنوي للجريمة ويتطلبه القانون في بعض الجرائم الموجبة لوجوده، بحيث إذا تخلف سقط الركن المعنوي للجريمة.

أما القصد العام فيتطلب علم المدعي عليه بأن المال الذي انصب عليه فعله ينتمي إلى التفليسة، وأن الدين الذي يعترف به غير متوجب عليه واتجاه إرادته إلى ذلك الفعل ونتيجته، فينتفي القصد لدى من أعتقد أن المال الذي تصرف به مملوك لزوجته مثلا أو أعتقد أنه يحق له التصرف به على الرغم من انتماءه إلى التفليسة، وينتفي هذا القصد كذلك لدى من اعتقد أن الدين الذي اعترف به متوجب عليه [[7]].

أما القصد الخاص فيقوم على توافر نية الأضرار بالدائنين، أي اتجاه نية التاجر عند ارتكاب الفعل المادي إلى إلحاق الضرر بكتلة الدائنين، فيهدف من وراء إخفاء دفاتر التاجر أو إعدامها أو تغييرها تضليل الدائنين ومنعم من الوقوف على حقيقة مركزه المالي، ويهدف من اختلاس أمواله وتخبئتها حرمان الدائنين من بعض عناصر الضمان العام المقرر لهم، كما يهدف من الاعتراف بديون غير متوجبة عليه، تقليل قدر النصيب الذي يحصل عليه كل دائن عند بيع الأموال وتوزيع ثمنها، وهذا يعني أن القصد الخاص في جريمة الإفلاس الاحتيالي اتجاه نية المفلس إلى الإضرار بالدائنين بإنقاص أصوله بغير حق أو زيادة خصومه بغير حق، والنتيجة هي حرمان كل دائن من كل أو بعض النصيب الذي يستحقه من أموال المفلس نظير دينه[[8]].

وبالرغم من قيام الركن المعنوي أو القصد الجرمي على قصد عام وقصد خاص في جريمة الإفلاس الاحتيالي إلا أن هناك شروطاً مفترضة في جرائم الإفلاس يكتمل النموذج القانوني للجريمة عند تحققها وهي[[9]].

أ. صفة التاجر:

حتى تتحقق جريمة الإفلاس الاحتيالي فلا بد من توافر صفة التاجر فيمن يرتكب الجريمة، كما في جريمة الرشوة التي يُشترط فيها أن يكون المرتشِ موظف عام.

ب. توقف التاجر عن دفع ديونه التجارية:

ويترتب على جهل الجاني أو وقوعه في الغلط بشأن الشروط المفترضة انتفاء القصد الجرمي لدى الجاني، تأسيساً على أن افتراض العلم بالقانون الجزائي وعدم الاعتذار بالجهل به لا ينسحب على الجهل أو عدم العلم بأحكام قانون آخر، وهو القانون التجاري باعتباره القانون الأساسي فيما يتعلق بمفهوم كل من التاجر وواقعة التوقف عن الدفع وينتفي القصد الجرمي إذا تبين أن التاجر أو الجاني لم يستهدف بفعله الإضرار بدائنيه، كأن يثبت أنه قد نقل قسماً من ماله إلى الخارج لوجود فرصة استثمارية تدر عليه ربحاً كثيراً تؤدي إلى ازدهار ثروته ويتمكن بالتالي من سداد ديونه بوقت قصير[[10]].

ومن العناصر المكونة للركن المعنوي:

1-العلم بالواقعة المكونة للنشاط:

فيجب أن يعلم الجاني بأن الفعل المُرتَكب من قِبَله يُشكل اعتداءً على حقوق الدائنين، سواء كان علماً بإتيان الفعل أو الامتناع عنه كما ذكره المشرع، من إخفاء الدفاتر أو التغيير فيها أو أي من التصرفات التي تحدث الجريمة.

2-توقع علاقة السببية بين الفعل والنتيجة الجرمية:

علاقة السببية والعلم بها تثور في الجرائم ذات النتيجة، وهذا ما ينسحب على صورة الإفلاس الاحتيالي حيث يتطلب المشرع في هذه الجريمة من بين عناصر الركن المادي تحقق علاقة السببية أو توافرها بين الفعل المنسوب إلى الجاني والنتيجة الإجرامية التي تترتب على ذلك[[11]].

وقد عرف المشرع النية الجرمية (بالمادة ٦٣) من قانون العقوبات الأردني، حيث جاء بها أن “النية : هي إرادة ارتكاب الجريمة على ما عرفها القانون”، ثم جاءت (المادة ٦٤) من ذات القانون تبين القصد الجرمي وذلك بنصها على أنه: “تعد الجريمة مقصودة وإن تجاوزت النتيجة الجرمية الناشئة عن الفعل قصد الفاعل اذا كان قد توقع حصولها فقبل بالمخاطرة، ويكون الخطأ اذا نجم الفعل الضار عن الإهمال أو قلة الاحتراز أو عدم مراعاة القوانين والأنظمة.

وقد نصت (المادة ٤٤١) على: “إن المدين الذي يقوم بقصد إضاعة حقوق الدائنين أو منع التنفيذ في أمواله الثابتة على إنقاص أمواله بأي شكل كان ولا سيما بتوقيع سندات وهمية أو بالإقرار كذباً بوجود موجب أو بإلغائه كله أو بعضه أو بكتم بعض أمواله أو تهريبها أو ببيع بعض أمواله أو إتلافها أو تعييبها….”

ويتضح من ذلك كله ضرورة توافر عنصرين لتحقق القصد الجرمي، يتمثلان في علم الفاعل بأن فعله مجرم، واتجاه إرادته إلى تحقق الجريمة، أياً كان الباعث على ارتكابها.

وهذا هو القصد العام في أبسط صوره وهو يكفي وحده لقيام الجريمة المقصودة، وعلى النيابة العامة دائماً أن تثبت هذا القصد بكل دليل ينتجه، ولمحكمة الموضوع السلطة في استنتاجه وتقديره عند توافره فلا يجوز إطلاقاً افتراض القصد الجرمي بمجرد وقوع الفعل المادي بل على النيابة العامة أن تتولى إثبات هذا القصد بأي دليل تستظهره من الملابسات الخاصة بكل قضية[[12]].

خامساً: عقوبة جريمة الإفلاس الاحتيالي:

العقوبة هي جزاء يوقع باسم المجتمع تنفيذاً لحكم قضائي على من تثبت مسئوليته عن الجريمة، فالعقوبة هي جزاء ينطوي على ألم يحيق بالمجرم نظير مخالفته للقانون أو أوامره ونواهيه، ويتمثل هذا الألم في حرمان المحكوم عليه من حق من حقوقه، كحقه في الحياة أو الحرية أو في مباشرة نشاطه السياسي وما إلى ذلك[[13]].

وقد أورد المشرع الأردني العقوبة المقررة لجريمة الإفلاس الاحتيالي (بالمادة ٤٣٨) والتي نصت على أن: “١. المفلسون احتيالياً على الصورة المبينة في الأحكام الخاصة بالإفلاس ومن يظهر بمقتضى الأحكام المذكورة أنهم شركاء لهم في التهمة يعاقبون بالأشغال الشاقة المؤقتة”.

وبالرجوع إلى ما ورد (بالمادة ٢٠) من قانون العقوبات نجد أنها نصت على: ” إذا لم يرد في هذا القانون نص خاص، كان الحد الأدنى للحكم بالأشغال الشاقة المؤقتة والاعتقال المؤقت ثلاث سنوات والحد الأعلى خمس عشرة سنة”، كما جاء بقانون التجارة الأردني (بالمادة ٣٢٦) منه على أنه: ” تسقط حقوق المفلس السياسية بشهر إفلاسه ولا يجوز له أن يكون ناخباً أو منتخباً في المجالس السياسية والبلدية أو المختصة بالمهن ولا يقوم بوظيفة أو بمهمة عامة”.

ونلاحظ مما تقدم أن جريمة الإفلاس الاحتيالي اعتبرها المشرع جناية وقرر لها عقوبة الحد الأدنى ثلاث سنوات والحد الأقصى خمس عشرة سنة.

كما قرر المشرع أيضاً إضافة بعض العقوبات التبعية، مثل الحرمان من مباشرة الحقوق السياسية والمدنية لمن أُشْهِر إفلاسه.

وقد نص المشرع في (المادة ٤٦٢) من قانون التجارة الأردني على أنه: “في دعاوى الإفلاس الاحتيالي أو التقصيري يفصل القضاء الجزائي حتى في حالة التبرئة بالأمور الآتية: أ . يقضي من تلقاء نفسه بإعادة جميع الأموال والحقوق والأسهم المختلسة بطريقة احتيالية إلى كتلة الدائنين.               ب. يحكم بما يطلب من بدل العطل والضرر ويعين مبلغه في الحكم الذي يصدره”.

ويُفهم من ذلك أن للمحكمة سلطة تقديرية في القضاء بما يجب رده إلى الدائنين، وأيضاً في التعويضات التي يتم رفعها باسم التاجر المفلس. فالتعويضات الحكم بها يتوقف على وجود مدعٍ مدني، أو أن تكون المحاكمة قد حصلت بناءً على دعوى مباشرة من الوكيل أو أحد الدائنين، وهذا أمر طبيعي لأن القاضي الجزائي لا يستطيع الحكم بالتعويضات ما لم تطلب منه[[14]].

سادساً: النصوص القانونية المتعلقة بجريمة الإفلاس الاحتيالي:

في قانون العقوبات

المادة 438

1- المفلسون احتيالا على الصورة المبينة في الأحكام الخاصة بالإفلاس ومن يظهر بمقتضى الأحكام المذكورة أنهم شركاء لهم في التهمة يعاقبون بالأشغال المؤقتة.

2- كل من اعتبر مفلسا مقصرا ، يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز السنتين.

المادة 439

عند إفلاس شركة تجارية يعاقب بالعقاب المنصوص عليه في الفقرة الأولى من المادة ( 438 ) عدا الشركاء في ( الكولكتيف ) والشركاء العاملين في شركات المضاربة ، كل من:

أ- الشركاء المضاربون الذين اعتادوا التدخل في أعمال الشركة .

ب- مديرو الشركة المضاربة بالأسهم والمسؤولية المحددة .

ج- المديرون وأعضاء مجلس الإدارة والوكلاء المفوضون وأعضاء مجالس المراقبة ومفوضو المحاسبة وموظفو الشركات المذكورة وشركاء المساهمة .

اذا أقدموا بنفسهم على ارتكاب عمل من أعمال الإفلاس الاحتيالي أو سهلوا أو أتاحوا ارتكابه عن قصد منهم أو اذا نشروا بيانات أو موازنات غير حقيقية أو وزعوا أنصبة وهمية .

المادة 440

اذا أفلست شركة تجارية ، يعاقب بعقوبة الإفلاس التقصيري كل من أقدم من الأشخاص المذكورين أعلاه في إدارة الشركة أو العمل لمصلحتها على ارتكاب جرم من الجرائم المنصوص عليها في الفقرة ( 2 ) من المادة ( 438 ) .

ما نصت عليه (المادة ٤٦٢)  ( ملغاة )  من قانون التجارة الأردني على أنه:

في دعاوي الإفلاس الاحتيالي أو التقصيري يفصل القضاء الجزائي حتى في حالة التبرئة بالأمور الآتية:

أ . يقضي من تلقاء نفسه بإعادة جميع الأموال والحقوق والأسهم المختلسة بطريقة احتيالية إلى كتلة الدائنين.

ب. يحكم بما يطلب من بدل العطل والضرر ويعين مبلغه في الحكم الذي يصدره.

سادساً: اجتهادات محكمة التمييز فيما يتعلق بجريمة الإفلاس الاحتيالي:

جاء في الحكم رقم 2192 لسنة 2011 لمحكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ ٩/٢/ ٢٠١٢ ما يلي:

وحيث ثبت أن الطاعن تاجر وأنه توقف عن الدفع واستعمل أساليب احتيالية أظهرها بأنها قانونية وثبت خلاف ذلك بإعطائه شيكات للشركات المشتكية لم يتم صرفها في موعدها وثبت بأنها غير مكتوبة أو موقعة منه ثمناً للكميات من الحديد كبيرة استلمها من الشركات المشتكية وقام أيضاً بوضعها في حملات شقيقه عبد الكريم وهو يعلمه بأنه لا يستطيع دفع قيمة البضاعة التي استلمها وأن الشيكات لا رصيد لها وغير موقعة منه هذه الأفعال بالتطبيق القانوني تشكل كافة أركان وعناصر جناية الإفلاس الاحتيالي بحدود المادة (438) من قانون العقوبات وبدلالة المادة (316) من قانون التجارة.

كما ورد في الحكم رقم 119 لسنة 1979 لمحكمة التمييز بصفتها الجزائية

الصادر بتاريخ ١/ ١/ ١٩٧٩ما يلي:

إن قيام التاجر بتمزيق قسم من دفاتره القديمة وإحراق قسم منها وإخفاء بعضها وإصدار عدة شيكات لا يقابلها رصيد قائم وأن بعض ديونه وهمية يجعل الإفلاس المبني على مثل هذه الأفعال الاحتيالية إفلاساً احتيالياً يستحق فاعله العقاب المنصوص عليه في المادة (438) من قانون العقوبات.

إعداد: نسمه مجدي.

مراجعة وتدقيق: المحامي سامي العوض.

[[1]] الكساسبة، فهد، جرائم الإفلاس دراسة مقارنة، دار وائل للنشر والتوزيع، عمان، ص (٢١٢).

[[2]] برغل، عبد القادر، الإفلاس الجرمي، ٢٠٠٣، مجلة البحوث، العدد (٣٣)، جامعة حلب، ص (٢٥٧).

[[3]] قرار تمييز جزاء رقم ١١٩/١٩٧٩ تاريخ ١/١/١٩٧٩ مجلة نقابة المحامين لسنة ١٩٧٩ ص (١٧٢١).

[[4]] الشواربي، عبد الحميد، الإفلاس، بدون سنة نشر، دار المعارف الإسكندرية ص (٣٩٣).

[[5]] أحمد، حسام الدين محمد، الإفلاس الجنائي، دراسة مقارنة، ط٣، دار النهضة القاهرة، ص ٩٠.

[[6]] المجالي، نظام، ٢٠٠٥، شرح قانون العقوبات القسم العام ص (٣٢٧)، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان.

[[7]] حسني، محمود نجيب، جرائم الاعتداء على الأموال، دراسة مقارنة، دار النهضة القاهرة ص (٦٢٩).

[[8]] مراد، عبد الفتاح، شرح الإفلاس من الناحيتين التجارية والجنائية، بدون دار نشر، القاهرة، ص(٤٧٧).

[[9]] أحمد، حسام الدين محمد، الإفلاس الجنائي، مرجع سابق، ص (١٩٠).

[[10]] الكساسبة، فهد، جرائم الإفلاس، مرجع سابق، ص (٢٣١).

[[11]] أحمد حسام الدين محمد، الإفلاس الجنائي، مرجع سابق، ص (١٩٢).

[[12]] مراد، عبد الفتاح، شرح الإفلاس من الناحيتين التجارية والجنائية، مرجع سابق، ص (٤٧٧).

[[13]] مصطفى، محمود محمود، ١٩٨٣، شرح قانون العقوبات القسم العام، الطبعة العاشرة، القاهرة ص (٥٥٥).

[[14]] الكساسبة، فهد، جرائم الإفلاس، مرجع سابق، ص (٢٣٩).

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هناإلغاء الرد

error: Alert: Content is protected !!