تناقض أقوال الشهود

تُعد شهادة الشهود وسيلةً هامةً جدًا من وسائل الإثبات، حيث إنها تعد أهم طرق الإثبات وأكثرها استعمالًا، ويُعتبر سماع أقوال الشهود من أهم إجراءات التحقيق التي تقوم بها النيابة، وأيضًا الشهادة تكون البينة التي يستدل عليها قاضي محكمة الموضوع في التوصل إلى ما ينتهي إليه في حكمه. ولأهمية الشهادة؛ فقد اهتم المشرع بالنص على ضوابط محددة؛ لقبول شهادة الشهود. ومن أهم هذه الضوابط مراعاة ما قد يحدث من تناقض بين أقوال الشهود أو تناقض بين أقوال الشاهد الواحد؛ مما يؤدي إلى الشك في صحة شهادة الشهود أو الشاهد، وتردد القاضي حول الاعتداد بها أو استبعادها؛ لذا كان من المتعين علينا تسليط الضوء حول هذه المسالة والبحث فيها من خلال معرفة المقصود بتناقض أقوال الشهود، وأسبابه، والفرق بينه وبين شهادة الزور، وصور التناقض، وسلطة القاضي في الأخذ بالشهادة رغم هذا التناقض، وهل هذا التناقض يعيب الحكم أم لا، وغير ذلك من خلال العناصر الرئيسية الآتية:

أولًا: المقصود بتناقض أقوال الشهود وأسبابه

ثانيًا: أسباب تناقض أقوال الشهود

ثالثًا: الفرق بين تناقض أقوال الشهود وبين شهادة الزور

رابعًا: صور تناقض أقوال الشهود

خامسًا: سلطة القاضي في الأخذ بهذه الشهادة رغم وقوع التناقض في شهادة الشاهد أو الشهود

سادسًا: الدفع بتناقض أقوال الشهود

سابعًا: أثر تناقض أقوال الشهود على صحة الحكم

ثامنًا: هل يعاقب الشاهد على التناقض في الشهادة الصادرة عنه

تاسعًا: سوابق قضائية لتناقض أقوال الشهود

ونقدم شرح مفصل لكل عنصر من العناصر السابقة فيما يلي:

أولًا: المقصود بتناقض أقوال الشهود وأسبابه

قبل أن نتطرق إلى موضوع تناقض أقوال الشهود لابد من التعرف على ماهية شهادة الشهود، وهي: “التعبير عن مضمون الإدراك والحس للشاهد بما رآه أو سمعه بنفسه من معلومات عن الغير مطابقة لحقيقة الواقعة التي يشهد عليها في مجلس القضاء بعد أداء اليمين ممن تقبل شهادتهم، وممن يسمح لهم بها ومن غير الخصوم في الدعوى”([1]).

ومن ذلك يتضح أنه لابد من توافر صفات معينة فيمن يُؤخذ بشهادته، ويكون للمحكمة سلطة في تقدير هذه الشهادة ومدي الأخذ بها، وذلك طبقًا لما ورد في (المادة 33/1) من قانون البينات الأردني حيث نصت على: “تقدر المحكمة قيمة شهادة الشهود من حيث عدالتهم وسلوكهم وتصرفهم وغير ذلك من ظروف القضية دون حاجة الى التزكية”.

أما عن تعريف تناقض أقوال الشهود فلم يهتم الكثير من الفقهاء بوضع تعريف محدد لتناقض أقوال الشهود، ولكن يمكن تعريف تناقض أقوال الشهود على أنه: ” كل قولين مختلفين ومتعلقين بواقعة واحدة صدرا عن الشهود أو الشاهد ذاته أثناء نظر الدعوى”.

والتناقض يُمكن أن يكون تناقضًا فيما بين أقوال الشاهد ذاته، أو تناقض بين أقوال الشهود فيما ما لا يتسق مع قول الآخرين أي أن تكون أقوال الشاهد متناقضةً ومتعارضةً مع بعضها البعض، وفي هذه الحالة تأخذ المحكمة من الشهادة القدر الذي تقتنع بصحته، وللمحكمة أن تُرجح بينة على أخرى. وذلك طبقًا لما ورد في (المادة 33/2) من قانون البينات الأردني، حيث نصت على أنه: “إذا لم توافق الشهادة الدعوى أو لم تتفق أقوال الشهود بعضها مع بعض أخذت المحكمة من الشهادة بالقدر الذي تقتنع بصحته”.

ثانيًا: أسباب تناقض أقوال الشهود

 يرجع السبب الرئيسي وراء تناقض أقوال الشهود أن الشهادة ترتكز على الحواس وذاكرة الشاهد وهما معرضتان للزوال بسبب كبر السن أو المرض أو غير ذلك من الأسباب؛ مما يؤدي إلى نسيان التفاصيل الهامة للواقعة المشهود عليها،  أو يختلط عليه الأحداث عند سرد شهادته أمام المحكمة ناظرة الدعوى، أو يزيد من تفاصيل الواقعة المشهود عليها بذكر ما لم يذكره باقي الشهود.

وأيضا هناك سبب قوي لهذا التناقض وهو مصلحة الشاهد في إخفاء الحقيقة أو جزء منها أو أن يزيد عليها، حيث تختلف مصلحة كل شاهد عن الآخر؛ مما يجعل أقوال الشهود تختلف حسب المصلحة التي يبتغيها، وكل هذه الأمور تجعل الشهادة دائرة بين النفع والضرر، وإذا تخلل الشهادة النفع والضرر وجب استبعادها؛ لأن شهادة الشاهد يتعين أن تكون مجردةً من النفع أو الضرر.

كما قد يرجع تناقض أقوال الشهود إلى طريقة تعبير أو سرد كل شاهد لمضمون الشهادة التي يشهد بها، فحينها تؤثر الألفاظ المعبر بها على ما يقصده الشاهد من معنى؛ مما يترتب عليه وقوع تناقض بين أقوال الشهود.

هذا فضلًا عن أنه قد يؤدي إلى وقوع تناقض بين أقوال الشهود رؤية أحد الشهود للواقعة ذاتها المشهود عليها من زاوية مغايرة تختلف عما رآه باقي الشهود، مثل أن يرى جميع الشهود قتل المتهم للمجني عليه من الأمام، في حين يكون أحد الشهود يروي الحادثة ذاتها من الخلف ويذكر أنه كان هناك شخص آخر خلف المتهم أطلق العيار الناري على المجني عليه.

ثالثًا: الفرق بين تناقض أقوال الشهود وبين شهادة الزور

 سبق وأن عرفنا تناقض الشهود ولابد من تعريف شهادة الزور قبل أن نوضح الفرق بينهما، ويُمكن تعريف شهادة الزور على أنها: “جريمة منصوص عليها في القانون تقع عقوبتها على الشخص الذي قام بالإدلاء بأقوال كاذبة ومحرفة للحقيقة في دعوى قضائية بعد أدائه اليمين بأن يقول الحقيقة”([2]). 

ومن تعريف كل من تناقض أقوال الشهود وشهادة الزور؛ يتضح أن الفرق بينهما يكمن فيما يلي:

–        مدى اعتبار الفعل جريمة

 إن تناقض أقوال الشهود لا يُعد جريمةً، وإنما يقتصر الأمر على هل يتم الاعتداد بها أم لا، فإذا كان التناقض منصبًا على وقائع جوهرية يقوم القاضي باستبعاد الشهادة، أما إذا كانت غير ذلك يكون للقاضي السلطة في الاعتداد بالشهادة أو استبعادها. أما شهادة الزور فإنها تُعد من أكبر الكبائر وجريمة يُعاقب عليها القانون.

–        مدى المعاقبة على الفعل

 في حالة تناقض أقوال الشهود لا يتم معاقبة الشاهد إذا تناقضت أقواله ويستثنى من عدم العقوبة ما قرره الحاكم العسكري من فرض عقوبة السجن لمدة 3 سنوات على من يدلي بإفادة كاذبة (أمر رقم 136 لسنة 1957).

أما في الشهادة الزور فالمشرع فرض على من يشهد بشهادة زور عقوبة الحبس أو الأشغال المؤقتة أو الأشغال الشاقة حسب ظروف الواقعة. وذلك في (المادة 214) من قانون العقوبات الأردني حيث نصت على أن: “1- من شهد زورًا أمام سلطة قضائية …..، سواء أكان الشخص الذي أدى الشهادة شاهدًا مقبول الشهادة أم لم يكن، أو كانت شهادته قد قبلت في تلك الإجراءات أم لم تقبل يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات. 2- وإذا وقع منه هذا الفعل في أثناء تحقيق جناية أو محاكمتها، حكم عليه بالأشغال الشاقة المؤقتة وإذا نجم عن الشهادة الكاذبة حكم بالإعدام أو بعقوبة مؤبدة فلا تنقص عقوبة الأشغال الشاقة عن عشر سنوات. 3- وإن وقعت الشهادة من دون أن يحلف الشاهد اليمين، خفض نصف العقوبة”.

–        أثر الفعل على حكم المحكمة

إن اختلاف الشهود في بعض التفصيلات التي لم يوردها الحكم غير مؤثر في سلامته. وللمحكمة في سبيل تكوين عقيدتها تجزئة أقوال الشاهد والأخذ منها بما تطمئن إليه وطرح ما عداه.

أما شهادة الزور فهي تؤثر على ما ينتهي إليه الحكم، فقد يصل الأمر إلى الحكم على شخص برئ بالإعدام؛ لذلك إلى جانب معاقبة الشاهد لابد من النظر في الدعوى مرة أخرى.

رابعًا: صور تناقض أقوال الشهود

 فرق المشرع الأردني بين نوعين من التناقض في أقوال الشهود أحداهما التناقض الجوهري الذي ينصب على وقائع جوهرية في البينة والأخر التناقض الثانوي الذي ينصب على وقائع لا تؤثر في البينة وذلك فيما يلي:

1- التناقض الجوهري في أقوال الشهود

فالتناقض الجوهري هو التناقض الذي ينصب على وقائع جوهرية في البينة؛ بحيث لا يجوز معها تجزئة الشهادة وأخذ ما يصلح منها؛ لأنه سوف يؤدي إلى تغير المعنى الحقيقي للشهادة التي قصدها الشاهد مما يجب استبعادها كاملةً وعدم الاعتداد بها.

 ومن الوقائع الجوهرية في الدعوى الذي لا تقبل التناقض على سبيل المثال وليس الحصر ما يلي:

– ارتكاب الفعل المكون للجريمة: حيث يتناول الشاهد لواقعة معينة أكثر من مرة بشكل لا يمكن التوفيق بينهما، كأن يذكر الشاهد أنه شاهد ارتكاب المتهم جريمة القتل بنفسه ثم يعود في مرحلة لاحقة ويثبت عكس ذلك بأنه لم يشاهده أثناء ارتكاب الجريمة بل سمع ذلك من أحد، وأيضًا كأن ينفي واقعة السرقة ثم يثبت وقوع السرقة في مرحلة لاحقة.

– مرتكب الجريمة: بحيث لا يستطيع القاضي أن يأخذ أي من الشهادتين ويستبعدهما معا، مثال ذلك أن يشهد بأنه شاهد محمد وهو يشعل الحريق في المنزل، ثم يعود ويذكر أنه شاهد أحمد وليس محمد يُشعل الحريق في المنزل.

– محل الجريمة: وهو أن يختلف الشهود فيما بينهم على النوع أو العدد أو المقدار الذي وقعت عليه الجريمة، مثل أن يشهد أحد الشهود بأنه شاهد المتهم يسرق سيارة، والثاني يشهد بأنه شاهد المتهم يسرق موتور، أو أن يشهد أحد الشهود بأنه شاهد المتهم يعتدي على رجل، في حين يشهد الثاني بأنه شاهد المتهم يعتدي على امرأة، وهكذا.

2- التناقض الثانوي في أقوال الشهود

إن التناقض الثانوي في شهادة الشهود هو التناقض الذي ينصب على مسائل فرعية في الدعوى؛ بحيث لا يؤثر اختلاف أقوال الشهود في الحكم الذي توصل إليه القاضي ناظر الدعوى، ويقوم الأخير بتجزئة الشهادة ويأخذ ما يفيد في حكمه، ويستبعد باقي الشهادة ما دام لم يؤثر ذلك على المعنى الحقيقي للشهادة التي أرادها الشاهد.

ومن الوقائع الثانوية في الدعوى الذي لا يمكن فيها التناقض على سبيل المثال وليس الحصر ما يلي:

– الغلط في تاريخ الواقعة لا يعتبر تناقضًا جوهريًا ولا يؤثر في الحكم

– اختلاف أقوال الشهود حول نسبة الربح التي يحققها كلٌ منهم إذا كانوا تجارًا، ويشهدون على نسبة الربح التي يحققونها في العادة شهريًا.  

– عدم إفصاح الشاهد عن بيانات ثانوية في الدعوى لا ينال من سلامة أقواله، كأن يرفض الضابط الإدلاء بأسماء أفراد القوة المصاحبة له أثناء القبض على المتهم.

ويؤكد على الفرق بين التناقض الجوهري وبين التناقض الثانوي في شهادة الشهود ما ورد عن محكمة النقض المصرية بما يلي: “لما كان قضاء محكمة النقض قد جرى على أن كل حكم بالإدانة يجب أن يُبين مضمون كل دليل من أدلة الثبوت التي أقيم عليها ويذكر مؤداه حتى يتضح وجه استدلاله به وسلامة مأخذها، …. فإن كانت شهادة الشهود تنصب على واقعة واحدة ولا يوجد فيها خلاف بشأن تلك الواقعة فلا بأس على الحكم إن هو أحال في بيان شهادة شاهد إلى ما أورده من أقوال شاهد آخر تفاديًا من التكرار الذي لا موجب له. أما إذا وجد خلاف في أقوال الشهود عن الواقعة الواحدة أو كان كلًا منهم قد شهد على واقعة غير التي شهد عليها غيره، فإنه يجب لسلامة الحكم بالإدانة إيراد شهادة كل شاهد على حده. لما كان ذلك، وكان يبين من الاطلاع على المفردات أن الشهود ….، ….، ….، ذكروا في تحقيقات النيابة العامة أنهم لم يشاهدوا واقعة إطلاق المتهم للعيار الناري على المجني عليه، مما كان مدار ما شهد به الشاهد…. في الجزء الجوهري -الذي كان موضوع استدلال الحكم من شهادتهم- ومن ثم فإنه إذ أحال في بيان ما شهد به كل من …. و…. و…. إلى مضمون ما شهد به …. مع اختلاف الواقعة التي شهدوا عليها، يكون فوق قصوره منطويًا على الخطأ في الإسناد مما يبطله ويوجب نقضه والإعادة”([3]).

خامسًا: سلطة القاضي في الأخذ بهذه الشهادة رغم وقوع التناقض في شهادة الشاهد أو الشهود

لمحكمة الموضوع مطلق الصلاحية في الأخذ بما تقتنع به من شهادة الشهود، واستبعاد ما سواه إذا كان يدعو إلى الشك ولا رقابة عليها في ذلك من المحكمة الأعلى درجة ما دام النتيجة التي توصلت إليها سائغةً ومشروعةً، وذلك وفقًا لما ورد في (المادة 147) من قانون أصول المحاكمات الجزائية حيث نصت على: “لمحكمة الموضوع مطلق الصلاحية في وزن البينة وتقديرها والأخذ بما تقنع به من البينات وطرح ما سواه ولا معقب عليها في ذلك إذا كان استخلاصها سائغًا مقبولًا وله أصله الثابت في الأوراق، وإذا كانت البينات تدعو إلى الشك والريبة في نسبة الفعل إلى المتهم”.

ومما سبق يتبين أنه في حال وقع التناقض بين أقوال الشهود على وقائع جوهرية في الدعوى، وقبلت المحكمة شهادتهما دون استبعادها؛ فحينها يخضع حكم المحكمة للتدقيق والنقض من جانب المحكمة الأعلى درجة.

ولكن يجب على القاضي قبل أن يستبعد الشهادة أن يؤكد على الشاهد شهادته بأن يتلوها عليه ويبين الزيادة أو النقصان أو التغير الذي حدث في شهادته وسبب ذلك. وذلك كما جاء في الحكم رقم (12) لسنة 1977م  محكمة تمييز جزاء كالآتي: “لا يجوز للمحكمة الاستناد في تبرئة المتهم الى عدم اقتناعها بالشهادات التي قدمتها النيابة ووجود تناقض بين أقوال الشهود التي أدلوا بها في التحقيقات الأولية ولدى المدعي العام وأقوالهم في المحكمة، ما لم تكن قد طبقت نص الفقرة الخامسة من المادة ( 219)  من قانون أصول المحاكمات الجزائية لسنة 1961م  الذي يوجب بعد أن يؤدي كل شاهد شهادته أن تتلى أقواله السابقة وأن يأمر الرئيس بتدوين ما يظهر بينها وبين شهادته في المحكمة من الزيادة والنقصان أو التغيير والتباين وأن يستوضح منه عن سبب ذلك”.

سادسًا: الدفع بتناقض أقوال الشهود

يجوز لمحامي أحد الخصوم أن يبني اعتراضه على الحكم بالدفع بتناقض أقوال الشهود سواء كان التناقض فيما بين أقوال الشاهد ذاته، أو التناقض بين أقوال الشهود فيما لا يتسق مع قول الآخرين، ولكي يعتد بهذا الدفع لابد من توافر شروط معينة في هذا التناقض، وذلك فيما يلي:

– أن يتم ذكر الدفع بتناقض أقوال الشهود أمام محكمة الموضوع، ولا يجوز الدفع به لأول مرة عند الطعن في الحكم أمام محاكم الدرجة العليا.

– أن يكون الدفع بتناقض أقوال الشهود مبني على أسباب قوية منصبة على وقائع جوهرية في الدعوى؛ لكي تأخذه المحكمة بأنه دفع جوهري، حيث لابد أن تحقق فيه بنفسها وأن ترد عليه بما يدحضه، ولا يمكن تجاهل مثل هذا الدفع قبل أن يُحسم أمره، ويمكن للمحامي في سبيل إثبات هذا التناقض أن يستند إلى أقوال المتهم أو التحريات أو يطلب دخول شاهد جديد أو يستند إلي محرر رسمي أو عرفي.

– أن يكون القاضي استخلص حكمه رغم تناقض أقوال الشهود من استدلال غير صحيح؛ حيث بني استدلاله على خطأ في الإسناد أو تحريف في أقوال الشهود؛ مما أدى إلى تغير معناها الذي قصده الشهود إلى المعنى الذي يخدم القاضي للوصول إلى حكمه.

وقد استقر الاجتهاد على أن اختلاف أقوال الشهود حول نسبة الربح التي يحققها كل واحد من الشهود ممن يتاجرون بنفس النوع من البضاعة لا يعتبر قانونا تناقضا في شهاداتهم لأن كل واحد منهم يشهد على حقيقة تجارته هو ونسبة ربحه منها.

إن التناقض الجوهري في البينة الموجب استبعادها وعدم الأخذ بها يعني تناول الشاهد لواقعة معينة أكثر من مرة بشكل لا يمكن التوفيق بينهما أو انسجامهما معاً، كأن يذكر الشاهد واقعة معينة ثم يعود في مرحلة لاحقة ويذكر عكسها أو ينفي واقعة ثم يدلل على وقوعها في مرحلة لاحقة.

أما اختلاف أقوال الشاهد أو البينة في المسائل الفرعية كأن يذكر الشاهد واقعة في مرحلة ما وعدم إيرادها في مرحلة أخرى فلا يعد تناقضاً لأنه قد لا يكون سئل عنها أو سهى عن ذكرها، ولأن من الأمور الطبيعية اختلاف الشهود في سرد الوقائع باختلاف أشخاصهم واختلاف من تولى ضبط تلك الأقوال .

وكذلك قضت محكمة التمييز بأنه لا يعتبر تناقضا جوهريا الغلط في تحديد تاريخ وقوع الجريمة وكذلك لا يعتبر تناقضا جوهريا الغلط في تحديد تاريخ وقوع الجريمة لان التواريخ ليست من الوقائع التي تحفظ بدقة. 

سابعًا: أثر تناقض أقوال الشهود على صحة الحكم

  تناقض أقوال الشهود لا يؤثر على حكم المحكمة إذا ثبت صحة ما انتهى إليه بباقي الأدلة المستند إليها، ويكون لصاحب المصلحة حق الرجوع على الشاهد الذي تناقض أقواله بالضمان، وذلك طبقًا للمادة رقم (85) من القانون المدني الأردني حيث نصت على: ” لا حجة مع التناقض ولكن لا أثر له في حكم المحكمة إذا ما ثبت بعده ولصاحب المصلحة حق الرجوع على الشاهد بالضمان”.

وهذا ما تم التأكيد عليه في (المادة ٨٠) من مجلة الأحكام العدلية حيث نصت على أنه:” لا حجة مع التناقض لكن لا يختل معه حكم الحاكم”.

ثامنًا: هل يعاقب الشاهد على التناقض في الشهادة الصادرة عنه

 لم يقرر المشرع الأردني عقوبة علي الشاهد الذي تناقضت أقواله في الدعوي -سواء كانت أقواله متناقضة مع ذاتها أو متناقضة مع أقوال باقي الشهود- ويرجع السبب في ذلك إلى أنه من الوارد أن يسرد الأشخاص الأحداث بشكل مغاير أو نسيان بعض من تفاصيل الواقعة المشهود عليها؛ لذلك اكتفى المشرع فقط باستبعاد هذه الشهادة إذا كانت منصبة على وقائع جوهرية في الدعوى.

 غير أن المشرع خرج عن مبدأ عدم توقيع العقوبة عند تناقض أقوال الشهود، وذلك فيما جاء في الأمر الصادر عن الحاكم العسكري العام لسنة 1957م، حيث فرض عقوبة السجن لمدة (3) سنوات على كل فرد أدلى بإفادة كاذبة أو كان هناك تناقض جوهري في شهادته أمام الشرطة أو الدرك أو أثناء التحقيق أو أمام محكمة عرفية. وذلك طبقا لما ورد في (المادة 1) من أمر رقم (136) لسنة 1957م حيث نصت على: “كل من اعطى، أمام أي فرد من قوة الشرطة أو الدرك أو الجيش أو أي موظف أخر مخول بتدوين الإفادات وإجراء التحقيق، إفادة كاذبة، أو تناقض مناقضة جوهرية شهادة أداها أمام أية محكمة عرفية تشكلت بموجب تعليمات الإدارة العرفية، يعاقب بالسجن لمدة ثلاث سنوات”.

تاسعًا: سوابق قضائية لتناقض أقوال الشهود

كما أنه يوجد العديد من السوابق القضائية المتعلقة بتناقض أقوال الشهود وردت عن محكمة التمييز الأردنية، وذلك فيما يلي:

لقد ورد في الحكم رقم (1036) لسنة2021م الصادر من محكمة تمييز جزاء الآتي: “في ظل الاضطراب والارتباك الظاهر من روايات الشاهدة ……… وانطوائها على التباين والتناقض الصارخ في الوقائع الجوهرية الأساسية حسبما أسهبت المحكمة في إيضاحه سابقًا وعلى هذا الأساس، وبناءً على المبررات التي ساقتها محكمتنا آنفًا والتي خلصت من خلالها الى التشكيك برواية الشاهدة سدين وعدم الاطمئنان لها؛ فقررت المحكمة طرحها جانبًا واستبعادها من عداد البينات. المنصبة جميعها على تخطئة محكمة الجنايات الكبرى بالنتيجة التي توصلت إليها وفي وزن وتقدير البينة، وبتطبيق أحكام القانون على واقعة الدعوى تطبيقًا سليمًا وأن القرار قد صدر مشوبًا بعيب القصور بالتعليل والتسبيب…. وفي ذلك نجد أن محكمة الجنايات الكبرى وفي قرارها المطعون فيه ناقشت ما جاء بشهادة المجني عليها …….. والبالغة من العمر بتاريخ الواقعة ثماني سنوات باعتبار أنها الشاهدة الرئيسة بالقضية، وما جاء بأقوال الشهود الآخرين إنما استمدوا شهاداتهم من أقوالها. ووجدت المحكمة أن المذكورة تناقضت في أقوالها في جميع مراحل الدعوى وأبرزت هذا التناقض وشككت في صحة شهادتها؛ وبناء عليه لم تقتنع بها، فقامت المحكمة باستبعاد شهادتها وشهادة الشهود 1-……، 2-….، 3- …… وخلصت إلى أن النيابة العامة لم تقدم الدليل القانوني المقنع على ارتكاب المميز ضده للأفعال المنسوبة إليه وقضت بإعلان براءته من جناية هتك العرض بحدود المادة (299) من قانون العقوبات مكررة ثلاث مرات. مما يجعل قرارها واقعًا في محله وموافقًا للقانون ومعللًا ومسببًا بشكل سائغ ومقبول وأسباب الطعن لا تنال منه ويتعين ردها. لذلك نقرر رد التمييز وتأييد القرار المميز وإعادة الأوراق إلى مصدرها”.

كما قضت محكمة تمييز حقوق في حكمها رقم (4000) لسنة 2015م بأن: “وعن أسباب التمييز مجتمعة التي ينعى فيها المميز على محكمة الاستئناف خطاها بالنتيجة التي توصلت إليها باعتبار أن نسبة ربح المدعي هي (10%) قائم وذلك بناء على ما ورد بأقوال الشهود على الرغم من التناقض الواضح بين أقوال هؤلاء الشهود، بالإضافة الى أن المدعي قد قبل بما ورد بتقرير الخبرة فيما يتعلق بنسبة الربح، ….. وفي ذلك نجد أنه وأن كان ما ورد بهذه الأسباب ما هو إلا طعن في الصلاحية التقديرية لمحكمة الاستئناف بصفتها محكمة موضوع في وزن وتقدير البينة…… إلا أننا نجد أن ما توصلت إليه محكمة الاستئناف بخصوص نسبة الربح يتناقض مع ما قبل به المدعي بما ورد بتقرير الخبرة من أن نسبة ربح المدعي هي (13%)، ….. وعليه فان ما توصلت إليه محكمة الاستئناف بخصوص نسبة الربح يكون مخالفًا للأصول والقانون؛ وعليه فإن ما ورد بهذه الأسباب يرد على القرار محل الطعن ما يتعين عليه نقضه. لهذا وبالاستناد لما تقدم نقرر نقض القرار المميز وإعادة الدعوى”.

وحكم محكمة تمييز جزاء رقم (986) لسنة 2012 م بأنه: “وفي الحالة المعروضة تجد محكمة الاستئناف كمحكمة موضوع قررت رد الاستئناف وتأييد القرار المستأنف براءة المتهم ….. مما أسند إليه بعد أن تشككت بينة النيابة التي قامت بمناقشتها مناقشة وافية وخاصة شهادة الشاهد الرئيسي في القضية المشتكي ….. واستعرضت ما جاء فيها ومدى التناقض بينها وبين شهادة شاهد الإثبات الآخر ……… صب اللبن فيما ينصب بواقعة جوهرية بشأن وجود الخلايا الطلائية من جانب المتهم؛ مما حملها على عدم الاقتناع بتلك الشهادة ودعاها إلى الشك والريبة في ضمنها، وطرح تقرير المختبر الجنائي الذي لا يصلح كبينة لبناء الحكم عليه في مثل هذه الحالة بالذات كون وجود خلايا طلائية للمتهم على إحدى الشاشات المسروقة لا يشكل بينة قاطعة على أنه قام بالفعل المنسوب إليه كونه اعتاد تنظيف الشاشات ومن الطبيعي أن يوجد له خلايا طلائية عليها؛ الأمر الذي يتعين معه إعلان براءة المتهم مما أسند إليه على النحو الذي قضى به القرار المميز تأييد لقرار محكمة الدرجة الأولى؛ ومن ثم فإن هذه الأسباب لا ترد على القرار المميز ولا تنال منه ويتعين ردها؛ لذلك نقرر رد التمييز وتصديق القرار المميز”.

الحكم رقم 775 لسنة 2019 – محكمة تمييز جزاء

1- لمحكمة الموضوع استبعاد أي شهادة تتضمن تناقض منصب على وقائع جوهرية مشهود عليها في الدعوى وذلك وفقاً لما استقر عليه الاجتهاد القضائي (1864/2015) جزاء.

2- لمحكمة الموضوع مطلق الصلاحية في تقدير و وزن البينة و ترجيحها أو طرحها وفقاً لأحكام المادة (147) من قانون أصول المحاكمات الجزائية ، طالما ان ما توصلت اليه مستخلص من بينات قانونية مقدمة في الدعوى وجرى استخلاصها بطريقة سليمة ومستساغة عقلاً و قانوناً.

الحكم رقم 1107 لسنة 2019 – محكمة تمييز جزاء

1- لمحكمة الموضوع استبعاد اي شهادة تتضمن تناقض منصب على وقائع جوهرية مشهود عليها في الدعوى وذلك وفقاً لما استقر عليه الاجتهاد القضائي (1864/2015) جزاء.

2- لمحكمة الموضوع مطلق الصلاحية في تقدير و وزن البينة و ترجيحها أو طرحها وفقاً لأحكام المادة (147) من قانون أصول المحاكمات الجزائية ، طالما ان ما توصلت اليه مستخلص من بينات قانونية مقدمة في الدعوى وجرى استخلاصها بطريقة سليمة ومستساغة عقلاً و قانوناً.

الحكم رقم 598 لسنة 2017 – محكمة تمييز جزاء

1- وزن البينة وتقديرها والقناعة بها أو طرحها من المسائل الواقعية التي تستقل بها محكمة الموضوع لتكوين قناعتها دون رقابة عليها في ذلك من محكمة التمييز الا ان ذلك مشروطا بان تكون النتيجة مستخلصة بصورة سائغة وسليمة ولها ما يؤيدها وفقاً لأحكام المادة (147) من قانون أصول المحاكمات الجزائية (تمييز جزاء 482/2009 هيئة عامة).

2- التناقض الموجب لاستبعاد أقوال الشهود ، هو التناقض في أمور جوهرية لا تختلط على الشخص العادي .

3- يُعد قرار محكمة الموضوع قانونياً و صحيحاً حال اشتماله على ملخص الوقائع الواردة في قرار الاتهام و المحاكمة و على ملخص مَطالب المدعي الشخصي و المدعي العام ودفاع المتهم وعلى الأدلة و الأسباب المُوجبة للتجريم أو عَدمه وِفقاً لنص المادة (237/1) من قانون أصول المحاكمات الجزائية .

الحكم رقم 2236 لسنة 2014 – محكمة تمييز جزاء

1- لمحكمة الموضوع مطلق الصلاحية في تقدير و وزن البينة و ترجيحها أو طرحها وفقاً لأحكام المادة (147) من قانون أصول المحاكمات الجزائية ، طالما ان ما توصلت اليه مستخلص من بينات قانونية مقدمة في الدعوى وجرى استخلاصها بطريقة سليمة ومستساغة عقلاً و قانوناً وفقاً لما استقر عليه اجتهاد محكمة التمييز .

2- التناقض الموجب لاستبعاد الأقوال ، هو التناقض المنصب على وقائع جوهرية مشهود عليها في الدعوى.

3- يجوز سماع الشهود الذين لم يبلغوا خمسة عشر عاما بدون أداء القسم القانوني على سبيل الاستدلال ، إذا تبين انهم لا يدركون كنه اليمين وُيؤخذ بهذه الشهادة اذا تأيدت ببينة أخرى عملا بالمادة (158/1و2) من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

4- الاعتراف القضائي يصلح كدليل إدانة طالما لم يرد في البينات ما يناقضه أو يمسه .

5- أفعال المتهم المتمثلة بطلبه من المجني عليه ممارسة اللواط معه ، يشكل جنحة عرض فعل مناف للحياء خلافاً لأحكام المادة (306) من قانون العقوبات.

6- تُجيز المادة (234) من قانون أصول المحاكمات الجزائية ، لمحكمة الموضوع تعديل وصف التهمة وفقا للشروط التي تراها عادلة على أن لا ينبني هذا التعديل على وقائع لم تشتملها البينة المقدمة ، على أن تقدم تفسيراً صحيحاً لتعديلها .

الحكم رقم 239 لسنة 2013 – محكمة تمييز جزاء

1- التناقض الموجب لاستبعاد أقوال الشهود هو التناقض المنصب على وقائع جوهرية في الدعوى.

2- تعلن محكمة الموضوع براءة المتهم في حالة عدم كفاية الأدلة بحقه, سنداً لنص المادة (236) من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

الحكم رقم 238 لسنة 2012 – محكمة تمييز جزاء

1- التناقض في أقوال الشهود في وقائع جوهرية يُوجب على محكمة الموضوع استبعاد تلك الأقوال.

2- الشك يفسر لمصلحة المتهم .

3- يجب ان يشتمل قرار الحكم على ملخص الوقائع الواردة في قرار الاتهام و ملخص مطالب المدعي الشخصي و الأسباب الموجبة للتجريم من عدمها ،و الا اصبح القرار مشوب بعيب القصور و الغموض في التعليل و التسبيب.

الحكم رقم 410 لسنة 2012 – محكمة تمييز جزاء

1- يَقوم القضاء الجزائي على مَبدأ قناعة القاضي الوجدانية في وزن البينة والأخذ بها و طرحها ,ولا رقابة عليه مِن محكمة التمييز في ذلك ما دَامت النتيجة المُستخلصة مُستساغة عَقلاً و قَانوناً ، عملاً بأحكام المَادة (147) مِن قَانون أُصول المُحاكمات الجَزائية.

2- التناقض الموجب لاستبعاد أقوال الشهود هو التناقض المنصب على وقائع جوهرية في الدعوى.

3- يعتبر قرار محكمة الموضوع قانونياً عندما استبعدت شهادة منقولة كونها قد تمت بعد فترة ليست بالوجيزة كما تتطلب المادتان (156) و (157) من قانون أصول المحاكمات الجزائية كونها ليست بينة قانونية يجوز اعتمادها في بناء حكم عليها .

الحكم رقم 1009 لسنة 2011 – محكمة تمييز جزاء

1- لمحكمة الموضوع سلطة تقديرية في وزن البينة والأخذ بها و طرحها ولا رقابة لمحكمة التمييز عليها في ذلك ما دَامت النتيجة المُستخلصة مُستساغة عَقلاً و قَانوناً و لها اصل ثابت في أوراق الدعوى وفقاً لأحكام المادة (147) من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

2- التناقض الموجب لاستبعاد أقوال الشهود هو التناقض المنصب على وقائع جوهرية في القضية.

3- يعد قرار محكمة الموضوع قانونياً حال استبعادها للشهادة المنقولة عن المشتكي كونها قد تمت بعد فترة ليست بالوجيزة على ضوء المادتين (156) و (157) من قانون أصول المحاكمات الجزائية .

4- تعلن محكمة الموضوع براءة المتهم في حالة عدم كفاية الأدلة بحقه, سندا لنص المادة (236) من قانون أصول المحاكمات الجزائية .

الحكم رقم 2678 لسنة 2010 – محكمة تمييز حقوق

1- تناقض أقوال الشهود مع إقرار المكلف بكشف التقدير الذاتي موضوع الطعن يترتب عليه استبعاد البينة الشخصية من البينات وعدم الأخذ بما ورد بها للتناقض.

2- حيث لم يرد من خلال البينات التي قدمها المستأنف (المكلف ) ما يثبت بان قرار المستأنف عليه (المقدر) بتقدير دخل المكلف وتحديد ضريبة الدخل المتوجبة على المكلف باهظ ولا يجوز اعتبار الإقرار الوارد بكشف التقدير الذاتي بينة والأخذ بما ورد به دون تقديم بينات تعزز ذلك وفقا لأحكام المادة (34 ) من قانون ضريبة الدخل.

إعداد: محمد محمود

[1]– د. إبراهيم الغماز، الشهادة كدليل إثبات في المواد الجنائية، ص (4٤).

[2]– د. عبد الرزاق السنهوري، الوجيز في شرح القانون المدني

[3]– محكمة النقض المصرية، الطعن رقم (2518) لسنة 1987م، جلسة 09/11/2017م.

 

انتقل إلى أعلى
error: Alert: Content is protected !!