حد الحرابة في السعودية

الحرابة هي جريمة منتشرة منذ القدم، وكانت لها عديد الآثار السلبية فهي من كبائر الذنوب، وأخطر المعاصي، وأعظم الجرائم التي تُهدد أمن الناس وحياتهم، ومن ثم نجد أن الشريعة الإسلامية قررت في شأنها أشد العقوبات، وذلك وفق ضوابط وشروط قررها العلماء والفقهاء.

فلكي يتحقق الأمن والطمأنينة في المجتمع المسلم وضعت الشريعة الإسلامية زواجر وروادع لكل من تسول له نفسه المساس بالحرمات وانتهاك الأعراض بدون حق، وقد طبقت المملكة العربية السعودية حُكم الشريعة في قانونها فيما يتعلق بحد الحرابة.

جدول المحتويات

ما هو حد الحرابة :

حُكم حد الحرابة :

دليل الحرابة :

صور الحرابة :

موقف النظام السعودي من الحرابة :

أمثلة جرائم الحرابة في النظام السعودي :

عقوبة جريمة الحرابة في النظام السعودي :

وسوف نتناول فيما يلي تعريف حد الحرابة، وحكمه، ودليل الحرابة، وصور الحرابة، وأخيرًا موقف القانون السعودي من الحرابة.

ما هو حد الحرابة :

اتفق الفقهاء أن حد الحرابة يعني الخروج لقطع الطريق بناء على القوة والشوكة والمنعة والتعرض للمارة لإخافتهم ليشمل كل من سعى في الأرض بالفساد وعدم التفريق بين مكان وآخر سواء في الصحراء أو في البنيان أو في البحر.

وتعريف الحرابة الموفق لظروف العصر هو: خروج مكلف في دار الإسلام لإخافة سبيل المسلمين أو المعاهدين أو المستأمنين من المقيمين بدار الإسلام أو أخذ مالهم أو الاعتداء على أنفسهم أو أعراضهم بالقوة والمنعة في الصحراء أو في المدن أو القرى في البر أو البحر متحديًا الدين والأخلاق.

فالفساد في الأرض بجميع صوره يحدث الزعر والفرع والخوف في قلوب الناس الآمنين فيدخل في هذا المفهوم أنواع العصابات المختلفة كعصابات القتل والخطف والسطو المسلح والاغتيال، ويدخل في ذلك أيضًا مهرب المخدرات وذلك لأن ضررهم يقع على مجتمع كامل فيحدث فيه الضعف والوهن والتخلف.

حُكم حد الحرابة :

الحرابة جريمة من الجرائم الكبرى، وقد وصف الله سبحانه وتعالى مرتكبيها بأنهم محاربون لله ورسوله وساعون في الأرض بالفساد، وجعل عقوبتهم مغلظة خلافًا للجرائم الأخرى، وذلك لأن الجريمة ذاتها مغلظة، فهي محرمة شرعًا بالكتاب والسنة والإجماع.

فالحرابة هي خلاف الأصل، فالأصل أن يعيش الناس في استقرار وأمن آمنين على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم، وعندما ينتهك أحد أمان المجتمع واستقراره فإن ذلك يستلزم الوقوف في وجوههم وأعادتهم إلى حظيرة المجتمع، أو تطهير المجتمع من أمثالهم.

دليل الحرابة :

الحرابة محرمة في القرآن والسنة والإجماع.

الكتاب :

قال تعالى : ” ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ” وقد أعد تعالى لمن تجاوز النهي عقوبة شرعية جاءت في قوله تعالى : ” إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم “.

ووجه الدلالة هنا أن الآية تدل على عظم الذنب الذي يقترفه المحاربون الساعون في الأرض بالفساد، وذلك لأنهم يحاربون الحاكم والشعب ويريدون تعطيل شريعة الله وترويع الآمنين المقيمين في دار الإسلام ، مما يستلزم معه إقامة الحد الذي نصت عليه الآية الكريمة لحفظ النظام العام حتى يتم ردع كل من تسول له نفسه الإجرام والاعتداء على الأنفس والأعراض والأموال.

السنة :

رويت عديد الأحاديث التي تدُل على تحريم حد الحرابة ومنها ما رواه ابن عباس رضي الله عنه قال : ” كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض فخير الله رسوله إن شاء أن يقتل وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف”.

وقد تبرأ الرسول صلى الله عليه وسلم ممن حمل السلاح على المسلمين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” من حمل علينا السلاح فليس منا ومن غشنا فليس منا “.

الإجماع :

أجمع علماء الأمة الإسلامية وفقهاها على تحريم الحرابة ونجد أن الشرائع السماوية السابقة للإسلام قد حرمتها أيضًا، لأن فيها قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق وسلب للأموال وهتك للأعراض المصونة وترويع للآمنين المطمئنين في منازلهم أو في أسفارهم وإشاعة للفوضى وأثارة للفتن في الدولة، وأذى للخلق بسد الطُرق أمامهم وذلك يتنافى مع المبادئ الإسلامية، فالإسلام يسعى لبناء مجتمع إسلامي متكامل يقوم على تحقيق الخير والعدل والأمن.

وقد ذكر ابن حجر الهيثمي الحرابة ضمن الكبائر حيث قال الكبيرة السبعون بعد الثلاثمائة قطع الطريق أي أخافتها وإن لم يقتل نفسًا أو أخذ مالًا، فمجرد قطع الطريق وإخافة المارة يكون قد ارتكب الكبيرة، فكيف إذا أخذ المال أو جرح أو قتل.

صور الحرابة :

هناك من صور الحرابة ما هو متفق عليه، وهناك أيضًا ما هو مختلف عليه، وسنتطرق لكل من الصور المتفق عليها والمختلف عليها فيما يلي :

الصور المتفق عليها :

إخافة السبيل ( الإرهاب ):

إخافة وترويع المارة الأمنين هي الصورة الأولى من صور الحرابة، فمتى تحققت الإخافة والإفساد في الأرض تحققت جريمة الحرابة والمحاربون مفسدون في الأرض بخروجهم وأخافتهم عابري السبيل وإن لم يقتلوا أو يأخذوا مالًا.

وتُعتبر الجرائم التي تُرتكب في العصر الحاضر تحت مسمى الإرهاب وبصور مختلفة كالاختطاف والتهديد والتخريب غايتها واحدة وهي التأثير على أمن المجتمع وإخافة الناس وتهديدهم، وهذا العمل من الفساد في الأرض والذي هو من المحاربة لله ورسوله ويستحق فاعلة الجزاء المنصوص عليه في الآية الكريمة ” أنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض “.

وقد صدر قرار من هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية وهو القرار رقم 148 بتاريخ 12/1/1409 معتبرًا أن من يقوم بمثل هذه الأعمال تكون عقوبته القتل لأن ضرره أشد من ضرر قاطع الطريق وقد حكم الله عليه بما ذكر في آية الحرابة.

المغالبة على الأرواح :

وهي الصورة الثانية المتفق عليها وهي تعني أن يخرج المحارب بهدف إخافة السبيل وإزهاق الأرواح فيقتل دون أن يأخذ المال أو غيره، وبالرجوع إلى أقوال الفقهاء في الحرابة فإننا نجد اتفاقهم في أن قتل النفس يُعد فعلًا من الأفعال التي قد يهدف إليها المحاربون في قطع طريقهم، واختلف العلماء في اشتراط أن يكون القتل عمديًا أو لا، فقد يخرج المحارب بقصد إخافة السبيل ولا يريد القتل ولكنه يقتل أحد المارة عن غير قصد، فهناك من العلماء من لا ينظر إلى نوع القتل هل هو عمد أو شبه عمد أو خطأ، وهناك من العلماء من يشترط أن يكون القتل عمديًا حتى يقام عليه حد القتل للحرابة.

المغالبة على الأموال :

وهي الصورة الثالثة من صور الحرابة وتعني في حال ما إذا خرج المحارب بقصد أخذ المال على سبيل المغالبة والإخافة والقهر فأخذ المال دون أن يقتل أحدًا أو بجرحه أو يهتك عرضه، ولكن في حال إذا خرج من داره قاصدًا أخذ المال على سبيل المغالبة والمكابرة لكنه لم يخف السبيل ولم يأخذ المال ولم يقتل أحدًا فإنه لا يُعد محاربًا في تلك الحالة، فالخروج بقصد المال على سبيل المغالبة ليس حرابة.

المغالبة على الأرواح والأموال :

وهي أن يخرج المحارب مخيفًا للمارة أو للسبيل فيقتل ويأخذ المال، وغالب الفقه اتجه إلى أن السعي في الأرض بالفساد مقصورًا في الحرابة على الاعتداء على النفس والمال فيقتل ويأخذ أو يكون الهدف الرئيسي من خروجه هو أن يحصل على المال ويأتي القتل سبيلًا له إما للإرهاب أو الفاء الذعر في القلوب حتى يتمكن من المال أو أن القاتل لا يستطيع الوصول إلى المال إلا بقتل حاملة.

الصور المختلف علبها :

المغالبة على الأعراض :

وهي من الصور المعتبرة للحرابة فيقطع المحارب الطريق ويخيف السبيل دون قتل أو أخذ مال، ولكنه يعتدي على الأعراض، فيُمكن القول إنه يكون زنا بالإكراه والغلبة والقهر.

قتل الغيلة :

الغيلة هي أخذ المال مخادعة مع استعمال القوة أو مع عدم استعمالها فمن يسقي المجني عليه أو يطعمه مادة مخدرة أو يحقنه بها حتى يغيب عن صوابه ثم يأخذ ماله أو يخدعه حتى يدخله محلًا بعيدًا عن الغوث ثم يسلبه ما معه سواء قتله أو لم يقتله.

فهو عدوان على وجه العمد والحيلة والخداع، وهناك وسائل عديدة للخداع والحيل وكل وسيلة تسهل للمجرم ارتكاب جريمته عن طريق استدراج المجني عليه وقتله وسلبه من حيث لا يدري.

وقد اعتبرت المحاكم في المملكة العربية السعودية أن قتل الغيلة نوع من الحرابة وذلك استنادًا إلى قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة رقم 38 وتاريخ 11/8/ 1395 هجرية .

إحداث جراحة فيمن قطع عليه الطريق :

وهي أحد الأفعال التي عدها بعض الفقهاء في صور الحرابة وذلك في حال أن أحدث المحارب في المقطوع عليه جراحة، فيُحد بما يختاره الإمام من العقوبات الواردة في آية المحاربة.

قتل الإمام :

قتل إمام المسلمين من الأفعال التي عدها بعض الفقهاء من الحرابة فمنزلة الإمام تختلف عن غيره من أفراد المجتمع، فهو إمام المسلمين والمسؤول الأول عن إدارة شئون الشعب وتنظيم الأمور وحفظ الأمن فيها وتوفير سبل العيش وإقامه العدل وحماية البلاد من الأعداء.

منع أداء الزكاة :

وهو صور أضافها الإمام ابن حزم وجعلها من صور الحرابة وذلك في حال أن رفض أداء الزكاة، فمن يفعل ذلك يُعتبر محاربًا، وذلك لأن منع أداء الزكاة منكر والمنكر وجب تغييره لمن يستطيع.

موقف النظام السعودي من الحرابة :

تُعتبر الحرابة في القانون السعودي من الجرائم الكبيرة وذلك استنادًا للقرار رقم (1245) المبني على نص المادة (112) من نظام الإجراءات الجزائية السعودي.

بحيث نجد أنها نصت الفقرة رقم (1) في القرار المحدد للجرائم الكبيرة الموجبة للإيقاف على الآتي :” جرائم الحدود المعاقب عليها بالقتل أو القطع أو الرجم “.

والحرابة بحسب المفهوم النظامي تعني : ارتكاب أي جريمة من سلب أموال، أو هتك للأعراض ،أو سفك للدماء ،أو الإخافة المجردة على سبيل القهر والغلبة سواء بالسلاح أو بغيرة أو بقوة الشخص المجردة من سلاح. (وذلك أخذًا بالرأي المتشدد من آراء الفقهاء حول مفهوم الحرابة خاصة في سلطة الاتهام).

وذلك بغض النظر إن ترتب عن هذه الجريمة قتل المجني عليه أو عدم قتله فمحل الاعتبار هنا واحد لوقوع جريمة الحرابة.

أمثلة جرائم الحرابة في النظام السعودي :

وفيما يلي سنتناول أهم الأمثلة عن جرائم الحرابة في القانون السعودي :

  • أخذ الأموال أو تخريبها بالقوة.
  • هتك الأعراض بالقوة.
  • تخويف الناس وأحداث الفوضى وتحدى النظام العام والإخلال به بالقوة.
  • استدراج الأطفال الصغار وفعل الفاحشة بهم.

وتلك الحالة لا يشترط فيها استعمال أو استخدام القوة، وذلك لأن الطفل الصغير مسلوب الإرادة، فيدخل ذلك في دائرة الإفساد في الأرض.

  • إحداث أي شيء مما سبق مقترنًا بالقتل.

عقوبة جريمة الحرابة في النظام السعودي :

إذا ثبت أي نوع من الجرائم المذكورة بالإقرار أو شهادة الشهود المعتبرين مع توفر الشروط اللازمة مثل التكليف والعقل وانتفاء الموانع، فالعقوبة تكون كما وردت في الآية الكريمة ” إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم “.

وعلى القاضي اختيار عقوبة القتل أو الصلب أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف أو النفي من الأرض، ولكن لو أن المتهم أحدث قتلًا في جريمته فلابد على القاضي أن يحكم عليه بالقتل حدًا، والجدير بالذكر أن القتل حدًا كمـا في الحرابة لا يسقط بعفو ولي الدم لأن العقوبة تكون على الحرابة.

المصدر: انظر موقع محامي أردني .