تنازع القوانين في القانون الأردني
إذا كان الأصل العام أن لكل دولة الحق في سيادتها وفرض وتطبيق قوانينها الخاصة ومحاكمها وأجهزتها الإدارية، إلا أن هذا الأصل لا يعني أن تعيش كل دولة منعزلة عن غيرها من الدول، ونظراً لما لحق المجتمع الدولي من تقدم ملحوظ في العديد من المجالات أدى إلى سهولة الاتصال ونقل المعلومات والبيانات بشكل كبير الأمر الذي معه أصبح العالم كقرية صغيرة، وهو ما انعكس بالتبعية على أفراد هذه المجتمعات فأصبحوا يتعاملون مع بعضهم البعض على اختلاف جنسياتهم بشكل طبيعي بسهولة ويسر في العديد من المجالات، وهو ما أدي إلى ارتباطهم بعلاقات قانونية فيما بينهم، واستناداً إلى الاعتراف بالشخصية القانونية للأجانب، وأهليتهم القانونية في اكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات وإجراء التصرفات القانونية، فقد اقتضي في بعض الأحيان الحاجة إلى الاعتراف بضرورة تطبيق قانون دولهم، وذلك عندما تثار مسألة قانونية بين هؤلاء الأجانب بعضهم البعض أو بينهم وبين أبناء الوطن، وهو ما يؤدي إلى تعقد العلاقات القانونية وتنوع القواعد التي تحكمها، فلكل مجتمع نظامه القانوني الخاص به، وهو ما أدى بالضرورة لمسألة تنازع القانين، وهو ما دفع المشرع الأردني لتنظيم هذه المسألة من خلال النص عليها في مواد القانون المدني الأردني رقم 43 لسنة 1976، وسوف نحاول من خلال هذا المقال التعرف على مفهوم تنازع القوانين، وشروطه، ونطاقه ، ثم التعرف على قاعدة الإسناد، وأخيراً بيان بعض التطبيقات القضائية بهذا الشأن، وذلك على النحو التالي:
ثانيا: شروط تنازع القوانين ونطاقه
ثالثا: التعرف على قاعدة الإسناد:
رابعا: بعض التطبيقات القضائية بهذا الشأن
أولا: مفهوم تنازع القوانين
خلت نصوص القانون المدني الأردني رقم 43 لسنة 1976 وتعديلاته من نص صريح يبين تعريف تنازع القوانين، وكل ما أكد عليه المشرع الأردني في المادة الحادية عشر من القانون أن المرجع في تحديد نوع العلاقات لمعرفه القانون الواجب التطبيق هو القانون الأردني، حيث نصت على : ” القانون الأردني هو المرجع في تكييف العلاقات عندما يطلب تحديد نوع هذه العلاقات في قضية تتنازع فيها القوانين لمعرفة القانون الواجب تطبيقه من بينها “.
ـ إذا كان الأصل العام أن القانون الوطني هو صاحب السيادة في الدولة، ولا يجوز تطبيق القانون الأجنبي إلا حال قيام المشرع بالسماح بذلك، فتطبيق القانون الأجنبي يعد بمثابة استثناء على الأصل العام الثابت ويكون بناء على إرادة المشرع الوطني ويقينه بأن القانون الأجنبي هو الأكثر ملائمة في هذه الحالة وبالتالي إتاحة المجال للقانون الأجنبي على حساب القانون الوطني بعد موائمة يجريها المشرع بين قوانين الدول المختلفة.[1]
ـ هذا وقد يؤدي تعاقب القوانين في الدولة إلى حدوث نوع من التنازع الداخلي بين هذه القوانين، وهو ما أطلق عليه الفقه تنازع القوانين من حيث الزمان، أما التنازع الدولي للقوانين فقد اطلق عليه مصطلح تنازع القوانين من حيث المكان، ولقد اخذ المشرع الأردني بهذا المعني وأطلق عليه مصطلح التطبيق المكاني للقانون.
ـ فمشكلة تنازع القوانين لا تكون فيما لو كانت المراكز القانونية المطروحة أمام المحكمة وطنية بجميع عناصرها، فلو أن نزاعاً نشب بين طرفين أردنيين بشأن عقد أبرم في الأردن وتعلق بمال داخل الأردن، فلا شك هنا أن القانون الواجب التطبيق هو القانون الأردني، كون العلاقة محل النزاع وطنية بجميع عناصرها، وتظهر الصفة الأجنبية في هذه العلاقة عن طريق أحد العناصر، فلو كان أحد طرفي العقد أو كليهما أجنبي فإن العلاقة هنا تضمنت عنصر أجنبي وهو عنصر الشخص، كما قد يبرم العقد بين أردنيين ولكن بمال يكون في دولة أجنبية، وفي هذه الحالة تتضمن العلاقة عنصر أجنبي متعلق بعنصر الموضوع أو المحل، وقد يتم إبرام العقد بين أردنيين في مال موجود في الأردن ولكن العقد قد أبرم في دولة أجنبية، وهنا تضمنت العلاقة عنصر أجنبي متمثل في السبب، وبالتالي فإن العنصر الأجنبي يظهر في المراكز والعلاقات القانونية عن طريق الأشخاص أو الموضوع والمحل أو السبب (الواقعة المنشئة للعلاقة)، فإذا ما تضمنت العلاقة عنصراً أجنبياً فإن التساؤل يثور حول القانون الواجب التطبيق والنظام القانون الأنسب الذي يحكم هذه العلاقة، كما أنه لا يكفي وجود العنصر الأجنبي فقط بل يجب أن يكون العنصر الأجنبي مؤثر في العلاقة بشكل يضفي عليها الطابع الدولي الذي يثير مشكلة تنازع القوانين.[2]
ـ ويتم حل مشكلة التنازع بين القوانين عن طريق ترجيح أحد القوانين المتنازعة سواء كان القانون المرجح وطنيا أم أجنبيا ويكون ذلك بناء على قواعد الإسناد التي يضعها المشرع الوطني، وإلى مصادر القانون الدولي الخاص حال خلو التشريع الوطني من هذه النصوص لتعيين القانون الواجب التطبيق وبالتالي فض هذا التنازع وإسناد العلاقة القانونية إلى القانون الذي يحكمها، فتنازع القوانين يمر بمرحلتين الأولي مرحلة تحديد القانون الواجب التطبيق وهو ما يعرف بقاعدة الإسناد والتي من خلالها يتم إسناد التنازع لقانون معين، والمرحلة الثانية وهي مرحلة تطبيق القانون الذي تم اختياره، وقواعد الإسناد هذه ما هي إلا قواعد محلية يقوم بتحديدها المشرع الوطني وفق سيادة كل دولة ولما تراه مناسباً لها من هذه القواعد، كما أنه وفي الآونة الأخيرة ظهرة بجانب قواعد الإسناد قواعد أخرى موضوعية تبين وبشكل صريح الحل حال وجود عنصر اجنبي وهذه القواعد تم الاتفاق والنص عليها في المعاهدات والاتفاقيات الدولية.[3]
ـ وقد أكد المشرع الأردني على تطبيق أحكام الاتفاقيات والمعاهدات الدولية بالنص في المادة (24) من ذات القانون على أنه ” لا تسري أحكام المواد السابقة إذا وجد نص في قانون خاص أو في معاهدة دولية نافذة في المملكة الأردنية الهاشمية يتعارض معها “.
ـ كما أنه حال عدم وجود نص بشأن تنازع القوانين في التشريعات الوطنية فإنه يتم الرجوع لأحكام القانون الدولي الخاص وهو ما أكدت عليه المادة (25) من ذات القانون والتي نصت على : ” تتبع مبادئ القانون الدولي الخاص فيما لم يرد في شانه نص في المواد السابقة من أحوال تنازع القوانين “.
ثانيا: شروط تنازع القوانين ونطاقه
أـ شروط تطبيق قاعدة تنازع القوانين: بداية نشير إلى أنه لا يمكن تطبيق أي قانون أجنبي يكون من شأنه مخالفة النظام العام والآداب في الدولة، وهو ما أكدت عليه المادة (29) من القانون المدني الأردني بالنص على أنه: ” لا يجوز تطبيق أحكام قانون أجنبي عينته النصوص السابقة إذا كانت هذه الأحكام تخالف النظام العام أو الآداب في المملكة الأردنية الهاشمية “.
ـ كما أنه وبشأن قيام قاعدة تنازع القوانين فإنه يجب أن يتوفر الآتي:
1ـ أن يكون هناك علاقة قانونية ذات طابع دولي: وتعتبر هذه العلاقة هي السبب الأساسي والمنشئ للقانون الدولي الخاص بصفه عامة ولقاعدة تنازع القوانين بصفه خاصه.[4]
ـ فالتنازع القانوني لا يثور إلا من خلال وجود علاقات قانونية دولية تتصل بالقانون الدولي الخاص، ومن ثم فإن هذا التنازع لا يمكن أن يرد على القوانين العامة كقانون العقوبات والقانون الإداري وقانون الضرائب حيث أن كل دولة تطبق قانونها على كافة الجرائم التي تقع على أرضها بغض النظر عن جنسية مرتكبها فهي قوانين ترتبط بمصلحة الدولة وسيادتها على إقليمها، ومن هنا يمكن القول بأنه يجب لكي يتم تطبيق قاعدة تنازع القوانين أن يتم تحديد عناصر العلاقة القانونية، فأحد عناصر العلاقة القانونية هو الأساس في تطبيق قاعدة تنازع القوانين سواء كان هذا العنصر هو شخص العلاقة القانونية أو السبب المنشئ للعلاقة القانونية أي الواقعة المادية في العلاقة، وقد يكون العنصر هو محل العلاقة ذاتها ومحل العلاقة هو موضوع هذه العلاقة القانونية.
2ـ وجود أكثر من نظام قانوني مختلف يمكن أن يطبق على العلاقة القانونية: حيث أنه لا تثار مشكلة حال كون هناك نظام قانوني واحد أو متشابه فيكون أي منهم هو الواجب التطبيق على العلاقة حيث لا يوجد أي تنازع أو اختلاف في ذلك طالما أن الحكم في النهاية واحد، ولكن تثار قاعدة التنازع عندما تختلف النظم القانونية ويجب ألا يصل هذا الاختلاف لحد التعارض مع المفاهيم والمبادئ الأساسية المعمول بها في الدولة أو أن يخالف النظام العام والآداب.
3ـ موافقة المشرع الوطني: فلا يمكن أن يتم تطبيق قانون دولة أجنبية في مسألة معينة دون إجازة المشرع الوطني لذلك، وذلك إعمالاً لمبدأ سيادة القانون الوطني ووجوب تطبيقه، ومن ثم فإن قاعدة التنازع لا يمكن إثارتها إلا حال قيام المشرع الوطني بالسماح بتطبيق قانون أخر في بعض الحالات غير قانونه الوطني.
ب ـ نطاق تطبيق قاعدة تنازع القوانين: يجب هنا أن نفرق بين أمرين الأول عما إذا كان هذا التنازع داخلي وهو ما يطلق عليه التنازع الزماني، وهو التنازع الذي قد يحدث بسبب قيام المشرع بإلغاء تشريع وإصدار تشريع أخر بدلاً منه، وقد يحدث ذلك أيضا في حال تعدد الولايات في الدولة الواحدة ويكون لكل ولاية قانونها الخاص بها كما هو في الولايات المتحدة الأمريكية فتحدث هنا قاعدة التنازع بشأن أي القانونين هو الواجب التطبيق، وهذا التنازع لا يخضع لقواعد القانون الدولي الخاص وهو ما سلكه المشرع الأردني وقت قيامة بتنظيم قواعد تنازع القوانين في القانون المدني، وقد أقر المشرع الأردني بتطبيق القانون الأصلح للفرد، وقد أكدت المادة الثامنة من القانون المدني الأردني رقم 43 لسنة 1976 على ذلك بالنص على: ” 1ـ إذا قرر النص الجديد مدة للتقادم أقصر مما قرره النص القديم سرت المدة الجديدة من وقت العمل بالنص الجديد ولو كانت المدة القديمة قد بدأت قبل ذلك.
2ـ أما إذا كان الباقي من المدة التي نص عليها القانون القديم أقصر من المدة التي قررها النص الجديد فان التقادم يتم بانقضاء هذا الباقي”.
ـ كما أن هناك نوع آخر من التنازع وهو التنازع الخارجي أو الدولي أو ما يطلق عليه التنازع المكاني، وهو التنازع الذي يظهر بين قوانين دول مختلفة، لكل منها سيادته التامة على أرضة، كالتنازع بين القانون الأردني وقانون دولة أخرى لها قانونها الوطني المستقل، وحال هذا الخلاف يتم اللجوء إلى تعيين القانون الواجب التطبيق وفق قواعد القانون الدولي الخاص فيما لم يرد المشرع الوطني نص بشأنه ، وهو ما أكد عليه المشرع الأردني في نص المادة (24) من ذات القانون بالنص على أنه : ” لا تسري أحكام المواد السابقة إذا وجد نص في قانون خاص أو في معاهدة دولية نافذة في المملكة الأردنية الهاشمية يتعارض معها “.
ـ كما أكدت المادة (25) من ذات القانون على : ” تتبع مبادئ القانون الدولي الخاص فيما لم يرد في شأنه نص في المواد السابقة من أحوال تنازع القوانين “.
ـ كما أن الأصل العام هو أن تنازع القوانين لا يكون إلا في العلاقات الخاصة بين الأفراد ولا تكون الدول طرف في هذه العلاقة كما هو الحال في العلاقات المدنية والتجارية ومسائل الأحوال الشخصية والتي من الممكن قبول تطبيق قانون أجنبي على إقليم الدولة بموافقة المشرع الوطني حرصا على مصلحة الأفراد دون إضرار بالصالح العام للمجتمع، أما العلاقات التي تكون الدولة طرف فيها فإنها لا تثير قاعدة تنازع القوانين كون القانون الوطني هو الواجب التطبيق كون هذا القانون هو صاحب السيادة والمحقق للمصلحة العامة للدولة، وعلى سبيل المثال حال ارتكاب الشخص الوطني أو الأجنبي جريمة على إقليم الدولة فإن قانون العقوبات الأردني هو الواجب التطبيق، وهو ما أكدت عليه المادة العاشرة من قانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960 بالنص على: ” تسري أحكام هذا القانون:
1ـ على كل أردني فاعلاً كان أو شريكا محرضا أو متدخلا- ارتكب خارج المملكة جناية أو جنحة يعاقب عليها القانون الأردني. كما تسري الأحكام المذكورة على من ذكر ولو فقد الجنسية الأردنية أو اكتسبها بعد ارتكاب الجناية أو الجنحة.
2ـ على الجرائم التي يرتكبها خارج المملكة أي موظف أردني أثناء ممارسته وظيفته أو بمناسبة ممارسته إياها.
3ـ على الجرائم التي يرتكبها خارج المملكة موظفو السلك الخارجي ، والقناصل الأردنيون ما تمتعوا بالحصانة التي يخولهم إياها القانون الدولي العام.
4ـ على كل أجنبي مقيم في المملكة الأردنية الهاشمية ، فاعلا كان أو شريكا محرضا أو متدخلا ، ارتكب خارج المملكة الأردنية الهاشمية جناية أو جنحة يعاقب عليها القانون الأردني. إذا لم يكن استرداده قد طلب أو قبل”.
ـ كما أن المشرع أوجب تطبيق قانون دولة الشخص بالنسبة للحالة المدنية والأهلية القانونية للأشخاص، إلا أنه واستثناء من ذلك فإنه بالنسبة للتصرفات المالية التي تتم في المملكة وكان أحد الأطراف أجنبي ناقص الأهلية وفقاً لقانون دولته ولم يكن في وسع الطرف الأخر معرفه ذلك فإنه يتم تطبيق القانون الأردني بشأن الأهلية، وهو ما أكدت عليه المادة (12) من القانون المدني بالنص على : ” 1ـ يسري على الحالة المدنية للأشخاص وأهليتهم قانون الدولة التي ينتمون إليها بجنسيتهم. ومع ذلك ففي التصرفات المالية التي تعقد في المملكة الأردنية الهاشمية وتترتب آثارها فيها إذا كان أحد الطرفين أجنبيا ناقص الأهلية وكان نقص الأهلية يرجع الى سبب فيه خفاء لا يسهل على الطرف الآخر تبينه، فان هذا السبب لا يؤثر في أهليته.
2ـ أما النظام القانوني للأشخاص الحكمية الأجنبية من شركات وجمعيات ومؤسسات وغيرها، فيسري عليه قانون الدولة التي اتخذت فيها هذه الأشخاص مركز إدارتها الرئيسي الفعلي، فاذا باشرت نشاطها الرئيسي في المملكة الأردنية الهاشمية فان القانون الأردني هو الذي يسري”.
ـ مما سبق يتضح أن تطبيق قاعدة تنازع القوانين لا يتم إلا في العلاقات الخاصة وبشأن تطبيق القوانين الخاصة المدنية والتجارية والأحوال الشخصية والتي لا تكون الدولة طرفاً فيها، ومن ثم فالقانون العام لا يدخل في هذه القاعدة، غير أن هذا الأصل قد يرد عليه استثناء إذ من الممكن أن يتم النظر في تطبيق القانون العام الأجنبي بصفه تبعيه ، وذلك في حال صدور حكم قضائي خارج المملكة ويراد تنفيذه في المملكة يجعلنا ننظر في مدى نهائية هذا الحكم وتحقق شروطه الشكلية وفق القانون الأجنبي وليس القانون الوطني، كما قد يتم الدفع حال تطبيق القانون الأجنبي بعدم دستوريته فهنا يوقف الفصل في الدعوى من أجل قيام القاضي بالتحقق من هذا الدفع وفق الدستور الأجنبي.[5]
ثالثا: التعرف على قاعدة الإسناد:
إن مسألة تحديد القانون الواجب التطبيق واختياره من بين القوانين المتنازعة مسألة بالغة الصعوبة، ومن أجل الوصول لحل لهذه المسألة وتنازل الدولة عن تطبيق قانونها والسماح بتطبيق قانون دولة أجنبية على أرضها يجب أن يتم تحديد طبيعة النزاع تمهيداً للوصول للقاعدة القانونية والقانون الواجب التطبيق على هذا النزاع، وهو ما يتم بموجب قاعدة قانونية تعرف باسم قاعدة أو قواعد الإسناد، فهذه القاعدة تقوم بالدور الأساسي لحل مشكلة تنازع القوانين من خلال تحديد القانون الأنسب لحكم العلاقة ذات الطابع الدولي والتي يتزاحم عليها أكثر من قانون.
ـ ورغم الدور الهام والأساسي لقاعدة الإسناد في تحديد القانون الواجب التطبيق على النزاع إلا أن المشرع الأردني لم يعرفها ولم يقم بإفراد نص صريح لها داخل التشريع الوطني، وقد أدى ذلك إلى توجه فقهاء القانون الدولي الخاص إلى إيجاد تعريف محدد لقاعدة الإسناد، فقد عرفها البعض بأنها: ” تلك القاعدة القانونية التي تقوم بوظيفتها الأساسية نحو الإشارة أو الإسناد إلى قانون يتولى حل النزاع في العلاقات ذات الطابع الدولي “.[6]
ـ فيجب بداية وقبل إسناد النزاع لقانون معين أن يتم تكييف هذا العلاقة موضوع النزاع، حيث أن تحديد طبيعة العلاقة القانونية المتنازع عليها وإرجاعها لقانون معين تعد مسألة أساسية يجب أن يتم حلها قبل اختيار وتحديد القانون الواجب التطبيق، ومسألة التكييف هذه تتم بمقتضي قانون القاضي المرفوع أمامه النزاع وفقاً لما أخذ به المشرع الأردني من أن القانون الأردني هو الأساس الذي يتم بموجبه تحديد القانون الواجب التطبيق، وبالتالي إسناد النزاع له لحله وفقاً لنصوصه، وهو ما أكدت عليه المادة (11) من القانون المدني الأردني بالنص على : ” القانون الأردني هو المرجع في تكييف العلاقات عندما يطلب تحديد نوع هذه العلاقات في قضية تتنازع فيها القوانين لمعرفة القانون الواجب تطبيقه من بينها “.
ـ ويتضح من خلال النص السابق أن المشرع الأردني أوجب على القاضي حال عرض عليه نزاع به علاقة قانونية بها عنصر أجنبي أن يرجع للقواعد القانونية المعمول بها داخل المملكة من أجل تحديد طبيعة العلاقة موضوع النزاع تمهيداً لإسنادها لنظام قانوني معين وبالتالي ينحصر دورها في تحديد القانون الواجب التطبيق فقط ولا يمتد لما قد يلحق من تكيفات حيث انهها تخرج من اختصاص القانون الأردني وتدخل في اختصاص القانون الذي تم اختياره ليطبق على النزاع.
ـ بعد تحديد طبيعة النزاع وإصباغ الوصف القانوني عليها ومن ثم تحديد القانون الواجب التطبيق قد تظهر بعض الصعوبات في التطبيق كاختلاف قواعد الإسناد في الدولتين كأن يعرض نزاع بشأن الأهلية ويكون الإسناد فيه للقانون الإنجليزي وفقاً للقانون الأردني الذي أوجب أن تكون الأهلية وفقاً لجنسية الشخص في حين أن قواعد الإسناد في القانون الإنجليزي بشأن الأهلية تكون لموطن الشخص فإن كان هذا الشخص مقيم في الأردن فإنه ووفقاً لقواعد الإسناد الإنجليزية يكون الاختصاص للقانون الأردني ومن ثم نكون هنا أما ما يطلق عليه بالإحالة، والأصل العام داخل المملكة الأردنية الهاشمية هو عدم الأخذ بفكره الإحالة، حيث نصت المادة (28) من القانون المدني الأردني على: ” إذا تقرر أن قانوناً أجنبياً هو الواجب التطبيق فلا يطبق منه إلا أحكامه الداخلية دون التي تتعلق بالقانون الدولي الخاص “، وبناء على ذلك يجب على القاضي أن يطبق القواعد الموضوعية للقانون الأجنبي الواجب التطبيق، دون النظر فيما يراه المشرع الأجنبي من قواعد إسناد خاصة به.
ـ واستثناء من ذلك فقد أجاز المشرع الأردني الخروج على هذا المبدأ والأصل العام وتطبيق قواعد الإسناد التي وردت في قانون خاص أو في اتفاقية دولية، وذلك وفقاً لما جاء في المادة (24) من ذات القانون بالنص على: ” لا تسري أحكام المواد السابقة إذا وجد نص في قانون خاص أو في معاهدة دولية نافذة في المملكة الأردنية الهاشمية يتعارض معها “.
ـ كما أنه حال إسناد التنازع لقانون دولة تتعدد فيها الشرائع فإن قانون هذه الدولة هو الذي يحدد أي الشرائع يتم تطبيقها، وقد أكدت على ذلك المادة (27) من ذات القانون بالنص على: ” إذا ظهر من الأحكام الواردة في المواد المتقدمة أن القانون الواجب تطبيقه هو قانون دولة معينة تتعدد فيها الشرائع، فان القانون الداخلي لتلك الدولة هو الذي يقرر أية شريعة منها يجب تطبيقها “.
ـ وقد وضع المشرع الأردني قواعد إسناد منظمة لمراكز قانونية لعدد من الطوائف الرئيسية، فأوجد قواعد إسناد للقانون الواجب التطبيق بشأن الأحوال الشخصية، والذي يشمل مسائل الزواج والطلاق والولادة والنسب والوصية والميراث والنفقة والحضانة والأهلية والولاية، وقد أخضع المشرع الأردني جميع هذه المسائل لقاعدة إسناد واحدة هي تطبيق قانون الجنسية، كما أن هناك قوعد إسناد للقانون الواجب التطبيق على الأموال سواء كانت هذه الأموال منقولات أم عقارات، فقد ينشأ نزاع بخصوص علاقة قانونية دولية تؤدي لتنازع القوانين، وقد أوجب المشرع الأردني أن يتم إسناد النزاعات الخاصة بهذا الشأن إلى قانون دولة الموقع حيث نصت المادة (19) من ذات القانون على: ” يسري على الحيازة والملكية والحقوق العينية الأخرى قانون الموقع فيما يختص بالعقار ويسري بالنسبة الى المنقول قانون الجهة التي يوجد فيها هذا المنقول وقت تحقق السبب الذي ترتب عليه كسب الحيازة، أو الملكية، أو الحقوق العينية الأخرى، أو فقدها “، كما أن هناك نوع ثالث من قواعد الإسناد وهو بشأن تحديد القانون الواجب التطبيق على التصرفات والالتزامات القانونية، فقد أخضع القانون الأردني التصرفات إلى قانون محل الإبرام واستثناء من ذلك فقد أجاز أن يتم اختيار قانون أخر، وقد أكدت ذلك المادة (21) من ذات القانون بالنص على : ” تخضع العقود ما بين الأحياء في شكلها لقانون البلد الذي تمت فيه ويجوز أيضا أن تخضع للقانون الذي يسري على أحكامها الموضوعية كما يجوز أن تخضع لقانون موطن المتعاقدين أو قانونهما الوطني المشترك “.
ـ كما أنه وبالنسبة للالتزامات فهناك التزامات تعاقدية وقد أوجب المشرع الأردني أن يتم إخضاعها لقانون موطن التعاقد، وفي ذلك نصت المادة (20) من ذات القانون على: ” 1ـ يسري على الالتزامات التعاقدية قانون الدولة التي يوجد فيها الموطن المشترك للمتعاقدين إذا اتحدا موطناً فان اختلفا سرى قانون الدولة التي تم فيها العقد. هذا ما لم يتفق المتعاقدان على غير ذلك. 2ـ على أن قانون موقع العقار هو الذي يسري على العقود التي أبرمت في شأن هذا العقار “، وقد تكون هذه الالتزامات غير تعاقدية وقد أخضعها المشرع الأردني لقانون البلد الذي تمت فيه هذه التصرفات، وقد نصت على ذلك المادة (22) من ذات القانون من أنه ” 1ـ يسري على الالتزامات غير التعاقدية قانون البلد الذي وقع فيه الفعل المنشئ للالتزام.
2ـ ولا تسري أحكام الفقرة السابقة بالنسبة الى الالتزامات الناشئة عن الفعل الضار على الوقائع التي تحدث في الخارج وتكون مشروعة في المملكة الأردنية الهاشمية وان كانت تعد غير مشروعة في البلد الذي وقعت فيه “.
ـ والبين من قواعد الإسناد الواردة في القانون المدني الأردني أن المشرع انتهج عده مناهج في قواعد الإسناد، حيث أنه تارة أخذ بقاعدة الإسناد لأكثر من مسألة خصوصاً في مسألة الأهلية بأن أخضعها لقانون الجنسية، وتارة أخرى تكون قاعدة الإسناد خاص بمسألة واحدة كما في الميراث والواردة في المادة التاسعة عشر من القانون المدني حيث أخضع جميع الحقوق العينية إلى مسألة واحد وهي مركز الأموال، وبالتالي أسندها لقانون موقع هذه الأموال، وتارة أخرى أخذ بأن تكون المسألة الواحدة لها أكثر من قاعدة إسناد كما هو في علاقة الزواج فأخضع الشروط الموضوعية لصحة الزواج إلى قانون كل من الزوجين، وأخضع الآثار المتعلقة بالزواج إلى قانون الدولة التي ينتمي إليها الزوج وقت انعقاد الزواج، وكذلك الطلاق بأن أخضع الطلاق إلى قانون الدولة التي ينتمي إليها الزوج وقت الطلاق.[7]
رابعا: بعض التطبيقات القضائية بهذا الشأن
1ـ الحكم رقم 1371 لسنة 2016 ـ الصادر من محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية، وقد جاء به :” وفي ذلك نجد إن المادة (11) من القانون المدني الأردني والتي تنص على أن ” القانون الأردني هو المرجع في تكييف العلاقات عندما يطلب تحديد نوع هذه العلاقات في قضية تتنازع فيها القوانين لمعرفة القانون الواجب تطبيقه من بينها ” كما تنص المادة (12/2) من القانون ذاته على ما يلي ” أما النظام القانوني للأشخاص الحكمية الأجنبية من شركات وجمعيات ومؤسسات وغيرها فيسري عليه قانون الدولة التي اتخذت فيها هذه الأشخاص مركز إدارتها الرئيسي الفعلي فإذا باشرت نشاطها الرئيسي في المملكة الأردنية الهاشمية فإن القانون الأردني هو الذي يسري “.
2ـ الحكم رقم 1836 لسنة 2017 – محكمة التمييز لأردنية بصفتها الحقوقية وقد جاء في حيثياته أنه: ” وفي ذلك نجد إن المادة (20/1) من القانون المدني نصت على أن ( يسري على الالتزامات التعاقدية قانون الدولة التي يوجد فيها الموطن المشترك للمتعاقدين اذا اتحدا موطناً فإن اختلفا سرى قانون الدولة التي تم فيها العقد هذا اذا لم يتفق المتعاقدان على غير ذلك). وبالرجوع إلى نص المادة المشار إليها نجد إنها بينت القانون واجب التطبيق في الالتزامات التعاقدية والتي لم يتم الاتفاق بين المتعاقدين على القانون الذي يطبق على العقد الذي أبرماه. أما اذا تم الاتفاق بين المتعاقدين على القانون واجب التطبيق فيكون هذا القانون هو الذي ينظم علاقاتهم .
3ـ الحكم رقم 150 لسنة 2019 – الصادر من محكمة بداية حقوق مادبا، وجاء به “بالتطبيق القانوني: …… ونصت المادة 19 من القانون المدني على أن “يسري على الحيازة والملكية والحقوق العينية الأخرى قانون الموقع فيما يختص ب العقار….. “.
5ـ الحكم رقم 245 لسنة 2017 – من محكمة بداية حقوق غرب عمان، وجاء به “حيث أن قواعد الاختصاص القضائي مفردة الجاني (المادة 23 ) من القانون المدني حيث يسري قانون البلد الذي تقوم فيه الدعوى أو تباشر فيه إجراءاتها على قواعد الاختصاص وإجراءات التقاضي، حيث رسم المشرع الوطني حدود اختصاص المحاكم الوطنية، بينما قواعد تنازع القوانين قواعد مزدوجة حيث لا يوجد ما يمنع من تطبيق القانون الأجنبي مال يكن مخالف للنظام العام أو الآداب العام في الأردن، حيث أن الالتزامات التعاقدية يسري عليها القانون الذي يقرر المتعاقدان الخوع لأحكامه صراحة أو ضمنا (وهو القانون اللبناني) مع مراعاة أحكام المادتين (20 و21) من القانون المدني الأردني، وهذا حكم عام يمكن لسلطان الإرادة ويضمن وحدة القانون الواجب تطبيقه على العقد، وهي وحدة تكفلها فكرة تحليل عناصر العقد واختيار القانون الذي يتلاءم مع طبيعة كل منها ( المذكرات الإيضاحية والقانون المدني الأردني، نقابة المحامين الأردنيين ,عمان، الجزء الأول، 2000, ص 51)، مما يتعين الالتفات عنه “.
6ـ الحكم رقم 2728 لسنة 2018 – محكمة بداية شرق عمان بصفتها الاستئنافية، وتضمن الحكم على أن ” تجد محكمتنا : أن المادة ( 20 ) من القانون المدني قد نصت على أنه يسري على الالتزامات التعاقدية قانون الدولة التي يوجد فيها الموطن المشترك للمتعاقدين اذا اتحدا موطناً فان اختلفا سرى قانون الدولة التي تم فيها العقد، هذا ما لم يتفق المتعاقدان على غير ذلك، وحيث أن المتعاقدين ليس لهما موطن مشترك فإن القانون الواجب التطبيق هو القانون الأردني (قانون الدولة التي تم فيها التعاقد) ذلك أن هذه المادة قد تضمنت قاعدة إسناد لحل النزاع المطروح على القاضي الوطني، ولم تتضمن قاعدة موضوعيه لحل النزاع في الاختصاص القضائي الدولي، أضف الى ذلك أن المادة ( 23 ) من القانون المدني توجب تطبيق القانون الوطني للدولة التي تقام فيه الدعوى أو تباشر فيه إجراءاتها على قواعد الاختصاص وإجراءات التقاضي، ومن جهة أخرى فقد وضع المشرع الأردني في المادة ( 29 ) من القانون المدني قاعدة آمره مؤداها عدم جواز تطبيق أحكام القانون الأجنبي الذي تجيز قواعد الإسناد تطبيقه اذا كانت أحكام القانون الأجنبي مخالفه للنظام العام أو الآداب في المملكة، وبما أن موضوع الدعوى هو المطالبة بحقوق عماليه، والعلاقة بين المستأنف ضده والمستأنفة علاقة عمل، وحيث أن نصوص قانون العمل الأردني قد جاءت بقواعد آمره لا يجوز الاتفاق على ما يخالفها بما يسلب من العامل حقوقه أو ينتقص منها لتعلقها بالنظام العام، وعليه فانه من المتوجب تطبيق القانون الأردني على وقائع النزاع (تمييز حقوق رقم 3210/2004، رقم 1095/2000، رقم 1835/1999)، وعليه فان هذه الأسباب لا ترد على القرار المستأنف وتكون مستوجبة للرد قانونا”.
إعداد: د. محمد سعيد
[1] عز الدين عبد الله، القانون الدولي الخاص، دار النهضة العربية، الطبعة السادسة، القاهرة، 1972، صـ 7.
[2] هشام على صادق، الموجز في القانون الدولي الخاص ـ تنازع القوانين، الفنية للطباعة والنشر، الإسكندرية، 1997، صـ 6ـ7.
[3] حسن الهداوي، القانون الدولي الخاص ـ تنازع القوانين ـ المبادئ العامة والحلول الوضعية في القانون الأردني، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، عمان، 1997، صـ 15.
[4] عكاشة محمد عبد العال، أحكام القانون الدولي الخاص اللبناني ـ تنازع القوانين، الجزء الأول، الدار الجامعية للطباعة، بيروت، 1998، صـ 7.
[5] منصور مصطفي منصور، مذكرات في القانون الدولي الخاص ـ تنازع القوانين، دار المعرفة للنشر والتوزيع، القاهرة، 1957، صـ 19.
[6] إبراهيم أحمد إبراهيم، القانون الدولي الخاص ـ تنازع القوانين، دار النهضة العربية، القاهرة، 2002، صـ 153.
[7] حزيقة سعيد بني صالح، قواعد الإسناد بين الحياد والتجريد، كلية الحقوق ـ جامعة اليرموك، الأردن، 2016، صـ 9.

