حوالة الدين في القانون الأردني
في مستهل حديثي عن حوالة الدين ينبغي أن أشير إلى أن القانون المدني الإيطالي قد نظم حوالة الدين، وتلاه القوانين الجرمانية، ولقد أخذ الفقه الإسلامي أيضاً بحوالة الدين، وعلى الرغم من أن المشرع المدني الأردني لم ينظم حوال الحق، لكنه نظم حوالة الدين مستمداً معظم أحكامه من الفقه الإسلامي.
ـ وترتيباً على ما تقدم ظهرت أهمية دراسة حوالة الدين، لأنه يحدث كثيراً في الحياة العملية، أن شخصاً طرفاً في عقد ملزم للجانبين كالإيجار أو المقاولة يرغب في أن ينزل عن هذا العقد إلى الغير بما له من حقوق وما عليه من التزامات، ويجب أن يتم تيسير هذا النزول عن الحقوق عن طريق حوالة الحق، وأيضاً عن الالتزامات عن طريق حوالة الدين، وإذا لم يسمح له بذلك كان هناك حجر عثرة في طريق ما تقتضيه حاجات التعامل من مرونة.
ـ ومما لاشك فيه أن حوالة الدين تتعدد أغراضها، فقد تتم على سبيل التبرع، وقد تتم على سبيل القرض، وأخيراً وهو الغالب قد يقصد بها قضاء دين على المحال عليه للمحيل.
وبناء على كل ما تقدم سوف أحاول في هذا المقال أن أسلط الضوء على حوالة الدين في القانون المدني الأردني، وذلك من خلال العناصر الآتية:-
أولاً: تعريف حوالة الدين وأنواعها
ثانياً: شروط انعقاد حوالة الدين:-
رابعاً: بعض اجتهادات محكمة التميز الأردنية فيما يتعلق بحوالة الدين
أولاً: تعريف حوالة الدين وأنواعها
- تعريف حوالة الدين وأنواعها:-
بادئ ذي بدء ينبغي أن أشير إلى معنى حوالة الدين والذى ورد في المادة (993) من القانون المدني الأردني رقم 43 لسنة 1976 والتي جاء فيها أن :(الحوالة نقل الدين والمطالبة من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه)، ويستفاد من هذا النص السالف بيانه أن أطراف عقد حوالة الدين هم: المحيل وهو المدين الأصلي، والمحال له وهو الدائن، والمحال عليه وهو الشخص الذى يلتزم بالدين بدلاً عن المحيل، والتعريف المشار إليه هو مستمد حسب الرأي الغالب من القول الصحيح للحنفية، وأهم ما يميزه أن الحوالة لا تنقل المطالبة وحدها، بل تنقل معها الدين حيث يبرأ منه المحيل.
ـ وفيما يتعلق بأنواع حوالة الدين فهي تنقسم إلى نوعين:-
النوع الأول: وهى الحوالة المقيدة، أي التي قيدت بأن تعطى من المال الذى للمحيل بذمة المحال عليه أو بيده، وهذا النوع ينقسم إلى ثلاث أقسام:-
- الحوالة التي تقيد بأن تعطى من المطلوب الذى للمحيل بذمة المحال عليه، ويطلق عليها الحوالة المقيدة بالدين.
- الحوالة التي تقيد بأن تعطى من العين التي هي وديعة للمحيل بين المحال عليه، ويطلق عليها الحوالة المقيدة بالعين المودعة.
- الحوالة التي تقيد بأن تعطى من المال المضمون الذى للمحيل بين المحال عليه، ويطلق عليها الحوالة المقيدة بالعين المضمونة.([1])
النوع الثاني: فهي الحوالة المطلقة، وهى الحوالة التي تجرى دون أن يكون للمحيل مال بيد المحال عليه، أو دين للمحيل على المحال عليه، أو عين أمانة، أو مضمونة بين المحال عليه، ولا يتم تقييدها بأن تعطى من الدين أو العين.
ثانياً: شروط انعقاد حوالة الدين:-
جدير بالذكر أن المشرع الأردني وضع شروطاً خاصة لانعقاد حوالة الدين، ورتب على عدم توافر إحداها بطلان الحوالة، وهذه الشروط تتمثل في :-
أ- أن تكون الحوالة منجزة: ويقصد بهذا الشرط ألا تكون حوالة الدين معلقة على شرط غير ملائم، ولا مضافة إلى زمن المستقبل، والشرط الملائم هو ذلك الشرط المتصل بالعقد عرفاً أو شرعاً، وتحققه يعد أمر لابد منه لوجود العقد وصحته، ([2]) وعلى العكس يعد الشرط غير ملائم اذا كان غير جائز، وهو شرط مبطل.
ب- أن لا يكون الأداء فيها مؤجلاً إلى أجل مجهول:- فإذا قال المحال عليه قبلت الحوالة على أن أدفع الدين المحال به إلى المحال له عندما يحدث الزلازل، أو عند هبوب الأعاصير، فالتأجيل في هذا الغرض مقترن بأجل مجهول جهالة فاحشة، يؤدى إلى النزاع وهذا شرط لا منفعة فيه وتبطل الحوالة، بخلاف التأجيل إلى شهر كذا فهذا الأجل معلوم، أو لموسم حصاد القمح هذا العام، فإنه يعد تأجيل متعارف ومعلوم، فتصح الحوالة.
ج- ألا تكون مؤقتة بموعد: لا يخفى عن الفطنة أنه رغم ورود هذا الشرط ضمن شروط انعقاد الحوالة التي جاءت بها المادة (1000) من القانون المدني الأردني، إلا أن هذا الشرط يعد زيادة ولا مبرر له، حيث أن الشرط الثاني يستوعبه، فالدين ينتقل بصفته التي كان عليها قبل الحوالة، فإن كان حالاً كانت الحوالة حالة، وإن كان الدين مؤجلاً كانت الحوالة مؤجلة، بشرط أن يكون الأجل معلوم أو مجهولة جهالة يسيرة، وليست جهالة فاحشة.([3])
د- أن يكون المال المحال به ديناً معلوماً يصح الاعتياض عنه: مما لاشك فيه أن سبب اشتراط أن يكون المال المحال به ديناً أن التحويل أو النقل لحوالة الدين هو نقل حكمي وليس نقل حسى، ومثل هذا النقل يكون في الدين لأنه وصف شرعي في الذمة يظهر أثره عند المطالبة، كذلك يشترط أن يكون الدين معلوماً، لأن الحوالة تقتضى شغل ذمة المحال عليه بالدين ومطالبته به، ولا تشغل ذمة المحال عليه بدين مجهول، ولذلك فإن حوالة الدين مجهول لا تصح، كما لو قال إني قبلت حوالة ما يثبت لك من الدين عند فلان.
ـ كما يشترط لصحة حوالة الدين أن يكون الدين مما يصح الاعتياض عن المال المحال به، فما لا يصح الاعتياض عنه كدين الزكاة مثلاً لا تصح به حوالة الدين.
هـ- يشترط في المال المحال عليه في الحوالة المقيدة أن يكون ديناً أو عيناً يصح الاعتياض عنه، وأن يكون كلا الماليين متساويين جنساً وقدراً وصفه: فالمشرع الأردني قد أخذ بالمذهب الحنفي في أنه يشترط لصحة حوالة الدين أن يكون للمحيل دين في ذمة المحال عليه وإلا فلا تصح، حتى لو رضى المحال عليه غير المدين بها كما أنها تصح عندهم على العين التي عنده أمانة أو مضمونة، ويشترط أن لا يكون المحال عليه مما يصح الاعتياض عنه أي يجوز بيعه.
ـ كما اشترط المشرع الأردني تساوى المالين جنساً وقدراً وصفة، والمراد بالصفة ما يتعلق بالجودة والرداءة والسلامة والعيب، فمثلاً لا تصح الحوالة بنقود فضية على ذهبية أو بالعكس، ولا بقمح على شعير، وهكذا.([4])
و- أن يكون عقد الحوالة إرفاقاً محضاً: وذلك يعني أنها عقد إرفاق منفرد بنفسه، وليس محمول على غيره من العقود والتصرفات، فلا تكون بيعاً لأنه لا يجوز بيع دين بدين، لأنه بيع مال بجنسه والحوالة لفظها ينبئ بالتحول لا بالبيع، والحوالة عقد قائم بنفسه شرع لحاجة الناس، ولقد أضاف المشرع الأردني في الفقرة السادسة من المادة (1000) من القانون المدني الأردني، أنه يجب أن لا يكون لأحد أطرافها جعل، والجعل هو المنفعة أو الأجر لأنه اذا قبل شخص حوالة دين من مدين على أن يجعل له جعلاً كانت الحوالة مشروطة وهذا غير جائز، كما أنه اذا شرط به الجعل مع ضمان المثل فقد شرط له الزيادة على ما أقرضه وذلك باطل لأنه ربا.
ثالثاً: آثار حوالة الدين
1ـ علاقة المحال له والمحال عليه: من المسلم به أن يترتب على حوالة الدين بالنسبة لعلاقة المحال له والمحال عليه مسائل ثلاث وهى:-
أـ استخلاف المحال عليه في الدين: مما لاشك فيه أن يترتب على انعقاد حوالة الدين حلول المحال عليه محل المدين الأصلي (المحيل) واستخلافه في الدين نفسه، فتبرأ ذمة المدين الأصلي اذا أقر الدائن صراحة أو دلالة الحوالة المنعقدة بين المدين والمحال عليه، فيعتبر المدين الجديد خلفاً للأصيل على الدين من تاريخ انعقاد الحوالة، ويعد المحال عليه خلفاً خاصاً للمحيل في الدين، وهو استخلاف سلبى وليس إيجابي لأنه استخلاف في الدين وليس في الحق.([5])
وتأكيداً لما سبق نصت المادة (1002) من القانون المدني الأردني على أنه :(يثبت للمحال له حق مطالبة المحال عليه ويبرأ المحيل من المطالبة من الدين ومن المطالبة معاً اذا انعقدت الحوالة صحيحة، ولا يفوتنا أن ننوه على أن الدين ينتقل بصفاته، فإذا كان حالاً انتقل بصفته كذلك، وإن كان تجارياً أو منتجاً لفوائد انتقل كذلك إلى المحال عليه ولو كان يجهل ذلك).
ـ ويترتب على براءة ذمة المدين الأصلي والتزام المدين الجديد من وقت تاريخ نفاذها، أنه لو زالت عن المحال عليه أهليته بعد انعقاد الحوالة وقبل الإقرار، فلا يكون لذلك أثر في صحة التزامه قبل الدائن، لأن الدائن يعد طرفاً في التعاقد السابق، ولو نشأ سبب من أسباب المقاصة لصالح المدين الأصلي في هذه الفترة فلا يجوز التمسك بمثل هذا السبب لأن الأصيل قد برأت ذمته من الدين.
ب ـ مصير التأمينات المخصصة لضمان الوفاء بالدين:-
في الواقع أنه يجب التفرقة بين نوعين من التأمينات وهما:-
*النوع الأول: الضمانات العينية التي تأتى من جهة المدين الأصلي: كما لو قدم المدين الأصلي ضماناً للدين كرهن رسمي أو حيازي، أو يكون الدين مضمون بامتياز ثم تحول الدين إلى ذمة المحال عليه، فإنه يبقى هذا الدين مضموناً بالرهن الرسمي أو الرهن الحيازي، بل ويبقى الدين محتفظاً بحق الامتياز كما كان وهو في ذمة المدين الأصلي، ويصبح المدين الأصلي في هذا الحالة بمثابة كفيل عيني فذمته برئت من الدين بالحوالة ولكن ماله بقى مرهوناً لضمان الدين.([6])
*النوع الثاني: الضمانات الشخصية أو العينية التي يقدمها كفيل المدين للدائن: فقد يكون الدين المحال به مكفولاً بشخص غير المدين الأصلي كفالة شخصية أو كفالة عينية، فهنا قد يثار تساؤل هام، وهو هل يلزم الكفيل الشخصي أو العيني الذى قدم رهناً لضمان المدين بكفالة المحال عليه؟ في الحقيقة أنه لا يلزم الكفيل بكفالة المحال عليه اذا تحول الدين من المدين الأصلي إليه، بل يجب رضا الكفيل لهذه الحوالة حتى يصبح كفيلاً لشخص غير المدين الأصلي الذى رضى أن يكفله.([7])
جـ- الدفوع التي يجوز للمحال عليه التمسك بها قبل الدائن: نصت المادة (1005) من القانون المدني الأردني على ما يلى :(للمحال عليه أن يتمسك قبل المحال له بكافة الدفوع المتعلقة بالدين، والتي كانت له في مواجهة المحيل، وله أن يتمسك بكافة الدفوع التي للمحيل قبل المحال له).
ـ ويستفاد من النص سالف البيان، أنه يجوز للمحال عليه أن يتمسك قبل الدائن بالأنواع التالية من الدفوع:-
النوع الأول: الدفوع التي كان للمدين الأصلي أن يتمسك بها: فطالما أن الدين الذى ينتقل إلى ذمة المحال عليه هو نفس الدين الذى كان في ذمة المدين الأصلي، وأن المحال عليه أصبح خلفاً للمدين الأصلي في هذا الدين، فإنه يترتب على ذلك أن جميع الدفوع التي كان يستطيع المدين الأصلي أن يدفع بها هذا الدين، يجوز للمحال عليه أن يتمسك بها قبل الدين.
ـ وهذه الدفوع منها ما يرجع الى بطلان الدين، كأن يكون الدين ناشئ عن عقد باطل بسبب عدم التراضي، أو لعدم مشروعية السبب، أو لأنه ناشئ عن عقد قابل للإبطال بسبب نقص الأهلية، أو الغلط، أو التدليس، أو الإكراه، أو الاستغلال.
ـ وهناك دفوع ترجع إلى فسخ الدين، كأن يكون الدين المحال به ثمناً في عقد بيع تم بين الدائن والمدين الأصلي، ثم لم يسلم الدائن المبيع إلى المدين الأصلي، فإن هذا المدين لو بقى الثمن في ذمته ولم يحل به على غيره أن يدفع المطالبة بفسخ البيع، كذلك يستطيع المحال عليه أن يطالب فسخ البيع مكانه.
ـ وهناك من الدفوع ما يرجع إلى انقضاء الدين، كما لو انقضى الدين بالوفاء، أو التجديد، أو استحالة الوفاء، أو الإبراء، أو التقادم.
النوع الثاني: الدفوع المستمدة من عقد الحوالة: فإذا كان للمحال عليه دفع مستمد من الاتفاق، فمن حقه أن يتمسك به قبل الدائن، كعدم مشروعية المحل بأن كان الدين المحال به دين قمار مثلاً وإذا تمت الحوالة باتفاق بين المحال له والمحال عليه فيجوز للمحال عليه أن يتمسك قبل الدائن بجميع العيوب التي تلحق هذا الاتفاق من محل غير مشروع، أو نقص في الأهلية، أو عيب في الإرادة، أو تحقق شرط فاسخ، أو عدم تحقق شرط واقف.([8])
النوع الثالث: الدفوع المستمدة من العلاقة ما بين المحيل والمحال عليه: يحدث كثيراً أن يكون سبب الحوالة موجوداً في العلاقة التي تقوم ما بين المدين الأصلي والمحال عليه، ومثال ذلك: أن يبيع صاحب المتجر متجره ويحوّل إلى المشترى في عقد البيع ذاته الديون التي على المتجر، فالمحال عليه هو مشترى المتجر، وعلاقته بالمدين الأصلي – وهو البائع – يحددها عقد بيع المتجر، وفى هذه العلاقة بالذات يقوم سبب الحوالة، فلولا البيع لما كانت الحوالة، فإذا فرضنا أن البيع قد فسخ بسبب يقتضى الفسخ، بأن أخل البائع بأحد التزاماته مثلاً، فهل يستطيع المشترى المحال عليه أن يتمسك قبل الدائن بفسخ البيع، فيمتنع عن دفع الدين المحال به الذى ما كان ليقبل نقله إلى ذمته لولا أنه اشترى المتجر.
ـ في الحقيقة إذا رجعنا إلى القواعد العامة في نظرية السبب رأينا أن سبب الحوالة وهو الباعث الذى دفع المحال عليه إلى قبول الحوالة هو شراء المتجر وهو سبب فرضنا أن الدائن يعلم به، فإذا فسخ بيع المتجر انعدام السبب وبطلت الحوالة، ولا يمكن أن نجرد التزام المحال عليه عن سببه.
ـ ولقد افترضنا في المثال السابق أن حوالة الدين انعقدت بالاتفاق بين المدين الأصلي والمحال عليه ثم أقرها الدائن، فيمكنه بذلك أن يتصل بالسبب الذى التزم من أجله المحال عليه بتحمل الدين وأن يعلم به، أما إذا كانت الحوالة قد انعقدت باتفاق بين الدائن والمحال عليه دون اشتراك المدين الأصلي، فإن العلاقة التي تربط المدين الأصلي بالمحال عليه لا شأن لها بهذا الاتفاق بل تعد أجنبية عنه، ومن ثم فلا يجوز إذاً للمحال عليه أن يحتج على الدائن بدفوع مستمدة من هذه العلاقة.([9])
2ـ علاقة المحيل والمحال عليه: وهنا يلزم التفرقة بين مرحلتين:-
أـ مرحلة ما قبل إقرار الدائن للحوالة أو عند رفضها:ـ جدير بالذكر أن المشرع الأردني لا يرتب على عقد الحوالة أية آثار بين طرفيها ما دام لم يقرها الدائن، وفى حالة رفض إقرارها من قبل الدائن اعتبرها كأن لم تكن.
ب ـ مرحلة ما بعد إقرار الدائن للحوالة: من المسلم به أن المشرع المدني الأردني قد أخذ بما جاء في الفقه الحنفي من تقسيم الحوالة إلى مقيدة ومطلقة، ورتب على كل نوع من هذه الحوالة أحكاماً مختلفة:-
- فبالنسبة للحوالة المطلقة فإن المحال عليه فيها قد لا يكون مديناً للمحيل، وليس للمحيل عنده عين مودعه أو مغصوبة وهنا يرجع المحال عليه على المحيل بعد الأداء لا قبله، ويرجع عليه بالمحال به لا بما أداه فعلاً، فإذا كان المحال به مبلغاً من النقود ولكن المحال عليه أدى شيئاً آخر كبضاعة مثلاً، فإنه يرجع على المحيل بالمبلغ المحال به لا بقيمة البضاعة.([10])
وإذا كان المحال عليه مديناً للمحيل، أو كان للمحيل عنده عين مودعة أو مغصوبة، ولم يقيد المحيل الأداء بماله على المال عليه من دين أو عين، فإن له (المحيل) أن يطالب المحال عليه بالدين الذى له في ذمته أو بالعين المودعة أو المغصوبة، وذلك إلى أن يؤدى المحال عليه بالدين المحال له، فإذا أداه سقط ما عليه للمحيل بقدر ما أدى كما جاء في المادة (1006) مدنى أردني، وذلك لأن الحوالة لم تتعلق بشيء من ذلك (الدين أو العين) التي عند المحال عليه، ولكن لو أدى المحال عليه الدين للمحال له سقطت مطالبة المحيل للمحال عليه لسقوط دينه قصاصاً، وإن كان ما أداه أقل من دين المحيل سقط بقدره وبقى الباقي في ذمته للمحيل.
ـ أما في الحوالة المقيدة ينقطع حق مطالبة المحيل بما له من دين في ذمة المحال عليه أو بما له من مال في يد المحال عليه إلى المحيل بعد إجراء الحوالة، لأن أخذ هذا المال أو ذلك الدين يبطل حق المحال له فلا يجوز، وليس للمحال عليه أن يعطى ذلك المال أو الدين إلى المحيل بعد إجراء الحوالة المقيدة به، وإذا فعل ذلك كان ضامناً، لأنه يكون قد استهلك ما لا تعلق به حق المحال له، ويرجع بعد الضمان على المحيل.
3ـ علاقة المحال له والمحيل: يترتب على حوالة الدين براءة ذمة المدين الأصلي (المحيل) نحو الدائن (المحال له) من الدين ومن المطالبة معاً، كما يترتب عليها أيضاً أن يضمن المدين الأصلي للدائن يسار المحال عليه وذلك وقت الحوالة ما لم يتفق على غير ذلك، ويلتزم المحيل بأن يسلم إلى المحال له سند الحق المحال به وكل ما يلزم من بيانات أو وسائل لتمكنه من حقه.
ـ وقد يثار في الأذهان تساؤلاً هاماً ألا وهو ما أثر موت المحيل على الحوالة؟
ولقد أجابت المادة (1012) من القانون المدني الأردني عن هذا السؤال بأن نصت على أنه 🙁 1- إذا مات المحيل قبل استيفاء دين الحوالة المقيدة اختص المحال له بالمال الذى بذمة المحال عليه أو بيده في أثناء حياة المحيل، 2- ويبقى أجل الدين في الحوالة بنوعيها اذا مات المحيل ويحل بموت المحال عليه).
ـ ولا يفوتنا أن ننوه على أن الحوالة المقيدة تبطل اذا سقط المدين، أو استحقت العين بأمر سابق عليه ويرجع المحال له بحقه على المحيل، ولا يخفى عن الفطنة أنها لا تبطل اذا سقط الدين أو استحقت العين بأمر عارض بعدها، أنها لا تبطل اذا سقط الدين أو استحقت العين بأمر عارض بعدها، وللمحال عليه وفقاً للمادة (1013) من القانون المدني الأردني الرجوع بعد الأداء على المحيل بما أداه.
ـ ومن المسلم به أن المحال له أن يرجع على المحيل في الحالات الأتية:-
1- اذا فسخت الحوالة باتفاق أطرافها.
2- اذا جحد المحال عليه الحوالة ولم تكن ثمة بينة بها وحلف على نفيها.
3- اذا مات المحال عليه مفلساً قبل أداء المدين.
4- اذا حكمت المحكمة بإفلاسه قبل الأداء.
5- اذا بطلت الحوالة المقيدة بسقوط الدين أو هلاك العين أو استحقاقها وكانت غير مضمونة.
4ـ علاقة المحال له والغير:-
ـ إن القانون المدني الأردني اشترط لإمكان الاحتجاج بالحوالة على غير المتعاقدين ونفاذها في حق الغير أن يتم إعلانها رسمياً للمحال عليه، أو قبوله لها بوثيقة ثابتة لتاريخ، وهذ الإعلان يتم بناء على طلب المحيل، أو طلب المحال له، فكلاهما له مصلحة في إجرائه، أما إذا حدث تزاحم بين المحال له و الدائنين الحاجزين، فإن نص المادة (1016) من القانون المدني الأردني قد نصت لهذه الحالة ونصت المادة على ما يلى :(1- اذا وقع تحت يد المحال عليه حجز قبل أن تصبح الحوالة نافذة في حق الغير كانت الحوالة بالنسبة إلى الحاجز بمثابة حجز آخر. 2- وفى هذه الحالة اذا وقع حجز بعد أن أصبحت الحوالة نافذة في حق الغير فإن الدين يقسم بين الحاجز المتقدم والمحال له والحاجز المتأخر قسمة غرماء، على أن يؤخذ من حصة الحاجز المتأخر ما يستكمل به المحال له قيمة الحوالة).
رابعاً: بعض اجتهادات محكمة التميز الأردنية فيما يتعلق بحوالة الدين
1ـ حكم محكمة التمييز الأردنية حقوق رقم 295 لسنة 1982 – المبادئ القانونية لمحكمة التميز في القضايا الحقوقية المنشورة في مجلة المحامين منذ بداية سنة 1981-1985 صفحة 659:-حيث جاء فيه:(تجيز المادة العاشرة من قانون وضع الأموال غير المنقولة تأميناً للدين رقم 46 لسنة 1953 حوالة الدين دون موافقة المدين اذا كان سند الدين محرراً للأمر)، كما أن المحكمة لا تشترط رضا المدين اذا وجد ما يثبت أن المدين (المحيل) قد اتفق مع المحال له على جواز حوالة الدين، فهنا لا يشترط الحوصل على رضا المدين (المحيل) بعقد الحوالة الذى تم بين المحال له والمحال عليه).
2ـ حكم محكمة التمييز الأردنية – حقوق رقم 241 لسنة 1964 – المبادئ القانونية لمحكمة التميز في القضايا الحقوقية سنة 1963 – 1970 ص1038 حيث ورد فيه ما يلى: ( يعتبر المدين الموقع على كمبيالة معيبة وبحكم السند العادي قابلاً سلفاً بحوالة الدين بذكره فيها شرط (الأمر)، وبذلك تتوفر في الحوالة شروطها القانونية التي نصت عليها المادة 680 من المجلة، أي رضا المدين والدائن والمحال عليه).
خامساً: الخاتمة
وأخيراً وفى نهاية هذا المقال أوصى المشرع المدني الأردني بضرورة حذف نص المادة (993) من القانون المدني الأردني، والتي عَرفّت حوالة الدين لأن وضع التعريفات ليست من وظيفة المشرع، بل الأجدر به تركها للفقه والقضاء، حيث لا يوجد ضرورة لتعريفها من قبل المشرع.
إعداد الأستاذ: جمال مرعي
[1]– أنظر الزغبي، ابراهيم عودة حسن، وعباس الطراف، “حوالة الدين في القانون المدني الأردني والفقه الإسلامي”: دراسة مقارنة، رسالة ماجستير، الجامعة الأردنية، عمان، 1991 ص142.
[2]– أنظر د. عدنان خالد التركماني، ضوابط العقد في الفقه الإسلامي، دار الشروق للنشر والتوزيع والطباعة، جدة، المملكة العربية السعودية، عام 1981، ص251 – 252.
[3]– أنظر د. إبراهيم عبدالحميد، الموسوعة الفقهية لدولة الكويت، النموذج الثالث، الحوالة، مطبعة الكويت، الكويت، 1970، ص81.
[4]– أنظر الزغبي، إبراهيم عودة حسن، وعباس الصراف، “حوالة الدين في القانون المدني الأردني والفقه الإسلامي”، مرجع سابق، ص149.
[5]– أنظر د. عبد الحى حجازي، النظرية العامة للالتزام، ج3، مطبعة الفجالة القاهرة، 1954، ص282.
[6]– أنظر د/ جميل الشرقاوي، النظرية العامة للالتزام، الكتاب الثاني، أحكام الالتزام، دار النهضة العربية، القاهرة، 1981، ص244.
[7]– أنظر د/ عبد الحى حجازي، مرجع سابق، ص283.
[8]– أنظر د. أنور سلطان، الموجز في النظرية العامة للالتزام دراسة مقارنة في القانونين المصري واللبناني ، دار النهضة العربية، بيروت، 1983، ص338.
[9]– أنظر د. عبدالرازق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، ج3، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1958، هامش 605.
[10]– أنظر د. عبدالمجيد الحكيم، والدكتور عبد الباقي البكري، والدكتور محمد طه البشير، القانون المدني وأحكام الالتزام، ج2، مؤسسة دار الكتاب، بغداد، 1980، ص233.

