الوعد بالتعاقد

الوعد بالتعاقد

الوعد بالتعاقد يلعب دورًا هامًا ومؤثرًا في الحياة العملية، وذلك لأنه يُقدم مزايا للموعود له، فالموعود له في الوعد بالبيع على سبيل المثال لا ينقصه لقيام عقد البيع إلا إبداء الرغبة خلال المدة المحددة للوعد، وبالتالي يُصبح في وضع يحمي فيه مصالحه، ولا يعرضه لمفاجئات قد تؤدي لخسارته. وهنا سنبين تعريف الوعد بالتعاقد وخصائصه وأركانه.

فعلى سبيل المقال من يرغب في انشاء شركة يحصل بداءة على وعد بيع الأرض له، ثم يُدبر أموره فيما يتعلق باستخراج التراخيص اللازمة، والحصول على الائتمان اللازم، والقيام بدراسات الجدوى الاقتصادية، ومن ثم إذا اكتملت تلك الإجراءات أبدى رغبته في شراء الأرض، وفي حال تنجح مساعيه ودراساته فوت مدة الوعد دون إبداء الرغبة.

ونشير إلى أن الوعد بإبرام عقد هو في ذاته عقد، ويترتب على ذلك وجوب أن تتوافر فيه الأركان الثلاثة التي تقوم عليها العقود في مجموعها، وهي الرضا والمحل والسبب.

جدول المحتويات

تعريف الوعد بالتعاقد :

خصائص الوعد بالتعاقد :

أركان الوعد بالتعاقد :

تعريف الوعد بالتعاقد :

لم يورد المشرع المصري في التقنين المدني القديم تعريفًا للوعد بالتعاقد، حيث إنه لم يتضمن أي نص يشير من قريب أو من بعيد إلى هذا الوعد، بيد أن المشرع المصري في التقنين الجديد نص على تعريف الوعد بالتعاقد في الفقرة الأولى من المادة (101) من القانون المدني بأنه : ” الاتفاق الذي يعد بموجبه كلا المتعاقدين أو أحدهما بإبرام عقد معين في المستقبل “.

كما عرفه غالبية الفقه المصري بأنه عقد يلتزم بمقتضاه أحد الطرفين أو كل منهما نحو الآخر بأن يعقد العقد الموعود به متى أظهر الموعود له رغبته خلال المدة المتفق عليها.

ولم يورد القضاء المصري تعريفًا للوعد بالتعاقد بصفة عامة، وإن كان قد عرف الوعد بالبيع الملزم لجانب واحد باعتباره الصورة الغالبة للوعد بالتعاقد حيث قضى بان : ” الوعد بالبيع الملزم لجانب واحد – وعلى ما بين نص المادة 101 من القانون المدني – عقد بمقتضاه يتعهد صاحب الشيء بأن يبيعه لآخر إذا ما رغب في شرائه.

خصائص الوعد بالتعاقد :

الوعد بالتعاقد له خصائص ذاتيه تميزه عن غيره من النظم القانونية التي قد تختلط به أو تتشابه معه، وسنتطرق إليها فيما يلي :

الوعد بالتعاقد عقد :

لا خلاف في القانون المصري أن الوعد بالتعاقد عقد، ويترتب على ذلك وجوب أن تتوافر له أسس وجوده، أي أركانه، وأركان العقد هي الرضا والمحل والسبب.

فيتعين رضا الواعد والموعود له على الوعد، فالرضا أو التراضي هو قوام العقد وأساسه، فلا وجود للعقد إن لم يتوافر الرضا به، وبعبارة أخرى يقع باطلًا.

ويتعين أن يكون كل من الواعد والموعود له متمتعًا بالأهلية اللازمة لإبرامه، ويجب كذلك أن يكون الرضا سليمًا أي خاليًا من العيوب، والعيوب التقليدية التي تشوب الرضا على نحو ما عرفه الفكر القانوني منذ أمد طويل هي الغلط والتدليس والإكراه إضافة إلى الغبن.

ويشترط أيضًا أن يكون للوعد سبب وأن يكون هذا السبب مشروعًا، وغير مخالف للنظام العام والآداب وإلا كان باطلًا، وعلى ذلك تنص المادة (136) من التقنين المدني المصري بقولها : ” إذا لم يكن للالتزام سبب، أو كان سببه مخالفًا للنظام العام والآداب كان العقد باطلًا “.

ويكفي أن تتوافر مشروعية المحل والسبب وقت العقد النهائي، حتى لو لم تكن متوافره وقت الموعد.

والوعد بالتعاقد باعتباره في ذاته عقدًا يستلزم في لنشوئه توافر إرادتين : إرادة الواعد وإرادة الموعود له. فالوعد بالتعاقد عقد يتم بتلاقي إرادتين إيجاب من الواعد وقبول من الموعود له.

وفي حال إذا رجع الموجب عن إيجابه أو نكل الواعد عن وعده فإن هذا أو ذاك لا يمنع من تمام العقد إذا صدر قبول أو أبديت رغبة في التعاقد في خلال المدة المحددة لذلك، وإذا جاء القبول بعد فوات مدة الإيجاب، أو أبديت الرغبة في التعاقد بعد انتهاء مدة الوعد، فلا ينعقد العقد.

وفي حال أن مات من وجه إليه الإيجاب قبل القبول فرخصة القبول لا تنتقل إلى ورثته، فيمتنع عليهم القبول. وإذا مات الموعود له فإن حقه الذي كسبه من عقد الوعد ينتقل إلى ورثته كلما قلنا، فيستطيع هؤلاء أن يظهروا رغبتهم في التعاقد فيتم العقد الموعود به، وذلك ما لم تكن شخصية الموعود له محل اعتبار.

الوعد بالتعاقد عقد مؤقت :

الوعد بالتعاقد مجرد وسيلة تستهدف الوصول إلى العقد النهائي، فهو عقد يهدف إلى الوصول لعقد آخر مختلف في ذاته، فالوعد بالبيع يستهدف الوصول إلى البيع، ولكنه ليس هو البيع، والبيع بالإيجار يستهدف الوصول إلى الإيجار ، ولكنه ليس هو الإيجار، وفي ذلك تقول محكمة النقض المصرية في النقض المدني رقم 151 لسنة 1977 بأن : ” الوعد بالإيجار ليس بإيجار، بل يدخل في طائفة العقود غير المسماة “.

ونشير إلى أن العقد الابتدائي والعقد النهائي في مجال البيع هما وجهان لعملة واحدة، فهو عقد بيع مجرد من النعت والتخصيص، ولكن اصطلاح ” العقد الابتدائي ” يعني أن العقد في صورته الأولوية، في حين أن اصطلاح ” العقد النهائي ” يعني ذات العقد، ولكن في صورته النهائية.

والبائع في عقد البيع الابتدائي يلتزم بتسليم المبيع وبضمان العيوب الخفية والتعرض والاستحقاق، كما يلتزم كذلك بالعمل على نقل الملكية إلى المشتري، مما يستلزم معه وجووب القيام بكل ما يلزم من جانبه لتمكين المشتري من إجراء التسجيل، والمشتري يلتزم بدفع الثمن والمصروفات وتسلم المبيع.

والآثار السابق عرضها لا تترتب على الوعد بالبيع، حيث يقتصر أثره على تحميل أحد طرفيه، وهو الواعد التزامًا بأن يبرم العقد الموعود به وهو البيع لصالح الطرف الآخر وهو الموعود له، إذا ما ارتضى الموعود له قيامه خلال الميعاد المحدد، وليس عليه من ذلك إلزام، بل الأمر أمره ومتروك لخياره.

والوعد بالتعاقد في نظر القانون المصري هو وسط بين الإيجاب والعقد النهائي، ففي الوعد ببيع أرض مثلًا يتفق كل من الواعد والموعود له على أن يبيع الواعد الأرض إذا أبدى الموعود له رغبته في شرائها خلال مدة معينة، فهذا أكثر من إيجاب ملزم لأنه إيجاب اقترن به القبول من الطرف الآخر، بيد أن لا يزال دون البيع النهائي.

ووفقًا لما هو مقرر في قضاء محكمة النقض المصرية فيشترط لانعقاد الوعد بالبيع اتفاق الواعد والموعد على كافة المسائل الجوهرية للبيع الموعود به حتى يكون السبيل مهيأ لإبرام العقد في المدة المتفق على إبرامه فيها، مما مؤداه أن الوعد بالبيع الملزم لجانب واحد هو عقد لا يد فيه من إيجاب من الواعد وقبول من الموعود له، وبالتالي فهو لا يُعتبر بهذه المثابة مجرد إيجاب من الواعد بل هو أكثر من ذلك لاقترانه بقبول من جانب الموعود له، كما أنه لا يُعتبر في نفس الوقت بيعًا نهائيًا بل يبقى دون ذلك لأن كلا من الإيجاب والقبول فيه لم ينصب على البيع ذاته بل على مجرد الوعد به.

الوعد بالتعاقد عقد ملزم لجانب واحد :

الوعد بالتعاقد هو وعد ملزم لجانب واحد وهو الواعد، والجانب الآخر وهو الموعود له فلا يقع عليه أي التزام، والوعد كما يجئ انفراديًا قد يجئ ثنائيًا دون أن يغير ذلك من كونه عقد ملزم لجانب واحد.

وقد نص المشرع المصري صراحة على أن الوعد بالتعاقد يُمكن أن يجئ انفراديًا أو ثنائيًا حيث نصت الفقرة الأولى من المادة (101) من القانون المدني على أن ” الاتفاق الذي يعد بموجبه كلا المتعاقدين أو أحدهما بإبرام عقد معين في المستقبل لا ينعقد، إلا إذا عينت جميع المسائل الجوهرية للعقد المراد إبرامه والمدة التي يجب إبرامه فيها “.

أركان الوعد بالتعاقد :

سوف نقتصر على بيان الأركان الخاصة بالوعد بالتعاقد حسبما يبين من نص المادة 101/1 من القانون المدني المصري، أما الأركان العامة فنحيل بشأنها إلى النظرية العامة في العقد.

أولًا : الاتفاق على جميع المسائل الجوهرية للعقد الموعود به

يتعين أن يتضمن الوعد إلى جانب طبيعة العقد الموعود بإبرامه، بيعًا كان أم إيجارا كافة المسائل الجوهرية لهذا العقد، وتبرير ذلك أن الوعد بالتعاقد هو خطوة في سبيل العقد النهائي، فوجب أن يكون السبيل مهيأ لإبرام العقد النهائي بمجرد ظهور رغبة الموعود له في الوعد بالتعاقد الملزم لجانب واحد، أو بمجرد ظهور الرغبة في الوعد الملزم لجانبين، وفي هذا يتفق القانون المصري مع الفقه الإسلامي.

أما المسائل غير الجوهرية أو الثانوية فلا يلزم الاتفاق عليها لانعقاد الوعد، وكل ما يلزم بصددها هو ألا يثور بين المتعاقدين خلاف لا يصلان إلى حسمه، أو في الأقل، لا يصلان إلى إرجاء حسمه إلى وقت تال.

وفيما يتعلق بذلك فقد جاء في الحكم رقم (3189) لسنة 2012 لمحكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية ما يلي : ” حيث من شروط الوعد بالتعاقد حتى يكون ملزماً يجب الاتفاق على الأمور والأركان الجوهرية الأمر غير المتوفر في العقد المبرم بين المدعي والمدعى عليه من حيث إعادة النظر في تعديل الراتب الأمر الذي يتعين معه رد ما ورد بهذا السبب”.

ثانيًا : تحديد المدة التي يجب فيها إبرام العقد الموعود به

يتعين أن يتضمن الوعد المدة التي يجب خلالها إظهار الرغبة في التعاقد، فقد أوجب المشرع المصري في المادة 101/1 من التقنين المدني ضرورة تعيين المدة التي يجب خلالها الإعلان عن الرغبة في إبرام العقد الموعود به يستوي بعد ذلك أن نحدد هذه المدة صراحة أو يستدل عليها ضمنيًا من ظرف الحال، إضافة إلى أنه لا يلزم أن يكون تحديد تلك المدة تحديدًا عدديًا، بالأيام أو الأشهر أو السنين مثلًا، وإنما يكفي أن يتضمن الوعد أساس ذلك التحديد طالما كان سليمًا من شأنه أن يمكن قاضي الموضوع من أجرائه على نحو سائغ ومقبول.

وفي حال ما إذا انقضت هذه المدة ولم يظهر الموعود له رغبته في إبرام العقد الموعود به، سقط الوعد بقوة القانون، بغير حاجة من الواعد إلى أن يعذر أو ينبه الموعود له وهو المستفيد.

وفيما يتعلق بالجزاء المترتب على عدم تحديد مدة الوعد، فقد رتب المشرع المصري على عدم تحديد مثل هده المدة عدم انعقاد العقد، أي بطلانه بطلانًا مطلقًا، وبالتالي عدم ترتيبه لأي أثر، وهذا ما نصت عليه المادة 101/1 من التقنين المدني بشكل صريح.

ثالثًا : وجوب اتباع الشكل اللازم لانعقاد العقد الموعود به

إذا كان العقد الموعود عقدًا شكليًا كالرهن الرمسي والهبة والشركة، فإن الشكل الذي يُعتبر ركنًا فيه – ورقية رسمية أو ورقية مكتوبة – تُعتبر أيضًا ركنًا في الوعد بالتعاقد، وقد نص القانون المدني المصري في المادة 101/2 على أنه : ” إذا اشترط القانون لتمام العقد استيفاء شكل معين، فهذا الشكل تجب مراعاته أيضًا في الاتفاق الذي يتضمن الوعد بإبرام هذا العقد”.

وقد أحسن المشرع المصري صنعًا حين أورد هذا النص، وذلك أن الاعتبارات التي قادت المشرع إلى فرض شكل للتصرف هي بذاتها التي توجب عليه أن يكون الوعد به أيضًا في ذات الشكل.

error: Alert: Content is protected !!